أبو إسحاق الحضرمي
07-08-2009, 12:11 PM
نظراً لكثرة العلوم الشرعية وغيرها، قد يشتت بعض الشباب وبعض طلبة العلم ، في أي يقدّم ويحفظ، فبعضهم يرى القرآن أولاً، وآخر يرى الفقه أولاً ويأخذ من القرآن ما يكفيه، وآخر يرى العقيدة حتى تستقيم عقيدته ويحفظ من القرآن ما تصح صلاته، فإني أضع هذا للنقاش بين الإخوان في هذا المنتدى.
وكنتُ قد كتبتُ مقالاً سابقاً حول هذا الموضوع لمدرسي الحلقات القرآنية عندنا بالبلاد أثناء قيامي بالإشراف الفني لحلقات التحفيظ، فهنا أختصره - وسبق أن نشرته ببعض المواقع - :
قد اهتمَّ المسلمون من قديم عهدهم بالقرآن الكريم، وجعلوا حفظه هو أول ما يبدأ به طالب العلم في طريقه في طلب العلم الشرعي، ولذا كان من الواجب على المدرس في الحلقة القرآنية أن يجعل جُلَّ وقت الطلاب مع القرآن الكريم، حفظاً ومراجعةً ومدارسةً ، ولا يزاحم القرآنَ بغيره من العلوم في هذه الحلقات خاصة :
يقول الإمام ابن عبد البر- رحمه الله -: فأول العلم حفظ كتاب الله جلَّ وعزَّ وتفهمه، وكلُّ ما يعين على فهمه فواجب طلبه ) . جامع بيان العلم وفضله 2/ 166..
وقال بدر الدين بن جماعة: يبتدئ أولاً بحفظ كتاب الله عزَّ وجلَّ فيتقنه حفظاً ويجتهد على إتقان تفسيره وسائر علومه، فإنه أصل العلوم وأمها وأهمها ) . تذكرة السامع والمتكلم في آداب العلم والمتعلم صـ167-168، ط: دار المعالي ..
وقال الخطيب البغدادي: ينبغي للطالب أن يبدأ بحفظ كتاب الله عزَّ وجلَّ، إذ كان أجلّ العلوم وأولاها بالسبق والتقديم )الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع 1/ 106 .
وكان من هدي النبي r إذا بعث أحداً إلى قومٍ أن يأمره أن يعلمهم القرآن أولاً، فهذا مصعب بن عمير هو أول من سمّي المقرئ حين بعثه النبي r يعلّم الأوس والخزرج القرآن في العقبة الأولى ) . غاية النهاية في طبقات القراء2/299 .
وعن البراء قال: أول مَن قدِم علينا من أصحاب رسول الله r مصعب بن عمير وابن أم مكتوم، فجعلا يقرئان الناس القرآن ) . الطبقات الكبرى 4/206 .
ولقد كان لمسجد رسول الله r ضجةً بتلاوة القرآن حتى أمرهم بخفض أصواتهم، لئلا يغلّط بعضهم بعضاً . انظر : ( الوسيلة إلى كشف العقيلة في علم الرسم للسخاوي صـ33 ) .
وقريباً منه ما جاء عن عاصم بن كليب عن أبيه قال: سمع علي بن أبي طالب ضجةً في المسجد يقرؤون القرآن ويقرئون، فقال: طوبى لهؤلاء، هؤلاء كانوا أحب الناس إلى رسول الله r) . قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عاصم بن كليب إلا حفص الغاضري تفرد به علي بن يزيد . (المعجم الأوسط 7 /214) .
فهذا كان هدي السلف y في البدء أولاً بكتاب الله، يقول أبو الفضل الرازي: وعلى الحفظ والتحفظ كان الصدر الأول ومن بعدهم ) . فضائل القرآن للرازي صـ50 .
وقال الإمام النووي: وأول ما يبتدئ به حفظ القرآن العزيز فهو أهم العلوم، وكان السلف لا يعلّمون الحديث والفقه إلا لمن يحفظ القرآن ) . مقدمة المجموع شرح المهذب للنووي 1/70 .
و قال الوليد بن مسلم: كنَّا إذا جالسنا الأوزاعي، فرأى فينا حَدَثاً، قال: يا غلام قرأتَ القرآن؟ فإن قال: نعم.قال: اقرأ ( يوصيكم الله في أولادكم )، وإن قال: لا. قال: اذهب تعلَّم القرآن قبل أن تطلب العلم ) . الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع 1/ 108 .
و قال ابن جريج: أتيتُ عطاء وأنا أُريد هذا الشأن، وعنده عبد الله بن عُبيد بن عُمير، فقال لي ابن عمير: قرأتَ القرآن؟ قلتُ: لا.قال: فاذهب فاقرأه ثم أطلب العلم ) . ينظر سير أعلام النبلاء للذهبي 6/327 .
وقال أبو هشام الرفاعي: كان يحيى بن يمان إذا جاءه غلام أمرد استقرأه رأس سبعين من الأعراف، ورأس سبعين من يوسف، وأول الحديث، فإذا قرأه حَدَّثه، وإلا لم يحدّثه ) . الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع 1/ 108 .
وهذا الإمام عبد الرحمن بن أبي حاتم، وهو يحكي قصة أول طلبه للعلم، يقول عن نفسه: لم يدعني أبي أشتغل في الحديث حتى قرأتُ القرآن على الفضل بن شاذان الرازي ثمَّ كتبتُ الحديث ) . سير أعلام النبلاء للذهبي 13/265 .
وقال الميموني: سألتُ أبا عبد الله – يعني الإمام أحمد- : أيهما أحبَّ إليك، أبدأ ابني بالقرآن أو بالحديث ؟ قال: لا، بالقرآن، قلتُ: أُعلّمه كله؟ قال: إلا أن يعسر فتعلّمه منه ) . الآداب الشرعية لابن مفلح 2/33 .ط: مؤسسة الرسالة .
فهذه هي سنة السلف y وهديهم في طلب العلم، البدء أولاً بحفظ القرآن الكريم، ثم العلوم الأخرى، فأين حال كثيرٍ من طلبة العلم في هذا الزمان من حال أولئك السابقين، الذين عرفوا من أين يطلبون العلم، وما أحسن ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما طلب حفظ القرآن فهو مقدَّم على كثير مما تسميه الناس علماً... ) . مجموع الفتاوى 23/54 .
فهذا ما تيسَّر لي كتابته في هذا الموضوع - والله أعلم وأحكم -
كتبه:
أبو إسحاق الحضرمي
وكنتُ قد كتبتُ مقالاً سابقاً حول هذا الموضوع لمدرسي الحلقات القرآنية عندنا بالبلاد أثناء قيامي بالإشراف الفني لحلقات التحفيظ، فهنا أختصره - وسبق أن نشرته ببعض المواقع - :
قد اهتمَّ المسلمون من قديم عهدهم بالقرآن الكريم، وجعلوا حفظه هو أول ما يبدأ به طالب العلم في طريقه في طلب العلم الشرعي، ولذا كان من الواجب على المدرس في الحلقة القرآنية أن يجعل جُلَّ وقت الطلاب مع القرآن الكريم، حفظاً ومراجعةً ومدارسةً ، ولا يزاحم القرآنَ بغيره من العلوم في هذه الحلقات خاصة :
يقول الإمام ابن عبد البر- رحمه الله -: فأول العلم حفظ كتاب الله جلَّ وعزَّ وتفهمه، وكلُّ ما يعين على فهمه فواجب طلبه ) . جامع بيان العلم وفضله 2/ 166..
وقال بدر الدين بن جماعة: يبتدئ أولاً بحفظ كتاب الله عزَّ وجلَّ فيتقنه حفظاً ويجتهد على إتقان تفسيره وسائر علومه، فإنه أصل العلوم وأمها وأهمها ) . تذكرة السامع والمتكلم في آداب العلم والمتعلم صـ167-168، ط: دار المعالي ..
وقال الخطيب البغدادي: ينبغي للطالب أن يبدأ بحفظ كتاب الله عزَّ وجلَّ، إذ كان أجلّ العلوم وأولاها بالسبق والتقديم )الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع 1/ 106 .
وكان من هدي النبي r إذا بعث أحداً إلى قومٍ أن يأمره أن يعلمهم القرآن أولاً، فهذا مصعب بن عمير هو أول من سمّي المقرئ حين بعثه النبي r يعلّم الأوس والخزرج القرآن في العقبة الأولى ) . غاية النهاية في طبقات القراء2/299 .
وعن البراء قال: أول مَن قدِم علينا من أصحاب رسول الله r مصعب بن عمير وابن أم مكتوم، فجعلا يقرئان الناس القرآن ) . الطبقات الكبرى 4/206 .
ولقد كان لمسجد رسول الله r ضجةً بتلاوة القرآن حتى أمرهم بخفض أصواتهم، لئلا يغلّط بعضهم بعضاً . انظر : ( الوسيلة إلى كشف العقيلة في علم الرسم للسخاوي صـ33 ) .
وقريباً منه ما جاء عن عاصم بن كليب عن أبيه قال: سمع علي بن أبي طالب ضجةً في المسجد يقرؤون القرآن ويقرئون، فقال: طوبى لهؤلاء، هؤلاء كانوا أحب الناس إلى رسول الله r) . قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عاصم بن كليب إلا حفص الغاضري تفرد به علي بن يزيد . (المعجم الأوسط 7 /214) .
فهذا كان هدي السلف y في البدء أولاً بكتاب الله، يقول أبو الفضل الرازي: وعلى الحفظ والتحفظ كان الصدر الأول ومن بعدهم ) . فضائل القرآن للرازي صـ50 .
وقال الإمام النووي: وأول ما يبتدئ به حفظ القرآن العزيز فهو أهم العلوم، وكان السلف لا يعلّمون الحديث والفقه إلا لمن يحفظ القرآن ) . مقدمة المجموع شرح المهذب للنووي 1/70 .
و قال الوليد بن مسلم: كنَّا إذا جالسنا الأوزاعي، فرأى فينا حَدَثاً، قال: يا غلام قرأتَ القرآن؟ فإن قال: نعم.قال: اقرأ ( يوصيكم الله في أولادكم )، وإن قال: لا. قال: اذهب تعلَّم القرآن قبل أن تطلب العلم ) . الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع 1/ 108 .
و قال ابن جريج: أتيتُ عطاء وأنا أُريد هذا الشأن، وعنده عبد الله بن عُبيد بن عُمير، فقال لي ابن عمير: قرأتَ القرآن؟ قلتُ: لا.قال: فاذهب فاقرأه ثم أطلب العلم ) . ينظر سير أعلام النبلاء للذهبي 6/327 .
وقال أبو هشام الرفاعي: كان يحيى بن يمان إذا جاءه غلام أمرد استقرأه رأس سبعين من الأعراف، ورأس سبعين من يوسف، وأول الحديث، فإذا قرأه حَدَّثه، وإلا لم يحدّثه ) . الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع 1/ 108 .
وهذا الإمام عبد الرحمن بن أبي حاتم، وهو يحكي قصة أول طلبه للعلم، يقول عن نفسه: لم يدعني أبي أشتغل في الحديث حتى قرأتُ القرآن على الفضل بن شاذان الرازي ثمَّ كتبتُ الحديث ) . سير أعلام النبلاء للذهبي 13/265 .
وقال الميموني: سألتُ أبا عبد الله – يعني الإمام أحمد- : أيهما أحبَّ إليك، أبدأ ابني بالقرآن أو بالحديث ؟ قال: لا، بالقرآن، قلتُ: أُعلّمه كله؟ قال: إلا أن يعسر فتعلّمه منه ) . الآداب الشرعية لابن مفلح 2/33 .ط: مؤسسة الرسالة .
فهذه هي سنة السلف y وهديهم في طلب العلم، البدء أولاً بحفظ القرآن الكريم، ثم العلوم الأخرى، فأين حال كثيرٍ من طلبة العلم في هذا الزمان من حال أولئك السابقين، الذين عرفوا من أين يطلبون العلم، وما أحسن ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما طلب حفظ القرآن فهو مقدَّم على كثير مما تسميه الناس علماً... ) . مجموع الفتاوى 23/54 .
فهذا ما تيسَّر لي كتابته في هذا الموضوع - والله أعلم وأحكم -
كتبه:
أبو إسحاق الحضرمي