أبو زهرة
06-26-2009, 09:08 AM
إِنَّ الْحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ وَ نَسْتَعِينُهُ وَ نَسْتَـغْـفِرُهُ، وَ نَعُـوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْـفُسِنَا وَ مِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهِ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَ مَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ، أَمَّـا بَـعْـدُ:
فهذه وريقات في الوسائل والطرق المقترحة لتحفيز و تحبيب الطلاب للحلقات القرآنية، وعدم الانقطاع عنها، وذلك لما رأيتُه ورآه غيري من تسرب كثير من طلاب حلقات القرآن في المساجد إلى الشوارع وبعضهم إلى الرذيلة - والعياذ بالله – ، فقد يسَّر الله لي أن اجتمعتُ بجمع من مدرسي الحلقات القرآنية التابعة لمنتدى الغيل الثقافي الاجتماعي، ضمن سلسلة لقاءات، وكان هذا اللقاء الأول، وذلك في ليلة الخميس 6/12/1429 هـ، وألقيتُ عليهم هذه الوسائل والطرق من أجل أن نحافظ على أولادنا وطلابنا في هذه الحلقات، فاستحسنها كثيرٌ منهم، فزدتُ عليها بعض الشيء، وقد جمعتُ مادتها من بعض المراجع العلمية، وأكثرها مما خطر في البال مما لامسته عملياً في الحلقات، ومما لاح لي من بعض أحاديث المصطفى وسيرة أصحابه ، وهناك بعض الوسائل والطرق نافعة في هذا الباب قد يراها بعض الإخوان غير ماذكرت، ولكن المقصود مما جمعتُ هو تقريب وجهة النظر في التعامل مع الطلاب في الحلقات القرآنية، والله أعلم، وقد قدَّمتُ بمقدمة مختصرة عن مشروعية هذه الحلقات في عهد السلف، وما جاء من الترغيب فيها، وصلى الله على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وَ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَ بِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ ، أَسْتَغْفِرُكَ وَ أَتُوبُ إِلِيكَ .
مشروعية الحلقة القرآنية
قال ابن منظور: الحلقة كلَّ شيء استدار كحلقة الحديد والفضة والذهب وكذلك هو في الناس )(لسان العرب 3/290)، وتحلَّق القوم إذا جلسوا حلقةً حلقةً (مختار الصحاح صـ150) .
قال المناوي: والحلقة: القوم الذين يجتمعون متدبرين وذلك لاستفادة ما يلقيه ( الشيخ أو مدرس الحلقة ) من العلوم ويبثه من أحكام الشريعة وتعليم الأمة ما ينفعهم في الدارين ) (فتح القدير شرح الجامع الصغير 5/119-120. ما بين القوسين زيادة من عندي .) .
إنَّ الحلقة القرآنية لم تكن وليدة اليوم، بل كانت من عهد النبي ثمَّ بين أصحابه من بعده، إلى يومنا هذا وبيوت الله معمورة بحلقات تحفيظ القرآن، ولهذا يحثُّ النبي على هذه الحلقات كما في حديث أبي هريرة عن النبي قال: وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفَّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده . ( رواه مسلم ) .
وهذا أبو الدرداء أحد تلاميذ محمد بن عبد الله ، وهو الذي سنَّ هذه الحِلَق للقراءة (ينظر سير أعلام النبلاء للذهبي 2/346 )، يقول الإمام الذهبي عنه: وقيل الذين في حلقة إقراء أبي الدرداء كانوا أزيد من ألف رجلٍ، ولكلّ عشرةٍ منهم مُلَقّنٍ، وكان أبو الدرداء يطوف عليهم قائماً، فإذا أحكم الرجلُ منهم، تحوَّل إلى أبي الدرداء – يعني يعرض عليه - )(المصدر السابق 2/353 ) .
فهذه بعض النصوص والآثار الدَّالة على فضل هذه الحلقات، ومشروعيتها من عهد السلف ، وهي مستمرة بحمد الله إلى يومنا تُخرج لنا حملة لكتاب الله تعالى – فلله الحمد والمنة -.
(1) تذكير الطلاب دائماً بفضائل القرآن
تذكير الطلاب بين الفترة والأخرى بالأحاديث الدَّالة على فضل حفظ القرآن الكريم، وفضل دراسته وتدريسه، من أجل أن يزداد ويتقوى الدَّافع لهم نحو حفظ القرآن الكريم، فمن الأحاديث الدَّالة على فضل أهل القرآن: حديث عثمان بن عفَّان يقول النبي خيركم مَن تعلَّم القرآن وعلَّمه (متفق عليه )، وحديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : إِنَّ لِلَّهِ أَهْلِينَ مِنَ النَّاسِ . قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ هُمْ قَالَ: هُمْ أَهْلُ الْقُرْآنِ أَهْلُ اللَّهِ وَخَاصَّتُهُ (رواه أحمد في المسند وابن ماجه وصححه الألباني )، وعن مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ الْقُرَظِي قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا لاَ أَقُولُ الم حَرْفٌ وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلاَمٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ (أخرجه الترمذي، وقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ . وصححه الألباني ( صحيح الجامع برقم 6469 ) )، و عَنْ مُوسَى بْنِ عُلَيٍّ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ وَنَحْنُ فِي الصُّفَّةِ فَقَالَ: أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَغْدُوَ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى بُطْحَانَ أَوْ إِلَى الْعَقِيقِ فَيَأْتِيَ مِنْهُ بِنَاقَتَيْنِ كَوْمَاوَيْنِ فِي غَيْرِ إِثْمٍ وَلاَ قَطْعِ رَحِمٍ . فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ نُحِبُّ ذَلِكَ . قَالَ: أَفَلاَ يَغْدُو أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَيَعْلَمَ أَوْ يَقْرَأَ آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَتَيْنِ وَثَلاَثٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلاَثٍ وَأَرْبَعٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَرْبَعٍ وَمِنْ أَعْدَادِهِنَّ مِنَ الإِبِلِ (رواه مسلم في صحيحه ) . و عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ وَالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْرَانِ (رواه البخاري ومسلم ) .
فهذه بعض الأحاديث وغيرها مما ينبغي لمدرس الحلقة تذكير الطلاب بها بعد الفترة والأخرى فهي مما يثير الدافع ويقويه نحو الاهتمام بالقرآن الكريم والمثابرة على حفظه والاستمرار عليه .
(2) إبراز عناية النبي بأهل القرآن
تذكير الطلاب ببعض النماذج من السلف الذين رفعهم القرآن في الدنيا، وكان لهم قدرهم في قومهم، وكيفية عناية النَّبِيِّ بهم ورفعه من شأنهم، وتأكيد ذلك لهم لعلهم تشحذ هممهم ليكونوا كذلك، فمن ذلك عَمْرِو بْنِ سَلِمَةَ قَالَ: كُنَّا بِمَاءٍ مَمَرَّ النَّاسِ، وَكَانَ يَمُرُّ بِنَا الرُّكْبَانُ فَنَسْأَلُهُمْ مَا لِلنَّاسِ ؟ مَا لِلنَّاسِ ؟ مَا هَذَا الرَّجُلُ ؟ فَيَقُولُونَ: يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ أَوْحَى إِلَيْهِ، أَوْ أَوْحَى اللَّهُ بِكَذَا . فَكُنْتُ أَحْفَظُ ذَلِكَ الْكَلاَمَ، وَكَأَنَّمَا يُغْرَى فِي صَدْرِي، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَلَوَّمُ بِإِسْلاَمِهِمِ الْفَتْحَ، فَيَقُولُونَ: اتْرُكُوهُ وَقَوْمَهُ، فَإِنَّهُ إِنْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ فَهْوَ نَبِيٌّ صَادِقٌ . فَلَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ أَهْلِ الْفَتْحِ بَادَرَ كُلُّ قَوْمٍ بِإِسْلاَمِهِمْ، وَبَدَرَ أَبِي قَوْمِي بِإِسْلاَمِهِمْ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: جِئْتُكُمْ وَاللَّهِ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ حَقًّا فَقَالَ:« صَلُّوا صَلاَةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا ، وَصَلُّوا كَذَا فِي حِينِ كَذَا، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ، فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا » . فَنَظَرُوا فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَكْثَرَ قُرْآنًا مِنِّي، لِمَا كُنْتُ أَتَلَقَّى مِنَ الرُّكْبَانِ، فَقَدَّمُونِي بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، وَأَنَا ابْنُ سِتٍّ أَوْ سَبْعِ ، سِنِينَ وَكَانَتْ عَلَيَّ بُرْدَةٌ، كُنْتُ إِذَا سَجَدْتُ تَقَلَّصَتْ عَنِّي، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْحَيِّ:" أَلاَ تُغَطُّوا عَنَّا اسْتَ قَارِئِكُمْ ". فَاشْتَرَوْا فَقَطَعُوا لِي قَمِيصًا، فَمَا فَرِحْتُ بِشَيْءٍ فَرَحِى بِذَلِكَ الْقَمِيصِ ) (رواه البخاري في صحيحه ) . ومن ذلك ما جاء عَنْ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ أَنَّ نَافِعَ بْنَ عَبْدِ الْحَارِثِ لَقِيَ عُمَرَ بِعُسْفَانَ وَكَانَ عُمَرُ يَسْتَعْمِلُهُ عَلَى مَكَّةَ، فَقَالَ: مَنِ اسْتَعْمَلْتَ عَلَى أَهْلِ الْوَادِي؟ فَقَالَ : ابْنَ أَبْزَى . قَالَ: وَمَنِ ابْنُ أَبْزَى ؟ قَالَ: مَوْلًى مِنْ مَوَالِينَا. قَالَ : فَاسْتَخْلَفْتَ عَلَيْهِمْ مَوْلًى ! قَالَ: إِنَّهُ قَارِئٌ لِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَإِنَّهُ عَالِمٌ بِالْفَرَائِضِ . قَالَ عُمَرُ : أَمَا إِنَّ نَبِيَّكُمْ قَدْ قَالَ : « إِنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ » (رواه مسلم في صحيحه ) .
وعن أبي هريرة قال : بعث رسول الله بعثاً، وهو يسير ثم استقبلهم يسأل كلَّ إنسان منهم: ( ما معك من القرآن ؟ ) حتى أتى أحدثهم سناً، فقال له: ( ما معك من القرآن ؟ ) فقال: كذا وكذا وسورة البقرة، فقال : ( أخرجوا وهو عليكم أمير ) قالوا : يا رسول الله هو أصغرنا سناً . قال: ( إن معه سورة البقرة ) (أخرجه البيهقي في شعب الإيمان 2/553 .).
وعن خارجة بن زيد أنَّ أباه زيداً أخبره: أنه لمَّا قدم النبي المدينة، قال زيد: ذُهب بي إلى النبي فأعجب بي، فقالوا : يا رسول الله هذا غلام من بني النجار معه مما أنزل الله عليك بضع عشرة سورة ) فأعجب ذلك النبي وقال: يا زيد تعلّم لي كتاب يهود فإني والله ما آمن يهود على كتابي قال زيد: فتعلمت كتابهم ما مرت بي خمس عشرة ليلة حتى حذقته وكنت أقرأ له كتبهم إذا كتبوا إليه وأجيب عنه إذا كتب ) (أخرجه الإمام أحمد في المسند، وقال الأرناؤوط: إسناده حسن ) .
فهذه الأخبار وغيرها تحفّز الطلاب على الحفظ والاعتناء بكتاب الله فينبغي تذكيرهم بها كلّما حانت للمدرس الفرصة، وعلى المدرس أن يكون مثل نبيه فيعتني بهم ويريهم هذه الأحاديث واقعاً عملياً بفعله، مع ذكر هذه الأحاديث لهم، لا أن يقتصر على ذكر هذه الأخبار لهم، ومعاملته في الواقع تخالف ذلك .
وللموضوع بقية تأتي - إن شاء الله - في حلقات قادمة
فهذه وريقات في الوسائل والطرق المقترحة لتحفيز و تحبيب الطلاب للحلقات القرآنية، وعدم الانقطاع عنها، وذلك لما رأيتُه ورآه غيري من تسرب كثير من طلاب حلقات القرآن في المساجد إلى الشوارع وبعضهم إلى الرذيلة - والعياذ بالله – ، فقد يسَّر الله لي أن اجتمعتُ بجمع من مدرسي الحلقات القرآنية التابعة لمنتدى الغيل الثقافي الاجتماعي، ضمن سلسلة لقاءات، وكان هذا اللقاء الأول، وذلك في ليلة الخميس 6/12/1429 هـ، وألقيتُ عليهم هذه الوسائل والطرق من أجل أن نحافظ على أولادنا وطلابنا في هذه الحلقات، فاستحسنها كثيرٌ منهم، فزدتُ عليها بعض الشيء، وقد جمعتُ مادتها من بعض المراجع العلمية، وأكثرها مما خطر في البال مما لامسته عملياً في الحلقات، ومما لاح لي من بعض أحاديث المصطفى وسيرة أصحابه ، وهناك بعض الوسائل والطرق نافعة في هذا الباب قد يراها بعض الإخوان غير ماذكرت، ولكن المقصود مما جمعتُ هو تقريب وجهة النظر في التعامل مع الطلاب في الحلقات القرآنية، والله أعلم، وقد قدَّمتُ بمقدمة مختصرة عن مشروعية هذه الحلقات في عهد السلف، وما جاء من الترغيب فيها، وصلى الله على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وَ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَ بِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ ، أَسْتَغْفِرُكَ وَ أَتُوبُ إِلِيكَ .
مشروعية الحلقة القرآنية
قال ابن منظور: الحلقة كلَّ شيء استدار كحلقة الحديد والفضة والذهب وكذلك هو في الناس )(لسان العرب 3/290)، وتحلَّق القوم إذا جلسوا حلقةً حلقةً (مختار الصحاح صـ150) .
قال المناوي: والحلقة: القوم الذين يجتمعون متدبرين وذلك لاستفادة ما يلقيه ( الشيخ أو مدرس الحلقة ) من العلوم ويبثه من أحكام الشريعة وتعليم الأمة ما ينفعهم في الدارين ) (فتح القدير شرح الجامع الصغير 5/119-120. ما بين القوسين زيادة من عندي .) .
إنَّ الحلقة القرآنية لم تكن وليدة اليوم، بل كانت من عهد النبي ثمَّ بين أصحابه من بعده، إلى يومنا هذا وبيوت الله معمورة بحلقات تحفيظ القرآن، ولهذا يحثُّ النبي على هذه الحلقات كما في حديث أبي هريرة عن النبي قال: وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفَّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده . ( رواه مسلم ) .
وهذا أبو الدرداء أحد تلاميذ محمد بن عبد الله ، وهو الذي سنَّ هذه الحِلَق للقراءة (ينظر سير أعلام النبلاء للذهبي 2/346 )، يقول الإمام الذهبي عنه: وقيل الذين في حلقة إقراء أبي الدرداء كانوا أزيد من ألف رجلٍ، ولكلّ عشرةٍ منهم مُلَقّنٍ، وكان أبو الدرداء يطوف عليهم قائماً، فإذا أحكم الرجلُ منهم، تحوَّل إلى أبي الدرداء – يعني يعرض عليه - )(المصدر السابق 2/353 ) .
فهذه بعض النصوص والآثار الدَّالة على فضل هذه الحلقات، ومشروعيتها من عهد السلف ، وهي مستمرة بحمد الله إلى يومنا تُخرج لنا حملة لكتاب الله تعالى – فلله الحمد والمنة -.
(1) تذكير الطلاب دائماً بفضائل القرآن
تذكير الطلاب بين الفترة والأخرى بالأحاديث الدَّالة على فضل حفظ القرآن الكريم، وفضل دراسته وتدريسه، من أجل أن يزداد ويتقوى الدَّافع لهم نحو حفظ القرآن الكريم، فمن الأحاديث الدَّالة على فضل أهل القرآن: حديث عثمان بن عفَّان يقول النبي خيركم مَن تعلَّم القرآن وعلَّمه (متفق عليه )، وحديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : إِنَّ لِلَّهِ أَهْلِينَ مِنَ النَّاسِ . قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ هُمْ قَالَ: هُمْ أَهْلُ الْقُرْآنِ أَهْلُ اللَّهِ وَخَاصَّتُهُ (رواه أحمد في المسند وابن ماجه وصححه الألباني )، وعن مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ الْقُرَظِي قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا لاَ أَقُولُ الم حَرْفٌ وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلاَمٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ (أخرجه الترمذي، وقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ . وصححه الألباني ( صحيح الجامع برقم 6469 ) )، و عَنْ مُوسَى بْنِ عُلَيٍّ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ وَنَحْنُ فِي الصُّفَّةِ فَقَالَ: أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَغْدُوَ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى بُطْحَانَ أَوْ إِلَى الْعَقِيقِ فَيَأْتِيَ مِنْهُ بِنَاقَتَيْنِ كَوْمَاوَيْنِ فِي غَيْرِ إِثْمٍ وَلاَ قَطْعِ رَحِمٍ . فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ نُحِبُّ ذَلِكَ . قَالَ: أَفَلاَ يَغْدُو أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَيَعْلَمَ أَوْ يَقْرَأَ آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَتَيْنِ وَثَلاَثٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلاَثٍ وَأَرْبَعٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَرْبَعٍ وَمِنْ أَعْدَادِهِنَّ مِنَ الإِبِلِ (رواه مسلم في صحيحه ) . و عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ وَالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْرَانِ (رواه البخاري ومسلم ) .
فهذه بعض الأحاديث وغيرها مما ينبغي لمدرس الحلقة تذكير الطلاب بها بعد الفترة والأخرى فهي مما يثير الدافع ويقويه نحو الاهتمام بالقرآن الكريم والمثابرة على حفظه والاستمرار عليه .
(2) إبراز عناية النبي بأهل القرآن
تذكير الطلاب ببعض النماذج من السلف الذين رفعهم القرآن في الدنيا، وكان لهم قدرهم في قومهم، وكيفية عناية النَّبِيِّ بهم ورفعه من شأنهم، وتأكيد ذلك لهم لعلهم تشحذ هممهم ليكونوا كذلك، فمن ذلك عَمْرِو بْنِ سَلِمَةَ قَالَ: كُنَّا بِمَاءٍ مَمَرَّ النَّاسِ، وَكَانَ يَمُرُّ بِنَا الرُّكْبَانُ فَنَسْأَلُهُمْ مَا لِلنَّاسِ ؟ مَا لِلنَّاسِ ؟ مَا هَذَا الرَّجُلُ ؟ فَيَقُولُونَ: يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ أَوْحَى إِلَيْهِ، أَوْ أَوْحَى اللَّهُ بِكَذَا . فَكُنْتُ أَحْفَظُ ذَلِكَ الْكَلاَمَ، وَكَأَنَّمَا يُغْرَى فِي صَدْرِي، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَلَوَّمُ بِإِسْلاَمِهِمِ الْفَتْحَ، فَيَقُولُونَ: اتْرُكُوهُ وَقَوْمَهُ، فَإِنَّهُ إِنْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ فَهْوَ نَبِيٌّ صَادِقٌ . فَلَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ أَهْلِ الْفَتْحِ بَادَرَ كُلُّ قَوْمٍ بِإِسْلاَمِهِمْ، وَبَدَرَ أَبِي قَوْمِي بِإِسْلاَمِهِمْ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: جِئْتُكُمْ وَاللَّهِ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ حَقًّا فَقَالَ:« صَلُّوا صَلاَةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا ، وَصَلُّوا كَذَا فِي حِينِ كَذَا، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ، فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا » . فَنَظَرُوا فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَكْثَرَ قُرْآنًا مِنِّي، لِمَا كُنْتُ أَتَلَقَّى مِنَ الرُّكْبَانِ، فَقَدَّمُونِي بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، وَأَنَا ابْنُ سِتٍّ أَوْ سَبْعِ ، سِنِينَ وَكَانَتْ عَلَيَّ بُرْدَةٌ، كُنْتُ إِذَا سَجَدْتُ تَقَلَّصَتْ عَنِّي، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْحَيِّ:" أَلاَ تُغَطُّوا عَنَّا اسْتَ قَارِئِكُمْ ". فَاشْتَرَوْا فَقَطَعُوا لِي قَمِيصًا، فَمَا فَرِحْتُ بِشَيْءٍ فَرَحِى بِذَلِكَ الْقَمِيصِ ) (رواه البخاري في صحيحه ) . ومن ذلك ما جاء عَنْ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ أَنَّ نَافِعَ بْنَ عَبْدِ الْحَارِثِ لَقِيَ عُمَرَ بِعُسْفَانَ وَكَانَ عُمَرُ يَسْتَعْمِلُهُ عَلَى مَكَّةَ، فَقَالَ: مَنِ اسْتَعْمَلْتَ عَلَى أَهْلِ الْوَادِي؟ فَقَالَ : ابْنَ أَبْزَى . قَالَ: وَمَنِ ابْنُ أَبْزَى ؟ قَالَ: مَوْلًى مِنْ مَوَالِينَا. قَالَ : فَاسْتَخْلَفْتَ عَلَيْهِمْ مَوْلًى ! قَالَ: إِنَّهُ قَارِئٌ لِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَإِنَّهُ عَالِمٌ بِالْفَرَائِضِ . قَالَ عُمَرُ : أَمَا إِنَّ نَبِيَّكُمْ قَدْ قَالَ : « إِنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ » (رواه مسلم في صحيحه ) .
وعن أبي هريرة قال : بعث رسول الله بعثاً، وهو يسير ثم استقبلهم يسأل كلَّ إنسان منهم: ( ما معك من القرآن ؟ ) حتى أتى أحدثهم سناً، فقال له: ( ما معك من القرآن ؟ ) فقال: كذا وكذا وسورة البقرة، فقال : ( أخرجوا وهو عليكم أمير ) قالوا : يا رسول الله هو أصغرنا سناً . قال: ( إن معه سورة البقرة ) (أخرجه البيهقي في شعب الإيمان 2/553 .).
وعن خارجة بن زيد أنَّ أباه زيداً أخبره: أنه لمَّا قدم النبي المدينة، قال زيد: ذُهب بي إلى النبي فأعجب بي، فقالوا : يا رسول الله هذا غلام من بني النجار معه مما أنزل الله عليك بضع عشرة سورة ) فأعجب ذلك النبي وقال: يا زيد تعلّم لي كتاب يهود فإني والله ما آمن يهود على كتابي قال زيد: فتعلمت كتابهم ما مرت بي خمس عشرة ليلة حتى حذقته وكنت أقرأ له كتبهم إذا كتبوا إليه وأجيب عنه إذا كتب ) (أخرجه الإمام أحمد في المسند، وقال الأرناؤوط: إسناده حسن ) .
فهذه الأخبار وغيرها تحفّز الطلاب على الحفظ والاعتناء بكتاب الله فينبغي تذكيرهم بها كلّما حانت للمدرس الفرصة، وعلى المدرس أن يكون مثل نبيه فيعتني بهم ويريهم هذه الأحاديث واقعاً عملياً بفعله، مع ذكر هذه الأحاديث لهم، لا أن يقتصر على ذكر هذه الأخبار لهم، ومعاملته في الواقع تخالف ذلك .
وللموضوع بقية تأتي - إن شاء الله - في حلقات قادمة