الصداعي
12-01-2008, 12:08 AM
حلقت بنا طائرة "الخطوط اليمنية" قبل نزولها بمطار الريان الدولي فوق وادي الشحير ، فلم اعرفه عندما نظرت إليه من نافذة الطائرة ألا بأجزاء جسره المغروس في منتصفه والذي اصبح كالحصباء بعد خلوة من الاشجار التي قذفها السيل الى البحر بعد احداث كارثة حضرموت وسيولها المذمرة ..
وعند نزولي من المطار ومروري بمنطقة الشحير تذكرت صديق لي يسكن بمحاذات واديها المخيف فسألت صاحب السيارة عن مصير هذه البيوت فقال : تقريباً كلها تكسرت ..
بعد يومين من وصولي لمنطقتي "الصداع" قرر الذهاب الى منطقة الشحير لازور هذا الصديق واتحمد له على سلامته وسلامة اهله من هذه الكارثة التي كانت لحارته نصيب الاسد من الذمار بفعل وصول سيل الشحير الهادر الى اطرافها وكان منزل صديقي احد هذه المنازل المتهدمة ..
واثناء تجوالي في حارة صديقي الذي كان برفقتي ليريني اثار الكارثة لفت انتباهي احد الاطفال الذين لا يبدو انه جاوز السنة العاشرة من عمره ، في وجهه الصغير آثار جروح قديمة ملتئمة تشير بكثرة العراك التي خاضها هذا الصبي مع اصحابه ، شعره مغبر وغير مصفف ، ثيابه ممزقة و متسخة كأنه لم يستبدلها منذ ولادته ، لا شيء يشير إلى انه اغتسل في يوم ما .. يقف منتصبا و كأن مسامير تثبته بالأرض ، سألت صديقي عنه قال : انه واحد من الاطفال الذين تهدمت منازلهم بفعل الكارثة ، مع اقترابي منه حدقت بقطع " الكعك " التي يبيعها ، نوعها رديء لا يشتريه سوى الفقراء من امثاله، نظراته عنيدة وشرسة ، فبدا كأنه يخيفني كي يجبرني على الشراء منه .. شعرت بان كل مخزون اصحاب الكارثة من قهر وعذاب واهمال تشعه عيناة الغاضبة الساخطة على وضع الحال .. أعطيته ثمن قطعتين و لم آخذهما ، انفرجت أساريره و أصبحت نظراته وديعة ومسالمة ، كأنه اطمأن إلى قوت يومه ، لقد ابتعت ابتسامته ، ربما أنني أبعدت عنه شبح مجهول كان بانتظاره .. تابعت السير إلى بيت صديقي كي اراه بعد تهدمه ، واذا بي امام طابور طويل من اهالي الحي المتضرر واقفون لاستلام ما جادت به معونات جمعيات اهل الخير ، استأذني صديقي ليقف في الطابور مع ابناء حيه لاستلام حصته من المعونات التي كانوا في ينتظرونها منذ ايام مرت عليهم كالسنين العجاف ، أخذت قدماي بالتململ و النمنمة لطول وقت الوقوف وانا انتظر صديقي ، لم اعد أرى في حياتي شيئا سوى معانات هؤلاء الناس وانا لا زلت في حيرة من امري .. يبدو أنني لم استوعب ما حصل لهؤلاء الناس بين ليلة وضحاها ، ومنظر ذلك الوادي الغريب الذي تركته قبل عدة اشهر وكأنه غابة من غابات الامزون ! .. وجدتني احدث نفسي المثقلة : هل انا في حقيقة ام خيال لهول ماشهدته من مناظر بسيطة لهذه الكارثة ! ..
استلم صديقي المعونة فأدرت ظهري مبتعدا بضع خطوات ، ثم وقفت أحدق بسماء الشحير كي أتأكد إن كانت تعج بالذنوب ، أم هي صافية كالبراءة المقتولة في بيوت جنرالات " مافيا المشاريع الكاذبة " مشاريع المظاهر والمناسبات.. لا اعرف لماذا تثاقلت خطاي أمام الطفل بائع الكعك الذي باغتني بالقول : خذ هاذي الحبتين لأنك دفعت عديها ، قلت له : أنا ما بغيت شي كعك .. قاطعني بتمرد : أنا مش شحات ، أنت بغتني ننقلب من بائع إلى شحات ؟! .. شعرت بأنني أهنته دون ان اقصد ، مددت يدي وأخذت منه قطعتي الكعك الردي و سألته بشغف : هل تروح المدرسة ؟ فقال : لا . خليتها من صف ثانية ابتدائي
سألته : لماذا خليت المدرسة ؟
قال : عشان اشتغل واصرف على اهلي
قلت : و اهلك ليش ما ...
قال مقاطعا : بعضهم مزقول مريض وبعضهم بدون شغل
قلت :هل باتمي طول عمرك تبيع كعك ؟
قال : لا . خلنا نكبر بس وانت باتشوف ايش نسوي
قلت متسائلا : كيف ؟ و ايش باتسوي اذا كبرت ؟
قال : بشتغل صياد بالبحر وبجيب فلوس جم وببني بيت احسن من بيتنا اللي كسره السيل!
قلت : قد قتلك البحر قبل ما تكبر
قال : ماتفرق عند الكبش ذبحوه يوم العيد وألا الجمعة !
شعرت بان كل كلمة من كلماته بمثابة رصاصة تصيب هدفها ، من الأفضل للإنسان أن يرسم مسار حياته مهما كانت وجهتها بدل أن يرسمها له "الآخرين" ومن هم الاخرين في زمنا هذا ؟! . .
حدقت بجسمه الصغير و كأنني أعاينه .. و بدوره ثبت عينيه في وجهي كأنه يبحث عن صديق .. عن يبحث عن صديق وسط اناس اغراب استولوا على مقدرات جيله وجيل ابنائه ومن يدري فربما ابناء ابنائه .. لا اعرف ماذا تقول هذه النظرات الثاقبة الخارقة ، و لكنها بلا ريب متدمره تائه حائرة ضائعة بلا عنوان بلا بر آمن .. تبسمت له والدمعة تتغرغر تحت جفني ، فتركته قبل ان تفضحني دموعي وغادرت امشي بعد ان وعدت صديقي بلا خطى محدثا نفسي وامنيها بتوتر : انه أفضل مني ، لقد رفض النقود .. و يعرف ماذا يريد من الدنيا ..
رأيته بعد مرور عدة ايام وانا ذهب في طريقي الى المكلا قرب سوق الشحير ..
اقتربت منه و سألته : عرفتني . أجاب : لا. شعرت وكأنه يقول لي : من تكون أنت حتى أذكرك .. أنت لست سوى شخص مخدوع يلهث وراء أوهامه .. أنت سراب .
ذكرته بما دار بيننا من حديث في ذاك اليوم .. قال : آه ، عرفتك ..
و ما أن قالها حتى شعرت بان نابليون بونابرت يبتسم في وجهي - وجدت ضالتي - كان يبيع الكعك من نوع آخر ، لكنها رديئة أيضا ..
سألته : ليش ماتبيع شي ثاني ؟ فقال : ما عدني عدي، الناس تحب الشي الرخيص..
سألته : وين تنام بالليل بعدما تكسر بيتكم ؟ أجاب : إما في الخيمة و ألا في المسجد وألا في مدرسة غيث ..
عرضت عليه أن يتقن صنعة ما ؟ فأبدا رغبته بتعلم مكانيكا السيارات .. و فهمت انه يريد هذه الصنعة بالذات كي يتقن صناعة محركات البحر .. صرخت به : أنت ماشي في مخك غير البحر .. فقال : "هم " بغونا نكون كده ؟! ثم تابع : وعشان عيالي الجايين ما يمدون يدهم لهم اذا جاهم السيل مرة ثانية !!!
فعند ذهابي الى المكلا في الصباح مروراً بنفس الطريق المتعثر اراه جالساً على ضفاف وادي الشحير محذقاً في بقية المياه التي خلفها ذلك السيل العظيم الكاشف لحقائق الزيف والخذاع .. وفي المساء ينتصب عند عمود الانارة ليبيع كعكة الردي ..
فهل ياترى سيتحقق حلمه " المشروع " ويصبح صياداً ماهراً يصارع امواج البحار العاتية ليحقق ما لم يحققه والده طول هذه السنين ؟
ودمتم ..
وعند نزولي من المطار ومروري بمنطقة الشحير تذكرت صديق لي يسكن بمحاذات واديها المخيف فسألت صاحب السيارة عن مصير هذه البيوت فقال : تقريباً كلها تكسرت ..
بعد يومين من وصولي لمنطقتي "الصداع" قرر الذهاب الى منطقة الشحير لازور هذا الصديق واتحمد له على سلامته وسلامة اهله من هذه الكارثة التي كانت لحارته نصيب الاسد من الذمار بفعل وصول سيل الشحير الهادر الى اطرافها وكان منزل صديقي احد هذه المنازل المتهدمة ..
واثناء تجوالي في حارة صديقي الذي كان برفقتي ليريني اثار الكارثة لفت انتباهي احد الاطفال الذين لا يبدو انه جاوز السنة العاشرة من عمره ، في وجهه الصغير آثار جروح قديمة ملتئمة تشير بكثرة العراك التي خاضها هذا الصبي مع اصحابه ، شعره مغبر وغير مصفف ، ثيابه ممزقة و متسخة كأنه لم يستبدلها منذ ولادته ، لا شيء يشير إلى انه اغتسل في يوم ما .. يقف منتصبا و كأن مسامير تثبته بالأرض ، سألت صديقي عنه قال : انه واحد من الاطفال الذين تهدمت منازلهم بفعل الكارثة ، مع اقترابي منه حدقت بقطع " الكعك " التي يبيعها ، نوعها رديء لا يشتريه سوى الفقراء من امثاله، نظراته عنيدة وشرسة ، فبدا كأنه يخيفني كي يجبرني على الشراء منه .. شعرت بان كل مخزون اصحاب الكارثة من قهر وعذاب واهمال تشعه عيناة الغاضبة الساخطة على وضع الحال .. أعطيته ثمن قطعتين و لم آخذهما ، انفرجت أساريره و أصبحت نظراته وديعة ومسالمة ، كأنه اطمأن إلى قوت يومه ، لقد ابتعت ابتسامته ، ربما أنني أبعدت عنه شبح مجهول كان بانتظاره .. تابعت السير إلى بيت صديقي كي اراه بعد تهدمه ، واذا بي امام طابور طويل من اهالي الحي المتضرر واقفون لاستلام ما جادت به معونات جمعيات اهل الخير ، استأذني صديقي ليقف في الطابور مع ابناء حيه لاستلام حصته من المعونات التي كانوا في ينتظرونها منذ ايام مرت عليهم كالسنين العجاف ، أخذت قدماي بالتململ و النمنمة لطول وقت الوقوف وانا انتظر صديقي ، لم اعد أرى في حياتي شيئا سوى معانات هؤلاء الناس وانا لا زلت في حيرة من امري .. يبدو أنني لم استوعب ما حصل لهؤلاء الناس بين ليلة وضحاها ، ومنظر ذلك الوادي الغريب الذي تركته قبل عدة اشهر وكأنه غابة من غابات الامزون ! .. وجدتني احدث نفسي المثقلة : هل انا في حقيقة ام خيال لهول ماشهدته من مناظر بسيطة لهذه الكارثة ! ..
استلم صديقي المعونة فأدرت ظهري مبتعدا بضع خطوات ، ثم وقفت أحدق بسماء الشحير كي أتأكد إن كانت تعج بالذنوب ، أم هي صافية كالبراءة المقتولة في بيوت جنرالات " مافيا المشاريع الكاذبة " مشاريع المظاهر والمناسبات.. لا اعرف لماذا تثاقلت خطاي أمام الطفل بائع الكعك الذي باغتني بالقول : خذ هاذي الحبتين لأنك دفعت عديها ، قلت له : أنا ما بغيت شي كعك .. قاطعني بتمرد : أنا مش شحات ، أنت بغتني ننقلب من بائع إلى شحات ؟! .. شعرت بأنني أهنته دون ان اقصد ، مددت يدي وأخذت منه قطعتي الكعك الردي و سألته بشغف : هل تروح المدرسة ؟ فقال : لا . خليتها من صف ثانية ابتدائي
سألته : لماذا خليت المدرسة ؟
قال : عشان اشتغل واصرف على اهلي
قلت : و اهلك ليش ما ...
قال مقاطعا : بعضهم مزقول مريض وبعضهم بدون شغل
قلت :هل باتمي طول عمرك تبيع كعك ؟
قال : لا . خلنا نكبر بس وانت باتشوف ايش نسوي
قلت متسائلا : كيف ؟ و ايش باتسوي اذا كبرت ؟
قال : بشتغل صياد بالبحر وبجيب فلوس جم وببني بيت احسن من بيتنا اللي كسره السيل!
قلت : قد قتلك البحر قبل ما تكبر
قال : ماتفرق عند الكبش ذبحوه يوم العيد وألا الجمعة !
شعرت بان كل كلمة من كلماته بمثابة رصاصة تصيب هدفها ، من الأفضل للإنسان أن يرسم مسار حياته مهما كانت وجهتها بدل أن يرسمها له "الآخرين" ومن هم الاخرين في زمنا هذا ؟! . .
حدقت بجسمه الصغير و كأنني أعاينه .. و بدوره ثبت عينيه في وجهي كأنه يبحث عن صديق .. عن يبحث عن صديق وسط اناس اغراب استولوا على مقدرات جيله وجيل ابنائه ومن يدري فربما ابناء ابنائه .. لا اعرف ماذا تقول هذه النظرات الثاقبة الخارقة ، و لكنها بلا ريب متدمره تائه حائرة ضائعة بلا عنوان بلا بر آمن .. تبسمت له والدمعة تتغرغر تحت جفني ، فتركته قبل ان تفضحني دموعي وغادرت امشي بعد ان وعدت صديقي بلا خطى محدثا نفسي وامنيها بتوتر : انه أفضل مني ، لقد رفض النقود .. و يعرف ماذا يريد من الدنيا ..
رأيته بعد مرور عدة ايام وانا ذهب في طريقي الى المكلا قرب سوق الشحير ..
اقتربت منه و سألته : عرفتني . أجاب : لا. شعرت وكأنه يقول لي : من تكون أنت حتى أذكرك .. أنت لست سوى شخص مخدوع يلهث وراء أوهامه .. أنت سراب .
ذكرته بما دار بيننا من حديث في ذاك اليوم .. قال : آه ، عرفتك ..
و ما أن قالها حتى شعرت بان نابليون بونابرت يبتسم في وجهي - وجدت ضالتي - كان يبيع الكعك من نوع آخر ، لكنها رديئة أيضا ..
سألته : ليش ماتبيع شي ثاني ؟ فقال : ما عدني عدي، الناس تحب الشي الرخيص..
سألته : وين تنام بالليل بعدما تكسر بيتكم ؟ أجاب : إما في الخيمة و ألا في المسجد وألا في مدرسة غيث ..
عرضت عليه أن يتقن صنعة ما ؟ فأبدا رغبته بتعلم مكانيكا السيارات .. و فهمت انه يريد هذه الصنعة بالذات كي يتقن صناعة محركات البحر .. صرخت به : أنت ماشي في مخك غير البحر .. فقال : "هم " بغونا نكون كده ؟! ثم تابع : وعشان عيالي الجايين ما يمدون يدهم لهم اذا جاهم السيل مرة ثانية !!!
فعند ذهابي الى المكلا في الصباح مروراً بنفس الطريق المتعثر اراه جالساً على ضفاف وادي الشحير محذقاً في بقية المياه التي خلفها ذلك السيل العظيم الكاشف لحقائق الزيف والخذاع .. وفي المساء ينتصب عند عمود الانارة ليبيع كعكة الردي ..
فهل ياترى سيتحقق حلمه " المشروع " ويصبح صياداً ماهراً يصارع امواج البحار العاتية ليحقق ما لم يحققه والده طول هذه السنين ؟
ودمتم ..