المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : خطبة رائعة2


عبقور2011
02-14-2011, 05:46 PM
أهمية تطبيق مبدأ الثواب والعقاب (خطبة الجمعة 25 محرم 1432هـ )



الخطبة الأولى :

(الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٌ) [فاطر: 1]، خلق الخلق بعلمه وقدَّر لهم أقدارًا، جعل منهم الكافر والمؤمن، وصوَّرهم فأحسن صورهم وإليه المصير.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، بعثه الله بالحنيفية السمحة، فما ترك خيرًا إلا دلَّ الأمة عليه، ولا شرًّا إلا حذَّرها منه، وجعلنا على المحجَّة البيضاء ليلُها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى أصحابه الغُرِّ الميامين، وعلى التابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله سبحانه، والاعتصام به، والعضِّ بالنواجذ على كتابه وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-، فبهما النجاة من الضلالة، والدليل إلى الهداية، (فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [المائدة: 100].

أيها الناس: في ماضي دنيانا وحاضرها وجودٌ محسوس للشيء ونقيضه، والشيء وضدِّه، والشيء ومثيله، والشيء وخلافه، ولو نظرنا بأنفسنا إلى كثيرٍ مما نعلمه بالحسِّ والمشاهدة والعقل لوجَدنا الخير والشر، والكفر والإيمان، والطاعة والمعصية، والحسن والقبيح، والحلال والحرام، والعدل والظلم، وهلُمَّ جرًّا.

ولو دقَّقنا النظر بتدبُّرٍ وتفكُّر لرأينا أن مردَّ تلكم الأمور السالفة ونحوها راجعٌ إلى أصلٍ عظيمٍ وأُسٍّ أساس لا بد منه لإقرار التوازن، وتحقيق التقابل والتوسُّط المنشود الذي يقف بين الإفراط والتفريط، وبين الغلوِّ والجفاء، ولا تكمُن حقيقة هذا الأصل إلا في مبدأ الثواب والعقاب، نعم، في مبدأ الثواب والعقاب، والغُنْم والغُرْم، الثواب والغُنْم جزاءً لكل زَيْنٍ مما مضى ذكرُه، والعقابُ والغُرْم جزاءً لكل شَيْن مما مضى ذكرُه.

أعني: الثواب بسبب الإيمان والخير والحسن والحلال والعدل والطاعة، ونحو ذلكم، وأعني: العقاب بسبب الكفر والقبيح والحرام والظلم والمعصية، ونحو ذلكم. وإنه لمِن المُسلَّم عقلاً وشرعًا أن ديننا الحنيف وشريعتنا الغرَّاء قد قاما على هذا المبدأ، وعلى جعل العقاب في كل أمرٍ محرمٍ ممنوع، وجعل الثواب في كل واجبٍ ومُستحب، والآيات في هذا المقام كثيرٌة جدًّا؛ فمنها -على سبيل المثال لا الحصر-: قوله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) [فصلت: 46]، وقوله: (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ) [فصلت: 34]، وقوله: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) [يونس: 26]، وقوله: (وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ) [يونس: 27]، وقوله: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ * وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [النمل: 89، 90]، وقوله: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) [الزلزلة: 7، 8].

فإذا كانت هذه الآيات دالَّةً على التفريق والمُغايَرة بين الحسنة والسيئة؛ فإن هناك أيضًا ما يدل على التفريق بين فاعل الحسنة ومُرتكب السيئة، كما قال -سبحانه وتعالى-: (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ) [ص: 28].

كل ذلك فيه دلالةٌ واضحة على دفع الإنسان وحثِّه على الالتزام بكل خيرٍ دعَت إليه شِرعة الإسلام، وتحذيره وزجره عن أن يقع فريسةً لكل شرٍّ نهَتْ عنه.

وما كانت بعثتُه -صلى الله عليه وسلم- وإرساله إلى الناس كافة إلا من هذا الباب؛ فقد قال -صلوات الله وسلامه عليه-: "إنما بُعِثتُ لأُتمِّمَ صالح الأخلاق". رواه أحمد، والبخاري في الأدب المفرد.

وقال -عليه الصلاة والسلام-: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبَى". قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟! قال: "من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبَى". رواه البخاري وغيره.

ومن هنا -عباد الله- فإنه لا يمكن لأي مجتمع مسلم أن يقوم مستقرًّا إلا بتحقيق مبدأ الثواب والعقاب في أوساطه، وعلى كافة أحواله؛ في العبادات والمعاملات والتربية والفكر والأسرة والبيئة والاقتصاد والإعلام والحقوق، على الذكر والأنثى، والشريف والوضيع، والغني والفقير، كما أنه لن يستقر مجتمعٌ انحازَ إلى أحد شطرَي هذا المبدأ، فلن يُفلِح مجتمعٌ لا يعرف إلا الثواب، ولن يسلك إلا مسلك الإرجاء، كما أنه لن ينهض مجتمعٌ لا يعرف إلا العقاب، ولم يسلك إلا طريق التنطُّع والمُشادَّة.

ولأجل هذا -عباد الله- وصف الله أمة الإسلام بأنها الأمة الوسط، وما جعلهم خير أمةٍ أُخرِجت للناس إلا بتحقيقها مبدأ الثواب والعقاب؛ الثواب المُشار إليه بالأمر بالمعروف، والعقاب المُشار إليه بالنهي عن المنكر، كما قال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) [آل عمران: 110]، وهذا هو سر تفضيل هذه الأمة؛ لأنها هي وحدها التي تملك هذا التوازن وتُمسِك به مع الوسط حتى لا يغلبَ طرفٌ طرفًا، ولا يبغي جانبٌ على جانب، ولولا هذا المبدأ لتساوى المُحسِن والمُسيء، والمؤمن والكافر، والعادل والظالم، والصادق والكاذب، والله -جل وعلا- يقول: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ) [غافر: 58].

ألا فاتقوا الله -يا رعاكم الله-، واعلموا أن الله شديد العقاب، وأن الله غفورٌ رحيمٌ، وأن الاستقامة الحقَّة والنجاح والفلاح في قولنا للمُحسِن: أحسنتَ، وقولنا للمُسيء: أسأتَ، دون نفاقٍ أو شقاق؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إذا رأيتَ أمتي لا يقولون للظالم منهم: أنت ظالم؛ فقد تُودِّع منهم". رواه أحمد، والحاكم.

وعلينا ألا نُهمِل الثواب؛ لأن الله -جل وعلا- يقول: (وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ) [الأعراف: 85]، ويقول -صلوات الله وسلامه عليه-: "من صنع إليكم معروفًا فكافِئوه".

وأن لا نغُضَّ الطرف في الوقت نفسه عن العقاب؛ لأن من أَمِنَ العقوبة أساء الأدب، وأن من لم يستحِ فسيصنع ما شاء، والله -جل وعلا- يقول: (أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ) [الأعراف: 99].

فإذا ما عمَّ مبدأ الثواب والعقاب مجتمعًا ما فلن يكون بين ذويه إلا الاتحاد والالتئام، والسِّياجُ الذي لا يُخرَق، والحِرز الذي لا يُنتهَك، (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) [هود: 117]، وما اختلَّ هذا المبدأ في مجتمعٍ ما إلا صار بأسُهم بينهم شديدًا، وعلا بعضُهم على بعض، ويلعن بعضُهم بعضًا، (تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى) [الحشر: 14]، أعِزَّةً على بعضهم، أذِلَّةً على عدوهم، يخفِضون لعدوهم جناح الذلِّ من الرحمة والتبَعيَّة، ويرون الحسن من المخلصين قبيحًا، والجليل حقيرًا، حتى يضمحِلَّ المجتمع، وتتنسَّخ هيبتُه، فيذوب في أمةٍ ليست منه ولا هو منها: (وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ) [القصص: 59].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، قد قلتُ ما قلت، إن صوابًا فمن الله، وإن خطأً فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله إنه كان غفَّارًا.


الخطبة الثانية:

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.

وبعد:

فيا أيها الناس: قد جنَحَ بعضُ ذوي الأفهام المغلوطة فوصفوا الشريعة بأنها مجموعة تعاليم يغلب عليها العقاب والترهيب والتخويف الداعي إلى التنفير، وقد كذِب فهمُهم، وخابَ ظنُّهم؛ حيث لم ينظروا إلا بعينٍ واحدة، ولم يُدرِكوا أن الثواب والعقاب صبغة الله، (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ) [البقرة: 138]، فسخِروا من مبدأ العقاب والترهيب ووصفوه بالغِلظة والشدة والتشنُّج، (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا) [الكهف: 5]، فاتهموا العقوبات في الإسلام، وقدَحوا في الحدود الشرعية، ووصفوها بألسنةٍ حِداد، فذمُّوا القِصاص، وقطع يد السارق، ورجم الزاني الثيِّب، وجلد شارب الخمر، وأرادوا للمجتمعات أن تسير عرجاء برِجلٍ واحدة وهي: الثواب لا غير.

وآخرون غلطوا غلطًا فاحشًا في تطبيق الثواب والعقاب، وذلك من خلال أمورٍ أربعة:

أولها: أنهم وضعوا الثواب في موضع العقاب، وجعلوا جزاء المُخطئ المثوبة كالمُحسِن على حدٍّ سواء، وهذا انحرافٌ مشين، وخروجٌ عن السبيل؛ إذ كيف يُثاب العاصي على معصيته، وكيف يُكرَم المرء على خطئه، فيُقلبُ حسنةً ومنقبة.

وثانيها: أنهم وضعوا الثواب موضع العقاب؛ فجعلوا جزاء المُحسِن الحِرمان، وأنه هو والمُسيء على حدٍّ سواء، والله -جل وعلا- يقول: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [النحل: 76]، وصار البعض ينظر بعين العداوة، ولو أنها عين الرضا لاستحسنوا ما استقبحوه، ويا لله العجب حين تُعدُّ محاسن المرء التي يُدِلُّ بها ذنوبًا؛ فكيف سيعتذر منها؟!

وثالثها: أنهم ميَّزوا بين الناس في الثواب والعقاب؛ فكان للنسب والجاه والمكانة والقرابة تأثيرٌ في ذلك، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إنما أهلكَ من كان قبلكم أنهم إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايْمُ الله! لو أن فاطمة بنت محمدٍ سرقَت لقطعتُ يدها". رواه البخاري ومسلم.

وحال البعض -عباد الله- أن عين الرضا عن كل عيبٍ كليلة، وأصبحت عينُ السُّخط لا تُبدي إلا المساوئ.

ورابع الأمور: الإسراف في المثوبة فوق الاستحقاق، والإسراف في العقوبة فوق ما ينبغي، وما أحسن ما قال معاوية -رضي الله عنه-: "لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي، ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني، فإن لم أجد من السيف بُدًّا ركِبتُه". ولسانُ حاله يقول:

ووضعُ النَّدى في موضع السيف بالعُلا *** مُضِرٌّ كوضع السيف في موضع الندى

ألا فاتقوا الله -عباد الله-، واقدروا هذا المبدأ حق قدره، وإياكم والاستحياء من الأخذ به سرًّا وجهرًا، فما المعرَّة إلا في تركه، أو تطبيقه على استحياءٍ أو تخوُّف، أو الكيل فيه بمكيالَيْن، وماذا بعد الحق إلا الضلال؟!

وإذا لم يُغبِّر حـائطٌ فـي وقـوعـه *** فلـيس لـه بعد الـوقوع غـُبار
ألا إن عين العدل في شكر من كَسَب *** وتوبيخنا العاصي وإن كان ذا نسب
يقولـون: مـن أمسى وأصبح آمـنًا *** عقـوبةَ مـا يجني أساء به الأدب

هذا؛ وصلُّوا -رحمكم الله- على خير البرية، وأزكى البشرية: محمد بن عبد الله صاحب الحوض والشفاعة، فقد أمركم الله بأمرٍ بدأ فيه بنفسه، وثنَّى بملائكته المُسبِّحة بقُدسه، وأيَّه بكم -أيها المؤمنون-، فقال -جل وعلا-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الأحزاب : 56]، وقال -صلوات الله وسلامه عليه-: "من صلَّى عليَّ صلاةً صلَّى الله عليه بها عشرًا".

اللهم صلِّ وسلِّم وزِد وبارِك على عبدك ورسولك محمد، صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارضَ اللهم عن خلفائه الأربعة: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر صحابة نبيك محمد -صلى الله عليه وسلم-، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وجودك وكرمك يا أرحم الراحمين.

اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، واخذُل الشرك والمشركين، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين.

اللهم فرِّج همَّ المهمومين من المسلمين، واشفِ مرضانا ومرضى المسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين.

اللهم وفِّق وليَّ أمرنا لما تحبه وترضاه من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم، اللهم أصلِح له بطانته يا ذا الجلال والإكرام، اللهم ألبِسه الصحة والعافية، واجعلهما عونًا له على طاعتك يا حي يا قيوم.

اللهم آتِ نفوسنا تقواها، وزكِّها أنت خير من زكَّاها، أنت وليُّها ومولاها.

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) [البقرة : 201].

عبقور2011
02-14-2011, 05:50 PM
ننتظر الردود أخواني .................................................. ...............

نمر
02-14-2011, 06:25 PM
http://islamroses.com/zeenah_images/1137114121_3.gif
..............................

فتى الغيل
02-16-2011, 08:08 PM
http://islamroses.com/zeenah_images/1137114121_3.gif

(::محمد أحمد::)
02-17-2011, 07:17 AM
في ميزان حسناتك أخي عبقور وبارك الرحمن فيك

عبقور2011
02-24-2011, 06:12 PM
مشكوووووووووووووووورين اخواني على المروووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووو وووووووووووووور

عبقور2011
02-24-2011, 06:13 PM
العقوبات الإلهية للشعوب والأمم
إنَّ الحمدَ لِله نحمدهُ ونستعينهُ, ونستغفرهُ, ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا, ومن سيِّئاتِ أعمالِنا, منْ يَهدهِ اللهُ فلا مُضلَ لـهُ, ومنْ يُضلل فلا هاديَ لـه . وأشهدُ أنَّ لا إله إلا الله وحدهُ لا شريكَ لـه, وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسوله . (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَـمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ )) ]آل عمران:102[. (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً )) النساء:1[ . (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً )) ]الأحزاب:70-71[ .

أما بعدُ : فإن أصدقَ الحديثِ كتابُ الله, وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ r وشرَّ الأمورِ مـُحدثاتُها, وكلَّ محدثةٍ بدعة, وكلَّ بدعةٍ ضلالة, وكلَّ ضلالةٍ في النار

أما بعد ، أيها المسلمون :

فيقولُ اللهُ تعالى في كتابهِ الكريم : (( وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ * وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ )) [النحل:113..112] .

في هاتين الآيتين الكريمتين يعرضُ القرآنُ الكريم مثلاً مضروباً, مُسَاقاً للعظةِ والعبرة, لقريةٍ من القرى كانت تنعمُ بأمنٍ واستقرار, وطمأنينةٍ ورغدٍ من العيش, يأتيها رزقُها من كل مكان, لا يعرفُ أهلُها الجوعَ والخوف, ولا الفاقةَ والحرمان, فهم في أوجِ لذاتِهم, وغايةِ سعادتهِم, لكنَّ أهلَ القريةِ المغفلين حكاماً ومحكومين, ظنوا أنَّ ذلك بسببِ حسبهِم ونسبهِم, ومكانتهِم عند الله تعالى, وأنهم يستحقون ذلك لفضلهِم وتميزهِم عند الناس, فتجرأَ المغفلون حكاماً ومحكومين, رؤساء ومرؤوسين, تجرءوا على انتهاكِ محارمِ الله, وتجاوزِ حدودهِ سبحانه, مغترينَ بإمهالِ اللهِ لهم, وصبرِه على انحرافهِم وظلمهِم وبغيهِم, فبدلاً من أنْ يشكروا ربهم, ويعترفوا بإحسانِه إليهِم, وتفضلِه عليهِم, ويلتزموا حدودَه ، ويعرفوا حقوقَه. إذا بهم يتنكرون للمنعِم العظيم ويتجرءون في سفهٍ وغرور على العزيزِ الحكيم، الذي يقول: (( يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ)) ويقول : (( وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ)) فماذا كانتْ النتيجة, وما هي النهايةُ والعاقبة بعد ذلك الإمهالِ والصبرِ الجميل ؟! إنَّ القرآنَ الكريم يختصرُ العقوبةَ المدمرة, والنهايةَ الموجعة في كلمتين اثنتين, : (( فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ )).

إذاً فرغدُ العيش, وسعةُ الرزق, يتحولُ في طرفةِ عين, ولمحةِ بصر جوعاً يَذهبُ بالعقول, وتتصدعُ لـه القلوبُ والأكباد, وإذا البطونُ الملأ والأمعاءُ المتخمة, يتضورُ أصحابُها جوعا, ويصطلون حسرةً وحرمانا, وإذا الأمنُ الذي كانوا يفاخرون به الدنيا, وينسونَ في عجبٍ وغرور المتفضلَ به سبحانه, والمنعمَ به جل جلاله, إذا به ينقلبُ رعباً وهلعاً, لا يأمن المرءُ على نفسِه وعرضِه, فضلاً عن مالهِ وملكه. فانتشر المجرمون والقتلة يسفكونَ دماءَ الناس, وينتهكونَ أعراضَهم, ويحوزونَ أموالهَم وحوا صلَهم, وأصبح باطنُ الأرض خيراً من ظاهِرها, في تلك القريةِ البائسةِ المشؤومة, والقرآنُ الكريم حين يعرضُ بوضوحٍ وجلاءٍ مآلَ تلكَ القريةِ الظالمِ أهلُها, ويقررُ أنَّ ما أصابهَم هو بسببِ ما اقترفتُه أيديهِم من التمردِ والجحود, ونكران الجميل, حين يعرضُ القرآنُ ذلكَ كلَّه, فهو إنما يخاطبُنا نحن الحاضرين, ويخاطبُ غيَرنا, حتى يرثَ اللهُ الأرضَ ومن عليها, يحذرُنا أن نقعَ في ذاتِ الخطأ الذي وقعوا فيه, فنؤولُ لذاتِ المآلِ الذي ألوا إليه, ولقد ذاقت هذه الأمة ألوناً من العقوباتِ المدمرةِ التي يشيبُ من هو لهِا الوالدان, ولولا أنَّ الذي سطَّرها في كتبهِم, ونَقلَ لنا أخبارَها في مصنفا تِهم, هم أئمةُ الإسلامِ المحققون, كابن كثير, والذهبي,وغيرهِما.لظننا ذلك ضرباً من الخيالِ والتهويل, فإليكم طرفاً مما حدثَ لهذه الأمة حينَ كفرتْ بأنعمِ الله, واستجابتْ لداعي الهوى والشيطان, لعلنا نتعظ ونعتبر, ونلجأ إلى ربنا إذ لا ملجأ من الله إلا إليه. ذكر ابن الجوزي ـ رحمه الله ـ خبرَ الطاعون الذي أصاب مدينةَ البصرةَ العراقية قال : فمات في اليومِ الأول سبعون ألفا, وفي اليوم الثاني واحد وسبعون ألفا, وفي الثالث ثلاثةٌ وسبعون ألفا, وأصبح الناسُ في اليوم الرابع موتى إلا قليل من آحاد الناس. قال أبو النُفيد:وكان قد أدركَ هذا الطاعون قال : كنَّا نطوفُ بالقبائلِ وندفنُ الموتى, فلما كثروا لم نقوم على الدفن.فكنَّا ندخلُ الدار وقد مات أهلُها, فنسدُ بابهَا عليهم, وفي أحداثِ سنةِ تسعٍ وأربعين وأربعمائة من الهجرة ذكر ابنُ كثيرٍ ـ رحمه الله ـ خبرَ الغلاءِ والجوعِ الذي أصابَ بغداد, بحيث خلتْ أكثرُ الدور, وسُدَّت على أهلِها الأبواب لموتِهم وفناءِهم, وأكلَ الناسُ الجِيفَ والميتةَ من قلةِ الطعام, ووجُد مع امرأةٍ فخذُ كلبٍ قد أخضَّر, وشَوَى رجلٌ صبيةً فأكلَها, وسقطَ طائرٌ ميت فاحتوشته خمسةُ أنفسٍ فاقتسموه, وأكلوه, ووردَ كتابٌ من بخار ى أنَّه ماتَ في يومٍ واحد ثمانيةَ عشرَ ألفَ إنسان, والناسُ يمرون في هذه البلاد, فلا يرون إلا أسواقاً فارغة, وطرقاتٍ خاليةٍ, وأبواباً مغلقةً, وجاء الخبرُ من أذربيجان أنَّه لم يسلمْ من تلك البلاد إلا العددُ اليسير جداً, ووقع وباءٌ بالأهوازِ وما حولها, حتى أطبق على البلاد, وكان أكثرُ سببِ ذلك الجوع, فكان الناسُ يشوونَ الكلاب, ويَنبشونَ القبور, ويشوونَ الموتى ويأكلونهم, وليس للناسِ شغلٌ في الليل والنهار إلا غسلُ الأمواتِ ودفنُهم, وكان يدفنُ في القبرِ الواحد العشرونَ والثلاثون. وذكرَ ابنُ كثيرٍ ـ رحمه الله ـ في أحداثِ سنةِ اثنتين وستين وأربعمائةٍ من الهجرة ما أصابَ بلادَ مصر من الغلاءِ الشديد, والجوعِ العظيم, حتى أكلوا الجيفَ والميتةَ والكلاب, فكان الكلبُ يباع بخمسةِ دنانير, وماتت الفيلة فأكلتْ ميتاتُها, وظُهِرَ على رجلٍ يقتلُ الصبيانَ والنساء, ويدفنُ رؤوسَهم وأطرافَهم, ويبيعُ لحومَهم، فقُتلَ وأُكلَ لحمُه, وكانت الأعراب يقَدَمون بالطعام يبيعونَه في ظاهرِ البلد, لا يتجاسرون على الدخول لئلا يُخطفَ, ويُنهبَ منهم, وكان لا يجسُر أحدٌ أن يدفنَ ميتَه نهاراً, وإنما يدفنُه ليلاً خُفيةً لئلا يُنبشَ قبُره فيؤكل, وفي سنةِ ثلاثٍ وتسعين وخمسمائةٍ من الهجرة, ورد كتابٌ من القاضي الفاضل: إلى ابن الزكي يخبُره فيه أنه في ليلةِ الجمعة التاسعِ من جمادى الآخرة، أتى عارضٌ ـ يعني سحاب ـ فيه ظلما تٌ متكاثفة, وبر وقٌ خاطفة، ورياحٌ عاصفةٌ، فقويَ الجو بها, واشتدَّ هبوبُها, فرجفتْ لها الجدرانُ واصطفقتْ, وتلاقتْ على بعدِها واعتنقتْ,وثار السماء والأرض عجاجا, حتى قيل : إن هذه على هذه قد انطبقت, ولا يحسب إلا أن جهنم قد سال منها وادٍ, وعاد منها عادٍ, وزادَ عصفُ الريح إلى أن أطفأَ سُرجَ النجوم, ومَزَّقت أديَم السماء, فكنا كما قال الله تعالى: (( يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ )) (البقرة: من الآية19) .

ويردونَ أيديهَم على أعينهِم من البوارق, لا عاصمَ لخطفِ الأبصار, ولا ملجأ من الَخطْبِ، إلا معاقلُ الاستغفار, وفرَّ الناس نساءً ورجالاً وأطفالا, ونفروا من دورِهم خفافاً وثقالا لا يستطيعونَ حيلةً ولا يهتدون سبيلا, فاعتصموا بالمساجدِ الجامعة، وأذعنوا للنَّازلة بأعناقٍ خاضعة، وبوجوهٍ عانية، ينظرون من طرفٍ خفي, ويتوقعون أيَّ خطبٍ جلي, قد انقطعتْ عن الحياةِ عُقولُهم, وعميتْ عن النجاةِ طُرُقهم, ووردتْ الأخبار بأنها قد كُسِرت المراكبُ في البحار، والأشجارُ في القفار، وأتلفتْ خلقاً كثيرا ًمن الأسفار, إلى أن قال:ولا يحسبُ أحدٌ أني أرسلتُ القلمَ محرفاً, والعلم مُجوفاً، فالأمرُ أعظم ولكنَّ الله سلم. انتهى كلامه رحمه الله .

أيها المسلمون : إن هذه العقوباتِ المهلكة, والكوارثَ المفجعة, ليست ضرباً من الخيال، وليس فيها شيء من التهويل والمبالغة، فالله يقول : (( وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ )) (هود:102)

لكن الذي نشأ منذُ نعومةِ أظفاره في بحبوحةٍ من العيش, لم يذقْ مرارة َالجوع طرفةَ عين, حريٌ به أن يعجبَ مما سمعَ كلَّ العجب, لكنْ سلوا الآباء والأجداد الذين اصطلوا بنارِ الجوع, ولهيبِ الظمأ دهراً طويلا، وارتعدتْ فرائصهُم وقلوبُهم من قطاعِ الطريق، وعصاباتِ السطو في وضحِ النهار, يتضحُ أنَّه ليسَ في الأمرِ غرابةٌ من قريبٍ أو بعيد, فاعتبروا يا أولي الأبصار.

الخطبة الثانية

أيها المسلمون :

فإن للعقوباتِ أسباباً كثيرةً, ورد ذكرُ بعضهِا في الكتابِ والسنَّةِ، وجامعُها المعاصي والذنوبُ, والتكذيبُ والإعراضُ, فمن أسبابِ العقوباتِ المدمرة, والفواجعِ المهلكة, إقصاءُ الشريعة عن الحكمِ والتشريع, أو تطبيقُها على أضيقِ نطاق, مع المنةِ والأذى, والله يتوعدُ الأمة إن هي فعلتْ ذلك بالخزيِ والنكالِ في الحياةِ الدنيا, ولعذابُ الآخرةِ أشدُ وأبقى, : (( أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)) [البقرة: من الآية85] .

ومن أسبابِ العقوباتِ في الدنيا قبلَ الآخرة, إشاعةُ الفاحشةِ في الذين آمنوا. وفي ذلك يقولُ ربنا جل جلاله : (( إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ )) [النور:19] .

ومن إشاعةِ الفاحشة: الدعوةُ للاختلاط, ونزعِ الحجاب, وعرضُ الفساد والفنِ الرخيص, وبثُ السمومِ والأفكارِ المستوردة, مما لا يتسعُ المقام لسرده وفي الأثر : « وما أعلن قومٌ الفاحشة إلا عمتهم الأوجاعُ, والأسقامُ التي لم تكن في أسلافهم » .

ومن أسبابِ العقوبات: منعُ الزكاة ، تلك التي لو قامَ أثرياءُ المسلمين بأدائها لما وجدتَ بين المسلمين فقيراً, ولا محتاجاً, وأسمع إلى عقوبةِ الأمة حين تبخل بزكاةِ أموالِها, قال عليه الصلاة والسلام : « وما منع قومٌ زكاة أموالهم إلا منعوا القطرَ من السماء ولولا البهائمْ لم يمطروا » .

وقد يستخفُ أقوامٌ بهذه العقوبة, ويستطرفونها, لأنهم اعتادوا تدفقَ المياهِ ووفرتَها في بيوتِهم, لكنهم لو قلبوا النظر يمنةً ويسرة في البلادِ التي أصابَها القحطُ والجفاف, لعلموا أنهم كانوا واهمين, وعن الصراط لناكبين .

ومن أسبابِ العقوبات كذلك: تركُ الأمرِ بالمعروف والنهيِ عن المنكر, والذي بتركهِ تستفحلُ الفاحشة, وتعمُ الرذيلة, ويستطيلُ الشر, وتخربُ البلادُ والعباد, واسمع لعقوبةِ الأمة حين تتخلى عن فريضةِ الأمرِ بالمعروف والنهيِ عن المنكر: ففي المسندِ وغيرهِ من حديثِ حذيفةَ رضي الله عنه قال عليه الصلاة والسلام : « والذي نفسي بيده لتأمرنّ بالمعروف ولتنهون عن المنكر, أو ليبعثن الله عليكم عقابا منه, ثم تدعونه فلا يُستجاب لكم» ([1]) ألا فضّ اللهُ أفواهاً, وأخرس ألسناً تريدُ لهذهِ الفريضةِ أن تموت.

ومن أسبابِ العقوباتِ كذلك: انتشارُ الظُلم في المجتمع, وغيابُ العدلِ فيه,فيأكلُ القويُ الضعيف, وينهبُ الغنيُ الفقير, ويتسلطُ صاحبُ الجاهِ والمكانة على المسالِم المسكين, وحين تسودُ هذه الأخلاقُ الذميمة، والخصالُ المنكرة, ولا تجدُ من يقولُ للظالِم أنتَ ظالم, فقد آن أوانُ العقوبة, واقتربَ أجلُها لو كانوا يفقهون. فعند الترمذي وأبي داود قال عليه الصلاة والسلام : « إن الناسَ إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه, أوشك أن يعمهم الله بعقابٍ منه » ([2]) .

ومن أسبابِ العقوبات: فشو الربا وانتشارُه حيث تعاطاه الكثيرون، وأَلِفه الأكثر ون, وقلَّ له الناكرون, واللهُ يقول : (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ)) [البقرة:279] .

ويقول سبحانه : (( يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ)) [البقرة:276] .

وذهابُ بركةِ المال, ومحقُ عائدهِ ونتاجهِ ملموسٌ مشاهد, يعترفُ به المرابون ضمناً أو تصريحاً, والعالمُ الإسلامي اليوم يعاني الأزماتِ الاقتصاديةِ الخانقة, لتورطهِ بتعاطي الربا, وإعراضِه عن الشرعِ المطهر, واستخفافِه بالوعيدِ الإلهي لأكلةِ الربا, ومدمنيه .

أيها المسلمون: أسبابُ العقوباتِ كثيرةٌ, والموضوعُ متشعبٌ وطويلٌ, لكنْ في الإشارةِ ما يُغني عن العبارة، وما لا يُدرك كلُه، لا يتُرك جُله .

اللهم إنَّا نسألُك إيماناً يُباشرُ قلوبنا، ويقيناً صادقاً، وتوبةً قبلَ الموتِ، وراحةً بعد الموتِ، ونسألُكَ لذةَ النظرِ إلى وجهكَ الكريمِ, والشوقُ إلى لقائِكَ في غيِر ضراءَ مُضرة، ولا فتنةً مضلة،

اللهم زينا بزينةِ الإيمانِ واجعلنا هداةً مهتدين, لا ضاليَن ولا مُضلين, بالمعروف آمرين, وعن المنكر ناهين يا ربَّ العالمين,

----------------------------------------
[1] - رواه الترمذي (2169) .
[2] -رواه الترمذي (2168) من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه .




الدكتور رياض بن محمد المسيميري

عبقور2011
02-24-2011, 06:14 PM
مملكة سبأ
إنَّ الحمدَ لِله نحمدهُ ونستعينهُ, ونستغفرهُ, ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا, ومن سيِّئاتِ أعمالِنا, منْ يَهدهِ اللهُ فلا مُضلَ لـهُ, ومنْ يُضلل فلا هاديَ لـه . وأشهدُ أنَّ لا إله إلا الله وحدهُ لا شريكَ لـه, وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسوله . (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَـمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ )) ]آل عمران:102[. (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً )) ]النساء:1[ . (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً )) ]الأحزاب:70-71[ .

أما بعدُ : فإن أصدقَ الحديثِ كتابُ الله, وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم وشرَّ الأمورِ مـُحدثاتُها, وكلَّ محدثةٍ بدعة, وكلَّ بدعةٍ ضلالة, وكلَّ ضلالةٍ في النار

أما بعد ، أيها المسلمون :

فيقول الله تعالى في كتابه الكريم : (( فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ )) تصف هذه الآيات الكريمات حالَ أقوامٍ من الناس تصدى لهم الوعاظُ والمذكرون والخطباءُ والمصلحون, يعظونهم صباح مساء بأرق المواعظِ وأبلغ الخطبِ, محاولين إعادة التائهيَن في صحراءِ غرورهم إلى واحةِ الإيمان واليقين, فما كان جواب أولئك المترفين إلا مزيداً من العناد والغرور, والاستكبار والنفور, إصراراً على الرذيلة, وإمعاناً في عبادة النفس والهوى .

فماذا تراه كان جزاؤهم؟ أتظنها صاعقة أحالتهم رماداً ؟ أم تظنها صيحةً خلعت قلوبهم في أجوافهم؟ أم تظنها ريحاً صرصراً عاتية جعلتهم أعجاز نخل خاوية ؟!

كلا لم يكن هذا, ولا ذاك بل كان جزاؤهم من نوع آخر لم يكن في الحسبان أبداً, لقد فتح الله عليهم أبواب كل شيء, فبسط لهم في أرزاقهم, واكتظت الثمرات في أسواقهم, تجبى إليهم من كل مكان, ومتعوا بصحةٍ في الأبدان وأمنٍ في الأوطانِ, وأمطرتِ السماءُ عليهم مدراراً, وفجرت الأرضُ من تحتهم ينابيعَ وانهاراً!

وبينا هم فرحون منعمون بما أوتوا من الخير والرزق العميم, قد انحصرت اهتماماتهم في الزينة واللذة والمتاع, واستسلمت نفوسهم للأهواءِ والشهواتِ, وبينا هم كذلك في أوجِّ لذتهم, وغاية نشوتهم, إذا بالعذاب يحل بغتةً, وإذا بالعقوبة تنزل فجأةً, فإذا هم مبلسون, يسكن البومُ ديارهم, وينعق الغرابُ فوق أطلالهم . (( وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ * فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ )) .

وهكذا يمكر الله بجموعِ المعرضين, ويباغتُ بالعقوبةِ جماهير الغافلين, سنة الله التي لا تتغيرُ و لا تتبدل مهما تغيرَ الزمانُ أو تباين المكانُ, ولكن كثيراً من الناس بلقاء ربهم لكافرين!

أيها المسلمون : ويعرض القرآن الكريم أنموذجاً حياً لأمثال أولئك المعرضين المكذبين, ذكرى لمن كان له قلبٌ أو ألقى السمعَ وهو شهيد, إنها مملكة سبأ التي سادت ثم بادت, وأصبحت أثراً بعد عين, قد ذهب سلطانها وهيلمانها, وغدت روايةً وحكايةً تُحكى, فإلى حديثِ القرآن وهو يعرض قصتهم ويسجلُ نهايتهم فاعتبروا يا أولي الأبصار : (( لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ )) .

لقد كانوا في أرضٍ خصبةٍ وثمرةٍ يانعةٍ, جنتان عن يمين وشمال, رمزٌ ناطقٌ بالخضرة والجمال, والرخاءِ والمتاع, قال قتادة -رحمه الله- : « كانت المرأة تمشي تحت الأشجارِ وعلى رأسها مكتل أو زنبيل, فتساقط الثمار فيه من غير حاجة إلى كلفة أو قطاف, لكثرته ونضجه, واستوائه » ا.هـ.

وقد وهبهم الله ذكاءً ودهاءً, فتحكموا في القطرِ النازل من السماء, فبنوا سداً عظيماً عُرف بسد مأرب الشهير!! فكانوا يرتعون فيه, ويسقون ز روعهم ومواشيهم, في نظامٍ متقنٍ بديعٍ, لقد كانت حياتهم حياةُ الرفاهية بكل ما تحمله الكلمات من معانٍ, ولم يكن في بلادهم شيء من البعوضِ أو الهوامِ لاعتدال الهواءِ, وصحةِ المزاج, وعناية الله الفائقة بهم, كلوا من رزق ربكم و اشكروا لـه بلدةٌ طيبةٌ, وربٌ غفور, بلدة طيبة معطاء, آمنةً مطمئنةً رخاء ورب غفورٌ, ودودٌ رؤوف, جوادٌ رحيم, فأي عذر بقي لأولئك يحول بينهم وبين حسـن القصد والعمل ؟!

ترى ماذا كان يضير سبأ لو أطاعوا ربهم, الذي أحاطهم بكل عناية, وشملهم بكل رعايةٍ, فأطعمهم من فوقهم, ومن تحت أرجلهم, بلا حدودٍ ولا حسابٍ, ماذا كان يضيرُ سبأ لو عرفوا للمتين الوهاب حقه, وأدركوا أن ما يتمتعون به من النعيم المقيم, والظل الوارف, والماء المسكوب, هو فضلٌ من الله ومنة ؟!! فلم التجبر والطغيان ؟؟

ماذا كان يضير سبأ لو أدركوا أن ما ينعمون به من رغدِ العيشِ وأمن البلادِ , إنما هو ابتلاء من الله لهم ليعلم – وهو العليم الخبير – أيشكرون أم يكفرون؟ أينسبون الفضل لله أم لأنفسهم الضعيفة ؟؟ (( كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ )) .

فأعرضوا وهنا مَكمَن الخطأ, وبدايةُ النهايةِ , وبوادرَ الكارثةَ, فأعرضوا عن شكر النعمِ, وإجابة المرسلين , ورضوا لأنفسهم بالذِّلةِ والهوان, يوم استبدلوا بعبودية الله عبودية شمس تشرق وتغرب, ويحجب أشعتها ركامٌ يسير من السحاب!

(( فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِـنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِـينٍ *إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ )) (النمل:24,23,22) .

يا لخيبتهم وتعاستهم !! نِعَمٌ تتنزلُ صباح مساء, وعطاءٍ بلا حدود, وفضلٍ بلا قيود ثم يقابل ذلك كله, بتأليهِ شمس مأمورة, لا تنفع ولا تضر.! لعمرك إن هذا لهو الضلال المبين! فاعرضوا فأرسلنا عليهم سيـل العـرم يقتلع أشجارهم, ويُفسدُ ثمارهم, ويقوضُ ديارهم, ويطمسُ زهرة حياتهم.

لقد كان سيلاً مهولاً يحطم كل شيء , ويدمر كل شيء , ويُفسد كل شيءٍ, يحمل في طريقه الصخورُ العاتية, لتحطيم السُد العظيم, فينهمر طوفاناً جارفاً ليضيف إلى المصيبةِ مصيبةً, وإلى النقمة نقمة . (( وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ )) (هود:102) !!(( وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ)) يا سبحان الله ! هكذا في ساعةٍ من نهارٍ, إذا بالجنان الفيح والحدائق الغناء, تنقلب صحراءَ قاحلةً و بلاقع دامرة, لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً!!

وإذ بالثمار الناضجة, والظلال الوارفة, تتحول إلى شوكٍ حادٍ, وأثلٍ يابسٍ وشيءٍ من سدرٍ قليل, فأصبح السدرُ غايةَ ما تجودُ به مزارعهم الخاوية , مع لوعةً في القلب موجعةً, وحسرةً في الصدر كامنةً, ودمعةً في العين حارةً وما أهون الخلق على الخالق حين يعصون أمره !

حين يتجاوزون حدودهم, وتغرهم قوتهم, وتعجبهم كثرتهم, وليت الحالةُ البائسةُ وقفت عند هذا الحد .

كلا فما زالت فيهم بقيةٌ من نعمةٍ تنتظر التدمير والإهلاك . ))وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرىً ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ (( لقد كان طريق سبأ من اليمن إلى الشام طريقاً مأمون الاتجاهات محدود المسافاتِ وعلى جانبي الطريق قرى متلاصقة, لا يكادُ المسافرُ يخرج من قريةِ إلا يدخلُ الأخرى, فلا يحتاج, في الحالة هذه إلى حمل زادٍ أو طعام, ولكن غلبت الشقوةٌ على الأشقياء , (( فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ )) (سـبأ: من الآية 19) , اجعل بين أسفارنا مسافاتٍ بعيدة, ومفاوز شاسعةً حتى نشعر بعناء السفر ومشقته !!

يا للسفه والجنون! ويا للحماقةِ والطيش! أناسٌ هيئ الله لهم قرى متشابكة وطرقاً آمنة, فإذا بهم يتطلبون المسافات البعيدةِ, والقرى النائية .

(( فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَا هُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ )) (سـبأ:19) , فكان لا بد من وضعِ حدٍ لكبرياءَ القومِ وغرورهم, وتجبرهم, وطغيانهم , فقد طفح الكيلُ وبلغ السيلُ الزُّبى, فإذا بالجموع المتماسكة, والبيوتِ المتلاقصة, والأسرُ المتقاربةِ تنفرط سبحتها, وتتمزق وحدتها, وتتقوضُ سلطتها, فجعلناهم أحاديثَ ومزقنا هم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور .

بارك الله لي ولكم .....

الخطبة الثانية

الحمد لله يعطي ويمنع, ويخفض ويضر ويرفع, ألا إلى الله تصير الأمور. أما بعد . أيها المسلمون :

فحين يحدثنا الله من أخبار سبأٍ, ويقصُ علينا من أنبائهم, فحاشا أن يكونَ ذلك بقصد التسليةِ أو شُغل الفراغِ, ولكنه يخاطبنا بخطابٍ مفهومٍ, و كلامٍ معلومٍ , أنه لا فضل لنا على سبأ ولا لسبأ علينا, ولا فرق بيننا وبينهم إلا بالإيمان والتقوى , فالأصل واحد, والأب واحد, والأم واحدة, والله لا يحابي أحداً, فمتى حصلَ الكفرُ والطغيانُ, والبطرُ والأشرُ والعدوان,ُ وظلم الناس فالعقوبةٌ جاهزةً والنقمةٌ حاضرةً, وما ربك بظلامٍ للعبيد .

لقد ختم الله قصة سبأ بقوله : )) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (( .

فما يعي الدروس, ولا يستلهمُ العبَر إلا من اتصف بالصبرِ, والشكر والصبر, والشكرِ ليس كلاماً فارغاً, ولا عبارات جوفاء .

أما الصبر: فهو توطين النفس على طاعة الله, وكفها عن محارمه, وبذل النفس والنفيس لإرضاء الخالق جل جلاله !!

وأما الشكر: فما أكثر ما يظلمهُ الناس, ويسيئون إليه, حين يحسبونه تمتمة باللسان, وحركـة في الشـفاه, دون استشعار لمعناه العظيم, ومفهومه الكبير !

ألا إن الشكر الذي تكفل الله لمن أداهَ على وجههِ المشروع بدوامِ النعم وازديادها, ألا إنه وجدانٌ وشعورٌ قلبي, وعملٌ وسلوكٌ واقعي, وثناءٌ جميلٌ على المتفضل بالإحسانِ جل في علاه, إن الشكر الذي تدوم به النعم ويصنع سياجاً واقياً أمام الكوارثِ والنقمِ , يكون بالعودةِ الصادقةِ إلى الكتاب والسنة, علماً وعملاً وتحاكماً.

وشُكرُ النعم:يكون بنبذ الأمةِ للمذاهب الهدَّامةِ, والنحلِ الضالة والأفكار المسمومة.

وشكرُ النعم: يكون بتطهير الأموالِ من الحرامِ, وتنقية المكاسبِ من الشبهاتِ.

وشُكرُ النعم:يكون بحفظِ الشبابِ من البؤر المشبـوهةِ, والتـوجهات المنحرفة, والولايات الباطلة .

وشكر النعم: يكون بصونِ المرأةِ عن الفتن والميوعة, والتهـتك والخلاعة.

الشكر: مفهومٌ عظيم, ومعنى كبير, ولكن كما قال الله : (( وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ )) , (( وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُ و فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ ))

اللهم إنَّا نسألُك إيماناً يُباشرُ قلوبنا، ويقيناً صادقاً، وتوبةً قبلَ الموتِ، وراحةً بعد الموتِ، ونسألُكَ لذةَ النظرِ إلى وجهكَ الكريمِ, والشوقُ إلى لقائِكَ في غيِر ضراءَ مُضرة، ولا فتنةً مضلة،

اللهم زينا بزينةِ الإيمانِ واجعلنا هداةً مهتدين, لا ضاليَن ولا مُضلين, بالمعروف آمرين, وعن المنكر ناهين يا ربَّ العالمين,





الدكتور رياض بن محمد المسيميري

عبقور2011
02-24-2011, 06:15 PM
النصر الحقيقي
إنَّ الحمدَ لِله نحمدهُ ونستعينهُ , ونستغفرهُ , ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا , ومن سيِّئاتِ أعمالِنا , منْ يَهدهِ اللهُ فلا مُضلَ لـهُ , ومنْ يُضلل فلا هاديَ له .

وأشهدُ أنَّ لا إله إلا الله وحدهُ لا شريكَ لـه, وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسوله .

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَـمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } ]آل عمران:102[ .

{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً } ]النساء:1[ .

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً ! يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً } ]الأحزاب:70-71[ .

أما بعدُ : فإن أصدقَ الحديثِ كتابَ الله , وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم وشرَّ الأمورِ مـُحدثاتُها , وكلَّ محدثةٍ بدعة , وكلَّ بدعةٍ ضلالة , وكلَّ ضلالةٍ في النار .

أما بعد , أيها المسلمون :

فنتيجةً لضعفِ الإيمان بَعد العهدِ بعصرِ النبوةِ , استخفَ كثيرٌ من المسلمين بدينهِم العظيم , وشرعهِم القويم , فاتخذوه هزواً ولعبا , أو طقوساً ودروشة وترتب على ذلك ونتج عنه , أن غفلَ المسلمون عن المهمةِ العظيمةِ , التي تعلقتْ بها رقابهُم , والمسؤوليةِ الضخمة التي شُغلتْ بها ذممهُم , ألا وهي إخراجُ الناس من الظلماتِ إلى النور , ومن جورِ الأديان إلى عدالةِ الإسلام , ومن ضيق الدنيا إلى سعةِ الدنيا والآخرة , ولقد فقهَ أسلافُنا الأولون , تلك المهمةَ بفهمٍ تام , فقاموا بها خيَر قيام , فتركوا من أجلهِا العشيرةَ والوطن , وتخلوا عن المالِ والولد , وحملوا أرواحَهم على أكفهِم , مجاهدين في سبيل الله , باذلين مُهَجهم في سبيلِ إبلاغِ هذا الدين, للبشريةِ المتخبطة في وثنيتهِا وإلحادهِا , والسادرةِ في غيهِا وفجورها , حتى ظهر المسلمون , وتزعموا العالم, وعزلوا الأممَ المتسلطة عن القيادةِ والرياسة , وساروا بالبشريةِ سيراً حثيثا إلى بر الأمان ، بعد أن توفرتْ في المسلمين الصفاتُ التي تؤهلهُم لقيادةِ العالم كله , وتضمنُ سعادتهَ وفلاحَه في ظلِ الإسلام , وتحتَ سلطتِه , فأولُ تلك الصفاتِ: أنهم أصحابُ كتابٍ منزل , وشريعةٍ من السماء , فلا يُقننون من عندِ أنفسهِم , ولا يُشرَّعون بمحضِ عقولهِم , لأنَّ ذلك منبعُ الجهلِ والخطأ , والظلمِ والجور , وثانيا: لأنهم لم يتولوا الحكمَ والإدارة , إلا بعد أن مكثوا زمناً طويلا , تحت يدِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم , وإشرافهِ الدقيق , يُعلمهمُ ويُثقفهُم , ويُزكيهمِ ويُؤدبهُم, ويأخذهُم بالزهدِ والورع , والعفةِ والأمانة , والخشيةِ والإنابة , خلافاً لغالبِ الأممِ والأفراد قديماً وحديثاً , ممن تولى مقاليدَ الأمور , وزمامَ السياسة , دون رصيدٍ يُذكر من تربيةٍ, أو خلقٍ أو ديانة .

وثالثاً : لأن السلف الأولين لم يكونوا خَدمةَ جنسٍ, أو لونٍ, ولا رسلَ شعبٍ أو وطن , يَسعون لرفاهيتِه ومصلحتِه وحدَه , ولم يخرجوا ليؤسِسُوا إمبراطوريةً عربية , ينعمون ويهنأوون في ظلها , ويشمخونَ, ويتكبرون تحتَ حمايتهِا , ولم يخرجوا من ديارهِم أشراً وبطراً, ورئاءَ الناس , وإنما خرجوا لإقامةِ دولةِ الإسلام , وإخراجِ العباد من عبادةِ العباد إلى عبادةِ الله وحده , ولم يكن أسلافُنا ينظرونَ لهذه الحياة كقفصٍ من حديد , فيعادونُه ويكسرونه , كما أنهم في الوقتِ نفسه, لا ينظرون إليها كفرصةٍ من لهوٍ ونعيم لا تعودُ أبدا. فينتهزونها ويهتمون بها , بكل شغفٍ وجنون , فلا يُضيعون ساعةً واحدة دون عربدةٍ أو مجون , لذا كان ظهورُ المدينِة الإسلامية , بروحهِا وأصالتهِا , وقيامُ الدولةِ الإسلامية بشكلهِا ونظامها , فصلاً جديدا في تاريخِ الأديانِ والأخلاق , وظاهرةً عجيبة في عالم ِالسياسةِ, والاجتماع , انقلبَ به تيارُ المدنية رأساً على عقب , واتجهتْ به الدنيا اتجاهاً جديداً , لم يُعهدْ لـه مثيلٌ في تاريخِ الأممِ والشعوب , على مرِّ الدهورِ والأزمان , فكانت المدنيةُ الإسلامية , والفتحُ الإسلاميُ الكبير , منحةً عظيمةً للجاهليةِ المُتخبطةِ , والإنسانيةِ الحيرى , وجدتْ فيها نجاةً وسعادة , وروحاً ومادة , وحياةً وقوة , وديناً ودولة , وحكومة وسياسة , وكان الإسلامُ الضاربُ بجراره فوقَ الأرض, ديناً عظيماً بحق , ومنهجاً قويماً بصدق , كلُهُ حكمةٌ وعدالة , إزاء أوهامٍ وخرافاتْ كانت سائدة , وكله شرعٌ ووحي إزاءَ أقيسةٍ وتجارب , وتشريعاتٍ بشريةٍ هزيلة , كانتْ جاثمةً فوقَ الصدور , وإذا بالجاهليةِ الفاضحة تتحول ببركة الإسلام , إلى مدينةٍ فاضلة , قويةِ البنيان محكمةِ القواعد , يسودُها التقوى والورع , والعفةُ والأمانة , وتَسمو الأخلاقُ والآداب فوقَ المالِ والجاه , والمنصبِ والمكانة , ويتساوى الناسُ , فلا يتفاضلون إلا بالتقوى , ولا يتمايزون إلا بالدين والقيم , ويهتمُ الناس بالآخرة , فتصبح النفوسُ مطمئنة , والقلوبُ خاشعة , ويقلُ التكالبُ على جمعِ الحطام , والتنافسُ من أجلِ السراب , كلُ ذلك وأكثر , تحقق للجاهليةِ حينما تغشّاهَا الإسلام , وحطّمَ عروشَها المتصدعة , وبنيانهَا المهتز , بعد أن كانت مدنيةً صاخبة , مضطربةً متناحرة , يسودُها الظلم , وتعلوهُا الكآبة , ويلفُها البغضُ والكراهية , ويتخللُها الفجورُ والطغيان , والترفُ والمتعةُ الحرام , حتى أصبحت تلك المدنيةُ الزائفة , جحيما لا يطاق , وسعيرا لا ُيحتمل , كما قدم المسلمون للعالم كذلك , حكومةً عاملة , تساوي بين رعاياها , فلا يُقدَّمُ ذو حسبٍ لحسبه , ولا ذو نسبٍ لنسبه , ولا مزيةَ لأسرة من الأسر , ولا لقبيلةٍ من القبائل , ولا لعشيرة من العشائر , فالكل متساوون في الفرص , متعادلون في الحقِ الواجب , والثواب والعقاب , وهي حكومةٌ كذلك , تحرسُ الناسَ في أخلاقهِم وأعراضهم , وقيمهِم ومبادئهِم تماماً , كما تحرسُهم في بيوتهمِ وأموالهِم , ودماءهم وأرواحهم , وذلك كلهُ في مقابلِ حكوماتٍ جاهلية كانت سائدة من قبل , عم فيها الجورُ والعدوان , والشرُ والطغيان , وتواضَع رجالهاُ على الخيانةِ والظلم , والسرقةِ والغلول , ونشرت تلك الحكوماتْ المتسلطة أسبابَ الرذيلة , وهيأتْ سُيل الغواية, وفتنتْ الناسَ عن دينهِم ، وقدمتْ لهم الفجور باسمِ المدنية , وعَرضتْ لهم الفساد باسمِ التقدمية , وإزاء هذا الانقلاب العظيم , الذي أحدثه الإسلام في واقعِ الجاهلياتِ البغيضة , أصبح الناسُ حينذاك , يدخلون في دين الله أفواجا , بكل شوقٍ وقناعة , وإقبالٍ وحماس , وبدون ضغطٍ, أو إكراه , وكان الواحدُ منهم يدخلُ الدينَ الجديد فلا يخسُر شيئاً, ولا يفقدُ شيئاً, بل إنه ليجدُ بردَ اليقين , وحلاوةَ الإيمان , ولذةَ العبودية , ويكتسبُ ثقةً وأمناً, وعزاً ورخاء , وصارت أرضُ الجاهلية تنتقصُ من أطرافها , ودولةُ الإسلام , تزحفُ في كل اتجاه , وظلها يمتد في كل مكان حتى ارتفعت الفتنة , وكان الدين كله لله , وما كان ذلك ليتم , وتلك الأمجاد لتتحقق , لولا أن أسلافنا استجابوا لأمر ربهم , وهو يأمرهم بحمل هذا الدين , وإبلاغه للناس أجمعين , بعز عزيز, أو بذل ذليل , : ]وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ[ [البقرة: من الآية193] , قاتلوهم حتى لا تكون وثنية وهمجية , وظلم وجور , وقاتلوهم حتى لا تكون رذيلة وفاحشة , وفجور وعربدة , فلبى المسلمون النداء , وسطروا ملاحم البطولة والفداء , ورسموا أقواس النصر , بدمائهم ودموعهم وعرقهم , فسل التاريخ عن بدرٍ الكبرى , وكيف خاضها المسلمون , المفارقون لدورهم مسقط الرأس , ومنشأ الوالد والولد , وواجهوا العدو المتفجر غضبا وحنقا , فتركوه أشلاء ممزقة , وجيفا منتنة, في قليب بدرٍ, وسل التاريخ عن واقعة اليرموك الجلل يوم واجه أربعون ألفاً من المسلمين , واجهوا مائتين وأربعين ألفاً من الروم , أي ستة أضعافهم , في واحدةٍ من ملاحم التاريخ, وعجائب الدنيا , فوق أرضٍ مكشوفةٍ , فما وضعتِ الحربُ أوزارها إلا على جماجم الروم الهلكى , ودمائهم النجسة , وهزيمة لا تنسى , وفي القادسية أذاق المسلمون بقيادة سعد رضي الله عنه , أذاقوا الفرس هزيمةً نكراء , ومقتلةً مهولة , لازال المجوس يتجرعون مرارتها حتى اليوم , كل ذلك والمسلمون ثلاثون ألف رجل , في مقابل مائتين وأربعين ألفاً من المجوس والأوباش , وفي حطين أقبل الأوربيون النصارى بجيوش كالجبال , من كل حدبٍ وصوب , وفي نيتهم القضاء على ما تبقى من قلاع الإسلام , واحتلالِ المدينةِ النبوية الشريفة , فخرج إليهم الأسد المعجزة , صلاح الدين - رحمه الله - فكسر شوكتهم , وأباد جيوشهم , وطرد فلولهم , وحُرر بيت المقدس , مسرى رسول صلى الله عليه وسلم في واحدةً من فرائد المعارك , وملحمةً من سو انح التاريخ .

أولئك آبائي فجئني بمثلهم *** إذا جمعتنا يا جرير المجامع

ولو تتبعنا انتصارات المسلمين , وأيامهم العظيمة, وبلائهم في سبيل نصرة هذا الدين , وإبلاغه للناس لعجز القلم , وكلّ اللسان , ولكنها إشارات خاطفة , وبرقيات عاجلة , لأولئك المساكين المخدوعين, بأطروحات الحمقى والمغفلين , الباذلين جهودهم في التضليل والإغواء , وصرف هممهم إلى انتصارات زائفة , و أمجادٍ تافهة , وغايات دنيئة , ومعظمين في نفوس العامة والناشئة , نموراً من ورق , وأسوداً من خشب , إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد .

بارك الله لي ولكم ,

الخطبة الثانية :

فخلاصة ما سمعتم , يتلخص في الأمور التالية :

أولاً : يجب أن ندرك جميعا أنه لا وزن لنا, ولا قيمة في هذا الوجود إلا حين نتمسك بالإسلام , ونراجع ديننا الذي هو عصمة أمرنا , وسر فلاحنا , كما يجبُ أن ندركَ أننا لن ننتزع احترام العالم, ونحظى بتقديره, واحترامه , إلا بالإسلام الذي يهابونه, ويحسبون لـه ألف حساب , كما لا يمكن أن نسترد اعتبارنا وكرامتنا , إلا بالإسلام , وبالإسلام فقط , فلتسقط كل الشعارات الزائفة , والأطروحات التافهة , من قوميةٍ ووطنيةٍ , واشتراكيةٍ, وديمقراطيةٍ , وإبليسيةٍ, وشيطانية .

ثانياً : يجب أن نعي نحن المسلمين , أننا أصحاب رسالة , يجب إبلاغها للناس , وأصحاب دينٍ يجب عرضه نقياً بلا شوائب , صافياً من غير كدر , ناصعاً من غير تشويه , نعرضُ هذا الدين بأصالته وشموله , غضا كما أُنزل , نعرضه قرآناً وسنة , وتاريخاً وسيرةً , لا رقصاً ولعباً , وأهازيج وطبولا , حينها لا نشك من إقبال الناس عليه, ودخولهم فيه , واحتفالهم به .

ثالثاً : يجب أن تُربى الأجيال على حب الإسلام , وفدائه بالروح والمال والولد , وأن يوصلَ الناسُ بتاريخهم , وبطولات أجدادهم وأسلافهم , حتى يتشبهوا بهم , ويقتدوا بسيرهم , وأن يعتقد المسلمون جازمين , أنهم متى ما أقاموا دولة الإسلام في قلوبهم , قامت دولة الإسلام فوق أرضهم وأرض خصومهم , تحقيقاً لنبوءة محمد صلى الله عليه وسلم : « إن الله زوى لي الأرض , فرأيت مشارقها ومغاربها , وإن مُلك أمتي سيبلغ ما زوى لي منها »}[1][2]{ , وقوله كذلك : « ولا يترك الله بيتَ وبر ولا مدر إلا أدخله الله الإسلام ، بعز عزيز , أو بذل ذليل عزاً يعز الله به الإسلام , وذلاً يذل الله به الكفر»}[2][3]{ .

رابعا : يجب أن نعي نحن المسلمين بإدراكٍ تام, أن البطولات الحقيقة التي يحق لنا أن نفخر بها, ونحي ذكراها في النفوس , ونلوحُ للعالم بها, وأننا قادرون على تسطير أمثالها , هي تلك البطولات التي حققها أسلافنا الأولون في بدرٍ وخيبر , والقادسية, واليرموك , وجلولاء, وحطين , وأما ما عداها من البطولات , أوهامٌ لا معنى لها , وسرابٌ لا حقيقة لـه , لا تبني مجداً, ولا تسترد عزا , وها أنت ترى دمائنا مهدرة , وأعراضنا مستباحة , ومقداستنا ممتهنة , وعدونا يلوحُ بعصاه الغليظة فوق رؤوسنا , دون أن نجرؤ على تغيير واقعنا الُمر , ومصابنا الجلل , وغايةُ ما نفعله هو التباكي على عتبات هيئة الأمم , ومجلس الأمن المزعوم , والذي ما هو إلا ضحكٌ على الذقون , وسخريةً بالمسلمين , وإن ننسى فلا ننسى يوم سئلت رئيسة الوزارة البريطانية قبل سنوات حين جيشت الجيوش , وحركت الأساطيلَ لحرب الأرجنتين واغتصاب جُزْر الفوكلاند من أهلها الأصليين , مرة أخرى , فقيل لها : ما الذي يمنعك من حل المشكلة بطرق سلمية , عبر مجلس الأمن ؟ فأجابت على الفور : إن مجلس الأمن ما وضع إلا من أجل العرب !! ولقد صدقت وهي كذوب , إلا إن العالم لا يفهم إلا لغة القوة, ولا يحترم إلا الأقوياء .

أجل أيها المؤمنون: كل الدروب مسدودةً سوى درب القوة , ودرب الجهاد , كل الصرخات ليس لها صدى في أودية العالم الجديد, سوى صيحات الجهاد , صيحات التكبير , كل الرايات سرابٌ إلا رايةُ الجهاد , الجهاد هو الحل , وهو السبيل ولا سبيل سواه , شهدت بذلك الآيات الصريحة , والأحاديث الصحيحة , ونطق به التاريخ المجيد , والجهاد درب طويل , العلماءُ المخلصون قياداته , والدعاة الناصحون حداته , والأبطال المقاتلون ثمرته , في قولـه تعالى : ] لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [ [الحديد:25] .

اللهم إنا نسألك إيمانا يباشر قلوبنا ,




الدكتور رياض بن محمد المسيميري

عبقور2011
02-24-2011, 06:17 PM
مجازر النصارى ضد المسلمين
إنَّ الحمدَ لِله نحمدهُ ونستعينهُ, ونستغفرهُ, ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا, ومن سيِّئاتِ أعمالِنا, منْ يَهدهِ اللهُ فلا مُضلَ لـهُ, ومنْ يُضلل فلا هاديَ لـه . وأشهدُ أنَّ لا إله إلا الله وحدهُ لا شريكَ لـه, وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسوله . ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَـمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [ ]آل عمران:102[. ] يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ( ]النساء:1[ .] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [ ]الأحزاب:70-71[ .

أما بعدُ : فإن أصدقَ الحديثِ كتابُ الله, وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ r وشرَّ الأمورِ مـُحدثاتُها, وكلَّ محدثةٍ بدعة, وكلَّ بدعةٍ ضلالة, وكلَّ ضلالةٍ في النار

أما بعد ، أيها المسلمون : فلسنا ندري إن كان المسلمون قد وصلوا إلى قناعة كافية, يدرجون من خلالها النصارى الصليبيين ضمن أعدائهم الأبديين, أ لا زالوا يشكون في هذه الحقيقة التاريخية الخالدة, الباقية على مر الأزمان و الدهور, لسنا ندري إن كانت مجازر النصارى على أرض البوسنة المسلمة, بدعم و تأييد نصارى الشرق و الغرب, لسنا ندري إن كانت هذه المجازر كافية لتقويم التوجهات, و تصحيح الولاءات, أو لازلنا بحاجة إلى مجازر أشد ضراوةً, و أعظم نكايةً, و أكثر بأساً, هل عرف المسلمون الآن, مقدار الحقد الصليبي النصراني المتراكم عبر السنين, و أدركوا مساحة البغض و الكراهية المتجذرة, في قلوب أولئك الوحوش الغزاة, و التي لا يمكن اقتلاعها, أو إماتتها مهما انقضت الأيام, و تقادمت الدهور, هل أدرك المسلمون أن نصارى العالم كلهم يداً واحدة, و كتلة مجتمعة, و بأسٍ شديد ضد كل ما يمت إلى الإسلام بصلة ؟ هل أدرك المسلمون أن الحرب القائمة اليوم هناك لا يشنها الصرب وحدهم, و إنما يشنها نصارى العالم كلهم, شر قيهم وغربيهم ؟ وان كل ما نسمعه من الجعجعة و الضجيج, لا يعدو كونه زوبعة في فنجان, و رماداً في العيون, و ضحكاً على الذقون ؟و هل يمكن لعاقلٍ موحدٍ يؤمن بالله و اليوم الآخر, يقرأ القرآن و يفقه السنة. هل يمكن أن يصدق ما يثيره الغرب النصراني الحاقد من الوعيد الفارغ, و التهديد الأجوف بضرب بني ملتهم, و إخوان جلدتهم الصرب؟ من أجل سواد عيون المسلمين ؟ هل يمكن لعاقلٍ موحدٍ أن يصدق شيئا من ذلك, و قد علم يقيناً كيف يحرم أولئك النصارى الحاقدون يحرمون المسلمين من حق الدفاع عن أنفسهم, و يمنعون عنهم السلاح الضروري, لصد المعتدي الحاقد, بينما تشرع الأبواب, و تفتح المخازن, أمام تدفق أشرس العتاد الحربي للصرب النصارى, ثم أي سذاجة بعد ذلك, أن يتباكى أقوام أمام ما يسمى بمجلس الأمن, و هيئة الأمم الكافرة, طلباً للنصرة و استجداءً للرحمة ؟ و هل سقطت قلاع المسلمين؟و هل استبيحت مقدسا تهم؟ و هل أريقت دماؤهم, إلا بمباركة مجلس الأمن و هيئة الأمم ؟ و هل حدثت النكسة الأخيرة, و سقط ما يسمى بالجيوب الآمنة, إلا بتواطؤ مكشوف من هيئة الأمم و مجرميها ؟ و قد اعترفت الصحافة الغربية النصرانية ذاتها بكل ذلك, بالأدلة و البراهين الواضحة, ألا إن الذي ينتظر من مجلس الأمن أو هيئة الأمم, أو حلف الأطلسي, أو غيرها من الهيئات و الأحلاف نصرة المسلمين, أو التعاطف مع قضاياهم, ألا إنه جاهل غبي لم يقرأ القرآن, و لم يفقه السنة, يعاني أمية ناضجة في معلوماته التاريخية, و يشكو ثقافة ضحلة, في إدراك طبيعة الصراع بين الإسلام و النصرانية, و كيف ينتظر أقوام, و يتوسل آخرون بهيئة الأمم كي تضرب النصارى الصرب, و قد علموا أن الذي أنشأ هيئة الأمم هم النصارى أنفسهم, و أن الذي يديرها هم النصارى, و أن الذي يصدر قراراتها هم النصارى, فكيف يمكن لهيئة نصرانية أن تضري طائفة نصرانية, لعمرك إن هذا لهو الضلال المبين.أيها المسلمون: إن الذي يظن أن الحرب الدائرة اليوم بين المسلمين و الصرب النصارى, هي من أجل مساحة من الأرض, أو كتلة من التراب, أو حيزاً من الفضاء, إنما يعيش في وهمٍ كبير, و يدور في أفق ضيق, فالحرب الدائرة هناك و عن تظاهر النصارى بغير ذلك, إنما هي حرب عقيدة, حرب بين الإسلام و النصرانية, حرب بين التوحيد و التثليث, حرب بين المسجد و الكنيسة, حرب بين الإيمان و الكفر, و الحق و الباطل, و نصارى العالم لا يعانون من ضيقاً في أراضيهم, و لا يشكون نقصاً في سعة أقاليمهم, و لكن الحرب حرب عقيدة, شئنا أم أبينا, فهل نعي ذلك, أم نظل في غفلة إلى يوم يبعثون .

أيها المسلمون : من الخطأ البين, و الظلم الكبير, أن يظن أقوام أن المجازر الأخيرة, هي الجريمةُ الوحيدةُ التي ارتكبها النصارى ضد المسلمين, و أن الجرح النازف على أيديهم هناك, هو الذنب الوحيد الذي اقترفوه بحقنا نحن المسلمين, أو يظن أن تاريخ العداء, و مسلسل البغضاء يبدأ من قبل ثلاث سنين, هي عمر الحرب الدائرة هناك, أو يظن أن حجم المؤامرات النصرانية الصليبية, يمكن حصره في دعمهم لإخوانهم الصرب حمية و عصبية, و لو أنصف أولئك الواهمون, لعلموا أن جرائم و مجازر النصارى الأخيرة لا تعد شيئاً في تاريخهم الأسود الملطخ بالدماء, و أن كيدهم و مؤامراتهم ضد المسلمين خاصة, ضاربة في أعماق الزمن, لا تزيدها الأيام إلا شدة و اضطراماً, أليس النصارى هم الذين شنوا الحملات الصليبية ضد بلاد المسلمين طيلة مائتي عام؟ و جندوا ملايين الوحوش من الجنود الهمج, و في بالهم تدمير الكيان الإسلامي بأسره, و سحق المسلمين تقتلاً و تشريداً, حتى قال قائلهم بكل صلافة وتبجح, أعتقد أن من الواجب إبادة خمس المسلمين, و الحكم على الباقي بالأشغال الشاقة, و تدمير الكعبة, ووضع قبر محمد و جثته في متحف اللوفر, أليس من كيد النصارى و عدائهم المستميت للأمة المسلمة, حيث فشلت حملاتهم العسكرية, أليس من كيدهم و مكرهم مخططاتهم المسوقة في غزو المسلمين فكرياً, و ثقافياً, و تجنيد الآلاف من المبشرين, و جيوش المنصرين, و فلول المستشرقين لتدمير العقائد و إفساد الأخلاق, و القضاء على الإسلام في نفوس أبنائه, ودون إشهار السلاح و لو مؤقتاً على الأقل, أليس من كيد النصارى و أحقادهم المتتابعة, احتلالهم للبلاد الإسلامية, عبر ما يسمونه بالاستعمار, و استيلائهم من خلاله على ثروات المسلمين و خيرا تهم, حتى إذا خرجوا بعد ذلك, إذا بهم يخرجون و قد تركوا البلاد أطلالاً, ينعق بها البوم, و يستجدي أهلها الفُتات, ألم يكن من أولى مهام النصارى إبان احتلالهم لبلاد المسلمين, تنحية الشريعة عن الحكم, و عبثهم بمناهج التعليم, و إفسادهم للإعلام, و توجيهه وجهة العلمنة و الزندقة, ثم ترى من الذي وعد بإنشاء وطن قومي لليهود, على أرض الإسلام ثم سلم مفاتيح الأرض المباركة, على طبق من ذهب لأولئك الأوباش اليهود, أليس هم النصارى ؟ ترى من الذي يبارك جرائم اليهود طيلة خمس و أربعين سنة, و يرعى مذابحهم في دير يأسين و صبرا و شاتيلا, و المسجد الأقصى, أليسوا هم النصارى ؟ترى من الذي يشعل الفتن بين البلدان الإسلامية المتجاورة, ليقف في الظل شامتاً متندراً, أليسوا هم النصارى ؟ ترى من يدعم الأقليات النصرانية, في بلاد المسلمين, و يمدها بالسلاح و الخبراء لإنشاء قوميات مستقلة, و يثير الفتن من أجل ذلك القلاقل, أليسوا هم النصارى على حساب الأكثرية المسلمة ؟ أليسوا هم النصارى ترى من الذي يغض الطرف عن جرائم الهندوس, و البوذيين و غيرهم في كشمير و بورما, و القلبين, و هم الذين يملئون الدنيا ضجيجاً, منددين بالإرهاب, و محذرين من الإرهاب, و ذارفين دموع التماسيح من وحشية الإرهاب, أليسوا هم النصارى ؟ ترى من الذي يملأ الدنيا ضجيجاً حين يأسر, أو يقتل أحد كلابهم هنا أو هناك, بينما هو يفجر أو يسكر, و يعربد و يضحك, ملأ شدقيه حين تكون الضحية مسلماً موحداً, أليسوا هم النصارى ؟ ترى من الذي بلغت به الوقاحة, و الخسة و النذالة, أن جعل من أرض الصومال المسلمة مقبرة لمخلفات مصانعه النووية, و الذرية, لتكون أرض الصومال مرتعاً للأوبئة القاتلة, و مقراً للتلوث المدمر , أليسوا النصارى ؟

أيها المسلمون: و لو ظللنا الدهر كله نكتب, و نتحدث عن جرائم و أحقاد النصارى تجاهنا, لنفذ المداد, و جف القلم, و كل البيان, و لم نأتي على بعض شنائعهم, و مع ذلك أيها المسلمون: فإن كل ذلك الكيد, و كل تلك الأحقاد, سيبطلها الله جل جلاله, و يجعلها في نحورهم, لو تأملنا و عملنا بموجب آيةٍ واحدة من كتاب الله تعالى يقول الله فيها : ]وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئا [ (آل عمران: من الآية120) ألا إن النصر و التقوى, لا يكون بالشجب و الاستنكار, و استدعاء نخوة المجتمع الدولي, لتحمل مسؤولياته الأدبية, كلا عن الصبر و التقوى, يكون حين نعيد لكتاب الله هيبته و مكانته, و ننقله من الأدراج و الرفوف, إلى مجالس الحكم, و ساحات القضاء, فلا دساتير وضعية, ولا قوانين مستوردة, من الصبر و التقوى أن تتبوأ سنة النبي صلى الله عليه و سلم مكانها الطبيعي, في التشريع الإسلامي, فلا كتاب أخضر و لا أصفر, و لكن قال و أخبرنا و حدثنا الرسول صلى الله عليه و سلم , أن من الصبر و التقوى, أن تقوم عقيدة الولاء و البراء في النفوس, فنوالي أولياء الله, و نحبهم و نجلهم, و ندافع عنهم, و نعرف حقهم, و نبرأ من أعداء الله, و على رأسهم اليهود و النصارى, فلا نناصرهم ولا نناظرهم, و لا ندعمهم ولا نأتمنهم على عورات المسلمين, ولا نطلعهم على أسرارهم و لا نجلهم, و لا نحبهم و لا نبش في وجوههم, و لا تنشبه بهم, بل نظهر لهم الكراهية و البغضاء, و نصرخ في وجوههم, إنا براء منكم و مما تعبدون من دون الله, كفرنا بكم, و بدا بيننا و بينكم العداوة و البغضاء أبداً, حتى تؤمنوا بالله وحده.

أيها المسلمون: إن من الصبر و التقوى, أن يراجع المسلمون كافة أوضاعهم السياسية, و الاجتماعية و التربوية, و الاقتصادية, و يعيد صياغتها وفق منهج القرآن و السنة, و يعترفوا بذلك الركام, و الكم الهائل من الأخطاء و المخالفات الشرعية, ثم تتخذ الخطوات الجادة نحو تصحيح المسار, و إعادة الأمور إلى نصابها, كما أن من الصبر و التقوى إعداد العدة, و تربية الأمة شيباً و شباباً, رجالاً و نساءً, على الشجاعة و البطولة, و إعلان الجهاد كحل لا مفر منه, لمواجهة صلف النصارى ووحشيتهم, و تجريح كبريائهم بالتراب, حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون, و ليس ذلك على الله بعزيز, متى صدقت النوايا و صلحت القلوب, و ما هزيمة الروس في أفغانستان عنا ببعيد.

بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم ونفعني وأيا كم بالذكر الحكيم .واستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم

الخطبة الثانية :

الحمد لله يعطي ويمنع, ويخفض ويرفع, ويضر وينفع, ألا إلى الله تصيرُ الأمور. وأصلي وأسلم على الرحمةِ المهداة, والنعمة المسداة, وعلى آله وأصحابه والتابعين,

أما بعدُ:

أيها المسلمون: فلسنا بحاجة أن تعلن الدول الإسلامية عن تعاطفها مع قضية البوسنة, و أنها مستعدة لبعث جنودها للقتال هناك, ولسنا بحاجة إلى التغطية الإعلامية المجردة, ساعة بساعة و لكننا بحاجة إلى قول و عمل, و استعداد و تنفيذ, فالذين أعلنوا عن استعدادهم لبعث جنودهم, مطالبون بسرعة التنفيذ إن كانوا صادقين, و إلا كفى ضحكاً و امتصاصاً للحماس, و تلاعباً بالأعصاب, و الطريق إلى نصرة المستضعفين هناك ميسور, و ممكن لو صدقت العزائم, و هاهم الرافضة قد وصلوا المنال منذ أمد بعيد, و مازالوا يعيثون في العقائد و الأرض فساداً, لأن عقيدتهم الملوثة تحثهم على التنفيذ, و تدعهم إلى العمل دعاً, فمتى يستيقظ النيام, و يتوب اللئام, أما أنت أخي المسلم الذي تتلوع أسىً و حرقةً لما ترى و تسمع, فلست بمعذور حين تكتفي بالحوقلة و الترجيع, و إبداء العواطف الجياشة, دون عمل وفق المستطاع, فاعلم رعاك الله, و إلى أن يهيئ الله للأمة من يقودها إلى الجهاد, اعلم أنك مطالبٌ بالجهاد بالمال, و المال عصب القتال, و شريانه الحي, و قد قدمه الله تعالى على جهاد النفس في القرآن الكريم مراراً, و ليس هذا بخافيك, و لكن الذكرى تنفع المؤمنين, فأخرج من مالك يارعاك الله طيبة به نفسك, و ضعه في يد مؤسسات الخير الأمينة, التي تعرف الطريق جيداً إلى مستحقيه, فوق أرض المعركة, ليكون بعون الله رصاصات قاتلة, في نحور النصارى و أشياعهم, ثم تذكر وفقك الله, أن الدعاء بظهر الغيب لإخوانك مستجاب, كيف و قد صدق الدعاء من مظلوم لصالح مظلوم مثله, فاستحضر القلب و استدع الخشوع, و أظهر الافتقار حال الدعاء, و قدم بين يدي دعائك صدقة, و عملاً صالحاً, فدعاء مثل هذا حري به ألا يرد, و قبل ذلك و أثناءه و بعده وطِّن نفسك - حماك الله- على بغض النصارى, و البراءة منهم, وربي أبناءك و آل بيتك على بغضهم, و كراهيتهم, فإن الحب و البغض في الله أوثق عرى الإيمان.

اللهم إنَّا نسألُك إيماناً يُباشرُ قلوبنا، ويقيناً صادقاً، وتوبةً قبلَ الموتِ، وراحةً بعد الموتِ، ونسألُكَ لذةَ النظرِ إلى وجهكَ الكريمِ, والشوقُ إلى لقائِكَ في غيِر ضراءَ مُضرة، ولا فتنةً مضلة،

اللهم زينا بزينةِ الإيمانِ واجعلنا هداةً مهتدين, لا ضاليَن ولا مُضلين, بالمعروف آمرين, وعن المنكر ناهين يا ربَّ العالمين,




الدكتور رياض بن محمد المسيميري

عبقور2011
02-24-2011, 06:20 PM
رمضان المبارك
إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه , ونستغفره , ونعوذ بالله من شرور أنفسنا , ومن سيِّئات أعمالنا , من يهده الله فلا مضل لـه , ومن يضلل فلا هادي له .

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لـه وأشهد أن محمداً عبده ورسوله

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَـمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } ]آل عمران:102[ .

{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً } ]النساء:1[ .

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً ! يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً } ]الأحزاب:70-71[ .

أما بعد : فإن أصدق الحديث كتابُ الله , وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشرَّ الأمور مـحدثاتها , وكلَّ محدثة بدعة , وكلَّ بدعةٍ ضلالة , وكلَّ ضلالةٍ في النار .

أما بعد ، أيها المسلمون :

فقد أظلَّكم شهرٌ عظيم , ومَوسمٌ كريم , تُضاعفُ فيه الدرجات , وتُقالُ فيه العثرات , شهرُ الاستعلاء , على ضروراتِ الجسدِ كلِّها , واحتمالِ ضغطِها وثقلِها , إيثاراً لما عند اللهِ من الأجرِ والنعيمِ المقيم , وفي هذا الشهرِ العظيم نتذكرُ قولَ ربِّنا - جل جلاله - وهو يبينُ الغايةَ العظمى , التي من أجلها شُرع الصيامُ وفُرض , ألا وهي تحقيقُ التقوى في القلوب , وعمارتُها بالخشيةِ واليقينِ الثابت , وتعويدُ النفسِ على الصبرِ ومكابدةُ المشاق , والإحساسِ بمعاناةِ الآخرين , وأنَّها إنْ استطاعت أن تؤمنَّ لذَّاتِها ومطعوماتِها طِوالَ العام , فإنَّ ثمةَ أنفساً كثيرة , تكابدُ الجوعَ والعطشَ العامَ كلَّه ,!

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } ]البقرة:183[ , فالصوم أيها المسلمون لم يُشرعْ عبثاً , ولم يفرضْ سفهاً , حاشا وكلا , وليستْ القضية , قضيةُ تركٍ للطعامِ أو زهدٍ في الشراب , القضيةُ أكبرُ من ذلك بكثير يا مسلمون ,

فما فُرضَ الصيامُ يومَ فُرض , إلاَّ لكي يعلمَ المسلم أنَّ هناك رباً , يُشرِّعُ الصومَ متى شاء , ويبيحُ الفطرَ متى شاء , وليعلمَ كذلك أن هناك رباً يعدُ ويَتوعد , يُعطي ويَمنع , ويَخفض ويَرفع , ويَضر ويَنفع , ألا إلى الله تصيُر الأمور ,! وليعلمَ علمَ يقيٍن لا يعتريه شكٌ , أنَّ هناكَ موتاً وقبراً , وأنَّ هناك بعثاً وحشراً , وأنَّ هناك جنةً وناراً , ونعيماً وجحيماً , فإذا استشعر الصائمُ هذه المعانيَ العظيمة , فتغلغلتْ في روحه , وجرتْ في دمه , أيقنَ بضرورةِ إصلاحِ أوضاعه , والتخلي عن كبريائه , وجرأته على انتهاكِ محارمِ الله , وسارعَ إلى الالتزامِ بشرعِ الله , وانطلقَ ينشدُ التقوى بأي ثمن , وحملِ النفس على تلمسِ رضا مولاه جلَّ جلالهُ وتقدستْ أسماؤهُ .

أيها المسلمون : وفي رمضان نتذكرُ قوله تعالى { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ } ]البقرة: 185[, نتذكرُ هذه الآيةَ الكريمة , فنتذكرُ معها ذلكَ الحدثَ الباهر , , الذي اهتزَ له الخافقان , وغيَّرَ مسارَ التاريخ وصاغَ الحياةَ البشرية بشكلٍ جديد ,

فـقد كانَ نزولُ القرآنِ , إيذاناً بنشأةِ أمةٍ جديدة , هي تاجُ الأممِ قاطبةً , أمةٌ أنجبت رجالاً ولا كلُ الرجال , أدهشوا الدنيا بعلومِهم وجهادِهم وفتوحاتِهم , وبهروا العقولَ والنفوس , بصنائعِهم ومنجزاتِهم ,

به فتحوا القلوب , ومصَّروا الأمصار , ودكَّوا العروش , وقهروا الطغاة وأدبّوا البغاة , , ذلك القرآن , الذي أصبحَ اليوم يقرأُ في السنةِ مرةً واحـدة ,, واكتفوا بتذهيبِ وريقاته , وصقلِ صفـحاتِه , ثم ركنوه في الأدراج , ومسحوا عنه الغبار , بين الفينة والأخرى , باعتبارهِ كتاباً مقدساً والسلام ,, أمَّا أنْ يُتخذُ القرآنُ تشريعاً للأمة , ومنهجَ حياةٍ لها , فذلك أمرٌ مستحيلٌ مستحيل ,! إذ أنَّ هناك كتاباً آخر يُسمونه الدستور , ويُضفونَ عليه قداسةً وهيبة فيركعونَ لـه ويسجدون , ويوالون ويعادون , ويغضبون ويرضون , فويلٌ لهم مما كتبتْ أيديِهم وويلٌ لهم ممَّا يكسبون ,!

وفي رمضان ، نتذكرُ جملةً من أخبارِ رسولنا الحبيب - صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه - الذي ما تركَ شاردةً ولا واردة ولا طائراً يطيرُ بجناحيه , إلاَّ أنبأنا شيئاً من نبأهِ ، وأخبرنا شيئاً من خبرهِ ، يخبرنا نبيُنا صلى الله عليه وسلم عن تصفيدِ مردةِ الشياطين في رمضان فلا يصلونَ إلى ما كانوا يصلونه في غيرِ رمضان ، لكنْ من يصفدُ لنا مردةَ شياطينِ الإنس الذين لا يرعونَ في رمضانَ ولا غيرهِ ؟! فمناسبةِ رمضان يحيّ }الفنان الكبير !{ فلان حفلةً غنائيةً في مسرحِ كذا وكذا .

وبمناسبة رمضان تُقيم فرقةُ الأبالسة بقيادةِ الشيطان الكبير فلان مسرحيتها الماجنةِ ابتداءً من الواحدةِ صباحاً كلِّ ليلة , فالعجل العجل .. الأماكنُ محدودةٌ ..والليالي معدودة ,! ألا شاهتْ تلك الوجوه ما أجرأهَا على انتهاكِ حُرماتِ الله وما أعظمَ استخفافِها بالله الواحدِ القهار , . ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منَّا وافتح بيننا و بينهم بالحق وأنت خير الفاتحين ,

أيها المسلمون ويخبرُنا رسولنُا صلى الله عليه وسلم عن فتحِ أبوابِ الجنةِ في رمضان ، وإغلاقِ أبوابِ النار ،وما أعظمَها من بشارة .. لو تأملنَّا بوعيٍ وإدراك ,

ولو أمعنَ المسلمون النظرَ في هذا الأحاديث وأمثالها وما فيها من معاني الرحمةِ والإحسان ،لوجدتهم مسارعينَ في الخيرات ، متنافسينَ في القُربات ، راحمينَ للضعفاء ،. محسنينَ للفقراء ،

ولو أمعنَ المسلمون النظر في حديثٍ كهذا لوجدتهم عافَّين عن الحرام معرضينَ عن الآثام ، هاجرينَ للموبقات ، تاركينَ للشهوات ,

ولو تخيل المسلمون أبوابَ الجنةِ مفتوحةً باباً باباً ، وقصورها متلألأة قصراً قصراً ،وأنهارها جارية ً نهراً نهراً ، لطاروا شوقاً إلى تلكَ الجنانِ العاليات , والباقياتِ الصالحات , والتمسوا كلَّ سببٍ وحيلة ، تُمكنهم من ولوج هاتيك الناعماتِ الخالدات ,! ألا إنَّ جناتِ ربي ، إنَّما تولجُ بأداءِ الصلاةِ جماعةً في المساجد في رمضانَ وغيرِ رمضان . ألا إنَّ جـناتِ ربي إنَّما تولجُ بأداءِ فـرائض الإسلام تـامةً غيرَ منقوصةٍ , ألا إنَّ جناتِ ربي إنَّما تولجُ بالإحسانِ إلى الخلق بصنائعِ المعروفِ ، وبذلِ الإحسان ، وتفقد المحاويج ، وأنَّها تُولجُ بالدعوةِ إلى الله والصبرِ على الأذى في ذات الله ، والأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكر ، والتصدي للباطل وكشف الأباطيل ,,

ويُخبرنا رسولنا صلى الله عليه وسلم « أنَّ من لمْ يدعْ قولَ الزورِ والعملَ به فليس للهِ حاجةٌ بأنْ يدعَ طعامَه وشرابَه »}[1]{ وهنا تتضحُ القضيةُ الكبرى وتتجلى حقيقةُ الصيامِ كالشمسِ في رابعةِ النهار ,

فالقضيةُ يا مسلمون ، ليست قضيةَ تجويعٍ وحرمان ,

القضيةُ يا هؤلاء كفُ للسانِ عن الغيبةِ والنميمةِ والكذبِ والبهتان والسبِ واللعان , وكبحٌ للنفسِ من التلطخِ برجس المعاصي ، ووحلِ الموبقاتِ المهلكات ، فهلاَّ تذكرت أيها الأخُ الحبيب هذا الخبرَ الرهيب ، قبلَ أن تُطلق للسانكِ الزمام ، تخوضُ به مع الخائضين ، وتتهكمُ معهم بالآخرين وتسخر ، هلاَّ تذكرتَ يرحمك الله ، هذا الخبرَ الجليل قبل أنْ تحركَ بأصابعك التي خُلقتْ ، مسبحةً لله وذاكرة ، هلا تذكرتَ هذا الحديث قبلَ أنْ تحرك بأصابعك تلك ، أزرةَ تشغيلَ قنوات البثِ الفضائي وغيرِ الفضائي ، وعلمتَ يقيناً أنَّ الله ليس بغافلٍ عمَّا تعملُ ويعملون , وعمَّا تُشاهد ويُشاهدون ,! وعمَّا تسمعُ ويسمعون ,!

فإتق الله – يرحمُك الله – وأعلمْ بأنَّك راحلٌ عمَّا قريب ، وأنَّك موقوفٌ بين يديِ قاهرِ الجبابرةِ ، ومهلكِ القياصرة ، وأنَّك مسؤولٌ عن النقيرِ والقطمير ، والصغيرِ والكبير { فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ! عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } ]الحجر:92-93[ فسارع – يرحمك الله – إلى التوبة النصوح وقل ربي أني ظلمت نفسي ظلماً كبيراً وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين .

ويخبرُنا رسولنا صلى الله عليه وسلم أنَّ للصـائمِ عند فطرهِ دعوةً لا تُرد فهلا اغتنمتَ – يرحمُك الله – هذه الفرصةَ النادرة ودعوتَ ملكَ الملوك ، أنْ يَفيضَ عليكَ من رحماتِه ، ويُنزلَ عليك من بركاتِه ، هلاَّ دعوتَ الله أن يقيكَ شرَّ نفسك وشرَّ الشيطان وشركه ، وأنْ يأخذَ بيدكَ إلى حيثُُ البرُ والتقوى ,!

وهلاَّ اغتنمتَ أيُّها المبارك هذه الفرصةَ النادرة ، فدعوتَ الله ، أنْ يخلصَ الأمةَ من هذا الذِّل والهوان الذي آلت إليه ، يوم غيَّرت وتنكرت ، واستبدلت الذي هو أدنى بالذي هو خير ,! وهلاَّ اغتنمت تلكَ الدعوةَ التي لا تُرد فخصصتَ بها المضطهدين في كلِّ مكان ، هلاَّ تذكرتهم في الشيشان وأفغانستان ، وفي كشمير وفي البوسنة ، والفلبين والعراق ,!

حذاري – يرحمُك الله – أنْ تُنسيكَ فرحةُ الإفطارِ حرارةَ الدعاء ، بأنْ يعجلَ العزيزُ الجبار بهلاكِ الظالمين ، وزوالِ الجبابرةِ المتسلطين ، فإنَّه سبحانه لا يُعجزهُ شيءٌ في الأرضِِ ولا في السماءِ وهو القوي المتين .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ..

الخطبة الثانية

الحمد لله مالك الملك رب العالمين ، بيده مقاليد السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم .

أما بعد أيها المسلمون:فمن أحكامِ الصيام التي ينبغي الإلمامُ بها ما يلي:

أولاً : وجوبُ تبييتِ نيةِ الصيام مِن الليل ، وتكفي نيةٌ واحدة ، لصيامِ الشهرِ كلِّه ، على الصحيحِ من قول العلماء في هذه المسألة .

ثانياً : سقوطُ الصيامِ على المريض فإن كان المرضُ ملازماً للمريض ولا يُرجى زوالُه ،فيطعمُ عن كلِّ يومٍ مسكيناً ومثلُ المريض ، الكبيرُ الهرم والعاجزُ عن الصوم ، وأمَّا إنْ كانَ المرضُ يُرجى زوالُه ويُنتظرُ الشفاءُ منه فيلزمُ القضاء ، من غيرِ إطعام ، وممَّا يجبُ معرفتهُ ، أنَّ المرض ، ما لم يكنْ شاقاً أو ضاراً بالمريض ، فلا يجوزُ له الفطرُ بتاتاً .

وأما المسافرُ ؛ فيجوزُ لـه الفطرُ حتى وإنْ لم يكن ثمةَ مشقة ، وأمَّا الذين يتحايلونَ بالسفر ، من أجلِ الفطر على طريقةِ } لأقطعنَّه بالأسفار ! { ففطرُهم حرامٌ لا يجوز .ومن أحكام الصيام ، استحبابُ تعجيلِ الإفطار وتأخيرُ السحور ، ويستحبُ الإفطار على رُطبات فإنْ لم يتيسر فتمرات ، و إلاَّ حسا حسواتٍ من ماء

أمَّا مفسداتُ الصومِ فسبعة :

أحدها الجماعُ في نهارِ رمضان ، فمن جامعَ امرأته بَطَلَ صومُه ، ولـزمته الكفارةُ المغلظة ، وهي عتقُ رقبة ، فإنْ لم يجد ، فصيامُ شهرين متتابعين ، فإنْ لم يستطيع أطعم ستين مسكيناً .

وثاني مفسداتِ الصوم ، إنزالُ المني بمباشرةٍ أو نحوها .

وثالثُ مفسداتِ الصوم ، الأكلُ أو الشرب سواءٌ بطريقةٍ طبيعية أو صناعية

ورابعُ مفسداتِ الصوم ، ما كان بمعنى الأكلِ والشربِ كالإبرِ المغذية ونحوها وأمَّا غيرُ المغذية فلا تفطرُ مطلقاً .

وخامسُ مفسداتِ الصوم ، التقيؤُ عمداً فإنْ لم يتعمدْه صحَّ صومُه ولا شيء عليه .

وسادسُ مفسداتِ الصوم ، إخراجُ الدمِ بالحجامةِ ونحوها .

وسابعُ مفسداتِ الصوم ، وتختص به النساء خروجُ دمِ الحيضِ أو النفاس ، ولو قبلَ المغربِ بيسير .

وهذه المفطراتُ كلُها لا تفسدُ الصوم إلاَّ بثلاثةِ شروط :

الأول : أنْ يكونَ عالماً بالحكمِ وعالماً بالوقت .

الثاني : أنْ يكونَ ذاكراً غير ناسي .

الثالث : أنْ يكونَ مختاراً غير مكره .

أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يفقهنا في دينه وأن يتقبل صيامنا وقيامنا اللهم نسألك رحمة تهدي بها قلوبنا ...

-------------------------------------
[1] رواه البخاري } 1804{ . من حديث أبى هريرة رضي الله عنه .




الدكتور رياض بن محمد المسيميري

عبقور2011
02-24-2011, 06:22 PM
أسود خيبر
بسم الله الرحمن الرحيم[1]
إنَّ الحمدَ لِله نحمدهُ ونستعينهُ, ونستغفرهُ, ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا, ومن سيِّئاتِ أعمالِنا, منْ يَهدهِ اللهُ فلا مُضلَ لـهُ, ومنْ يُضلل فلا هاديَ لـه . وأشهدُ أنَّ لا إله إلا الله وحدهُ لا شريكَ لـه, وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسوله . ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَـمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( ]آل عمران:102[ . ]يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [ ]النساء:1[ .

] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [ ]الأحزاب:70-71[ .

أما بعدُ : فإن أصدقَ الحديثِ كتابُ الله, وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم وشرَّ الأمورِ مـُحدثاتُها, وكلَّ محدثةٍ بدعة, وكلَّ بدعةٍ ضلالة, وكلَّ ضلالةٍ في النار .

أما بعد ، أيها المسلمون :

ففي السنةِ السابعةِ من الهجرةِ النبويةِ الشريفة ، توجه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى جهة الشمال ,قاصداً خبير ,والتي استوطنها اليهود ,وأقاموا فيها حصوناً منيعة يصعبُ اختراقُها, خوفا من نكسةٍ جديدة, عقبَ نكساتِهم المتتابعةِ في بني النضيرِ وبني قريضة , وقف الجيشُ الإسلامي الفذ, بقيادةِ رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم على مشارفِ خيبر, وفي نيتهِ فتحُ المدينة, وتطهيرُها من رجسِ يهود, والقضاءُ على آخر معقلٍ سياسيٍ لهم في الجزيرةِ العربية, وقد أوهم صلى الله عليه وسلم يهود غطفان بأن الهجوم متجه إليهم, وأن قوة المسلمين توشك أن تصل إليهم, أوهمهم بذلك لأنه سمع صلى الله عليه وسلم بأنهم خرجوا ليظاهروا يهود خبير عليه, فلما سمعوا بمقدمه صلى الله عليه وسلم رجعوا على أعقابهم ، وأقاموا في أهليهم وأموالهم ، وخلوا بين رسول الله وبين خيبر , وهكذا استطاع عليه الصلاة والسلام أن ينهي كل عدو على حده, وهو يتربص به الدوائر , وهكذا ينبغي للأمة أن تحذوا حذو نبيها صلى الله عليه وسلم فهي بحاجة أن تكون على مستوى الأحداث, وتفقه كيف تواجه أعدائها, لا أن تكون فريسة لهم .

أيها المسلمون : وفي ساعات الصباح الأولى , خرجَ اليهودُ إلى مزارعهِم وثمارهمِ كعادتهمِ كلَّ يوم , ولم يدرْ بخلدِ واحدٍ منهم أنَّ يومَهم ذاك سيكونُ يوماً أسودا .

وكم كانت المفاجأةً,يوم رأى أولئك الفئران, رأوا أسودَ الله واقفةً على مشارفِ المدينة, تمتلئ قلوبهُم حنقا, وتتفجرُ دمائهم غضبا من بغضِ اليهودِ, وكراهيتهِم , تنتظرُ على أحرِّ من الجمر, إشارةً من رسول الله للانقضاضِ السريعِ, ودكِّ المدينةِ على أهلهاِ .

فصرخ صارخُ اليهود في قومهِ منذراً, صيحةَ يومٍ يقطرُ دماً , وأخذ يرددُ بأعلى صوته ، مرعوباً مفزوعاً محمدٌ والله, محمد والخميس, ونزل هذا الخبرُ المخيفُ على يهود كالصاعقةِ المحرقة, التي تحولُ الأبيضَ سوادا ,والأخضرَ هشيما , وشعرَ اليهودُ بخطورةِ موقفهمِ, وأنهم قابَ قوسين أو أدنى من الهلكة, فهمْ يدركون حقيقةَ الجيشِ الواقفِ على مقرُبةٍ من حصونهِم, وأبوابِ مدينتهمِ , إنهم يدركون تماماً أنه جيشٌ يعشقُ الموتَ, في ساحات الوغى, كما يعشقون هم نقضَ العهودِ, وعبادةَ المال, وكانوا يدركون أنه جيشُ لم يُصنع من أجلِ البطولاتِ الكلامية, والاستعراضاتِ المهرجانية, ولكنه جيشٌ صُنع لإعلاءِ كلمةِ الله, والذبِ عن حمى الإسلام, وحملِ الدينِ بقوة إلى البشريةِ الحائرة, والإنسانيةِ التائهة, في أوديةِ الضلالةِ والهوى , وكانوا يدركون أنه جيشٌ لم يصنعْ ليبنيَ أمجادهَ فوقَ جماجمِ أبناءهِ , ولكنهُ جيشٌ أُعد لزحزحةِ الطواغيت من أمامِ المدِّ النورانيِ الإسلامي, المبدد لظلامِ الوثنية, الضاربةِ بجذورها في الأرضِ عبرَ القرون , وفرَّ اليهودُ إلى داخلِ حصونِ خيبر , تصطكُ ركبُهم وأسنانُهم من الرعبِ والهلع , وعبثاً حاولَ أولئكَ الفئران صنعَ شيءٍ ما يخلصهمُ من البلاء , فانتدبوا أشجعَ من عندهم من الرجال , فخرج متبخترا في مشيتهِ وهو يقول :

أنا الذي سمتني أمي مرحبُ **** شاكيِ السلاحِ بطلٌ مُجربُ

وظلَّ اليهودُ خلفَ حصونهم, ينظرونَ من طرفٍ خفي, ماذا عساه يصنعُ فارسهُم مرحبُ, فخرج إليه الأسد عليُ بنُ أبي طالبٍ, وهو يقول :

أنا الذي سمتني أمي حيدرةْ *** كليثِ غاباتٍ كريه المنظرهْ

وفي لمحِ البصر, إذا برأسِ اليهودي الذي سمتهُ أمهُ مرحبُ , إذا برأسهِ يتدحرجُ على الأرض, إثرِ ضربةٍ واحدةٍ من يد علي رضي الله عنه , فلا مرحباً به ولا مرحباً بأمه , وبمقتلِ هذه اليهودي, انهارت معنوياتُ اليهود, وسقطَ خيارُ المقاومة, وفضل الفئران ,البقاءَ في حصونِهم , حتى يقضي الله أمراً كان مفعولا , ويضربُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حصاراً محكماً حولَ خيبر, ويحيطُ بها إحاطةَ السوارِ بالمعصم , ويأتي الخبرُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أن لليهودِ منفذاً تحت الأرض إلى عينٍ من الماء يشربونَ منها, مما يطيلُ ولابد أمدَ الحصار, فيرسلُ عليه الصلاة والسلام من يقطعُ إمداداتِ الماءِ عنهم, في خطوةٍ عسكريةٍ فذة , حتى إذا يبستْ عروقُهم, واحترقتْ أكبادُهم, خرجوا من جحورهمِ , في محاولةِ أخيرةِ لصدِّ جيشِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم , وثنيهِ عما عزمَ عليه من فتحِ المدينة ، وطردهمِ فيها فقاتلوا قتالاً شرساً, لا شجاعةً ولا بطولة, ولكنْ حسرةً على أموالهمِ وكنوزهمِ, التي كانوا يقدسونها أشدَّ التقديس, ويعبدونها أعظمَ العبادة ويفضلونَها على الأهلِ والولد, ومع ذلك ,لم يصبر اليهود سوى سويعاتٍ قليلة, انهارت قواهُم بعدَها, وأعلنوا الاستسلامَ التام, تحت وقعِ ضرباتِ سيوفٍ لا قبلَ لهم بها , وما أسرع ما يستسلم اليهود, متى وجدوا رجالاً, لا يهابونَ الموت ولا يخشونَ الفناء, وما عرفنا اليهودَ يجيدون قتالاً, إلا حين تكون المواجهة مع أسودٍ من ورق, أو نمورٍ من خشب, يحسنونَ الكلام الفارغ, ويطيلونَ الصراخَ والعويل, فنسمع جعجعة ولا نرى طحنا ,أعلن اليهودُ استسلامَهم, وعرضوا على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أن يحقنَ دماءَهم على أن يسلموه خيبرَ كاملةً, بمزارعها وكنوزِها , إنها اللغةُ الوحيدة التي يفقُها اليهود, لغةُ القوةِ والتحدي, فهيهات أن يتنازلوا عن مترٍ واحد , أو يتزحزحوا عن شبرٍ واحد إلا بالحربِ والمكيدة .

إنها النفسيةُ اليهوديةُ المريضة, المجبولةُ على العنادِ, والمكرِ, والمراوغة, والتي لا يمكنُ ترويضُها إلا بمطارق من حديد, وسياطٍ من لهب , ويصدرُ أمرُ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بإيقافِ القتال, على أن يخرجَ اليهودُ من خيبر, ليس معهم إلا ثوباً على ظهرِ إنسان, ويتوعدُهم بقطعِ رقابهمِ, وسفكِ دماءهم, إن كتموه شيئا , وبمثل ذلكِ حطمَّ أسلافنُا اليهود وسقوهم من الذلِ كؤوسا, ولقنوهم من الهوانِ دروسا, يوم كانوا يتوكلون على الله حق توكله, ويطلبون المدد منه وحده , وحازَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أموالَ خيبر, وحوا صلهَا , واستدعى جنودَ الإسلام يقسمُ بينهم أنصبتَهم من الغنيمة, وقسمَ لرجلٍ من الأعراب نصيبَه منها, فحملهُ الأعرابيُ وأتى به رسولَ الله صلى الله عليه وسلم , وهو يقول ما هذا يا رسولَ الله ؟ فيقول له عليه الصلاة والسلام : ( هذا قسمتهُ لك ) ، فيقولُ الأعرابي : يا رسول الله ، ما على هذا اتبعتُك , ولكنْ اتبعتُك على أن أرمى من هاهنا بسهمٍ ـ وأشار إلى حلقهِ ـ فأدخلُ الجنة [2],هكذا يعلنُ هذا الجندي ,عن سر وجودهِ في ساحةِ القتال, إنه جنديٌ لم يخرجْ من بيته, أشراً وبطرا, ورئاء الناس ولم يخرجْ إلى المعركةِ خوفاً من الفصلِ والعقوبة ,ولم يخرجْ إلى المعركةِ من أجل الترقية والوظيفة , ولم يخرج إلى المعركة ليُزين له صدرهُ بالتيجان, والأوسمة ولم يخرجْ إلى المعركةِ دفاعاً عن قوميةِ منتنة, أو وطنية هابطة , ما لهذا اتبعتك يا رسول الله , ولكنْ اتبعتك على أن أُرمى بسهمٍ من هاهنا فأموتُ فأدخلُ الجنة

أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم

الخطبة الثانية :

أيها الموحدون : لقد كانت موقعةُ خيبر واحدةً من الوقائع التي حطمنا من خلالها النفسية اليهودية, وأذقنها مرارةَ العيش, وعلقمَ الحياة , يوم كنا أمةَ القرآن والسنة, نقرأُ قوله تعالى : ]إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ[(محمد: 7) فتلتهبُ صدورُنا حماساً, وتمتلئ قولبُنا يقيناً بموعودِ الله , فلا نخافُ يهود, ولا مَنْ وراء اليهود, وكنّا نقرأُ قولَه تعالى : ]وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ[(المائدة: 23) فننفضُ أيدينا من أيدِ البشر والدولِ, والأمم كِلها , وتمتدُ أعناقنُا إلى فاطرِ السمواتِ والأرض, نستمطرُ النصرَ منه وحده دونَ غيره , وكنا نقرأُ قولَه تعالى : ]وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْل[(لأنفال:60) فنصنع من الشباب أسوداً , ومن الفتيان فهودا ,لا يعشقون من الألوان إلا الأحمر َالمتفجرَ من رقابِ الأعادي, ولا يجيدون من الصراخِ والعويل, إلا صيحاتُ اللهُ أكبر ,يا خيلَ اللهِ أركبي .

أما اليوم, فقد استأسد يهود, وانتكست الأوضاع رأساً على عقب, يوم نُحي الإسلامُ بعيداً بعيدا , واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير , فاحتل اليهود بلادنا, وظلوا طوال خمسينا عاماً يحتلون أرضنا شيئاً فشيئاً, ويوسعون مملكتَهم رويداً رويدا, وحين وثق اليهودُ بما لديهم من قوةٍ, واطمأنوا إلى ما يتميزون به من تفوقٍ , أصبحوا لا يترددون عن المجاهرة بمصادرة مزيدٍ من أراضي المسلمين في فلسطين, فما الذي يخشونه ؟ بعد أن أعلن المسلمون عجزهم عن مواصلة التحدي, ووقعوا على معاهدة الاستسلام, وأعطوا الجزية, أو كادوا عن يد وهم صاغرون .

كيف تخشى إسرائيل من أناسٍ يقولون : إن الانتفاضة لا تحقق نصراً ولا نريد أن نحارب إسرائيل, فخيارنا المفاوضات .

إن من يظن أن خلافنَا مع اليهود, هو حولَ قطعةٍ من الأرض, أو نهرٍ من الماء, فهو غبيٌ مغفل, لا يفقه شيئا من كتابِ الله, ويعاني أميةً فاضحةً, في قراءةِ التاريخ, وتتبعِ السنن, إن خلافنا مع اليهود خلافٌ عقديٌ بالدرجة الأولى, ولن يلتقي الطرفان في وسطِ الطريق, ولن تكونَ هناك أنصافُ حلول .

فالحل الوحيد إما أن يسلَم اليهود, أو أن يتهودَ المسلمون , ] وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُم[(البقرة: 120) إن اليهود يريدون كلَّ شيءٍ في مقابلِ لا شيء , يريدون مزيداً من الهيمنة, ومزيداً من السيطرة, ومزيداً من الأراضي, ومزيداً من الأنهار المسروقة, ومزيداً من الانفتاحِ الاقتصادي, وفتحِ الأسواقِ لمنتجاتهم, مقابلَ مزيدٍ من الإهانات, ومزيدِ من الركلات, ومزيدٍ من الصفعات , إن ما أخذ بالقوة, لا يمكنُ أن يُستعادَ إلا بالقوة, وأما التباكي على عتباتِ مجلسِ الأمن, فهو حيلةُ البائسِ الضعيف, ورغم ذلك أبدعَ الطواغيت الكبار في إيهامِ المسلمين بشرعيةِ مجلسِ الأمن, وقداسةِ ما يصدرهُ من قرارات, استمع إلى القرار الذي أصدرته السلطة الفلسطينية, وهي تدعو إلى وئد الانتفاضة المباركة : ( إن تحقيق سلام الشجعان ـ وضع تحت كلمة الشجعان خطوطا ـ .الذي يوفر السلام, والأمن والعدل لجميع شعوب المنطقة, يتطلب تأكيد الالتزام بالعمل, بقرارات الشرعية الدولية ,) ,أي شرعية تلك , وأي سلام مع نقضت العهود, والمواثيق .

لقد أصبحت غايةُ المنى, مجردَ إدانةٍ لإهاناتِ يهود المتتابعة, ومع ذلك يحرمون منها, لتظلَ الإدانة: هي الحلمَ الذي يحسنونه, ويكافحون من أجله .

إن الطريقَ إلى القدس, واستعادةِ الأقصى الشريف, وإعادة مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حياض الإيمان, لا يكونُ بعقدِ مزيدِ من المؤتمرات العاجلة ولا الآجلة, ولا بعباراتِ الشجب والاستنكار, ولا بإرسال الوفودِ إلى العواصم الكبرى, لكسب عطفهم وتأييدهمِ, إن الطريقَ إلى القدس لا يكونُ إلا بالعودةِ الجادةِ إلى الإسلامِ, عقيدةً, وشريعة, ومنهجَ حياة , الطريقُ إلى القدس حين تعادُ إلى القرآن هيبتُه, ومكانتُه , الطريق إلى القدس حين يعاد رفع رايات الجهاد في سبيل الله تعالى, ولا أدل على ذلك ما نراه من هذه الانتفاضة المباركة, هذه الثورة المؤمنة الربانية الجديدة, التي أعادت الروح إلى الجسد الهامد, هذه الثورة التي انطلقت من المساجد, راياتها المصاحف, وشعاراتها لا إله إلا الله والله أكبر , إننا ننتظر لهذه الانتفاضة النصر بإذن الله ] وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ[ (الإسراء: من الآية51) إن الذي يقاتل لا يسأل : متى هو ؟ ولكن يقول : ]عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً[(الإسراء: من الآية51),لقد بشرنا نبينا عليه الصلاة والسلام بأن المعركة مستمرة مع اليهود , فقال صلى الله عليه وسلم : ( لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ فَيَقْتُلُهُمْ الْمُسْلِمُونَ ، حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوْ الشَّجَرُ : يَا مُسْلِمُ ، يَا عَبْدَ اللَّهِ ، هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ ، إِلَّا الغر قد فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ ) ([3]),وإنا لهذا اليوم, ولهذه المعركة لمنتظرين , وإننا نناشد أبطال الحجارة ألا يتوقفوا عن مسيرتهم, لتطهير الأقصى من رجز يهود , فإن ما أخذ بالقوةِ لا يستردُ إلا بالقوة , فيا أبطال الحجارة مزيداً من عمليات الاستشهاد, مزيدا من ملاحقة واستهداف جنود العدو, وقطعانه المستوطنين ,

اللهم عز جارك ,

-------------------------------------
[1] ألقيت بتاريخ 24/11/1416هـ .
[2] ـ الحديث رواه النسائي (1953) من حديث شداد بن الهاد رضي الله عنه .
[3] ـ الحديث رواه مسلم (2922) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه .




الدكتور رياض بن محمد المسيميري

عبقور2011
02-24-2011, 06:24 PM
الدعوة المحمدية في مكة وموقف الجاهلية منها
إنَّ الحمدَ لِله نحمدهُ ونستعينهُ , ونستغفرهُ , ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا, ومن سيِّئاتِ أعمالِنا , منْ يهدهِ اللهُ فلا مُضلَ لـهُ , ومنْ يضلل فلا هاديَ له .وأشهدُ أنَّ لا إله إلا الله وحدهُ لا شريكَ لـه, وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسوله .

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَـمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } ]آل عمران:102[ .

{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً } ] النساء:1[.

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً } ]الأحزاب:70-71[.

أما بعد : فإن أصدقَ الحديثِ كتابُ اللهِ , وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ r وشرَّ الأمورِ مـُحدثاتُها , وكلَّ محدثةٍ بدعة , وكلَّ بدعةٍ ضلالة , وكلَّ ضلالةٍ في النار .

أما بعدُ ، أيها المسلمون :

فيقولُ اللهُ تعالى في كتابه الكريم : { لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ } ] آل عمران:164[. ففي هذه الآية العظيمة , يمتنُ الله تعالى على عبادهِ المؤمنين , ببعثةِ أفضلِ أنبيائه , وأشرفِ رسله , الذي ما عرفتْ البشريةُ قبلَه ولن تعرفَ بعدَهُ خيراً منه , لقد بُعِثَ عليه الصلاة ُوالسلام على حين فترةٍ من الرسل , وانقطاعٍ من السبل , في وقتٍ عمَّتْ الجاهليةُ الأرضَ , وسادت الفوضَى أصقاعَ المعمورة وضَرَبَ الشركُ بجذورٍ راسخةٍْ , تهونُ عنده الجبالُ الرواسي , وعاش الناسُ خواءً روحياً , وانحداراً أخلاقياً , وساد الدنيا ظلامٌ مخيفٌ , فلم تعدْ ترى من يوحدِ الله , إلا بقايا من أهلِ الكتاب , وانتشرتْ الأصنامُ, والأوثانُ في كل مكانٍ , وأصبحَ الناسُ يصلون لها ويسجدون , ويستغيثون بها ويستنصرون ويذبحون لها وينذرون .

وبلغ السخفُ, والحماقةُ بأولئك المغفلين حداً مخيفاً مفزعاً , فكان أحدهم إذا خرج بغنيماتهِ يرعاهنَّ في الباديةِ ولم يجد صنماً أو, وثناً يصلي لـه ويعبده, حلب مِعْزَته فوق كومةٍ من ترابٍ, وصنع تمثالاً من طين , ثم أخذ يسجدُ له ويستغيثُ به , ثم يذهبُ, ويتركهُ , بل بلغ السخفُ ببعضهم أدهى من ذلك وأمر , فكان بعضهم يُخرِجُ من جُعبتِه تمرةً أو تمرتين , فيسجدُ لها ويـركع , ثـم إذا أحـسَّ بالجوع , أكـل تمرتَه تلـك ! وصـدق الله إذا يقول: { لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ } ]الحجر:72[هذه صورٌ , تعكس الحالةَ المفجعةَ , التي كانت تعيشها تلك القطعانُ البشريةُ الضالة , في ذلك الزمان .

حتى أذنَ اللهُ تعالى , ببعثةِ النبيِ r , ليعيدَ للبشريةِ التائهة ,صوابَها وعقلَها ! فَوجَدَ النبيُ r إنساناً فسدتْ فطرتهُ , وفَسَدَ عقلُه, وفَسَدَ ذوقُه , فصار يستحلي المرَّ ويستطيبُ الخبيث , ويستمرئ الوخيم .

ووجد مجتمعاً , أصبحَ الذئبُ فيه راعياً , والخصمُ الجائرُ قاضياً , ولا أَنكَرَ في هذا المجتمعِ من المعروف ! ولا أَعرَفَ فيه من المنكر !! فقد عوقرتْ الخمرُ إلى حدِ الإدمان , ومورستْ الرذيلةُ إلى حدِ الاستهتار , وتُوعُطِيَ بالربا إلى حد الاغتصابِ, والاستلاب , وبولغَ في القسوةِ والظلم , حتى قُتِلَ الصبيان ووئدت البنات !! .

بُعث عليه الصلاة والسلام , والجاهليون العرب , أشبهُ بِقِطْعَانِ غَنَمٍ , ليس لهن راع , والسياسةُ كجملٍ هائج , حبلهُ على غاربه ؛ وأمامَ هذا الركامُ الهائلُ من الإرتكاسِ والانتكاس , في الفطرِ والعقول , والأحاسيسِ والمشاعر والتوجهاتِ والتصرفاتِ ؛ بدأ عليه الصلاةُ والسلام , مشَوَارَهُ العظيمِ مع الدعوةِ , بكل عزيمةٍ وثباتٍ , مستعيناً بربهِ ومولاهُ , طالباً المَدَدَ والعَوْنَ منه وحدهُ , فَصَدَعَ بالحقِ , غير هيابٍ ولاوجلٍ , وشمَّرَ عن ساعدِ الجدِ , مُقبلاً غيرَ مدبر , فلم يدعُ إلى إصلاحٍ اقتصادي, أو تكافلٍ اجتماعي , أو نظامٍ سياسي , وإن جاءت هذه القضايا تبعاً فيما بعد, وإنما ابتدأ بتصحيحِ العقيدةِ في النفوسِ , وتوحيدِ الله في العبادةِ , وتركِ عبادةِ الأصنامِ والأوثان .

وظلَّ يدعو إلى التوحيدِ , إلى لا إله إلا الله ثَلاثَ عَشْرةَ سنة , قبل أن يُأمرَ بالصلاةِ, والزكاةِ, والصوم, والحج , وقبل أن يُأمرَ بتركِ المحرماتِ, من الربا والزنا وشُربِ الخمرِ ثَلاَثَ عَشْرةَ سنة , والنبيُّ الصابرُ المحتسبُ , يدعو إلى كلمةٍ واحدةٍ , والتي لا قيمة لكل الكلماتِ بدونها , يدعو إليها أهَلَهُ وقَوْمَهُ فقامت عليه الجاهليةُ ولم تقعد , وتصدى لـه أقربُ الناس إليه , فضلاً عن غيرهم ، وعُذِّب هو وأتباعهُ , أقسى أنواعِ العذابِ ، فـأدميتْ قدمَاهُ الشريفتان , وشجَّ رأسهُ , ووُضعَ سلى الجزورِ بين كتفيهِ, وهو ساجدٌ , واتُهم بالسحرِ, والشعوذةِ ,والجنون , ووُضعتْ الصخورُ الحاميةٌ , فوق صدرِ بلال وقُتلتْ سمية , وعذبَّ عمارٌ, وخباب , كلُ ذلك ,من أجلِ لا إله إلا الله كلمةِ التوحيدِ العظيمة , الذي ظنَّ كثيرٌ من السُّذجِ, والمغفلين اليوم , بأنها كلمةٌ تُقالُ فحسب , وما عَرَفَ أولئك أنها كلمةٌ قامت من أجلِها السمواتُ والأرض, وصَلَحَ عليها أمرُ الدنيا والآخرةِ , كلمةٌ أُسستْ من أجلِها الملة ونُصبتْ لها القبلةُ , وشُرِّعت لها سيوفُ الجهاد, إنها الكلمة التي غيرتْ مسارَ التاريخِ , وحولتْ أمماً وشعوباً , من حالٍ إلى حال , والتي لا يمكنُ إحداثُ تغييرٍ آخر , إلا بغرسِها في النفوسِ , وتثبتها في القلوبِ مرةً أُخرى .

إنَّ معناها العظيمُ , يقضي من قائِلِها , تحقيقُ العبوديةِ الخالصةِ لله وحده , في كل ما يأتي ويذر , إنَّ معناها : أن أُقرُّ واعترفُ , بأن للهَ تعالى هو المتفردُ بالألوهيةِ والوحدانيةِ . فلا إلهَ بحقٍ سواه , ولامعبودَ بصدقٍ إلا إياه , وأنَّ مقاليدُ السمواتِ والأرض بيده فلا مَلَكَ, ولا وليَّ , ولاحاكم مستأثرٌ في هذا الكون , متصرفٌ فيه , إلا الله, وأنه الحاكمُ لامعقبَ لحُكمِه , ولا شريكَ له في ملكهِ , ولا ينفُذُ إلا أمره , ولا أعترفُ إلا بشرعهِ , ولا أخضعُ إلا لقولهِ ولا أتوكلُ إلا عليه , ولا أخافُ إلا منه , ولا أذبحُ إلا له , ولا أدعوْ إلا إياه ولا أرجو أحداً سواه , وأنا أرفضُ كلَّ نوعٍ من أنواعِ العبودية, والطاعة والخضوع لغيرِ الله , ولا أخضعُ لدستورٍ, ولا نظامٍ ,ولا قانونٍ, ولا تشريعٍ إلا إذا وافق شَرْعَ اللهِ وأمرهِ جل ثناؤه , وتقدست اسماؤه , فأنا مؤمنٌ باللهِ وحـَدَه ، كافرٌ بكلِّ الطواغيتِ والآلهةِ من دونهِ , فهل تسمعُ الدنيا هذا الكلام؟!

ولما عَرَفَ الجاهليون الأوائل , عِظَم الكلمةِ , التي جاء بها محمدٌ r , وأنها تعني كلَّ ذلك , حارَبوهَا بضراوةٍ , وقاتَلوهَا بوحشيةٍ , فكل من شَعَرَ بخطورةِ تلك الكلمةِ على مصالحهِ , وَقَفَ أمامها وَقْفَة الأسدِ , واستَمَاتَ في الصد عنها , والتنديدِ بخطرها . فقد أحسَّ الكهنةُ, والمشعوذون بخطورتِها على كِهانتهم وشعوذتهم , وأنها ستفرقُ الناسَ من حولهم , فكشَّروا عن أنيابهم وأعلنوا الحرب عليها , ورأى رؤساءُ العشائِر , أنَّ هذه الكلمةُ , ستقوضُ سلطَتَهم من القواعد , فهبوا للدفاع عن سلطتِهم, ومكانتِهم المهددة , وكذلكَ أحسَّ الرأسماليون, والانتهازيون , بخطرٍ يهددُ مكاسبَهم الخبيثةَ , وأرصدتِهمُ الحرام , فاستشاطوا غضباً, وحنقاً , وتدافعوا يذودون بكل قواههم , عن تلك المكاسبِ الباطلة , وكذلك أحسَّ بالخطرِ , عُبَّادُ القوميةِ الذين تعصبوا لقومياتِهم, وعصبياتِهم , وعبَدَوا التقاليدَ, والعادات , كما أحسَ بالخطر كذلك عُبَّادُ الشهواتِ والأهواءِ , وبالجملة أحسَّ عُبَّادُ تلكَ الأوثانِ والأصنامِ والأنداد , على اختلافِ أشكالِها ومسمياتها, بخطورةِ كلمةِ التوحيد, على مصالحِهم, وأطماعِهم, وتوجهاتِهم , فاتحدوا جميعاً لحربها , وحربِ المُبشرِ بها محمدٍ عليه الصلاة والسلام ، وعَقَدوا العزمَ على مقاومته , ووضعِ العراقيلِ في طريقهِ , والنبيُ r , ماضٍ قـُدماً , في طريقهِ المليئةُ بالأشواكِ , واتباعُه صابرون محتسبون , حتى أَذِنَ اللهُ بالهجرةِ إلى المدينة , ليقيم دولةَ الإسلامِ العظيمة , على تقوى من اللهِ, ورضوان , ثم يعودُ بعد سنواتٍ قليلةٍ إلى مكةَ فاتحاً منتصراً , محطماً لأصنامها, وأوثانها , مقوضاً للجاهليةِ من القواعدِ حاملاً التوحيدَ العظيم , إلى أمِ القرى بعد أن ذاقتْ مرارةَ الوثنيةِ , واكتوتْ بنارِ العبوديةِ لغيرِ اللهِ زماناً طويلاً , فكانت بعثته عليه السلام أعظمَ مِنَّه وأجلَّ نعمةً , أظـهرَ اللهُ به دينهُ , وأعـزَّ به جُنده .

أعـوذ بالله من الشيطان الرجيم : { هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ } ]التوبة:33[ .

بارك الله لي ولكم..

الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه , والشكرُ له على توفيقه, وامتنانه , أما بعد :

فقد تبين فيما تقدم , أنَّ الشغلَ الشاغل , الذي استحَوَذَ على تفكير النبي r واهتمامِه , طيلةَ العهدِ المكي على وجه الخصوص , هو تصحيحُ العقيدةِ في النفوسِ , واستنقاذُ الجموعِ الهائلةِ , من مستنقعِ الشركِ, وإعادتُها إلى الحنفيةِ السمحاء . وهذا المنهجَ الذي سار عليه النبي r , هو ذاتُ المنهجِ الذي سار عليه كلُ الأنبياءِ من قبله , فما من نبيٍ قَبَلَه إلا ودعَ قوَمَه إلى التوحيد أولاً: فقد قال نوحٌ لقـومه { يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ } ]الأعراف: 59[ , وقال نفس العبارة هودٌ, وصالحٌ, وشعيب , وغيرهم من الأنبياء .

ومن هنا نُدركُ , أنَّ أيَّ صلاحٍ نُنُشدهُ لأُمتنا , وأيَّ محاولةٍ لاستنقاذِها من تخلُفِها وانحطاطِها , لا يمكن أن يتحققَ له النجاحُ المطلوبُ , مادام التوحيدُ ضائعاً , والعقيدةُ ممتهنةً ؛ واليوم تعجُ مجتمعاتُ المسلمين في طولِ العالمِ الإسلامي, وعرضه , بالأوثانِ الآلهةِ الباطلةِ , فلا تكادُ تجدُ بلداً إسلامياً واحداً – إلا ما رحم ربي - إلا وقدْ انتشرتْ فيه الـوثنيةُ , وعمت فيها مظاهرُ الشركِ , وأوضحُ تلك المظاهرِ , من مظاهرِ الوثنية عبادةُ القبورِ والأضرحةِ, والمزارات , ودعاءُ الأمواتِ, والأولياء , من دون الله تعالى فتجدِ الناسَ زرافاتٍ ووحداناً , يطوفون بالقبورِ, والأضرحة , ويتمسحون بها ويتوسلون بالأمواتِ , في تفريجِ الكرباتِ, وشفاءِ المرضى , ورد الغائبين وذُبحتْ لتلك القبورِ القرابينُ, والذبائح , ونُذرتْ لها النذورُ , وقَصَدَها الناسُ من كلِ حَدَبٍ, وصوب .

وكلُ ذلك من الشركِ الأكبرِ , الذي يستوجبُ الخلودَ في النارِ , أبد الآباد { إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } ]النساء:48[ , { إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ } ]المائدة:72[ .

وحصلتْ كلُ تلكَ المآسي , تحت سمعِ, وبصرِ علماءِ الضلالةِ , الذين باركوا تلك الممارساتِ وشجعوها , سعياً وراء شهوةٍ, أو شبهةٍ , وصَحَتَ أكثرُ الباقين, واكتفوا بالحوقلةِ, والترجيعِ , وآثروا السلامةَ , على أن يخرجوا إلى المقابرِ, كي يأخذوا على أيدي السفهاءِ , ويعيدوهم إلى جادةِ الصوابِ , ومن هنا يتبينُ خطأُ بعضِ الجماعاتِ المعاصرةِ , التي تنتمي إلى الدعوةِ , وهي لا تهتمُ بالعقيدة , وإنما تركزُ على أمورٍ جانبيةٍ , أخلاقيةٍ, وسلوكية , وهي ترى كـثيراً من الناسِ , يمارسون الشـركَ الأكبر , حول الأضرحةِ المبنيةِ على القبورِ , ولا تنكرُ ذلك, ولا تنهَى عنه, ولا تحذرُ منه , لا في كلمةٍ , ولا في محاضرةٍ , ولا في مؤلفٍ إلا قليلاً , بل قد يكونُ بين صفوفِ تلك الجماعاتِ من يمارسُ الشركَ ,والتصوفَ المنحرف , فلا ينهونه, ولا ينبهونه , مع أنَّ البدايةَ بدعوةِ هؤلاءِ, وإصلاحِ عقائدهم , أولى من دعوةِ الملاحدةِ, والكفار المصرحينَ بكفرهم , لأنَّ الملاحدةَ والكفار , مقرون بكـفرهم, وأمـا القبوريون , والمتصوفةُ المنحرفون فيظنون أنهم مسلمون , وأنَّ ما هم عليه هو الإسلام ، فيغترون ويُغْروُن غَيرَهم, واللهُ جل وعلا أمَرَنَا بالبدءِ بالكفارِ الأقربين, فقال تعالى : { وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ } ]الشعراء:214[ .

ألا وصلوا على النبي الهاشمي نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ..




الدكتور رياض بن محمد المسيميري

عبقور2011
02-24-2011, 06:27 PM
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
إنَّ الحمدَ لِله نحمدهُ ونستعينهُ , ونستغفرهُ , ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا, ومن سيِّئاتِ أعمالِنا , منْ يَهدهِ اللهُ فلا مُضلَ لـهُ , ومنْ يُضلل فلا هاديَ له ، وأشهدُ أنَّ لا إله إلا الله وحدهُ لا شريكَ لـه, وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسوله .) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَـمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( ]آل عمران:102[ .) يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ( ] النساء:1[.) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ( ]الأحزاب:70-71[.

أما بعد : فإن أصدقَ الحديثِ كتابُ اللهِ , وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم وشرَّ الأمورِ مـُحدثاتُها , وكلَّ محدثةٍ بدعة , وكلَّ بدعةٍ ضلالة , وكلَّ ضلالةٍ في النار ..

أما بعدُ ، أيها المسلمون :

فإنَّ لهذه الأمةِ خصائصَ تُميزها ، ومزايا تخُصها ، تنفردُ بها عن غيرِها من الأمم ، ولا عجب !! فهي الأمةُ الوسط ,وهي الأمةُ المجتباة ,وهي الأمةُ المختارة لتكونَ شاهدةً على الأمم مُقدمةً على الشعوب .هذه المرتبةُ المتميزة ، والمكانةُ المتسنمةُ فوق القمم ، لم تكنْ لتحدثَ هكذا اغتباطاً , فهي ليست لسوادٍ في أعينِ أبنائِها, ولا لفتوةٍ في مناكبِ شبابها ,ولكنْ ، ]كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ[ (آل عمران: 110)!!فبالأمرِ بالمعروف ، وبالنهي عن المنكر , حظيت الأمةُ برفعةِ المنزلة , وفازتْ بقصبِ السبق وتسنمتْ علوَ المقام , ولنا أن نتساءل ! تُرى ، أما زالتِ الأمةُ ، محتفظةً بأسبابِ رفعتها, ومناطِ عزِّها وفخرِها ؟أما زالتْ السفينة ، محتفظةً بتوازنِها ممتنعة,ً متحصنةً ممنْ يريدونَ خرقهَا, ويجتهدونَ في إغراقِها ؟ تجيبُك أيها الأخُ الكريم ، تلك الجموعُ الهائلةِ ، حولَ الأضرحةِ, والمشاهد ، تستغيثُ بغير اللهِ سبحانه ، وتنزلُ بحوائجِها بمنْ لا يملكُ نفعاً ولا ضُراً ، ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً .وتجيبك جموعُ المتخلفينَ عن الصلواتِ المكتوبة , المنشغلينَ عنها بسفا سفِ الأمور .. وخيبةِ الدهورِ. تجيبك تلك الأجسادُ العارية ,على شواطئِ البحار ، وضفافِ الأنهار, باسم الترفيهِ والاستجمام . تجيبك حاناتُ الخمورِ ، وملاعبُ القمار, ودورُ السينما, ومراتع الفساد المنتشرةُ في كثيرٍ من بلادِ المسلمين . تجيبك ، تلك الأجيالُ الهزيلة ، من ذوي الاهتماماتِ التافهةِ ، والهواياتِ السخيفة, والتي لا تتعدى في مجموعِها صقلَ الوجوهِ, وتلميعَها , وتصفيفَ الشعورِ, وتسريحَها , ومتابعةَ الكرةِ, والتصفيقَ لها .

أيها المسلمون ، هذه بعضُ الثمراتِ المُرَّة في بعضِ ديارِ المسلمين ، والتي نتجتْ يومَ عُطِّلت فريضةُ الأمرِ بالمعروف والنهيِ عن المنكر , وأصبح كلُ ( ذي هوىً ) حراً في فعلِ ما يشاء , في الوقت الذي يشاء ، دون حسيبٍ أو رقيب .وأمامَ هذا الإسفاف ، يتساءلُ المسلمُ الغيور . ماذا تُراه يصنع ، أمام هذا الطوفانِ الجارف ، والركامِ النكد ؟أتُراه يقفُ مكتوفَ اليدين ، متمسكاً بالحوقلةِ, والترجيع ملقياً بالتبعةِ على غيره ؟ مردداً :

ذهبَ الذينَ يعاشُ في أكتافهم *** وبقيتُ في كنفٍ كجلدِ الأجربِِ
يتحدثـــون مخافةً وملاذةً *** ويعابُ قائلهم وإن لم يشغبِ

أم تُراه ينجفلُ إلى أهله , مردداً بينه وبين نفسِه ، أملكْ عليك لسانَك ، وابكِ على خطيئتِك , ولْيسعُكَ بيتُك .إنَّ الإجابةَ أيها الغيورُ على محارمِ الله , تجدْها في قولِه جلَّ جلاله:{ فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ } وفي قوله عليه السلام : « والذي نفسي بيده ، لتَأمرنَّ بالمعروف ، ولتنهوُنَّ عن المنكر ، أو ليوشكنَّ الله ، أن يبعثَ عليكم عقاباً من عنده ، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم » [1].

أمةَ الإسلام ، إنَّ السبيلَ الوحيد ، للحفاظِ على بنيةِ الأمةِ, وتماسكها ، في عقائدِها وأخلاقها ، وقيمِها, ومبادئها. هو بإقامةِ فريضةِ الأمرِ بالمعروف ، والنهيِ عن المنكر وفق منهاجِ النبوة , دون أن تَغرَّنا صولةُ الباطلِ, وجولتُه ، وبريقُه, ولمعانه . فمتى تظافرتْ الجهودُ ، وحَسنت النوايا ، وصدقتْ العزائم ، انكمشَ الشرُّ وانزوى ، ثم تلاشى, وانطفا, واقرأ إنْ شئتَ قولَه تعالى : ] بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ [ وقولَه : ] فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ [ ..

أيها المسلمون ، كم يُخطىءُ البعض, حينَ ، يلجأونَ إلى المقاييسِ المادية ، ويَعقدونَ المقارناتِ الحسية ، بين الباطلِ, وكثرةِ سوادهِ ، وبين الحقِّ, وأهلهِ الغرباء فاللجُوئي إلى مثلِ هذه المقاييس ، خطأُ فادحٌ, وغلطٌ كبير ، يَشلُ الحركة ، ويُثبط الهمم, ويُفترُ الحماس ، ويبعثرُ الجهود , ويعطّلُ مسيرةَ البناءِ ، فالصراعُ بين الفضيلةِ والرذيلة لا يخضعُ أبداً لتلك المقاييسِ الأرضيةِ .. ولا لتلك المعاييرِ الحسية , وإلاَّ لما ذاقَ المسلمونَ حلاوةَ النصرِ في بدرٍ, والقادسية ، وعينِ جالوتٍ, وغيرها ، من ملاحمِ أُسد الشرى ، ونمورِ الورى . ولو كانَ الصراعُ يخضعُ لحسابِ العددِ والعُدة, لما خاضَ داعيةٌ, غمارَ الدعوةِ إلى الله ، ولما سابقَ مصلحٌ في مضمارِ الذبِ عن دينِ الله , هذا الإمامُ المجدد ، شيخُ الإسلام قدَّس اللهُ روحَه ... يرفعُ لواءَ السلفيةِ في نجد ، وحيداً فريداً , يومَ كانتْ نجدٌ بؤرةَ الإلحاد ، ومستنقعَ الوثنية ، يوم كانتْ عبادةُ القبور على قدمٍ, وساق , وتعظيمُ الأحجارِ, والأشجارِ ، يعصفُ بما تبقى من عقولِ الرجال ، ويذيبُ ما عَلُقَ بالنفوس ، من مروءةٍ, ورجولة . رفعَ الإمامُ البطل ، لواءَ دعوتهِ, وجاهدَ تلكَ النماذجَ المهترئةَ من البشر ، غيرَ هيابٍ, ولا وجلٍ, ووقفَ راسخَ القدمين ، أمامَ إعصارِ الفساد المدمر ، مستعيناً بالله , متوكلاً عليه ، حتى قيض اللهُ للإمامِ من يساندهُ , ويقفُ معه في خندقٍ واحد ، حتى تحققتْ المعجزة ، وتجسد الحُلم, حقيقةً فوق أرض الواقع ,وزهق الباطل , وعادت نجدٌ دوحةَ الإسلام ، ومعقلَ التوحيد ، ولمثل هذا فليعمل العاملون ، هذا أنموذجٌ واحد وغيره كثير , إذاً فالصراع بين الحقِ والباطل ، وبين الفضيلةِ والرذيلة ليس بخاضعٍ أبداً إلى حساباتٍ من نوع واحد + واحد يساوي اثنين .وإنَّما هو يخضع لمثلِ قولهِ تعالى : ] وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً [ ..ولمثلِ قوله : ] كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ [ ولمثل قوله جلَّ جلاله : ] فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ * فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلْآخِرِينَ * وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ *وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلا جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ [ وغيرها من الآياتِ الواضحات البينات التي تؤكد أنَّ العاقبةَ للتقوى ، وأنَّ المستقبلَ للإسلام ، وأنَّ القوةَ لله جميعاً ، وأنَّ الله شديدُ العذاب .

أيها الأحبةُ في الله : إنَّ قضيةَ الأمرِ بالمعروفِ والنهي عن المنكر ، ليستْ قضيةً خاضعةً للبحثِ, والمناقشة ،وتبادلِ وجهاتِ النظر, هل تكونُ أو لا تكون ؟!ولكنَّها قضيةٌ محسومة سلفاً باعتبارِها ركيزةً من ركائزِ الدين ، وعموداً من أعمدةِ الإسلام وما ذلك إلا لكونِ المُنكر ليسَ مجردَ مسألةٍ شخصية ، تتعلقُ بشخصِ المُنكر ، أو بشخصيةِ المُنكرِ عليه ,كلاّ ، كلاّ . ولكنَّ المسألة ، لها علاقةٌ جدُّ وثيقة بكيانِ الأمةِ كلِّها ، فشيوعُ المخالفاتِ الشرعية ، ضربٌ للأمةِ في الصميم ، وتمزيقٌ لوحدتِها دون شكٍ, أو تردد ,وحديثُ السفينةِ المشهور ، شاهدٌ حي ، بأنَّ أثرَ المُنكرِ ، يتجاوزُ حيزَ صاحبهِ ، ليمتدَّ بشؤمهِ ، وأثرهِ البغيض ، فيغمر المجتمعَ كلَّه , بظلالهِ القائمةِ السوداء فحين تُخرق السفينة ، فلن يميزُ الطوفانُ الجارف ، بين مَن خرقَها ، ومنْ لم يخرقْها ولكنَّه سيدفنُ الجميع ، تحتَ أمواجهِ العاتية .

لقد ظلَّ أنسٌ رضي الله عنه يخدمُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عشرَ سنين ، كما حدَّث هو بنفسه ، فلم يقلْ لـه يوماً ، لشيءٍ فعلَه لم فعلته ؟ ولا لشيءٍ لم يفعلْه هلاَّ فعلته ([2]),يا لله العجب ، عشرُ سنين من التجاورِ المعيشي! والتلاصق المباشر وَرُغم ذلك ، لم يحصلْ العتاب, أو الإنكار ! ولا لمرةٍ واحدة ، فهلْ كانَ أنسٌ معصوماً بحيثُ لا يخطئ ، أو يفعلْ خلافَ الأولى على أقلِّ تقدير ؟!كلاَّ ، كلاَّ فأنسٌ لم يكنْ معصوماً . بل كانَ يُخطئ ، وقد يصنع أحياناً ما لا يعجبُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بالضرورة ، لكنّهُ لم يسمعْ عتاباً, ولا إنكاراً , لأنَّ المسألة شخصيةٌ بحته ، تتعلقُ بشخصِ الرسول فقط, ولا مساسَ لها بمستقبلِ الأمةِ, وكيانِها فالتسامُحُ فيها مطلوب ، وغضُّ الطرفِ لمثلها مندوب, لكنْ إليك يا رعاك الله مواقفَ أخرى يحمرُّ فيها وجهُ رسولِ الله غضباً ، حين تقعُ المخالفةُ الشرعية ويجترئُ البعضُ على حدودِ الله, فيبادرُ عليه السلام إلى إنكارِ المنكر ، في ساعاتِه الأولى ، دون أنْ يصبرَ عشرَ سنين ، صبرَه على أنسٍ خادمِه .هذه بريرة ، أمةٌ ضعيفةٌ مسكينة ، يعلنُ أسيادُها عن رغبتهِم في بيعها, فتتقدمُ عائشةُ لشرائِها وعتقِها ، على أن يكونَ الولاءُ لها .

فيأبى الأسيادُ ، إلاّ أنْ يكونَ الولاءُ لهم ، في تعدٍ مكشوف ، على شرع اللهِ المطهر ودينهِ المصون . فماذا صنعَ رسولُ الله ، صلى الله عليه وسلم ؟ هل غضَّ الطرف ، وابتسمَ في وجوهِ القوم ، ابتسامتَه للأعرابي يوم جَذَبَ معطفَه ، فاحمرَّ لجذبتهِ جنبهُ الطاهر ؟!لقد صعد المنبر ، وخطبَ خطبةً عصماء ، أنكرَ المنكرَ بشجاعةٍ ، وصدعَ بكلمتهِ المشهورة ، (ما بالُ أقوامٍ يشترطونَ شروطاً ليست في كتاب الله ، أيُّما شرطٍ ليسَ في كتابِ الله فهو باطل ، وإن كانَ مائةَ شرط « إنَّما الولاءُ لمن أعتق»([3]) لما كلُّ هذا الغضب ، يا رسولَ الله ، لما كلُ هذا الغضب ؟ والجواب إنه منكر لا يتعلقُ بشخصهِ الكريم ، وإلا لوسعهُ حلمهُ العظيم ، فقد عوَّد الأمة ، أن يكون حليماً في مواقفَ لا تُعدُ, ولا تحصى .ولكن المنكر هذه المرة ، لكنَّ المنكر في حادثة بريره يمسُّ التشريعَ الإسلاميَ , في الصميم , ويصيبهُ في مقتل, فقد وجدَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم نفسَه أمامَ أناسٍ ، يريدون أن يجعلوا من أنفسهِم مشرعين ، بسنهم لأنظمة ووضعِهم لشروط ، ما أنزلَ اللهُ بها من سلطان . فكان إنكارهُ عليه الصلاة و السلام ، سريعاً, حازماً ، وقوياً ,حاسماً . ولمَّا استنصرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أصحابَه إلى تبوك ، تخلفَ كعبٌ, وصاحباه دونَ مبررٍ معقول ، أو مسوغٍ مقبول ، حتى إذا ما رجعَ رسولُ اللهِ بالجيشِ إلى المدينة ، إذا به يتخذُ موقفَه الصلب ، وإجراءَه الصارم بحقِّ الثلاثةِ الذين خُلِّفوا, فيأمرُ بهجرِهم ، ويُحرِّمُ محادثتَهم ويفرضُ حولَهم سياجاً, منيعاً من العزلة . حتى ضاقتْ عليهم الأرضُ بما رحبت ، وضاقتْ عليهم أنفسهم ,!فلما كلُّ هذا ، يا رسولَ الله ؟ لما كلُّ هذا ؟

والجواب ، أنَّ الخطأ الذي ارتكبهُ الثلاثة ، والمنكرَ الذي اقترفوه ، له مساسٌ بكيانِ الدولة برمتها ، وكان يمكن ، أن يؤثرَ سَلْباً في نفسياتِ الجيش ، المتجهِ لمقاومةِ جيشِ يفوقُه عدداً, وعدة ، وذلكَ أمرٌ لا يخضعْ أبداً للأمزجةِ الشخصية , أو للأهواءِ النفسية , أو لتصرفاتٍ غير مسؤولة .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم .....

الخطبة الثانية

الحمد لله يُعطي ويمنع , ويخفض ويرفع , ويضر وينفع , ألا إلى الله تصير الأمور , أما بعد :

أيها المسلمون : فقد لُعنت الأمةُ الإسرائيليةُ في القرآن الكريم ، على لسانِ نبيين كريمينِ يوم عُطِّل جانبُ الأمرِ بالمعروف ، والنهيِ عن المنكر ، فعمَّ مجتمعهم الآسن منكراتُ الأهواءِ , والأدواء ] لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ( (المائدة:78) .

ومجتمعاتُ المسلمينَ اليوم ، بحاجة إلى مدافعةِ ما فيها من منكراتٍ ، ومقاومةِ ما عمَّها من رذائلَ, صوناً لعقائدِ المسلمينَ ، وذباً عن أعراضِهم ، وأخذاً على يدِ السفهاء ، الذين يخرقونَ السفينة ، ويَعقرون الناقة على إنْ يكونَ الأمرُ بالمعروف والنهيُ عن المنكر وفقَ ضوابطهِ الشرعية ، وأن تُؤتى البيوتُ من أبوابها ، بعيداً عن التشنجِ, والانفعال ,ولايتوهمنّ أحدٌ , أنَّ صلاحَه في نفسِه, وأهله ، كافٍ في نجاتهِ وسلامته ، ففي هذا الوهم ، تكونُ مزلةُ القدم ، وعثرةُ الكِرام ، فالجبارُ جلَّ جلاله يقول : ]وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [ وفي حديثِ زينب أنهلكُ وفينا الصالحون ؟ قال : نعم إذا كثُر الخبث ! فمهلاً يا رعاك الله ، فلن تنجوَ بصلاحِكَ, وإنَّما تنجوَ بإصلاحك .

واسمعْ غير مأمور ] فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [ .

وحذاري يرحمُك الله ، من التوكلِ, والكسل ، والتملصِ من الواجب ، اكتفاءً بالنقدِ, والتوجع , وندبِ الزمانِ البائسِ المنكود . فهذا عجزٌ, وخنوع ، وإخلالٌ بالأمانة ، وإقرارٌ للمنكر شئنا أم أبينا .

اللهم إنا نسألك ..

-------------------------------------
[1]- رواه الترمذي (2169) من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه .
[2]- رواه أحمد (12622) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه .
[3]- رواه البخاري (1422) من حديث عائشة رضي الله عنها .




الدكتور رياض بن محمد المسيميري

عبقور2011
02-24-2011, 06:53 PM
الامتحانات
إنَّ الحمدَ لِله نحمدهُ ونستعينهُ , ونستغفرهُ , ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا, ومن سيِّئاتِ أعمالِنا , منْ يَهدهِ اللهُ فلا مُضلَ لـهُ , ومنْ يُضلل فلا هاديَ له ، وأشهدُ أنَّ لا إله إلا الله وحدهُ لا شريكَ لـه, وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسوله .{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَـمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } ]آل عمران:102[ .{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً } ] النساء:1[.{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً } ]الأحزاب:70-71[.

أما بعد : فإن أصدقَ الحديثِ كتابُ اللهِ , وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم وشرَّ الأمورِ مـُحدثاتُها , وكلَّ محدثةٍ بدعة , وكلَّ بدعةٍ ضلالة , وكلَّ ضلالةٍ في النار ..

أما بعدُ ، أيها المسلمون :

فإنَّ من أهم الأسباب ، التي أدت إلى ضعفِ المسلمين ، وتسلطِ أعدائهم عليهم ، ومكرهم بهم عدمَ اهتمامهم ببناءِ الجيل الجديد ، وتنشأتِه النشأَة الصحيحة ، القائمة على العقيدة السليمةِ, والسلوكِ القويم ، وتربيتهِ على الطُهرِ, والفضيلةِ, والشجاعِةِ, وتهيئتهِ للغزو, والجهاد .

فنشأت نتيجة لذلك ، أجيالٌ خاويةٌ ضعيفةٌ, ذوو اهتماماتٍ هزيلةٍ بائسةٍ ، لا تتعدى الفنَ, والكرةَ ,والرياضة ، والسفَر واللهَو والعبث .

وشارك في صُنع هذا الواقعِ الأليم ، أباءٌ غلبتْ النزعةُ الماديةُ ، على تصرفاتهم وتوجهاتِهم, فانطلقوا يتسابقون ، نحو جمعِ الحُطام,ِ والمتاعِ بأقصر,ِ طريقةٍ وأسرعِ وقت , وأحياناً ، بأية ِ وسيلة ٍ, ومن أي مصدرٍ ، ولم تعد لهم قضيةٌ تشغلُ بالَهَم, ولا هدفٌ يحظى بتفكيرهِم ، إلا الدينار,ُ والدرهمُ ، والمنصبُ والجاه,ُ والشهرة, وأضاعوا نتيجةً لذلك ، أنفسَهَم, وذرياتِهم, وانقطعت علاقاتهم ببيوتِهم, وأُسرهم ، اللهم إلا من طعامٍ يحضرونه ، أو كساءٍ يأمنونه أو وسيلةِ لهوٍ, وعبثٍ يجلبونها , أو كانت هناك مصلحةٌ دنيوية ٌ عاجلة تستدعي حضورَهم, كما يحدث في هذه الأيام حيثُ عادَ كثيرٌ من الآباءِ إلى بيوتهم للاطمئنانِ على نجاحِ أبنائهم حتى يحملوا الشهادات ، ويحوزوا المناصبَ ، ويجمعوا الثروات .

فهي عودةٌ من أجل المصلحةِ العاجلةِ ، والنفعِ الدنيوي البحت ، مما يدلُ على أنَّ النزعة َ الماديةَ ، متأصلةٌ في نفوس البعضِ ، بكل ثقلها, وقسوتها.

أما أن ينشأ الابنُ صالحاً, نقياً , نزيهاً, ورعاً, فذلك ليس في حسابهم . وأما أن يُصلحَ المجتمعُ ، ويحاربَ الفسادَ ، فذلك ليس في تفكيرهم, واهتمامهم .

وأما أن ينتصَر الإسلامُ ، ويذلَ الكفرُ ، فذلك ليس محل عنايتهم .

كم نجني على أنفسِنا ومجتمعِنا، ومستقبلنا, وديننا ،حين تكونُ قضيةُ التعليم مجردَ نجاحٍ, ورسوب . دون أن يصاحبَ ذلك ، تربيةٌ مدروسةٌ, قائمةٌ على غرس العقيدةِ في النفوسِ ، وبثِ القيمِ الرفيعةِ في السلوكِ .

أي فائدةٍ نجنيها أيها المربون ، حين يحفظُ الناشُئ كتاباً, وهو له كاره ، ثم يركلهُ بقدمهِ عَقِبَ الامتحان ، ويمزقهُ إرباً إرباً, وتجول إن شئتَ في أفنية ِ المدارس والطرقاتِ من حولها ، تجدْ الكتبَ مبعثرةً، والأوراَقُ ممزقةً مهانةً.

وشاركَ الأبُ في حصولِ هذه المأساة ، حين صَوَّرَ لأبنائهِ أنَّ الدراسةَ, والتعلم من أجلِ المالِ, والجاهِ, والمنصب.

وحين غرس في نفوسهم ، حُبَّ الدنيا, والاستماتة في جمعها, وعبادتِها .

إنَّ الإهتمامَ بنجاحِ الأبناءِ, وتفوقهم ، أمرٌ لاغُبارَ عليه ، لو صاحبَ ذلكَ الاهتمامُ اهتمامٌ شاملٌ لكلِ الجوانبِ الأخرى ، والتي يشهدُ الواقعُ تفريطاً واضحاً فيها . فخذ على سبيل المثالِ لا الحصر ، قضيةَ القرناءِ, والرفقةِ ، التي تصاحبُ الابنَ معظمَ ساعاتِ يومِهِ ، إمَّا في مدرستةِ التي يدرسُ فيها ، وإمَّا في حارتةِ التي يسكنُ بها, ثم سل الآباء ، عن مدى اهتمامهم بأبنائهم ، ومن يصادقون, ويرافقون ،فلا تجدُ إلا استغراباً, وتعجباً لسؤالِك الفضولي فضلاً أن تجدَ جواباً مقنعاً شافياً .

وما عرف أولئك الآباءُ ، المستغربون, المتعجبون, مدى خطورةِ قرناءِ السوء وكم جنوا على أبناءِ المسلمين الشرفاء ، حين غرَّورا بهم ، واستدرجوهم إلى المخدراتِ, و المسكراتِ ، وفعلِ الفاحشةِ, وإدمانُ الرذيلةِ؟ وكم أوقعوا ذوي الاستقامةِ في حبائلهم ؟ بفعل مكرهم الخبيث ، ودسائسهم الشيطانية ،فقادوهم إلى السجون, ودور الأحداث.

ولقد تفننَ أولئك القرناُءُ الأشقياءُ ، في إغواءِ أبناء المسلمين ، فعلّموهم كيف تُسرقُ البيوتُ, والسيارات ؟ علُموهم كيف يختطفُ الصبيانُ من الشوارعِ والطرقات .

والمتتبعُ لقضايا الأحداث ، التي تضبطها الهيئات, أو الشرطةُ ، يلحظُ أن كثيراَ من تلك القضايا ، يشتركَ فيها أكثر من حدث ، مما يؤكدُ أن بعضَ أولئك الأحداثِ ، يؤثرُ على البعضِ الآخر ، ويدفعهُ إلى الجريمة, إما ترغيبا ًوإما ترهيباً . لقد أهتم سلفُنا الصالح ، برعايةِ أبنائهم, وتربيتهم على العقيدة الصحيحة ، والسلوك الحميد, وربوهم على الجهادِ, والبذلِ والفداءِ ، فنشأوا فرساناً في النهار, وهباناً في الليل ، فكانوا قرة عينٍ لآبائهم في حياتهم . وذكراً طيباً لهم بعد مماتهم . ولقد كان صبيانُ الصحابةِ ، يتسابقون إلى صفوفِ القتالِ وساحاتِ الوغى ،حتى قبل بلوغهم الحُلُم, والتكليف. فها هو عبد الله بن عمرَ بنِ الخطاب ، ينتظمُ في الصفوفِ يومَ بدر ، فيردهُ النبي صلى الله عليه وسلم لصغر سنه، ثم ينتظمُ في الصفوف يوم أحدٍ ، فيردهُ النبي صلى الله عليه وسلم لذات السبب ، فما أجازه إلا يومَ الخندق ، فانظر إلى همة ذلك الغلام البطل, وشجاعتهِ ، ولا عجب ، فقد رباه أبوهُ فأحسن تربيتهُ ، فنشأ مجاهداً, محتسباً ،وعالماً مسدداً, وتسابق يوم بدر أيضاً عَوذٌ ومعَوذٌ إلى قتل أبي جهل وهما غلامانِ صغيرانِ حتى تركاه يسبحُ بدمائهِ النجسة . فهؤلاءِ فتيةُ الإسلامِ ، وجدوا بيوتاً طاهرةً فعاشوا في جنباتها ووجدوا آباءً أتقياء فتربوا على أعينهم ،فنشأوا على التدبير, والاستقامةِ ودرجوا على الفضيلةِ, والكرامةِ . ثم أنظر في اهتماماتِ أبناءِ المسلمين اليوم تجدْها لا تتجاوزَ متابعةَ الكرةِ, والرياضةِ ، أو مشاهدةِ وسائلِ الفسادِ والإفسادِ فينشأون بلا هدفٍ ,ولا رسالةِ ، ولا قضيةٍ ولا مبدأ.

ثم إنَّ قضيةَ قٌرناءِ السوءِ ، لا تمسُ خطورتُها النشئَ, والأحداث فقط بل هي تطولُ حتى الشبابَ الكبار ، والكهولَ وكبارَ السنِ, وقد حذر القرآنُ الكريم من شرهم ، والوقوعِ في شِراكهم . يقول الله تعالى : ]وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً* لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً [[الفرقان:29,28,27] .

فهذه الآيات الكريمات, تصفُ مشهدَ ذلك المفرطِ المسكين ، وهو يعضُ على يديهِ ، كمداً, وحسرةً ،منادياً على نفسه بالويلِ, والثبورِ . ويتمنى الأماني البائسةَ, يا ليتني اتخذتُ مع الرسول سبيلاً . يا ليتني أطعتُ الرسولُ, واتبعتُ أمره,َ ياويلتي ليتني لم أتخذْ فلاناً خليلاً . فهو يتذكرُ رفيقَ عمرهِ ، وصديقَ دهرهِ الذي أسلمُه نَفسَه ، وأجَّرهُ عَقلَه, فقادهُ ذلك الرفيقُ المشوؤم ، إلى أسوءِ عاقبةٍ وأقبحِ نهاية.أما اليومَ فهو يعترفُ اعترافاً لا ينفُعه ، ويعتذرُ اعتذاراً لايعبأُ به .

]لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً[ [الفرقان:29] .

لقد استمعتُ خطباً كثيرةً ، وحضرت ُمواعظَ عديدةً, ونصحني المشفقونَ المثقفونَ ، وذكرنيَّ المحتسبون, ولكنَّ ذلك القرينَ المجرم ، أضلني عن كل ذلك ،فالحقيقةُ حجبها ، العفةُ دنَّسها، والمروءةَ أذهبها ، والرجولةَ أضاعها ، والكرامةُ أهانها .

ولكن كل ذلك ، لا يغيرُ من عواقبَ الأمور شيئاً ،وصدق الله إذا يقول : ]وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ [ [الزخرف:39]

أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم لي ولكم .....

الخطبة الثانية

الحمدُ للهِ على إحسانهِ إلينا أكمل إحسان, والشكرُ لـه أن هدانا, ووفقنا إلى الإسلامِ, أحمدهُ حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه, كما يحب ربُنا ويرضى

أما بعد .

ففي صحيح مسلم من حديث سعيد بن المسيب عن أبيه قال : لما حضرتْ أبا طالبٍ الوفاةُ جاءهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدهُ عنده أبا جهلٍ, وعبد الله بنَ أبي أمية ابن المغيرة, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا عمُ ، قل لا إله إلا الله ، كلمةً أشهدُ لك بها عند الله, فقال أبو جهلٍ وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب, أترغبُ عن ملةِ عبد المطلب ؟ فلم يزلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه, ويعيد لـه تلك المقالة حتى كان أخر ما كان كلمهم به, أبو طالب هو على ملةِ عبد المطلب ، وأبى أن يقولَ لا إله إلا الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :أما والله لاستغفرن لك, ما لم أنه عنكَ ،فأنزل الله قوله تعالى : { مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ } [1] [التوبة:113].

لقد جاء النبيُ صلى الله عليه وسلم يعودُ عمه أبا طالب ، وهو في اللحظاتِ الأخيرةِ من حياته وقد أوشكَ أن يسلمَ الروحَ لبارئها . فأخذ يعرضُ عليه كلمةَ التوحيد إشفاقاً عليه, ورحمةً به . يا عم ، قل لا إله إلا الله ، كلمةً أشهد لك بها عند ، فيثبُ الشيطانانِ اللئيمانِ أبو جهل, وابن أبي أمية ، ويذكرانِ أبا طالبٍ بملةِ عبد المطلب الوثنية ، حتى لا يتنازلَ عنها . ولم يزل النبي الكريم ، يعرضُ التوحيدَ على عمه البائس المنكود. ولكن المجرمين الحاقدينِ ينجحانِ في صد أبي طالب عن أن يتلفظَ بكلمةِ التوحيدِ العظيمةِ ، فمات مشركاً, خالداً مخلداً في النار .

فتأملْ أثَر قرناءِ السوءِ . كيف قاد أبا طالب ، عَّم النبي صلى الله عليه وسلم إلى جحيم لا ينقضي عذابُه, ولاينتهي عقابُه .

لقد كان أبو طالب يدركُ ، صدقَ النبي عليه الصلاة والسلام . ويعرفُ أنَّ ما جاء به هو الحقُ ولكن شؤمَ الرفقةِ السيئةِ ، وقرناءِ السوءِ, والتعصبِ للآباء والأجدادِ, وأوثانهم ، أدى به إلى أسوءِ عاقبة .

وصدق الله إذ يقول : ]فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [ [الأنعام: من الآية33] .

ألا صلوا وسلموا على أعظمِ نبيٍ, وأكرم رسول كما أمركم الله بذلك ..

-------------------------------------
[1]ـ رواه مسلم ورقمه (25).




الدكتور رياض بن محمد المسيميري

عبقور2011
02-24-2011, 07:10 PM
الابتــــــــــــلاء
إنَّ الحمدَ لِله نحمدهُ ونستعينهُ , ونستغفرهُ , ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا, ومن سيِّئاتِ أعمالِنا , منْ يَهدهِ اللهُ فلا مُضلَ لـهُ , ومنْ يُضلل فلا هاديَ له ، وأشهدُ أنَّ لا إله إلا الله وحدهُ لا شريكَ لـه, وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسوله .{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَـمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } ]آل عمران:102[ .{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً } ] النساء:1[.{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً } ]الأحزاب:70-71[.

أما بعد : فإن أصدقَ الحديثِ كتابُ اللهِ , وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم وشرَّ الأمورِ مـُحدثاتُها , وكلَّ محدثةٍ بدعة , وكلَّ بدعةٍ ضلالة , وكلَّ ضلالةٍ في النار ..

أما بعدُ ، أيها المسلمون :

فيقول الله تعالى في كتابه الكريم : { وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ } ]الأنبياء:35[ ويقول سبحانه : { لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ } ]آل عمران: 186[يقرر المولى جلَّ جلالهُ , وتقدست أسماؤهُ, أنَّ من حكمته سبحانه , أنْ يبتلى الناس في هذه الحياة , بأنواعٍ من الابتلاءات , وصنوفٍ من الفتن { لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } ]الأنفال:37[وأخطر أنواع تلك الابتلاءات , أنْ يُبتلى المرء في دينه , فينشأ ضعيفَ الإيمان هشَّ العقيدةِ, منحرفَ السلوكِ ,محباً للفسادِ , واقعاً فيه , ويظل مبتلاً بهذا الواقعِ الكئيب , المؤذنُ بسوء العاقبةِ , ووخامة المصير, وهو مع ذلك كله, لا يشعر بخطورةِ موقفهِ, وأنه يسيُر إلى الهاويةِ , سيراً حثيثاً فتمضي أيامهِ ولياليه في لهوٍ, ولعب, , دون أنْ يستيقظَ ضميرهُ , أو يحيا وجدانهَ , فقد فهم الحياة هكذا , فهماً منكوساً , وأنها أوقاتُ لذةٍ , وساعاتُ متعةٍ, فلا يخطرُ الموتُ على باله , وإنْ خطرَ لحظةً, ما فسرعانَ ما ينساهُ, أو يتناساهُ , حتى لا يعكرَ صفو مزاجهِ , ولا يكدِّر لذةَ حياتهِ , وهكذا تنقضي الأعوامَ , وتمضي السنيَن , وهو في غفلةٍ مُطبقةٍ , حتى اختطفه الموتُ فجأةً , وهو غارقٌ في لذ تهِ متقلبٌ في نشوتهِ وشهوتهِ , فخسر بذلك الدنيا, والآخرةَ, ذلك هو الخسران المبين .

وصنف من الناس قد يبتلى بنوع آخر من الابتلاء , فقد يكونُ أحدهم مستقيماً في سلوكه, حسناً في تصرفاته , محافظاً على واجباتهِ نوعاً ما , فيبتلى بفقرٍ, أو فاقةٍ , فيضيق أمامهُ سبل العيش , وتغلقُ في وجههِ طرقُ الكسبِ فيشعرُ بشيءٍ من الحرمانِ, والعوزِ , ويرى النعم ظاهرةً على وجوهٍ غيرهُ من الناس , فيسخطُ, ويتضجرُ , ويظهرُ مرضَ قلبه , ويتخايلُ له الشيطان, يقذفُ في قلبهِ الشبهةَ تلو الشبهة , أنت مستقيم , وأنت طيب , فلماذا تشقى ويسعد غيرك من الناسِ ؟! لماذا ينالُ الناسَ الثراءَ, والمكانةَ, والوجاهةَ, وأنت خالِ الوفاض , صفر اليدين ؟!.. أهذا جـزاء الاستقامة ؟!.. أهذا جزاءُ المحافظةِ على الواجبات ؟!.وهكذا يظلُ الشيطانُ يتلاعب بهذا المسكين , حتى تنهارَ إرادته , وينفذَ صبرهُ , ثم ينتكسُ على عقبيهِ , ويسخطُ على ربهِ , ويتجرأ على مولاهُ سبحانه, فيخسر بذلك الدنيا, والآخرة , ذلك هو الخسرانُ المبين.

وصفٌ آخر, قد يبتلىَ بنوعٍ آخر من الابتلاءات , فقد يصابُ بمرضٍ مزمنٍ لا ينفكُ عنه, كـأن يفقد حاسةً من حواسهِ أو جارحـةً من جوارحهِ فتسودُ الدنـيا في وجههِ , ويكدرُ صفو عيشهِ , ويعيش مهموماً محزوناً , ويتخايلُ له الشيطان يقذفُ في قلبه الشبهةَ تلو الشبهة , أنت مسلم , وأنت طيب , فلماذا يصيبكَ ما أصابك ؟! ما هو ذنبكَ حتى تبتلى إلى هذا الحدّ؟! لماذا تشقى ويسعدُ غيرك من الناس ؟! لماذا يتقلبُ الكفارُ في صحة وعافية ؟؟ وأنت أسير مرضك رهينُ مُصابك ؟! أهذا جزاء إيمانكَ, واستقامتكَ , لو أنك فعلتَ كذا وكذا, لكان كذا وكذا , يا لخسارتِكَ, وخيبتك !!وهكذا يظلُ الشيطانُ يتلاعبُ بأعصابِ هذا المسكين !! ويسخرُ من عواطفهِ, ومشاعرهِ, حتى تنهارَ إرادتُه , وينفُذ صبره , فيسبَ القضاءَ, ويهزأُ بالقدرِ , فيخسرُ بذلك الدنيا والآخرةَ , ذلك هو الخسرانُ المبين .

وصنفٌ من الناس , قد يُبتلى في ذريتهِ , فيولدُ لـه الأطفالُ المشوهون, أو الأطفالُ المعتوهون , أو يصابَ بعضُ أبنائه بمرضٍ عُضالٍ, فينتقلُ بهم من طبيبٍ إلى طبيب , ومن مصحةٍ إلى أخرى , فلا يأذنُ الله تعالى بشفاءٍ, ولا يكتبُ عافيةً, فيصيبهُ اليأسُ , ويستولي عليه القنوطُ, ويتخايلُ لـه الشيطانُ يقذفِ في قلبه الشبهةَ تلو الشبهة , أنت مسلم, وأنت مؤمن , وأنت طيب فلمـاذا تشقى, ويسعدُ غـيركَ من الناس ؟ ما هو ذنبكَ حتى يُصيبك ما أصابك ؟! لأي شيٍ تُبتلى بهؤلاء المرضى ؟؟..ويهنأُ بقيةُ الناسِ بأولادٍ أصحاء ؟! لماذا أنت من بينهم معذبٌ محروم ؟! وهكذا .يظلُ الشيطان يتلاعبُ بهذا المسكينِ , ويسخرُ من عواطفه , حتى ينهارُ, وينهزمُ, ويظهرُ خورهُ, وضعفه , وضحالةِ إيمانه , وضعفِ عقيدتهِ , فيسبُ القضاء , ويهزأُ بالقدر , فيخسرُ بذلك الدنيا, والآخرة , ذلك هو الخسرانُ المبين .

وصنفٌ من الناس , قد يبتلى بكسادٍ في تجارته , وشحٍ في كسبه , فينتقل من نشاطٍ إلى آخر , ومن تجارةٍ إلى أخرى ,سعياً وراء الكسبِ, والمنفعة , فلا يكادُ يوفقُ في شيءٍ فيها , فتَسودُ الدنيا في عينيه , وتظلمُ في وجهه , ويفقدُ المسكين أعصابه, واتزانه , ويبدأُ في ندبِ حظهِ , وسوءِ حاله , وتعلوهُ سحابةٌ كئيبة من التشاؤمِ, والتطير , ويتخايل, لـه الشيطان , يقذفِ في قلبه الشبهةَ تلو الشبهة , أنت لا تصلحُ للتجارة , وأنت ينقُصك الذكاءُ, والسياسة ؟! لماذا لا تغشُ كما يغشون , وتكذبُ كما يكذبون ؟! أتريدُ أن تظلَ في خسارةٍ, وقحطِ ؟! من أين تعيش إذاً ؟! وكيف تواجهُ مصاعبَ الحياةِ, ومتطلباتها ؟! وهكذا يأخذُ الشيطانُ بيد ذلك المسكين شيئاً فشيئاً , حتى يفقدهُ ضميرهُ , ويفقدهُ أمانتهُ , فينتكسُ على عقبيه , قد باعَ عفتهَ, ومرؤ تهَ , وباعَ شهامتهُ, ورجولته , واستساغَ أكل الحرامِ , وأطعمهُ أهلهُ, وأولادهُ الأبرياء , وأيما جسدٍ نبتَ من سحتٍ , فالنارُ أولى به , وصنفٌ من الناس , يرفعُ رايةَ الإصلاحَ في بيته , ويسعى جاهداً لتطهيرهَ من آلاتِ اللهوِ, والفسادِ , ويأمرُ أهله بالحشمةِ والعفافِ , وأبنائهُ بالاستقامةِ, والطهر , فيبتلى بزوجةٍ غافلةٍ لاهيةٍ , قد استحوذَ عليها الشيطانُ , فأنساها ذكرَ الله , فتعلنُ تمردها, واحتجاجها على ذلك الإصلاح المأمول , وتعملُ بكل قواها لإجهاضِ الفكرةِ , في نفسِ زوجها , باذلةٍ في سبيلِ ذلك , كيدها العظيم , ومكرها السيئ الخبيث , فيضعفُ ذلك المسكينُ , أمام كيدِ زوجتهِ ودهائِها , ويفتُر حماسُه , وتتلاشى آمالهُ , فيعودُ بيتُه خراباً , وأهلهُ, وولدهُ دماراً , وصدق الله إذ يقول { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ } ]التغابن: 14[ وصنفٌ من الناس , قد رفعَ راية الإصلاحِ , في حارتهِ, وحيهِ , فأخذَ يُناصحُ جيرانهُ , ويدعوهم إلى الصلاةِ, والاستقامةِ, ,ويُحذرهم من المنكراتِ والفتنِ , فما وجدَ إلا الإعراضَ, والصدود ؟! وابتلي بسماعِ أسوأ الأجوبة , وأغلظَ الردودِ , فأصيب َباليأسِ, والقنوطِ , وتخايلَ أمامهُ الشيطانُ , يقذف في قلبه الشبهةَ تلو الشبهة ؟! لماذا تشقى بهؤلاءِ المنحرفين , أتريدُ أن تصلحَ الكون ؟ أصلح نفسكَ أولًا ؟! أنت لا تصلحُ للدعوةِ, والنصيحةِ ؟! أو أنت أديتَ ما عليك , فأتركِ المجالَ لغيرك . وهكذا لا يزالُ الشيطانُ بذلك المسكينِ حتى يتخلى عن دعوتهِ , ويوهمهُ بأنه قد أدى واجبهَ , فيتقوقعُ على نفسهِ, ويرضى بالزرعِ , ويتبعُ أذنابَ البقر . وصنفٌ من الناس , قد رفع راية الإصلاح في مجتمعه كلهِ , وأخذ على عاتقهِ , أعباءَ الدعوةِ إلى الله , والأمرُ بالمعروفِ والنهي عن المنكرِ , فلما أعياهُ طولُ الطريقِ , وبعدُ الشقةِ , وابتلي بطاغوتٍ يخذلهُ, ويخوفه , ومستُه الفتنهُ, والبلاء , آثر السلامةَ, والعافية , وأخلدَ إلى الأرض بائعاً آخرتهَ بدنيا غيرهِ , ذلك هو الخسران المبين !

وبعد , فهذه جملةٌ مختصرة, مما يقع في حياةِ الناسِ , من الابتلاءاتِ, والفتِن يبتلى بها ربنا سبحانه الناس , ليميز الخبيثَ من الطيبِ , ويعلم المفسدَ من المصلح , وقويُ الإيمانِ من ضعيفةِ , ويظهرُ مرضى القلوبِ , وهو بذلك الابتلاء يقيم الحجة على العباد , ويمحصُ الصفوفَ ليُهلك من هلكَ عن بينهٍ ويحيا من حي عن بينه .

بارك الله لي, ولكم في القرآن العظيم ,,,

الخطبة الثانية

الحمدُ لله ِالملكُ الحقُ المبين , وأُصلي وأسلمُ على عبده, ورسوله, الصادقُ الأمين , وعلى أصحابه الأطهارُ الميامين , وعلينا, وعلى عباد الِله الصالحين , أما بعد:

فإن مما يُعينُ على المسلمِ , حين يواجهُ البلاءَ أياً كان نوعه , أن يتذكرَ أن ذلـك هو سنةُ الحياةِ, لا فـرق بين مسلمٍ وكـافر , قـال الله عن الكافرين : { فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ } ]النساء:104[ فيواجه ذلك الابتلاء , بالتسليمِ, والصبِر الجميلِ , وأن يعتقدَ جازماً أن ما أصابهُ لم يكن يخطئهْ , وما أخطأهُ لم يكن ليصيبهُ , وأنَّ أمرَ الله كان قدراً مقدوراً .

وعليه أن يتذكرَ حالُ السلفِ , وكيف أصابتهم البأساءُ , والضراءُ , وزُلزلُوا , وابتلوا بفقدِ الأهلِ, والولدِ , والأوطانِ, والأموالِ , وأصابهمُ الجوعُ, والفقرُ والعوزُ , فرضوا بما قسمهُ الُله لهم , وبـما قدرهُ عليهم, دون أن يتسخطوا , أو يتضجروا , وبأتِ جهودَ الشيطانِ في إغرائهم, وتوهينِ عزائمهم بالفشلِ الذريعِ , حتى كان فيهم , من إذا سلكَ فجاً , سلكَ الشيطانُ فجاً غيَر فجه , كلُ ذلك حين عظُمَ الإيمانُ في قلوبهم , وتمكنتِ العقيدةُ من نفوسهم , ووصلوا الغايةَ في تقديسِ ربهم , والتسليمَ لقضائهِ, وحكمتهِ , فرفعَ الُله عنهم البلاءَ , وأبدلهم بالخوفِ أمناً , وبالذلِ عزاً , وبسطَ لهم في أرزاقهم , وأتتهمُ الدنيا, وهي راغمةٌ , وفتحوا البلادَ , وأنفقوا كنوزَ فارسٍ والروم في سبيل الله .

ومما يعينُ على رفع البلاء , صدق اللجوءِ إلى الله تعالى , والاستعانةُ به وحده والتضرعُ بين يديه , والإلحاحُ في سؤالهِ سبحانه , وقبل ذلك, ومعه , إصلاحُ النفسِ بتزكيتها وتطهيرها من شؤم المعصية ,والتوبة من الذنوب كلها , فما نزل بلاء إلا بذنب , وما رفع إلا بتوبة , قال الله تعالى : { وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ } ]الشورى:30[ .

اللهم إنا نعوذ بك من جهد البلاء ، ودرك الشقاء ، وسوء القضاء ، وشماتة الأعداء ...




الدكتور رياض بن محمد المسيميري

عبقور2011
02-24-2011, 07:14 PM
الأخوة الإيمانية
إنَّ الحمدَ لِله نحمدهُ ونستعينهُ , ونستغفرهُ , ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا, ومن سيِّئاتِ أعمالِنا , منْ يَهدهِ اللهُ فلا مُضلَ لـهُ , ومنْ يُضلل فلا هاديَ له ، وأشهدُ أنَّ لا إله إلا الله وحدهُ لا شريكَ لـه, وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسوله .( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَـمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) ]آل عمران:102[ .( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ) ] النساء:1[.( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ) ]الأحزاب:70-71[.

أما بعد : فإن أصدقَ الحديثِ كتابُ اللهِ , وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم وشرَّ الأمورِ مـُحدثاتُها , وكلَّ محدثةٍ بدعة , وكلَّ بدعةٍ ضلالة , وكلَّ ضلالةٍ في النار ..

أما بعدُ ، أيها المسلمون :

فإنَّ ما نراهُ في واقعنِا الاجتماعيِ اليوم ,من تسلطِ الأقوياءِ على الضعفاء ,واستغلالِ المترفينَ لطبقةِ الكادحين , وما نراهُ من الغلِّ والحسدِ ، والبغيِ والظلم ,وبخسِ الناسِ أشياءَهم ,إلى آخرِ القائمةِ الطويلةِ من الأورامِ الاجتماعية, والتجاوزاتِ الأخلاقية , فإنَّ ذلك كلَّهُ نتيجةٌ طبيعية , ناتجةٌ عن غيابِ مفهومِ الأُخوةِ الإيمانية , وغيابِ مفهومِ الجسدِ الواحد ,عن واقعِ المسلمين, وحياتِهمُ اليومية ,وستظلُ الأورامُ الاجتماعيةُ آخذةً في الاستفحالِ, يوماً بعد آخر , وستظلُ سلسلةُ التجاوزاتِ الأخلاقيةِ آخذةً في الاتساعِ ، شيئاً فشيئاً , ما دام ذلكَ المفهومُ هامشياً في دورهِ , متباطئاً في حضورهِ ولا تسلْ بعد ذلك ,عن حجم التصدعاتِ والتشققاتِ ، في بنيةِ المجتمعِ وكيانه .

أيها المسلمون ,لقد عُني النبيُ صلى الله عليه وسلم عنايةً خاصة ,بإقامةِ الرابطةِ الأَخويةِ الإيمانية ، بين أبناءِ مجتمعهِ الأول. فكان على رأسِ سُلَّمِ أولوياتهِ عليه الصلاة والسلام, وهو يشقُ خطواتهِ الأُولى فوق أرضِ المهجرِ, كان على رأسِ أولوياتهِ, إقامةُ جسورِ المحبةِ ,والاحترامِ المتبادل ,وعقدُ رباطٍ متينٍ من المؤاخاةِ بين الفئتينِ الكبيرتينِ المهاجرينَ والأنصار , وما ذلكَ إلا لإيمانهِ الراسخ ، بأهميةِ التآخي بين عناصرِ المجتمعِ الإسلامي , وأنه أحدُ عواملِ استقرارِ الدولة ، لا سيما في أيامِ نشأتِها الأولى ، ولقد ساهمَ عاملُ المؤاخاة ،بين عناصرِ المجتمعِ الإسلاميِ الأول ، ساهمَ بفعاليةٍ مُدهشة في نجاحِ الدولةِ الإسلاميةِ في المدينة ، وقيامِها بأعبائِها الكثيرة ,وواجباتِها المتعددةِ ,وتجاوزِها لمعضلاتِها الصعبة ، وكان عاملُ المؤاخاة ، سبباً رئيساً ,في تحقيقِ الاستقرارِ الداخليِ للدولةِ آنذاك ، وسلامتِها من الاضطرابِ والقلاقل ,ومن ثمَّ انتقائها إلى مرحلةِ تصديرِ الدعوةِ إلى خارجِ الحدودِ ، وإحياءِ فريضةِ الجهادِ المقدس . لذا يُخطئُ من يظنُ أنَّ بإمكانِ أي دولةٍ في الوجود, أن تحققَ استقراراً ثابتاً في الداخل أو انطلاقةً مأمونةَ العواقبِ في الخارجِ ، ما لم تتحققْ الأخوةُ الإيمانيةُ الكاملةُ بين أبنائِها . وأنَّه مهما يكن من استقرارٍ ,أو نجاحٍ بدون تلكَ الرابطةِ الأَخوية ,فإنما هو استقرارٌ مؤقت ، ونجاحٌ مبتور ,ووضعٌ متأزم ، قابلٌ للانفجار في ساعةٍ من ليلٍ أو نهار .

أيها المسلمون ، وفي غمرةِ انقلابِ الموازين ، وانتكاسِ المفاهيم ، ظنَّ الكثيرون ، أنَّ الأُخوةَ التي يُحبُ من أجلِها, ويُبغضُ ,ويُوالى من أجلِها ويُعادى ، هي أُخوة النسب ، أو اللغةِ أو المنشأِ ,والوطن ، حتى وإنْ تباينتْ العقائد ، أو حدثَ الانفصامُ النكد ، في المبادئِ, والتوجهات. ولذا وجدنَا القرآنَ الكريم , ينزلُ مصححاً, ومصوباً لذلكَ الفهمِ المنكوس , وفي الوقتِ ذاتهِ, محذراً, ومتوعداً من مغبةِ ذلكَ التوجهِ المنحرف .

) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْأِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [ (التوبة:23) إنَّه خطابٌ مُخيف ، تَلمسُ فيه نبرةَ التهديدِ, والوعيدِ ، قويةً مُدوية .إذ لا قيمةَ للأبوةِ ,ولا للأُخوة ، عندما يُطلُ الكُفر بوجههِ البشعِ البغيضِ !!ومثلُه ، أو أشدُّ منه ، قوله تعالى : ] لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ [ ولا يفوتنَّك أخي المسلم ، وأنتَ ترى القرآنَ الكريم ، يُلغي كلَّ علامةِ مودة بين المسلمِ, والآخرين ، وإن كانوا أقربَ قريب, ما دامَ الإيمانُ غائباً ,والعقيدةُ ملوثة ..لا يفوتنَّك أن تلحظَ أن التهديدَ موجهٌ لمن يتخذونَ قرابةَ النسبِ أولياءَ, وأحباباً ، فكيف بمن يتخذون شياطينَ الإنسِ والجن ، من كفرةٍ, ومنافقينَ, وزنادقةٍ, وملحدين كيف بمن يتخذُ هؤلاء إخواناً, وأحباباً, وأشقاء ؟

أيها المسلمون ، واشتراطُ القرآنِ الكريمِ ,لعلاقةِ المؤاخاة ، أن تكونَ إيمانيةً جملة, وتفصيلاً ليس ناتجاً عن فراغٍ ، ولكنْ للجزمِ اليقيني ، أنَّ أيَّ علاقةٍ تنشأُ بين فردٍ, وآخر ، أو بينَ جماعةٍ, وأخرى ، فهي عرضةٌ للشقاقِ والانفصام ، متى كانَ الدافعُ في نشأتِها ، هو المصلحةَ الدنيوية, أو المنفعةَ الأرضية ,وحتى أُخوةُ الدمِ ,والنسب ، ليست بمنأى عن التعرضِ للانهيار ، متى غابَ الإيمانُ ، أو اختلَّ توازنه . خذْ الحادثةَ الشهيرة ، التي سجلَ القرآنُ الكريمُ وقائعَها, وملابساتِها ، كشاهدٍ قوي ، لما سبقَ تقريرُه !!

{ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ }

تُرى ما الذي دفعَ ذلكَ المجرم ، إلى سفكِ دمِ أخيه ، ما الذي جرَّأه على ارتكابِِ أولِ جريمةِ قتلٍ ، وأولِ حادثةِ إراقةِ دمٍ بلا مبرر ؟!ألم يكنْ القاتلُ أخاً للمقتول ؟!ألمْ تكنْ علاقةُ الأخوةِ قائمةً بين الطرفين ؟! بلى . بلى ولكنها لم تكنْ أخوةً إيمانية ، فقد كان هناك نقصٌ شديدٌ في الإيمان وانحسارٌ عجيبٌ في التقوى !

وهؤلاء إخوةُ يوسف عليه السلام . ما الذي جرَّأهم على تغييبِ أخيهم , في ظُلمةِ البئر, وغياهبِ الجب , وإحراقِ دمِ أبيهم ,وإسخانِ دمعتهِ قُرابةَ أربعينَ عاماً ؟ ما الذي جرَّأهم على ذلك , مع أنهم إخوةٌ لأب ؟ ويعيشونَ تحتَ سقفِ بيتٍ واحد .إذاً فأخوةُ النسب, أو المنشأِ, أو الوطنَ ليست سياجاً واقياً ,وليست إطاراً مأموناً يحمي العلائقَ بين النَّاس ,من التصدعِ والانهيار ، أو الكراهيةِ والبغضاء ، أو العداوةِ والخصومةِ .

وهاكَ أخي المسلم مثالاً آخر ، يتبّينُ من خلاله ، أيَّ بشاعةٍ يتصفُ بها الإنسان ، وأيَّ انحدارٍ في إنسانيته ، يَنزلقُ إليه ، حين يخبو داعي الإيمانِ في القلب ، وينعدمُ الإحساسُ بحقوقِ الآخرين, وتتغلبُ الأَثرةُ على الإيثار ؟! )وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاط * إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ [!!أيُ أنانيةٍ هذه , أيُ أَثرةٍ هذه !! يمتلكُ تسعاً وتسعين نعجة ، وبدلاً من أن يتنازلَ لأخيه ، عن بعضِ نِعاجه ، ليؤنّسَ وحشةَ نعجتهِ اليتيمة ، إذا به يسألُ أخاهُ وحيدَته من النِعاج, ليمتلكَ كلَّ شيء ويفقدَ أخوهُ كلَّ شيء ! أيُ أخوةٍ هذهِ. إذاً التي تحرمُ الأخُ من امتلاكِ ما يسدُ الرمق ، ويخفف شدَّة الظمأ .وفي مقابلِ هذهِ النماذجَ المتهالكة ، تطالعُك تلكَ القُمم الساقمة والقدواتُ النادرة ، تُطالعك المثالية ، وقد أصبحتْ واقعاً ملموساً في تعاملِ الأنصارِ مع إخوانِهم المهاجرين وستظلُ تعجبُ, وتعجب ، ولا ينقضي عجبُك ، وأنت تقرأُ في سيرِهم ,وتتساءلُ بدهشة . أيُ إيثارٍ هذا الذي قدَّموه ؟!وأي معروفٍ هذا الذي صنعوه ؟!وأي إحسانٍ هذا الذي بذلوه ؟!حين قامَ قائمُ المؤاخاة ، على تقوى من اللهِ ورضوان .أخرجَ البخاريُ في صحيحه من حديثِ أنسٍ t قال: « قَدِمَ علينا عبدُ الرحمنِ بنُ عوف وآخى النبيُ صلى الله عليه وسلم بينَه وبينَ سعدِ بنِ الرَّبيع ، فقال سعدٌ قد علمتْ الأنصار أنِّي من أكثرِها مالاً , سأقسمُ مالي بيني وبينكَ شطرين !!ولي امرأتان فانظرْ أعجبهما إليك فأطلقُها حتى إذا حلتْ تزوجتَها ، فقال عبدُ الرحمن ، باركَ اللهُ لك في أهلِك, ومالك ، أين سوقُكم ,دلُّوني على السوق ([1]).انظرْ يرحمُك الله , إلى أيِ حدٍ وصلتْ أخلاقياتُ القوم ! وإلى أي مدىً بلغهُ إيثارُهم لإخوانِهم !يعرضُ سعدٌ ,نصفَ مالهِ ,نصفَ ثروته ,التي جمعَها بكدِّه وعرقه ,ولمْ يجمعْها بوسيلةٍ أخرى , ويعرضُ إحدى زوجتيه ليطلقَها, ويتزوجَها أخُوه الأعزب ,بكلِّ طيبةِ نفس , وبكلِّ استعلاءٍ على شهوةِ التملك , وتقديسِ الذات . ابتغاءَ ما عندَ اللهِ من الأجر والمثوبة !!

أولئك آبائي فجئني بمثلهم **** إذا جمعتنا يا جرير المجامع

الخطبة الثانية

الحمد لله وكفى .. , وبعد

أيُّها الأخُ الحبيب , وقدْ تذكرت الآن , أهميةَ الرابطةِ الأخويةِ الإيمانية بينك وبين إخوانك في العقيدة ,فتذكرْ أنَّ لإخوانك عليك حقاً ,فأرخِ السمعَ غيرَ مأمور ,واستحضرِ القلبَ غير مجبور ،فأولُ واجباتِك تُجاه أخيك ، بذلُ النصحِ له ,وتسديدُه, وتقويمُه ,والصدقُ له في الرأيِ والمشورة ,عندَ البخاري من حديثِ عونِ بنِ أبيِ جُحيفة عن أبيهِ قال : آخى النبيُ صلى الله عليه وسلم بين سلمانَ وأبي الدر داء ، فزارَ سلمانُ أبا الدر داء ، زيارةً لله وفي ذات الله – فرأى أمَّ الدر داء متبذلةً فقال : ما شأنُك ؟ قالتْ أخوكَ أبو الدر داء ليس لـه حاجةٌ في الدنيا ، فجاء أبو الدر داء فصنعَ له طعاماً فقالَ له سلمان : كلْ معي يا أبا الدر داء . قال : إنِّي صائم .قال سلمان : ما أنا بآكلٍ حتى تأكلْ , فأكلَ ، فلما كانَ الليل ، ذهبَ أبو الدر داء ، يقومُ ليصلي صلاةَ التهجد ، فقال له أخُوه الناصحُ الأمين سلمان : نمْ يا أبا الدر داء ، فنام ، ثم ذهبَ أبو الدر داء ليقوم ، فقال لـه سلمانْ : نمْ يا أبا الدر داء فنامْ ، فلما كانَ من آخرِ الليل قال سلمانْ ، قمْ الآن يا أبا الدر داء ؟فقاما معاً فصليا ، فقال له سلمان لأبي الدر داء إنَّ لأهلك حقاً, ولنفسك عليك حقاً ., فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ,صَدَقَ سلمان [2] . أرأيت أخي المسلم كيف تكون الأخوة في الله ؟ وكيف تكون النصيحة للأخ في الله ؟

ومن الواجبات كذلك ما جاء في الحديث الصحيح : « حقُّ المسلم على المسلم ست قيل ما هن يا رسول الله قال إذا لقيته فسلم عليه, وإذا دعاك فأجبه, وإذا استنصحك فانصح لـه, وإذا عطس فحمد الله فشمته, وإذا مرض فعده, وإذا مات فاتبعه » [3] رواه مسلم وغيره .

وحبسنا مّما ذكرنا هذه الإشارات ففيها تذكرة لكل عبد منيب, والله المسوؤل أن يصلح أحوال المسلمين, ويجعلهم جسداً واحداً, متحابين في جلاله . متنعمين برحمته, ورضوانه ، متغييئين جميل كرمه, ونعمائه .

اللهم إنا نسألك رحمة تهدي بها قلوبنا ، وتلم بها شعثنا ، وتذهب بها الفتنة عنّا .

اللهم احفظنا بالإسلام قائمين, وقاعدين, وراقدين, ولا تشمت بنا العداء الحاسدين, برحمتك يا أرحم الراحمين .

---------------------------------------
[1] ـ رواه البخاري ورقمه (1944) .
[2] ـ رواه البخاري (5788) .
[3] - رواه مسلم (2162) .




الدكتور رياض بن محمد المسيميري

عبقور2011
02-25-2011, 03:25 PM
خطبة الشيخ عبد الله بن محمد العسكر
في جامع العز بن عبد السلام في الخرج بعنوان
الحوثيون والحرب بالوكالة
25/11/1430 هـ
الرابط الصوتي للخطبة : http://www.al-3z.net/track.php?id=979

لقد خص الله هذه البلاد بخصائص عظيمة, ومزايا جسيمة, جعلتها تتبوّأ مكانة عالية سامقة لا تضاهيها ولا تدانيها بقعة من بقاع العالم أجمع, ومن تلك الخصائص التي اختص الله بها هذه الجزيرة المباركة( ):
أنها حرم الإسلام ، فهي معلمه الأول ، وداره الأولى ، قصبة الديار الإسلامية ، وعاصمتها، وقاعدة لها على مرِّ العصور، وكرِّ الدهور، منها تفيض أنوار النبوة الماحية لظلمات الجاهلية ، ولذلك جاءت المنح المحمدية في صحيح السنة بما لهذه الجزيرة من خصائص وأحكام ؛ لتبقى هذه المنطقة قاعدة الإسلام دائماً ؛ كما كانت قاعدته أولاً ،ومعقل الإيمان آخراً ؛ كما كانت سابقاً.
ومن خصائصها: ما ثبت في صحيح مسلم عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \"إن الشيطان يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ، ولكن في التحريش بينهم\"
ومنذ بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وهي إلى يومنا دار إسلام - ولله الحمد، حماها الله وسائر أوطان المسلمين- ، ولم يعرف الشرك فيها إلا جزئيا على فترات في فرد أو أفراد ، ثم يهيئ الله على مدى الأزمان من يردهم إلى دينهم الحق .
قال القاضي عياض –رحمه الله- عن مكانة الحرمين: \"و جدير بمواطن عمرت بالوحي و التنزيل ، و تردد بها جبريل و ميكائيل ، و عرجت منها الملائكة و الروح ، و ضجت عرصاتها بالتقديس و التسبيح ،واشتملت تربتها على جسد سيد البشر ، و انتشر عنها من دين الله وسنة رسوله ما انتشر ، مدارس آيات ، و مساجد و صلوات ، ومشاهد الفضائل و الخيرات ، و معاهد البراهين و المعجزات ، ومناسك الدين ، و مشاعر المسلمين ، و مواقف سيد المرسلين ، و مُتَبَوَّأُ خاتم النبيين ، حيث انفجرت النبوة ، و أين فاض عبابها ، و مواطن مهبط الرسالة ، و أول أرض مس جلد المصطفى ترابها -جدير بتلك البقاع- أن تعظم عرصاتها ، وتتنسم نفحاتها\"
يا دار خير المرسلين ومن به ... هدي الأنام وخص بالآيــات
عندي لأجلك لوعة وصبابة ... وتشوق متوقد الجمـــرات
وعليّ عهد إن ملأت محاجري ... من تلكم الجدرات والعرصات
لأعفرن مصون شيبي بينها ... من كثرة التقبيل والرشفــات
ومن تلك الخصائص أيضا: أن جزيرة العرب وقف في الإسلام على أهل الإسلام ؛ على من قال : \"لا إله إلا الله محمد رسول الله\" ، وقام بحقهما.
جزيرة العرب وديعة النبي صلى الله عليه وسلم إلى أمته ،التي استحفظهم عليها في آخر ما عهده النبي صلى الله عليه وسلم .
فهي دارٌ طيبة ، لا يقطنها إلا طيب ، ولما كان المشرك خبيثا بشركه ؛ حُرِّمت عليه جزيرة العرب .
عن عمر رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : \"لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلما\" .رواه مسلم.
ويكفي هذه البلاد شرفاً أنها محضن الحرمين الشريفين, وفيها قبلة المسلمين, وهي خير بقاع الأرض بلا منازع ولو لم يكن البلد الأمين خير بلاد الله، وأحبها إليه ، ومختاره من البلاد ؛ لما جعل عرصاتها مناسك لعباده ؛ فرض عليهم قصدها ، وجعل ذلك من آكد فروض الإسلام ، وأقسم به في كتابه العزيز في موضعين منه ، فقال تعالى : { وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ} ، وقال تعالى : {لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ }.
وليس على وجه الأرض بقعة يجب على كل قادر السعي إليها ،والطواف بالبيت الذي فيها ؛ غيرها ، وليس على وجه الأرض موضع يشرع تقبيله واستلامه ، وتحط الخطايا والأوزار فيه ؛ غير الحجر الأسود ، والركن اليماني .

عباد الله: لأجل هذا كله ما فتئ أعداء الإسلام يحيكون المؤامرات لزعزعة أمن هذا البلاد وتشتيت شملها وإضعاف صوت الحق والسنة فيها.
إنهم يحسدوننا على نعمة التوحيد والأمن والأمان إضافة إلى ما أفاء الله به على هذه البلاد الطاهرة من الخير والبركات مما يزيد من أحقادهم ويشعل الحسد في قلوبهم (قل موتوا بغيضكم إن الله عليم بذات الصدور ).
إن ما يجري هذه الأيام من محاولة يائسة ومكر وغدر وخيانة من فلول الروافض المتاخمين لجنوب البلاد ماهو إلا تأكيد لما ذكرناه.
لقد زيَّنت لهؤلاء الروافض نفوسهم الخبيثة وقلوبهم المريضة فتسللوا بأسلوب ماكر وغدر ظاهر إلى الحدود الجنوبية فقتلوا من قتلوا من حرس الحدود وجرحوا من جرحوا منهم, ثم دخلوا بعض القرى فعاثوا فيها فساداً كما ذكر ذلك رئيس محاكم منطقة جازان الذي شهد بعض أفعالهم المشينة حيث أبان فضيلته بأن بعض المساجد لم تسلم من تخريب الحوثيين فأطلقوا الأعيرة النارية والقذائف على بيوت الله وعاثوا فيها تدنيساً وتشويهاً وخراباً وأوقفوا الأذان فيها ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَـئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَآئِفِينَ لهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ }البقرة114

أيها المسلمون: إن هؤلاء المخربين والمبتدعة الضالين ما كان لهم أن يفعلوا ما فعلوا لولا مساندة دولة الرافضة الظالمة, التي ما إن قويت شوكتها واشتد ساعدها حتى بدت في السعي في تفريق الأمة وزرع بذور الشقاق في أنحائها. وأصبحنا نسمع من أفواه ساستها تصريحات العداء الظاهر والمبطن, وإطلاق التهديدات التي تنبئ عن رغبة جامحة في التمكين لمذهبها المنحرف الذي بني على سب خيار الأمة أصحاب محمد صلى الله عليه وأله وصحبه وسلم والتشكيك في ثوابت الدين ودعائمه المتينة.
إن التاريخ ليشهد على خبث هذه الفئة الضالة, فمن الذي ساهم في إسقاط الخلافة العباسية العريقة وسهًّل للمغول الدخول إلى بلاد الإسلام وإلى عاصمتها بغداد؟
لقد كان ذلك على يد الوزير الرافضي ابن العلقمي وصاحبه نصير الدين الطوسي
لقد هيأ هذان المجرمان للتتر من الأمور ما يمكنهم من السيطرة والاستيلاء على عاصمة الخلافة وقتل الخليفة العباسي المستعصم فقد ذكر في أحداث عام ست مائة وخمسين أن كاتب الوزير ابن العلقمي هولاكو سراً وقال له: إن جئت إلى بغداد سلمتها لك ثم بعد ذلك اجتاحوا عاصمة الخلافة الإسلامية ونهبوا كثيراً من الذهب والحلي , ثم مالوا على أهل السنة في بغداد فقتلوا جميع من قدروا عليه من الرجال والنساء والولدان , حتى دخل كثير من المسلمين في الآبار وأماكن الحشوش , فكان الناس يجتمعون في الدار ويغلقون عليهم الأبواب , فيأتي التتار بدلالة هذا الوزير الخائن فيكسرون الأبواب ثم يدخلون عليهم ويقتلونهم , حتى جرت الميازيب من كثرة الدماء , وبلغ عدد الذين قتلوا في بغداد وحدها مليوناً وثمانَ مئةِ ألف مسلم موحد من أهل السنة !! وبقوا على هذه الحال أربعين يوماً .
كل هذا جرى - عباد الله- بسبب هذا حقد الرافضي الخبيث وصاحبه نصير الدين الطوسي الذي يقول عنه زعيم الرافضة في هذا العصر في كتابه \"الحكومة الإسلامية\"(ص128) ما نصه:\" ويشعر الناس بالخسارة أيضا بفقدان الخواجة نصير الدين الطوسي وأمثاله, ممن قدموا خدمات جليلةً للإسلام\" انتهى كلام عدو الله . وانظروا يا معاشر المسلمين : هذا وأمثاله يعدون في نظر هذا الحاقد ممن قدم خِدمات جليلةً للإسلام .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ....

الخطبة الثانية
لقد أراد هؤلاء الحوثيون أن يقوموا بالوكالة عن أسيادهم المجوس في زعزعة أمن هذه البلاد وإحداث الفوضى والرعب في صفوف أهلها, ولكن وبتوفيق من الله هبَّ جنود الإسلام وحماة الشريعة لصدِّ عدوان المعتدين ودحرهم أذلة صاغرين.
وما من شكٍ لدينا أن ما يقوم به جنودنا البواسل هو باب من أبواب الجهاد العظيمة , كيف لا وهو في سبيل حماية جزيرة الإسلام ومهد الرسالة على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم.
فهنيئاً لكم أيها المرابطون على ثغور الإسلام ما ينتظركم من الأجور الوفيرة والحسنات العظيمة متى ما صلحت نياتكم وابتغيتم بجهادكم وجه الله والدار الآخرة.
ثبت في صحيح مسلم من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَضَمَّنَ اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَإِيمَانًا بِي وَتَصْدِيقًا بِرُسُلِي فَهُوَ عَلَيَّ ضَامِنٌ أَنْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ أَرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ نَائِلًا مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا مِنْ كَلْمٍ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَهَيْئَتِهِ حِينَ كُلِمَ لَوْنُهُ لَوْنُ دَمٍ وَرِيحُهُ مِسْكٌ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْلَا أَنْ يَشُقَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَا قَعَدْتُ خِلَافَ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَبَدًا وَلَكِنْ لَا أَجِدُ سَعَةً فَأَحْمِلَهُمْ وَلَا يَجِدُونَ سَعَةً وَيَشُقُّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي أَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأُقْتَلُ ثُمَّ أَغْزُو فَأُقْتَلُ ثُمَّ أَغْزُو فَأُقْتَلُ\"
إن الجهاد في سبيل الله هو ذروة سنام الإسلام, وركن ركين من أركانه, وهو مصدر عزِّ المسلمين, ومتى تخلت الأمة عنه فإنها-ولا ريب- تسير إلى مستنقعات الذل والهوان. كما أخبرنا بذلك الصادق المصدوق صلى الله عليه وأله وسلم حيث قال:\" وما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا \".
وإن صورة الجهاد يجب أن تبقى ناصعةً برًّاقةً لا يكدر صفوها تلك الأعمال العبثيةُ الطائشة من بعض شبابنا ممن ضلوا الطريق وحادوا عن سبيل الحق فأصبحوا يستهدفون إخوانهم بدل أعدائهم, ويسعون في زعزعة الأمن وإهلاك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد.
إننا يجب أن نقولها صريحة واضحة لا غموض فيها ولا مداهنة ولا تزلفاً إلى جهة أو أشخاص, نقول وبكل وضوح:أن ما يفعل في أرض الإسلام من التفجير والتدمير لهو زيغ وضلال مبين؛ بل هل هو إسعادٌ لأعداء الله وإنْ ظنًّ هؤلاء المساكين أنهم يغيضون العدو بهذه الأفعال, وصدق والله العظيم إذ يقول{أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ }فاطر8
إن أمن هذه البلاد خاصة هو مسئولية الجميع؛ لأنها مأرز الإسلام وحصنه الحصين الذي يجب أن نذود عنه كلًّ مفسدٍ و مخرِّب, ولو استدعى ذلك أن نفَدِّي بأرواحنا ودمائنا وكلَّ ما نملك.
لهذا نقول: إنكم أيها المرابطون في ثغور الإسلام سواءً كان ذلك في داخله أم على حدوده لفي عبادة من أجل العبادات وأعظمها, كيف لا وانتم تحمون بلاد المسلمين وتسهرون لحفظ الأعراض والأموال والأنفس؟
واسمعوا إن شئتم إلى أجور المرابطين في سبيل الله متى ما كانت النوايا خالصة لله تعالى
عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:\" رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها\"
وفي صحيح مسلم عَنْ سَلْمَانَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:\" رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ وَأَمِنَ الْفَتَّانَ\".
وفي صحيح الجامع عن فضالة بن عبيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:\" كل ميت يختم على عمله إلا الذي مات مرابطا في سبيل الله فإنه ينمو له عمله إلى يوم القيامة و يؤمن من فتان القبر\".
وفي صحيح الترغيب والترهيب عن مجاهد رحمه الله أنه كان في الرباط ففزعوا إلى الساحل ثم قيل لا بأس فانصرف الناس ووقف أبو هريرة فمر به إنسان فقال: ما يوقفك يا أبا هريرة فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:\" موقف ساعة في سبيل الله خير من قيام ليلة القدر عند الحجر الأسود\".
وفي الترمذي بسندٍ صحيحٍ عنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:\" عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ\".
هذا كله في حق المجاهد المرابط فكيف بمن مات شهيداً في سبيل الله, مات ونيته حماية بلاد المسلمين والدفاع عن مقدساتهم؟ لاشك أن الأجر أعظم والجزاء أكبر عند من لا يضيع أجر المحسنين {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ {يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ }
سئل عبد الله بن مسعودٍ-رضي الله عنه- عن هذه الآية فقال: أما إنَّا قد سألنا عن ذلك فقال: \"أَرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ، تَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ، فَاطَّلَعَ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ اطِّلاعَةً فَقَالَ: هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا؟ فَقَالُوا: أَيَّ شَيْءٍ نَشْتَهِي وَنَحْنُ نَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنَا؟ فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَنْ يُتْرَكُوا مِنْ أَنْ يُسْأَلُوا قَالُوا: يَا رَبِّ، نُرِيدُ أَنْ تَرُدَّ أَرْوَاحَنَا فِي أَجْسَادِنَا حَتَّى نُقْتَلَ فِي سَبِيلِكَ مَرَّةً أُخْرَى، فَلَمَّا رَأَى أَنْ لَيْسَ لَهُمْ حَاجَةٌ تُرِكُوا\"
عباد الله: لئن حرم بعضنا من الذهاب لمشاركة إخوانه المجاهدين المرابطين في الثغور, الذين يدفعون عن بيضة الإسلام, ويدرؤون الخطر الصفوي الحوثي عن بلادنا فلا أقل من أن نخلفهم في أهليهم بخيرٍ فقد قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:\" مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَدْ غَزَا وَمَنْ خَلَفَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا\". رواه الشيخان
ولا سيما ونحن نستقبل عشراً مباركة العمل الصالح فيها خير من غيرها, , وقد روي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:\" مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ\". رواه البخاري والترمذي واللفظ له.
فأكثروا من العمل الصالح فيها من الذكر والتوبة والدعاء للمرابطين في الثغور الجنوبية, عسى الله تعالى أن يرد الكائدين وينصر المجاهدين, ويحفظ علينا ديننا وبلادنا وأمننا من كل سوءٍ ومكروه إنه سميع مجيب.
وصلوا وسلموا على الهادي البشير ....
اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين و اللهم احفظ بلادنا وبلاد المسلمين من مكر الماكرين وغدر الخائنين, اللهم اجمع شملنا وولاتنا على الحق والهدى يا رب العالمين .
اللهم من أراد هذه البلاد بسوءٍ فاشغله في نفسه ، وردَّ كيده في نحره ، وأدر عليه دائرة السوء يا رب العالمين .
اللهم أمنا في دورنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا , اللهم وفق ولي أمرنا لما تحب وترضى وخذ بناصيته للبر والتقوى. سبحان ربك .....


الحوثيون والحرب بالوكالة

عبدالله بن محمد العسكر

عبقور2011
02-25-2011, 03:27 PM
العنوان: بشائر غزة
الملقي: عبدالله بن محمد العسكر
المكان: جامع الملك عبدالعزيز بمحافظة الخرج - السعودية
التاريخ: 12/1/1430هـ

لا تزال شلالات الدم بأرض فلسطين مستمرة، وما برحت صور الأشلاء المتناثرة والجثث المبعثرة والبيوت المهدمة نراها على الشاشات صباح مساء، عربدة صهيونية غادرة وغطرسة يهودية فاجرة، واستخفاف بكل الأنظمة والدساتير، ونقض لكل العهود والمواثيق، وصدق الله العظيم إذ يقول في كتابه {كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ}.
أجل إنهم لم يرقبوا في إخواننا إلا ولا ذمة.
فحق ضائع وحمى مباح ** وسيف قاطع ودم صبيب
وكم من مسلم أمسى سليباً ** ومسلمة لها حرم سليب
دم الخنزير فيه لهم خلوق ** وتحريق المصاحف فيه طيب
أمور لو تأملهن طفل ** لطفَل في عوارضه المشيب
أتسبى المسلمات بكل ثغر ** وعيس المسلمين إذا يطيب
أما لله والإسلام جند ** تدافع عنه شبان وشيب
فقل لذوي البصائر أين كانوا ** أجيبوا الله ويحكم أجيبوا
أيها المسلمون: إنه ومع عظم البلاء وشدة اللأواء على إخواننا في غزة لا جريحة فإن هناك مبشرات تلوح في الأفق، تؤذن بميلاد فجر جديد لهذه الأمة.
أجل إننا ومع شديد حرقتنا على ما يلقاه إخواننا من القتل والدمار والظلم والحصار إلا أن هناك من البشائر والأخبار ما يبعث الأمل في النفوس ويحي في الأمة معاني العزة والكرامة }لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ{ إن هذه الأزمة الخانقة قد حملت في طياتها خيرا كثيرا ما كان ليبدو لولا حدوث مثل هذه المحن. ومن هذا الخير الذي حملته هذه الكربة:
* انكشاف الصف وتمايز أهل الحق وأهل الباطل. أجل لقد بان النفاق وظهر المنافقون وأصبحنا نسمع ونقرأ كلماتهم التي تفوح منها رائحة الخبث والمكر لهذا الدين وأهله، ورأينا كيف أن بعضهم فرح بمصاب إخواننا؛ بل وأصبح يحث الصهاينة على ضربهم واستئصالهم.
لقد صاروا يشمتون بهم ويقولون كما قال أجدادهم من قبل: }َلوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ{
إنه النفاق الذي تكشفت أقنعته وبان عواره.
واسمع إن شئت قول ربك {مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} وقال {لِيَمِيزَ اللّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىَ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}.
* إن هؤلاء المنافقين قد كشف الله خبايا نفوسهم وأظهر خبث طواياهم فتراهم يسارعون في اليهود ويقولون {نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ}.
ومن البشائر في هذه الحرب الدائرة ظهور جوانب وإلحاق الغدر به، وفي هذا شفاء لصدور المؤمنين وغيظٌ لمرضى القلوب والمنافقين {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللّهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}.
إنه وقع كثرة القتلى في صفوف المؤمنين وعامتهم من الأطفال والنساء والعجزة إلا أن الإثخان في العدو بات واضحاً لكل إنسان، فلقد قتل من اليهود العشرات وجرح ما يزيد على المائة وخمسين.
نقول هذا ونحن جميعاً نعلم التفاوت الرهيب بين سلاح المجاهدين وسلاح اليهود، ولكن من كان الله معه فهو المنصور الغالب لا محالة.
من يتق الله يحمد في عواقبه *** ويكفه شر من عزوا ومن هانوا
فالزم يديك بحبل الله معتصماً *** فإنه الركن إن خانتك أركان
إن الله يؤيد أولياءه بمدد من عنده وجند من جنده وما يعلم جنود ربك إلا هو.
يقول أحد الإخوة: جلست في تلك الليلة إلى اجتاح فيها اليهود غزة برياً مهموماً، والله لم أذق طعم النوم حتى السابعة صباحاً، وكان مما هزّني في تلك الليلة وأسبل دموعي أني وبينما كنت أتابع أخبار إخواننا على شاشة إحدى القنوات التي تعرض الصور حية على الهواء وفي الساعة الثالثة فجراً رأيت الصهاينة يهجمون على أحد الأحياء في غزة بدباباتهم ومدرعاتهم وأنا في حسرة وألم من هذا المنظر وما هو إلا قليل حتى اشتبكت فرقة من المجاهدين معهم بالأسلحة يقول وفجأة إذ بي أسماع أصوات الديكة تنبعث من كل مكان بشكل عجيب ولاقت للنظر. قال وعندها اختلطت أصوات الديكة بأصوات الرصاص بنحيبي وبكائي لأني تذكرت قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا سمعتم صياح الديكة فسلوا الله من فضله فإنها رأت ملكاً".
أجل أولائك جند الله وملائكته، ينزلهم على عباده ليناصروهم ويثبتوهم : {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِقِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}
ولقد تبين في هذه الحرب بجلاء طبيعة اليهود و جبنهم و خورهم و كيف أنهم يختبئون في جوف دبابتهم، بل ذكرت القناة العاشرة في دولة اليهود أن هناك عدداً من الجنود فروا من ساحة القتال و بعضهم يتمارض حتى لا يشارك في المعركة و كل ذلك ذلك خوفاً من الموت { وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ}، { لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاء جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ}.
ومن البشائر في هذه الحرب الدائرة: ما رأيناه من تعاطف المسلمين في مشارق الأرض و مغاربها مع مع إخوانهم المسلمين في غزة مما يشعرك يتضامن الجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى و السهر.
لقد رأينا و سمعنا عن أخبار عدد من أبناء هذه البلاد المباركة وغيرها من بلاد الإسلام ما يبعث في صدر كل مسلم الفخر والعزة، و اتضح ذلك من خلال صور كثيرة من أبرزها التوافد الكبير على التبرع بما تجود به الأيدي نصرة لإخوان الدين و العقيدة. فأحد التجار تبرع بـ 25 مليون ريال، و لا يصرح باسمه لأنه يريد ما عند الله وآخر يتبرع بثلاثين سيارة إسعاف.
امرأة تتبرع بمنزلها البالغ قيمته ستمائة ألف ريال، وفقيرة استلمت نصيبها من الضمان الاجتماعي الاجتماعي فتبرعت به كاملاً، وأخرى مريضة تتبرع بكامل أدويتها، ومعاق يتبرع بكرسيه، وأطفال يتزاحمون في أماكن حملات التبرع ليجودوا بما يستطيعون، ورجل يحمل ما كتب الله من مال ليتبرع به فتباغته المنية وهو في سيارته إثر حادث مروري فيوصل أخوه المال بعد وفاته؛ ليلقى الله على هذه النية الطيبة والخاتمة الحسنة إن شاء الله.
إنها صورة مشرقة ونماذج مفرحة تنبئك أن الخير في هذه الأمة باق ولن ينقطع بحول الله ومشيئته.
لئن كان في الإسلام أوس وخزرج *** فلله أوس قادمون وخزرج
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
{وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ * وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ * وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ * وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَاباً مُّؤَجَّلاً وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ * وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}

الخطبة الثانية
إن من أعظم ما يزيد المؤمن ثباتا في وقت تكالب أعداء الإسلام على ديار المسلمين أن يعلم علم اليقين أن هذا الدين محروس بعين الله التي لا تنام ، وأن صناديد الكفر ودهاقنة الباطل مهما عظمت قوتهم وعلت رايتهم وحاربوا هذا الدين وأهله بشتى الوسائل ومختلف الأسلحة فإنهم – والذي لا إله غيره - لن يستطيعوا القضاء على دين الإسلام
أيطفئ نورَ الله نفخةُ فاجر *** تعالى الذي بالكبرياء تفردا
وقول الله أجل وأبلغ {يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ}
إن هذه المصائب التي يصطلي بنارها إخواننا في فلسطين لم تكن بدعا من تاريخ الإسلام الطويل . فلقد مرت بالمسلمين على مر التاريخ محنٌ ورزايا تفوق الوصف ، ومع هذا كانت العاقبة للمسلمين .
ودعوني أنتقل إلى حقبة من تاريخ المسلمين تعرضوا فيها لأبشع أنواع القتل والتدمير على أيدي همج المغول الذين اجتاحوا بلاد الإسلام قادمين من المشرق فلا يمرون ببلد إلا أبادوا خضراءها وقتلوا رجالها واعتدوا على أعراض النساء فيها وهدموا المساجد وداسوا بخيولهم المصاحف . واسمع إلى ما سطرته يراعة الإمام ابن الأثير الذي شهد بدايات هذا الغزو المغولي المروع يقول رحمه الله : " ثم دخلت سنة سبع عشرة وستمائة ولقد بقيت عدة سنين معرضاً عن ذكر هذه الحادثة استعظاماً لها، كارهاً لذكرها، فأنا أقدم إليه رجلاً وأؤخر أخرى، فمن الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام والمسلمين؟ ومن الذي يهون عليه ذكر ذلك؟ فيا ليت أمي لم تلدني، ويا ليتني مت قبل حدوثها وكنت نسياً منسياً، إلا أني حثَّني جماعة من الأصدقاء على تسطيرها وأنا متوقف، ثم رأيت أن ترك ذلك لا يجدي نفعاً، فنقول:هذا الفعل يتضمن الحادثة العظمى والمصيبة الكبرى التي عقمت الأيام والليالي عن مثلها ، عمت الخلائق ، وخصت المسلمين، فلو قال قائل: إن العالم مذ خلق الله سبحانه وتعالى آدم وإلى الآن، لم يُبتلوا بمثلها؛ لكان صادقاً، فإن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها ولا ما يدانيها.فهؤلاء ( يعني التتر ) لم يبقوا على أحد، بل قتلوا النساء والرجال والأطفال، وشقوا بطون الحوامل، وقتلوا الأجنة، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم" أ.هـ
هذا مع أن ابن الأثير لم يشهد الفاجعة الكبرى والبلية الجلى وهي سقوط بغداد على أيدي هؤلاء الجبارين حيث إن ابن الأثير قد توفي قبل أن يشهد سقوط عاصمة الخلافة ودار الرشيد المفجوعة في الماضي والحاضر ....
قال ابن كثير في البداية والنهاية : "وقد اختلف الناس في كمية من قتل ببغداد من المسلمين في هذه الوقعة ، فقيل ثمانمائة ألف، وقيل ألف ألف وثمانمائة ألف، وقيل بلغت القتلى ألفي ألفِ نفس ...وكان دخولهم إلى بغداد في أواخر المحرم، وما زال السيف يقتل أهلها أربعين يوما، وقُتِل الخليفة المستعصم بالله ، وكان الرجل يؤخذ من دار الخلافة من بني العباس فيُذهب به مع أولاده ونسائه إلى مقبرة الخلال فيُذبح كما تذبح الشاة، ويؤسر من ي،يـُختار من بناته وجواريه.وقتُِل الخطباء والائمة، وحملةُ القرآن، وتعطلت المساجد والجماعات والجُمُعات ، ولما انقضى الأمر المقدر وانقضت الأربعون يوما بقيت بغداد خاوية على عروشها ليس بها أحد إلا الشاذ من الناس، والقتلى في الطرقات كأنها التلول، وقد سقط عليهم المطر فتغيرت صورهم وأنتنت من جيفهم البلد، وتغير الهواء فحصل بسببه الوباء الشديد ، حتى تعدى وسرى في الهواء إلى بلاد الشام، فمات خلق كثير من تغير الجو وفساد الريح، فاجتمع على الناس الغلاء والوباء والفناء والطعن والطاعون، فإنا لله وإنا إليه راجعون.ولما نودي ببغداد بالأمان خرج مِنْ تحت الأرض مَن كان بالمطامير والقنى والمقابر كأنهم الموتى إذا نبشوا من قبورهم، وقد أنكر بعضهم بعضا فلا يَعرف الوالد ولده ولا الأخُ أخاه، وأخذهم الوباء الشديد فتفانوا وتلاحقوا بمن سبقهم من القتلى، واجتمعوا تحت الثرى بأمر الذي يعلم السر وأخفى " أ.هـ إلى آخر ما ذكر من الفواجع التي تشيب لها رؤوس الولدان .
ونحن حين نقرأ هذا الوصف من ابن الأثير وابن كثير لا يظن أحد أن تقوم للإسلام قائمة ، ولكن ما الذي حدث بعد ذلك ؟ والله ما هي إلا سنيات معدودة حتى أعز الله المسلمين على يد علماءٍ وأمراءٍ صالحين كشيخ الإسلام ابن تيمية والقائدِ الفذ سيفِ الدين قطز ، فانتصروا على هؤلاء المفسدين في معركتين شهيرتين من معارك الإسلام الخالدة معركة ( شقحب ) ومعركة ( عين جالوت ).بل وأعجب من هذا أن المغول دخلوا في دين الله أفواجا .
وقد يتساءل بعض المسلمين : لماذا يمكّن الله للكافرين ويقدر على المسلمين هذه الابتلاءات مع أنهم على الحق وعدوَّهم على الباطل ؟
أدع الجواب للإمام ابن القيم رحمه اللفه حيث يقول :" إن ابتلاء المؤمنين بغلبة عدوهم لهم وقهرهم وكسرهم لهم أحيانا فيه حكمة عظيمة لا يعلمها على التفضيل إلا الله عز و جل
فمنها : استخراج عبوديتهم وذلِّهم لله وانكسارهم له وافتقارهم إليه وسؤاله نصرَهم على أعدائهم . ولو كانوا دائما منصورين قاهرين غالبين لبَطَروا وأَشَروا ، ولو كانوا دائما مقهورين مغلوبين منصورا عليهم عدوُّهم لما قامت للدين قائمة ، ولا كانت للحق دولة فاقتضت حكمة أحكم الحاكمين أن صرَّفهم بين غَلَبِهم تارة وكونهم مغلوبين تارة ،فإذا غُلِبوا تضرعوا إلى ربهم وأنابوا إليه وخضعوا له وانكسروا له وتابوا إليه ، وإذا غَلَبوا أقاموا دينه وشعائره وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وجاهدوا عدوه ونصروا أولياءه " أ.هـ.

إن المبشرات بنصر هذا الدين كبيرة ، وبوادر النصر قريبة بحول الله ؛ لأن هذا الدين منصور بقوة سماوية علوية تتضاءل أمام قوى الأرض جميعا .
إن نصر الإسلام ليس مرهونا بشخص ولا بجماعة ولا حتى بدولة كاملة ؛ إنما أمره للذي إذا أراد شيئا قال له كن فيكون . وإلا فهذا رسول الله قد مات وهي أعظم فجيعة أصيب بها المسلمون فهل مات الدين ؟ هل انحسر المد الإسلامي ؟ كلا وألف كلا ، بل بقي الإسلام شامخا عزيزا .وسيبقى كذلك حتى يرث الله الأرض ومن عليها .

أسوق إليكم جملة من المبشرات بنصرة هذا الدين والتمكين له في العالمين ، حتى تكون مطمئنة لنا ن باعثة للرجاء في قلوبنا .وكل هذه المبشرات من كلام الباري جل وعلا وكلام الذي لا ينطق عن الهوى - صلى الله عليه وسلم- :
قال الله تعالى : {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}
وقال أصدق القائلين : (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ )
ومما جاء عنه - صلى الله عليه وسلم- في هذا الباب :
روى مسلم عن ثوبان رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن الله عز وجل زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها ، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها ".
وفي مسند أحمد عن أبي بن كعب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة والدين والتمكين في الأرض"

وفي صحيح الجامع عن أبي أمامة - رضي الله عنه – قال : قال - صلى الله عليه وسلم- :"إن الله استقبل بي الشام و ولى ظهري اليمن و قال لي : يا محمد إني جعلت لك ما تجاهك غنيمة ورزقا و ما خلف ظهرك مددا ، و لا يزال الإسلام يزيد ، وينقصُ الشركُ و أهله حتى تسير المرأتان لا تخشيان إلا جورا ، و الذي نفسي بيده لا تذهب الأيام و الليالي حتى يبلغ هذا الدين مبلغ هذا النجم ".

وأخرج مسلم عنه - صلى الله عليه وسلم- قال : " لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوهم لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة و هم على ذلك " . ولا نحسب إلا أن إخواننا الصامدين في أرض غزة الصامدة هم من هذه العصبة المجاهدة الصابرة التي لا يضرها من خالفها وضيَّق عليها وخذلها ورمى أهلها بأبشع التهم والنقائص .

وقد كنت بالأمس القريب أستمع لأحد المداخلين في إحدى الإذاعات وهو يتهم المجاهدين في غزة بأنهم خونة وعملاء !! فيا سبحان إذا كان هؤلاء الذين بذلوا أرواحهم وأموالهم وأولادهم دفاعا عن الأرض المباركة والقدس الشريف هم العملاء فقل لي بربك من هم الشرفاء المخلصون إذا ؟!
إن وعد الله آت وإن طال الزمان فربنا لا يخلف الميعاد وليسمعن المجاهدون الصابرون في أرض الإسراء والمعراج الحجر وهو يناديهم : يا مسلم يا عبدالله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله .
هذا ما أخبر به المعصوم - صلى الله عليه وسلم- فأكثروا من الصلاة والسلام عليه

بشائر غزة

عبدالله بن محمد العسكر

عبقور2011
02-25-2011, 03:29 PM
عزاء لأهل البلاء









الحمد لله الصبور الشكور ، العلي الكبير ، السميع البصير ، جرت مشيئته في خلقه بتصاريف الأمور ، وأسمعت دعوته لليوم الموعود أصحاب القبور ، قدّر مقادير الخلائق وآجالهم ، وكتب آثارهم وأعمالهم ، وخلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً وهو العزيز الغفور . القاهر القادرُ فكل عسير عليه يسير ، وهو المولى ، فنعم المولى ونعم النصير ، يسبِّح له ما فغي السموات وما في الأرض ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير 0
وأشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، جلّ عن الشبيه والنظير ، وتعالى عن الشريك والظهير ، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير 0
وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله ، خيرته من بريته ، وصفوته من خليقته ، أعرف الخلق به ، وأعظمهم له خشية ، أسلم قلبه وقالبه لربه ، وأناب إليه في كل أمره ، وقضى حياته عبادة وجهادا وصبرا ومصابرة حتى أتاه اليقين ، وما من خير إلا دلَّ أمته عليه ، وما من شر إلا حذَّرها منه ، وما مات وطائر يطير بجناحيه في السماء إلا وأعطانا منه خبرا ، فاللهم صلِّ عليه وسلم ، وبارك وأنعم ، وأجزه خير الجزاء وأوفاه ، وأعلاه وأسناه ، واحشرنا اللهم في زمرته يوم يقوم الأشهاد . واجعلنا من أتباع سنته ، وحماة شريعته ، وتوفنا على ذلك غير مبدلين ولا مضيعين ، آمين ، آمين . أما بعد :
فالسلام عليكم معاشر الإخوة والأخوات ورحمة الله وبركاته .وأسأل الله بمنه وكرمه أن يجعل هذا اللقاء مباركاً نافعاً لمن قاله ، ومن سمعه .

أيها الأحبة الأجلاء : هذه تذكرة لأولي الألباب وتسلية لكل محزون ومصاب ، تشرح صدره ، وتجلب صبره ، وتهون خطبه ، وتنفس كربه .
وهي وقفات مع آي الكتاب العظيم ، وأحاديث المصطفى الكريم ، وتجوالٌ في سير عباد الله الصالحين ، ممن ألمت بهم المصائب ، وحلت بهم الكوارث والفواجع ، فثبتوا وصبروا ، وحمدوا ربهم وشكروا ، فكانوا مضرب المثل في الرضا بمرِّ القضا ، والصبر على ما كتب الله عليهم من عظيم البلا . إنها تسليةٌ لكل مكروب ومنكوب ، وعزاءٌ لمن حلت به مصيبة ، ونزلت به فجيعة .
دعونا – أيها الإخوة والأخوات – نسير وإياكم في أفياء هذه الكلمات ، ونقف مع عبرها وآياتها وقفات ووقفات ، فلعل كلمة منها تقع في قلب مكروب طال حزنه ، وغشيه من الهم ما غشيه ، فتسليه وتعزيه ، وتصبره وتثبته .
أيها الأخ المكروب ، أيها المحزون المهموم :
إني أعزيك لا أني على ثقة *** من الحياة ، ولكن سنة الديـن
فما المعزَّى بباقٍ بعد ميِّتـهِ *** ولا المعزِّي ، ولو عاشا إلى حينِ
فأسلم إليَّ قلبك – وفقك الله- ، وأنصت إلى هذا الحديث ، فلعل الله أن يجمع لك به بين سعادة الدنيا ونعيمِ الآخرة ، وما ذلك على الله بعزيز .وتأمل معي هذه الوقفات ، ففيها آيات وعظات ، لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد .

الوقفة الأولى : الابتلاء سنة الله في خلقه .
هي سنة علينا وعلى من سبقنا ، ومن سيأتي بعدنا { أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ } .
إن الدنيا – أخي – دار امتحان واختبار ، وأسقام وأكدار .
فالمرء رهن مصائب لا تنقضي *** حتى يوسَّد جسمه في رمسه
فمؤجلُ يلقى الردى في غيره *** ومعجل يلقى الردى في نفسه
== تذكر أخي المكروب أن هناك خلقاً غيرك ممن حلت بهم المصائب ، فلست وحدك في ساحة الابتلاء ؛ بل لا أبالغ إذا قلت : إنه لا يوجد أحد إلا ولديه ما يُهِمُّه ويحزنه .
كل من لاقيت يشكو دهره *** ليت شعري هذه الدنيا لمن؟
== إن الدار التي ليس فيها كدر ولا حزن ، هي الجنة جعلني الله وإياك من أهلها . نعم تلك المَحَلَّة التي يكون فيها النعيم والسرور سرمدياً أبدياً ، لا يحول ولا يزول .
وأهلها في فرح دائم ، ومتعة باقية { لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ } فاصبر وصابر لها واحصد ما استطعت من الحسنات فلعلك أن تظفر بها وتكون من أهلها .
== إن هذه الدنيا أيها الحبيب مليئة بالهموم والأكدار
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : "إن لكل فرحة ترحة ، وما مليء بيت فرحاً إلا مليء ترحا" وقال ابن سيرين : "ما ضحكٌ إلا كان بعده بكاء ".

الوقفة الثانية : سبب المصيبة
إن المصيبة حين تحل بالعبد فلابدَّ أن يكون لنزولها سب ، وهذا السببُ في غالب الأمر لأجل ما كان من العبد من معصية اجترحتها يداه ، أو تفريطٍ في طاعة مولاه .
قال تعالى : { وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير } ، وقال سبحانه : { أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا ؟ قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير } 0
== وروى الطبري وصححه الألباني عن البراء رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما اختلج عرقُ (أي اضطرب ولا تحرك عرق) ولا عينُ إلا بذنب ، وما يدفع الله أكثر " 0
== قال ابن سيرين – رحمه الله – " إني لأعلم الذنب الذي حرمت به قيام الليل أربعة أشهر ذاك ني قلت لرجل : يا مفلس " !! قال أبو سليمان الداراني : " قلّت ذنوبهم فعرفوا من أين أوتوا وكثرت ذنوبناً فلم ندر من أين نؤتى " والله المستعان .
== وسار أحد العلماء ومعه أحد طلابه فمرَّت امرأة فأطلق الطالب بصره فيها ، فقال الشيخ : " والله لتجدنَّ غبها ولو بعد حين " فنسيَ القرآن بعد أربعين سنة ، وقد كان حافظاً له . نعوذ بالله من سخطه وعقابه 0

الوقفة الثالثة : من أسرار الابتلاء وحكمه
ذكر ابن القيم – رحمه الله – بعضها في إغاثة اللهفان : ومنها : حصول الإخلاص في الدعاء ، وصدق الإنابة إلى الله ، والالتجاء وشدة التضرع بمن لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء { وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ...} ومن فوائد الابتلاء : تمحيص الذنوب والسيئات ، وبلوغ الدرجات العلية في الجنات "إلى آخر ما ذكر رحمه الله .
== روي أنه كان في زمن حاتم الأصم رجل يقال له : معاذ الكبير . أصابته مصيبة ، فجزع منها وأمر بإحضار النائحات وكسر الأواني . فسمعه حاتم فذهب إلى تعزيته مع تلامذته ، وأمر تلميذاً له . فقال : إذا جلست فاسألني عن قوله تعالى : { إن الإنسان لربه لكنود } فسأله فقال حاتم : ليس هذا موضع السؤال . فسأله ثانيا ، وثالثا . فقال : معناه أن الإنسان لكفور ، عداد للمصائب ، نساء للنعم ، مثل معاذ هذا ، ان الله تعالى متعه بالنعم خمسين سنة ، فلم يجمع الناس عليها شاكراً لله عز وجل . فلما أصابته مصيبة جمع الناس يشكو من الله تعالى ؟!!
فقال معاذ : بلى ، إن معاذاً لكنود عداد للمصائب نساء للنعم . فأمر بإخراج النائحات وتاب عن ذلك .

الوقفة الرابعة : إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب
{ ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين ، الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله ... وأولئك هم المهتدون}
قال صلى الله عليه وسلم : " ما رُزِقَ عبدُ عطاء خيراً له ولا أوسعَ من الصبر " رواه الحاكم وصححه الألباني
أما مصيبة المرض ، فإن الله جعلها تذكرة وتنبيهاً للمؤمن ، ليعود إلى ربَّه ، وتنكسرَ نفسُه بين يديه جل وعلا . وقد جعل الله الأجور الوفيرة لمن صبر على مرضه الذي نزل به .
== والمرض إما أن يكون حسياً عضوياً ، أو يكونَ مرضاً نفسياً ، والأمراض في كلَّ منهما تتفاوتُ درجاتُها ، ولكنْ على قدر المشقة والألم يكون الأجر والجزاء .
فإذا حلَّ بك مرض – صغيراً أو كبيراً – فاصبر عليه صبر الراضي بقضاء الله وقدره ،

وتذكر ما أعده الله للصابرين على ما أصابهم من الأمراض والأوجاع ، ومن ذلك مثلا :
• ما رواه البخاري عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ ( تعب ) وَلَا وَصَبٍ ( مرض ) وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ " وفي هذا الحديث دلالة على أن المرض النفسي كالبدني في تكفير السيئات .
• في صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ ( مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِه)ِ بَلَغَتْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَبْلَغًا شَدِيدًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " قَارِبُوا وَسَدِّدُوا فَفِي كُلِّ مَا يُصَابُ بِهِ الْمُسْلِمُ كَفَّارَةٌ حَتَّى النَّكْبَةِ يُنْكَبُهَا أَوْ الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا " .
• َوفي المسند أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ الصَّلَاحُ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ فَكُلَّ سُوءٍ عَمِلْنَا جُزِينَا بِهِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " غَفَرَ اللَّهُ لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ أَلَسْتَ تَمْرَضُ أَلَسْتَ تَنْصَبُ أَلَسْتَ تَحْزَنُ أَلَسْتَ تُصِيبُكَ اللَّأْوَاءُ قَالَ بَلَى قَالَ فَهُوَ مَا تُجْزَوْنَ بِهِ" .
• في صحيح مسلم عن جَابِر بن عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى أُمِّ السَّائِبِ أَوْ أُمِّ الْمُسَيَّبِ فَقَالَ مَا لَكِ يَا أُمَّ السَّائِبِ أَوْ يَا أُمَّ الْمُسَيَّبِ تُزَفْزِفِينَ قَالَتْ الْحُمَّى لَا بَارَكَ اللَّهُ فِيهَا فَقَالَ لَا تَسُبِّي الْحُمَّى فَإِنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ كَمَا يُذْهِبُ الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيد "
== والمرض خير للإنسان ، وعلامة من علامات الإيمان ، وأما من لم يصب بالمرض ولا بشيء من الأسقام فذاك نذير خطر ، وعلامة شر .
• جاء في صحيح البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ خَامَةِ الزَّرْعِ يَفِيءُ وَرَقُهُ مِنْ حَيْثُ أَتَتْهَا الرِّيحُ تُكَفِّئُهَا فَإِذَا سَكَنَتْ اعْتَدَلَتْ وَكَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ يُكَفَّأُ بِالْبَلَاءِ وَمَثَلُ الْكَافِرِ كَمَثَلِ الْأَرْزَةِ صَمَّاءَ مُعْتَدِلَةً حَتَّى يَقْصِمَهَا اللَّهُ إِذَا شَاءَ " .
وفي المسند وصححه أحمد شاكر وشعيب الأرناؤوط عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ دَخَلَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ أَخَذَتْكَ أُمُّ مِلْدَمٍ قَطُّ قَالَ وَمَا أُمُّ مِلْدَمٍ قَالَ حَرٌّ يَكُونُ بَيْنَ الْجِلْدِ وَاللَّحْمِ قَالَ مَا وَجَدْتُ هَذَا قَطُّ قَالَ فَهَلْ أَخَذَكَ هَذَا الصُّدَاعُ قَطُّ قَالَ وَمَا هَذَا الصُّدَاعُ قَالَ عِرْقٌ يَضْرِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ فِي رَأْسِهِ قَالَ مَا وَجَدْتُ هَذَا قَطُّ فَلَمَّا وَلَّى قَالَ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا "
== وفي كتاب الزهد لهنّاد عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : " إنكم ترون الكافر من أصح الناس جسما وأمرضِهم قلبا ، وتلقون المؤمن من أصح الناس قلبا ، وأمرضهم جسما ، وايم الله لو مرضت قلوبكم وصحت أجسامكم لكنتم أهون على الله من الجعلان " .
== الشيخ ابن باز يبكي لعدم إصابته بالمرض !!
== ومن أعظم المصائب التي تقع كثيرا ويحسن الحديث عن فضل الصبر عليها واحتساب الأجر في حق من حلت به : المصيبة بفقد الأولاد والأحباب
فلا شك أنها من أعظم البلاء على النفس وموتُ الولد خاصة (ذكراً كان أو أنثى) فجيعةٌ وأيُّ فجيعة ، ومن ذاق الفراق عرف طعمَه المر قال بعضهم :
بُنيَّ إن عدمتُك في حياتي *** فلن أعدِمك ذخراً في المعادِ
وكنتَ حُشاشتي وجلاءَ همَّي *** وإلفي والمفرَّجَ عن فؤادي
• ففقد الولد لا شك أنه من أشد البلاء وأقساه فالولد قطعة من والديه ولهذا جاء في سنن الترمذي وحسنه الألباني عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " قال إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته قبضتم ولد عبدي فيقولون نعم فيقول قبضتم ثمرة فؤاده فيقولون نعم فيقول ماذا قال عبدي فيقولون حمدك واسترجع فيقول الله ابنوا لعبدي بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد "
ولكن نقول : أيها المبتلى بفقد ولده : كان ما كان ، وذهب ولدك فما أنت صانع ؟! وإلى أين المفر والمشتكى ؟
مالك إلا الصبرُ الجميل ، الصبر الذي لا شكوى فيه ، والرضا والتسليم بما كتب الله ، فتلك وديعة الله عندك ، وقد استردها ، ونحن ملكُه وعبيده ، والخلقُ خلقُه ، والأمر أمرُه .فاصبر وصابر 0
اصبر لكل مصيبة وتجلَّدِ *** واعلم بأن المرء غير مخلَّد
واصبر كما صبر الكرامُ فإنها *** نُوَبٌ تنوب اليوم تكشف في غدِ
وإذا أتَتك مصيبة تَشجى لها *** فاذكر مصابك بالنبي محمد
== وههنا أيها المفجوع بفقد ولده جملة من المبشرات لمن صبر على ما أصابه ، لعلَّها أن تسلَّيَك وتعزيَك ، وتنفس عنك شيئاً من همومك وأحزانك
• وفي سنن النسائي ومسند الإمام احمد بسند صححه الألباني معاوية بن قرة يحدث عن أبيه قال : ( قصة الأب وابنه الذي مات )
• في سنن ابن ماجه وحسنه الألباني عن عتبة بن عبد السلمي فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ما من مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا تلقوه من أبواب الجنة الثمانية من أيها شاء دخل "
• وعند ابن ماجة وصححه الألباني عن معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " والذي نفسي بيده إن السقط ليجر أمه بسرره إلى الجنة إذا احتسبته "

الوقفة الخامسة : الحزن لا ينافي الصبر
• في صحيح البخاري عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال أرسلت ابنة النبي صلى الله عليه وسلم إليه إن ابنا لي قبض فائتنا فأرسل يقريء السلام ويقول إن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل عنده بأجل مسمى فلتصبر ولتحتسب فأرسلت إليه تقسم عليه ليأتينها فقام ومعه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد بن ثابت ورجال فرفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبي ونفسه تتقعقع قال حسبته أنه قال كأنها شن ففاضت عيناه فقال سعد: يا رسول الله ما هذا ؟ فقال: " هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده وإنما يرحم الله من عباده الرحماء"
== والحذر الحذر من الجزع عند نزول المصيبة فإنها علامة سوء وآية من آيات الخذلان . واعتراضٌ على الرب جل وتقدس ، ومن مظاهر الجزع والتسخط على قضاء الله وقدره : النياحة على الميت ، والصراخُ والعويل ، وشقُ الجيوب ولطم الخدود ، ونحوُ ذلك مما هو من طباع أهلِ الجاهلية 0
== ثبت في صحيح البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية "
وجاء في صحيح مسلم عن أبي مالك الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " النائحةُ إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرعٌ من جرب "
فالصبر الصبر عباد الله فهو المربح والنجاة .
وإذا تكالبت عليك – أخي الحبيب – الهموم ، وأحاطت بك الأحزان والغموم ، فيمم وجهك للحي القيوم وبث الشكوى إليه فهو السامع لكل شكوى العالم بكل نجوى .
إذا اشتملت على اليأس القلوب *** وضاق بما به الصدر الرحيب
وأوطنت المكاره واطمأنت *** وأرست في أماكنها الخطوب
ولم تر لانكشاف الضر نفعاً *** وما أجدى بحيلته الأريب
أتاك على قنوط منك غوث *** يمن به اللطيف المستجيب
اللهم فارج الهموم ، كاشف الغموم ، سامع النجوى ، رافع البلوى ، يا من عز جاره ، وجل ثناؤه ، وتقدست أسماؤه ، يا غياث الملهوفين ، ويا رجاء المنقطعين ، ويا راحم المستضعفين ، ارزقنا الصبر على البلاء ، والرضا بمرّ القضا ، واملأ قلوبنا أنساً بذكرك ، وطمأنينة بوعدك .









عبدالله بن محمد العسكر

عبقور2011
02-25-2011, 03:31 PM
العاصم من فتن الشهوات

( لا يتفاضل الناس في مراقي الشرف والمجد، ولا تنزل الهمم وتسقط التطلعات إلا بمقدار ما تتمتع به النفوس من ضبط السلوك وقوة الإرادات ). فالمرء صاحب السلوك السوي والنفس الخيرة يتجلى فيه مظهر الكرامة الإنسانية مطبوعًا على أجمل صورة من الكمال والنبل، وبسبب ضعف هذه النفس وهوانها وانسياقها خلف شهواتها ينـزل المرء من سماء الإنسانية العالي ليكون أشبه بالحيوان ساقطًا مهملاً كما قال الله ( أولئك كالأنعام بل هم أضل ) .

إن قيمة المرء : إيمانه بربه ، وصدقه في مراقبة مولاه ، وميزانه : نزاهته وسمعته ، وشرفُه : في طهارة عرضه وبياض صفحته ، وبعدِه عن كل ساقط من الفعال وخبيث من الخلال .
ومع كثرة المغريات في هذا الزمان ، وتنوعِ أبواب الشر ووسائل الإغراء الشيطاني تغيرت سلوكيات كثير من المسلمين رجالا ونساء ، ليس الشباب منهم فحسب _ وإن كانوا هم الفئةَ الأكبر _ بل وبعض من يوصفون بالراشدين والعقلاء ممن يفترض فيهم العقل والحكمة والتوجيه ، وهي حقيقة يجب أن نعترف بها وأن الا نتجاهلها .

إنه ومع الأسف الشديد قد عمّت الفتنة وطمت ، وأصابت بغبارها فئاما كثيرة من المسلمين نظرا لضخامة تلك الفتنة وبشاعتها ، وفي المقابل ضعفُ الوازع وندرة الناصح وضعف الرقيب . ثمثل ذلك في صور عديدة منها :
1- السفر لبلاد الإباحية والخنا والفجور تلك البلاد التي لا تمانع من ارتكاب الحرام بل على العكس من ذلك فإنهه تَعرِض المعصية في صور فتانة ومكر شيطاني كبار . ومع أننا لا نتهم كل من ذهب إلى تلك البلاد بارتكاب ومعاقرة تلك الفواحش والموبقات إلا أننا نعجب من أقوام يظن فيهم العقل والاتزان يذهبون بأزواجهم وأبنائهم وبناتهم الذين لا يزالون في سن المراهقة فيقذفون بهم في أتون تلك الأماكن الموبوءة ليروا بأعينهم صور النساء والرجال بالألبسة الفاضحة والمناظر المخلة بالآداب .
أفلا يتقي الله ذلك الأب الذي استأمنه الله على هذه الرعية التي سيسأل عنها لا محالة في يوم تزل فيه الأقدام ويخرس فيه اللسان .
أفيجلس المسكين يربي أولاده جل العام على الفضيلة والحشمة والخلق والدين ثم يُفسد ذلك كله بسفرة قصيرة تبقى صورتها محفورة في نفوس ناشئته وفلذات كبده لا يدرى ما عواقبها ؟!
متى يبلغ البنيان يوما تمامه *** إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم

2- ومن مظاهر الانكباب على الشهوات والرتوع في حظيرة المعصية الولع الشديد بمشاهدة المناظر المنحلة والأفلام الخليعة التي أصبحت ومع الأسف تتنافس في بثها بعض القنوات الفضائية العربية مع الأسف ، ليس لملاكها هم سوى جمع الدرهم والدينار فحسب ، فتراها تنشر مسلسلات الغرام والعشق ، وثبث مشاهد الرقص والغناء ، ولا تبال بعد ذلك في أي واد هلك الناس !!.
أجل إنهم أهل الشهوات ومروجو الرذيلة ، الحريصون على إفساد عباد الله ، أصحاب مشاريع الفساد في الأمة ، المتفنون في إغواء المسلمين بمكر ودسائس لم يبلغها حتى الشيطان فصار الحال بأحدهم كما قال القائل :
وقد كنت جنديا لإبليس فارتقى *** بي الحال حتى صار إبليس من جندي
ولولا أن هؤلاء المفسدين وجدوا من المسلمين من يتشرب هذا الفساد ويروق له ذلك الضياع و إلا لما وصلوا إلى ما وصلوا إليه من التقدم الهائل في خطط الفساد والإفساد .

3- ومن مظاهر الرتوع في الشهوات والانغماس فيها التهافت غير المسبوق من كثير من الشباب على مواقع الانحلال والمنتديات المنتشرة وبكثرة على الشبكة العنكبوتية . فأصبح بعض يقضي أمام شاشاتها الساعات تلو الساعات يحرق زهرة عمره ، ويضيع ماله ودينه قبل ذلك في مشاهدة الصور ، والدخولِ في حوارات بين الجنسين من الشباب والشابات يندى لها الجبين ، وتدمى لها قلوب أهل الغيرة والصلاح !!
وفي هدأة الليل وسكونه ، وفي غفلة من الوالدين تدور تلك المحادثات والحوارات التي تسخط الباري جل في علاه . فإلى الله المشتكى ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

أيها الإخوة في الله : إن الأمر خطير ، وإن الشر قد استفحل ، ووقع في براثنه وشباكه أناس ما كان يظن بهم والله ذلك . وما ذاك إلا بسبب القرب من حبائل الشيطان والبعد عن حبل الواحد الديان .
فإلى من غرق في بحر الشهوة أو كاد : إن الواجب المتحتم علينا فعلُه أن نذكِّر ببعض ما يعين على الإقلاع عن تلك المعاصي التي تسخط رب الأرباب ، ولعل من يسمع هذا الحديث أن يأخذ بها فيسعده الله في الدارين وينجيه من مغبة هذه الذنوب وتلك الخطايا .فمن اعتبر فذاك الظن بكل مسلم يرجو لقاء الله ، ومن أعرض فأمره إلى الله ، وهو الحسيب الرقيب {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء }

مما يعين على ترك الفاحشة :
أولا : تذكر أخي حين تهم نفسك بالمعصية ربا لا يحجب بصره حجاب ، ولا يغلق عنه باب ... إنه العالم بالسرائر ، كما أنه العالم بالعلانية ، الذي لا تخفى عليه خافية ، ولا يمنع بصرَه أن يكون الإنسان في قعر داره ، أو أن يتدثر بلحافه ، أو أن يكون في جوف البحار أو فوق قمم الجبال ... كل ذلك لا يمنع من رؤية الله له ، فسبحانه من إله عظيم ، وربٍّ لطيف خبير ...
فمن علِم ذلك فليخجل من ربه وليستح منه !! كيف يجترئ على معصيته وهو يعلم أن الله يراه {ألم يعلم بأن الله يرى} ؟!! {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ}
وإذا خلوت بريبة في ظلمة *** والنفس داعية إلى الطغيان

ثانيا : إن مما يعين وبشكل كبير على ترك ما حرم الله من الفواحش البعد عن مواطنها وأماكنها قال تعالى : ( ولا تقربوا الزنا ) . فالحذر الحذر من الاقتراب من مقدمات الفاحشة . ومما يعين على ذلك غض البصر ؛ فإن فيه راحة للقلب ، وطمأنينة في النفس ، وحلاوة يهبها الله لذلك الغاض لبصره طلبا لمرضاة الله ، وفي الحديث القدسي وفي سنده مقال ( النظرة سهم مسموم من سهام إبليس من تركه مخافتي أبدلته حلاوة يجدها في قلبه ) .
أما حين تطلق بصرك في الحرام فإن الحسرة لا تفارقك ، والهموم لا تزايلك ، ومع هذا فإنك لم تستفد شيئا من نظرك سوى الكدر والسآمة !!
وكنت متى أرسلت طرفك رائدا *** لقلبك يوما أتعبتك المناظر
رأيت الذي لا كله أنت قادر *** عليه ولا عن بعضه أنت صابر
ثالثا : وإن مما يعين المرء على ترك سبيل الفاحشة وطريقها التأمل فيما أعده الله لأهلها يوم القيامة ، قال تعالى : { وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً }
وفي صحيح البخاري في حديث المنام الطويل وفيه أنه عليه الصلاة والسلام جاءه جبريل وميكائيل عليهما السلام قال: " فانطلقنا فأتينا على مثل التنور؛ أعلاه ضيق وأسفله واسعٌ فيه لَغَطٌ وأصوات؛ قال: فاطلعنا فيه فإذا فيه رجالٌ ونساءٌ عراةٌ فإذا هم يأتيهم لهبٌ من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك ضوضوا ـ أي صاحوا من شدة الحر ـ فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟! قال: هؤلاء الزناة والزواني " فهذا عذابهم إلى يوم القيامة عياذًا بالله.
وأخرج الإمام أحمد في كتاب الزهد عن عيسى عليه السلام قال : ( لا يكون البطالون حكماء، ولا يلج الزناة ملكوت السماء. وفي جهنم نهر يقال له نهر الغوطة يجري من فروج المومسات يؤذي أهلَ النار ريحُ فروجهم ) . أجارنا الله وإياكم من خزيه وعذابه .
يقول الإمام أحمد: لا أعلم بعد القتل ذنبًا أعظم من الزنا.
رابعا : من عوامل ترك الفواحش أن يتذكر ذلك المسرف على نفسه بالرتوع في لذات رخيصة عابرة ، وشهوات دنيئة ليتذكرأن الموت بالمرصاد ؛ بل ربما أتى الموت ذلك المذنب وهو مقيم على فاحشة والعياذ بالله ، أو أمام منظر على شاشة يقلب فيها النظر فيما حرم الله ونهى عنه !!
أجل إنه موت الفجأة الذي كل يوم بل كل ساعة نسمع بأخباره .تصديقا لقول النبي صلى الله عليه وسلم (إن من أمارات الساعة موت الفجأة ) رواه الطبراني وحسنه الألباني .
وما بعد الموت فإنه أدهى وأمر . إنه القبر فالحشر والنشر فالجنة أو النار :
إن دنيا يا أخي من بعدها *** ظلمة القبر وصوت النائح
لا تساوي حبة من خردل *** أو تساوي ريشة من جانح
لا تسل عن قيمة المجدوسل *** وسل عن أساليب الفريق الرابح
جلس عمر بن عبدالعزيز مرة في إحدى الليالي متفكرا فبكى واشتد بكاؤه حتى قامت زوجته فاطمة فزعة من صوته فلما سألته عن سبب بكائه قال : " تذكرت منصرف القوم غدا بين يدي الله فريق غي الجنة وفريق في السعير ، ولا أدري مع أيهما أصير !! "

أجل إنها حقيقة لا مناص عنها !!
وما الناس إلا ميت وابن ميت *** تعجل حي منهم أو تأجلا
فلا تحسبن الله مخلف وعده *** بما كان أوصى المرسلين وأرسلا
هو الموت يا ابن الموت والقبر بعده *** فمن بين مبعوث مخفا ومثقلا
ومن بين مسحوب على حُرِّ وجهه *** ومن بين من يأتي أغرّ محجلا
فإلى أولئك الذين استهانوا بمعصية الله وما جعلوا لله وقارا : اعلموا علم اليقين أنكم حتما ستلقون الواحد الديان في يوم تذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمال حملها وترى الناس سكارى ومل هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد !!
واعلموا أنكم لا محالة واقفون بين يدي من لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء .فأين المفر ؟!
قال صلى الله عليه وسلم : ( والذي نفسي بيده ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه يوم القيامة ليس بينه وبينه ترجمان فينظر عن يمينه فلا يرى إلا ما عمل ، وينظر عن شماله فلا يرى إلا ما عمل وينظر أمامه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه ، فاتقوا النار ولو بشق تمرة " .
وقال الحسن البصري رحمه الله ( إن العبد ليقف بين يدي الله فتسقط فروة وجهه حياء من الله ) !!
فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله حين تشهد عليهم الأرض التي عصوا الله عليها ( يومئذ تحدث أخبارها ) بل ويل لهم حين تشهد عليهم جوارحهم التي تلذذوا بها في الحرام ، أجل إنها تنطق وتتكلم وتخبر بما فعلوا من الحرام !
فواسوأة من عصى جبار السموات والأرضين ، ويله ثم ويله !!
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم : {وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاء اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ - حَتَّى إِذَا مَا جَاؤُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ - وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ - وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ -وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنْ الْخَاسِرِينَ -فَإِن يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ وَإِن يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُم مِّنَ الْمُعْتَبِينَ}.
اللهم أجرنا من الحرام ، وجنبنا الذنوب والآثام ، واحفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا ...
اللهم اعصمنا من مضلات الفتن ونزغات الشياطين ، وثبتنا على الحق حتى نلقاك غير مضيعين ولا مغيرين .
والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد،،،


عبدالله بن محمد العسكر

عبقور2011
02-25-2011, 03:33 PM
(لننصر إخواننا في غزة والمنح في بطون المحن)

الخطبة الأولى :
الحمد لله أكرم الأمة وأعزها بالإسلام ، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك العلام، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ارشد الخلائق إلى دار السلام، صلى الله وسلم عليه آله وصحبه الأعلام ، ومن تبعهم بإحسانً ما تعاقبت الليالي والأيام.
أما بعد فأوصِيكُم – أ يُّها الناسُ- ونفسِي بتقْوَى اللهِ تعالَى، فإنَّها سببٌ لِتحقيقِ المرغوبِ واندفاعِ المرهوبِ، وبَسْطِ الأرزاقِ قال سبحانه {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ}
أيهُّا المسلمون .... غزة تحترق أمام مرأى ومسمع من العالم الذي يتبجح بكرامة الإنسان وحقوق الحيوان. والناس ما بين يائس قانط، وبين متفائل حسن الظن بالله. فَقدْ جعلَ اللهُ - تعالَى- الحياةَ الدنيا كثيرةَ التقلُّبِ ، لا تَصْفُو لمخلوقٍ مِنَ الكَدَرِ، فَفِيها خيرٌ وشرٌّ، وصلاحٌ وفسادٌ، وسُرورٌ وحُزْنٌ، وأملٌ ويأْسٌ، ويأتِي الأملُ والتفاؤلُ كشُعاعَيْنِ يُضِيئانِ دياجِِيرَ الظلامِ، ويشقَّانِ دُروبَ الحياةِ للأنامِ، ويَبْعَثان في النَّفْسِ البشريَّةِ الجِدَّ والمثُابَرةَ، ويلقِّنانِها الجَلَدَ والمصُابَرَةَ، فإنَّ الذي يُغْرِي التاجرَ بالأسفارِ والمخاطرةِ: أَمَلُهُ في الأرباحِ، والذي يَبْعثُ الطالبَ إلى الجدِّ والمثُابرةِ: أملُُهُ في النجاحِ، والذي يحفِّزُ الجنديَّ إلى الاستبسالِ في أرضِ المعركةِ أملُهُ في النصرِ، والذي يُحبِّبُ إلى المريضِ الدواءَ المُرَّ: أملُهُ في الشِّفاءِ والطُّهْرِ، والذي يدعو المؤمنَ أنْ يُخالِفَ هَواهُ ويُطيعَ مَوْلاهُ: أملُه في الفوزِ بجنَّتِهِ ورِضاهُ ، وبقدر ألمنا لما يحصلُ لإخواننا الأعزة في غزة إلا أن التفاؤل يحدونا فما بعد العسرِ إلا اليسر، وما بعد الظلام إلا انبثاق الصباح.
أيها المؤمنون.. إنَّ حقيقةَ الأملِ لا تأتِي مِنْ فَراغٍ كما أنَّ التفاؤلَ لا يَنْشَأُ مِنْ عَدَمٍ، ولكنَّهُما وَلِيدا الإيمانِ العميقِ باللهِ تعالَى، وحُسنِ الظن به سبحانه، والمعرفَةِ بِسُنَنِهِ في الكونِ والحياةِ، فهوَ سبحانَه الذي يصرِّفُ الأمورَ كيفَ يشاءُ بعلمِهِ وحكمتِهِ، ويُسَيِّرُها بإرادَتِهِ ومشيئَتِهِ، فيُبَدِّلُ مِنْ بعدِ الخَوْفِ أمْنًا، ومِنْ بعدِ العُسْرِ يُسْراً، ويجعلُ مِنْ كلِّ ضيقٍ فرَجاً ، ومِنْ كلِّ هَمِّ مَخْرجاًَ، ولِهذا كانَ المؤمنُ على خَيْرٍ في كلِّ الأحوالِ، كما صح عند الإمام مسلم – رحمه الله- من حديث صهيب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال [ عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خيرٌ، وليسَ ذاكَ لأَحَدٍ إلاَّ لِلمُؤْمنِ: إنْ أصابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فكانَ خيرًا له، وإنْ أصابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فكانَ خيرًا له] أخرجَهُ مسلمٌ
عباد الله .. تأملوا وتأسوا حاله صلى الله عليه وسلم عندما اشتد أذى قريشٍ له ولأصحابه في مكة فأمر أصحابة بالهجرة ، وخرج هو وصاحبه أبي بكر ، وعندما اشد طلب المشركين لهما إذ هما في الغار، والمشركون فوق رأسيهما ، ويخاف أبو بكر رضي الله عنه على الرسول فيرد صلى الله عليه وسلم بلغة الواثق بربه ، { لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا } كما قال سبحانه { إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }
ومرة أخرى، يدركهما سراقة بن مالك رضي الله عنه – وكان إذا مشركا- ليردهما أسيرين للمشركين ويفوز بجائزة قريش التي وعدت بها من أتى بهما حيين أو ميتين. فيتفائل صلى الله عليه وسلم وهو شريدا طريدا ، ويعد سراقة بسواري كسرا، واعظم من ذلك أنها بشرى لسراقة بإسلامه. كيف لو كان في موازين البشر المادية في هذا العصر؟
بل تفكروا واعتبروا بهديه وسيرته صلى الله عليه وسلم عندما عزمت قريش وتآمرت مع مشركي العربِ قاطبة واليهودِ والمنافقين في المدينة على غزوة الخندق أعداءٌ في الخارج، وأعداء في الداخل، وأثناء حفره صلى الله عليه وسلم وبعض الصحابة للخندق – كما في حديث عمر بن الحكم رضي الله عنه قال كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يضرب يومئذ بالمعول فصادف حجرا صلدا ، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم منه المعول وضرب ضربة فذهبت أولها برقة إلى اليمن ، ثم ضرب أخرى فذهبت برقة إلى الشام ، ثم ضرب أخرى فذهبت برقة نحو المشرق وكسر الحجر عند الثالثة . وكان كلما ضرب ضربة يتبعه سلمان رضي الله عنه ببصره فيبصر عند كل ضربة برقة فقال سلمان رضي الله عنه يا رسول الله رأيت المعول كلما ضربت به أضاء ما تحته . فقال صلى الله عليه وسلم أليس قد رأيت ذلك ؟ قال نعم . قال النبي صلى الله عليه وسلم إني رأيت في الأولى قصور الشام ، ثم رأيت في الثانية قصور اليمن ، ورأيت في الثالثة قصر كسرى الأبيض بالمدائن . وهذه فتوح يفتحها الله عليكم بعدي يا سلمان لتفتحن الشام ، ويهرب هرقل إلى أقصى مملكته وتظهرون على الشام فلا ينازعكم أحد ، ولتفتحن اليمن ، وليفتحن هذا المشرق ويقتل كسرى بعده . قال سلمان فكل هذا قد رأيت . أ – هـ
وفي ظل هذه المحن نذكر ونبشر بوعده صلى الله عليه وسلم إذ قال صلى الله عليه وسلم [والله ليبلغن هذا الدين ما بلغ الليل و النهار ولن يترك بيت مذر ولا وبر إلا دخله بعز عزيز او بذل ذليل عز يعز به الله الإسلام وذل يذل به الله الكفر و المشركين]
وتدبروا قوله سبحانه { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}
فهل نصر الله في أنفسنا وهل انتصرنا قبل ذلك على شهواتنا وأهوائنا؟ إذا كان الجواب بنعم ، فالنصر قريب ، قال سبحانه { إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ}
وقال عز من قائل { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، ولا عدوان إلا على الظالمين.
أيها المؤمنون.. إن ما أصابنا بما حل ويحل بإخواننا في غزة وقبلها ما حصل ويحصل في العراق، وفي الصومال كل ذلك بسبب ذنوبنا نحن في المملكة وفي البلدان العربية والإسلامية قبل أهل غزة وقبل أهل العراق وقبل أهل الصومال، وبسبب تقصيرنا في حق الله، وتقصيرنا في الأمر بالمعروف وفي النهي عن المنكر . ينبغي ان يكون صلاحنا صلاحا لقلوبنا قبل صلاح المظاهر ، قال سبحانه {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ} ينبغي أن نصلح أنفسنا ونراجع حساباتنا، وليكون ذلك دافعًا لنا لا محبطًا، محرِّكًا للجهود لا جالبًا لليأس من النصر، فلا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون. ولكي تتحقق تلك الوعود التي وردت في الآيات والأحاديث في الخطبة الأولى لا أن نغير ما بأنفسنا للصلاح والطاعة، قال تعالى { إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ } ولعلكم تسألون ما هو التغيير المطلوب أن يحدث في أنفسنا؟ ينبغي أن نغير في أنفسنا عشرة أشياء: ينبغي أن تحل التوبة الصادقة النصوح مكان المعصية. وأن تحل الطاعة مكان الغفلة. وينبغي أن تحل الجدية والرجولة والهمة العالية مكان الكسل والفتور والميوعة. وينبغي أن يحل الاهتمام بالتفوق العلمي والإبداع مكان جمود الفكر والعقل. وينبغي أن تحل الايجابية مكان السلبية. وينبغي أن يحل الانتماء للأمة مكان التبعية الغربية. وينبغي أن يحل العمل النافع المجدي محل الفراغ وإضاعة الوقت في توافه الأمور. وينبغي أن يحل الفهم الحقيقي للإسلام محل الفهم المنقوص أو المغلوط. وينبغي أن يحل إيثار المجتمع والأمة على الفردية والأنانية. وعاشرا: ينبغي أن يحل الأمل مكان اليأس.
أيها المسلمون، مهما كنا ضعفاء فإننا نستطيع أن نقدّم شيئًا، نستطيع أن نتحدّث بهذه القضية في كل مجلس وبكل لسان، وأن نعرّف بها لنجلو الغشاوة ونحرك القلوب وندفع الآخرين للعمل لهذا الدين بالحكمة واليقين ولا بالعواطف والانفعالات، والانفلات. ومهما كنا ضعفاء فإننا نستطيع أن نقتطع من أموالنا وقوتنا اليسير للتبرع لإخواننا وسدّ حاجتهم وفقرهم. ومع ضعفنا ـ عباد الله ـ نستطيع أن ندعو لإخواننا في القنوت وفي السجود وآخر ساعة من يوم الجمعة وفي آخر كل ليلة، بالنصر والتمكين، وندعو على عدوهم بالهزيمة والعذاب والخسران. وبفضل الله فقد صدر بيان من هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية ، حول ما يجري في قطاع غزة من قتل وحصار وتشريد ، وعدوان وقتل للأطفال والنساء والشيوخ وانتهاك للحرمات وتدمير للمنازل والمنشآت وترويع للآمنين ولا شك أن ذلك إجرام وظلم في حق الشعب الفلسطيني . ويدعو المواطنين لنصرة إخواننا في غزة
وجاء في البيان ما نصه (والنصرة شاملة لأمور عديدة حسب الاستطاعة ومراعاة الأحوال سواء كانت مادية أو معنوية وسواء كانت من عموم المسلمين بالمال والغذاء والدواء والكساء وغيرها أو من جهة الدول العربية والإسلامية بتسهيل وصول المساعدات لهم وصدق المواقف تجاههم ونصرة قضاياهم في المحافل والجمعيات والمؤتمرات الدولية والشعبية وكل ذلك من التعاون على البر والتقوى المأمور به في قوله سبحانه وتعالى { وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى }
وقد وجه خادم الحرمين – حفظه الله – بإطلاق حملة تبرعات شعبية عاجلة في عموم مناطق المملكة للمساهمة في مساعدة وعون وإغاثة الأشقاء في فلسطين.
أيها المؤمنون .. ولعل في بطن هذه المحن منح أخرى ومن ذلك وضوح عقيدة الولاء وللمؤمنين والبراء من الصهاينة والنصاري والمشركين، والمنافقين في جبهاتنا الداخلية. وقال عز وجل { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء} وقال صلى الله عليه وسلم [المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وشبك بين أصابعه] متفق عليه وقال أيضا عليه الصلاة والسلام [مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر] متفق عليه
عباد الله – وأخيرا – نذكركم بصيام يوم عاشوراء فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي قتادة أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم عاشوراء فقال صلى الله عليه وسلم [ أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله] رواه مسلم، وبراءة ومخالفةً لليهود والنصارى، أنه صلى الله عليه وسلم عزم على صيام يوم معه ففي صحيح مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ( حين صام رسول الله صلى الله عليه وسلم عاشوراء وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى )، فقال صلى الله عليه وسلم [فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا التاسع] أي مع العاشر مخالفةً لأهل الكتاب. قال ابن عباس : ( فلم يأت العام المقبل حتى توفى رسول الله )
هذا وصلّوا ـ رحمكم الله ـ على خير البريّة وأزكى البشريّة ، صاحبِ الحوض والشفاعة.
فاللهمَّ صلِّ وسلِّم وبارك وأنعم على عبدك ورسولك محمّد، وأرضى اللهم عن الخلفاء الراشدين وعن الصحابة أجمعين، وعن والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين. اللهم وعليك بأعداء الدين، اللهم من أرادنا أو أراد أمننا أو بلادنا أو علمائنا بسوء اللهم فأشغله بنفسه وأجعل الدائرة عليه، واجعل كيده في نحره. اللهم نسألك الأمن في الأوطان. اللهم نسألك الأمن والإيمان. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا واجعلهم ممن خافك واتقاك واتبع رضاك، اللهم أرهم الحق حقاً، وارزقهم اتباعه، وأرهم الباطل باطلاً وأرزقهم اجتنابه. وارزقهم البطانة الصالحة وأبعد عنهم بطانة السوء يا رب العالمين. {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيم} اللهم أرفع عنا الغلاء والربا والزنا والزلازل والفتن والمحن ما ظهر منها وما بطن عن بلدناهذا خاصة وعن سائر بلاد المسلمين يا أرحم الراحمين.
اللهم أرخص حوائج المسلمين. اللهم فرج كربات المكروبين من المسلمين، ونفس اللهم هم المهمومين، واقضي اللهم الدين عن المدينين، واشفِ مرضانا ومرضى المسلمين. اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين اللهم أكرم نزلهم وأوسع مدخلهم، واحشرهم في زمرة الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
عبادَ الله ... {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }فاذكروا الله الجليل العظيم يذكركم, واشكروه على نعمه يزدكم, ولذكر الله أكبر, والله يعلمُ ما تصنعون.


خطبة الجمعة 6/محرم1430 هـ

عبدالعزيز بن علي العسكر

عبقور2011
02-25-2011, 03:35 PM
بدأت نتائج نصرتكم للحبيب فاثبتوا

الحمد لله الذي خصنا بخير رسله، وأنزل علينا أكرم كتبه، وشرع لنا أكمل شرائعه، أحمده سبحانه وأشكره، لا أحصي ثناء عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيرا.

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، واعلَموا أنَّ العجائبَ في هذه الدنيا كثيرةٌ، وإنّ الغرائبَ فيها لعديدة، ومِن أعجب ذلك وأغربِه أن يَطعنَ الوضيعُ في الرّفيع، والخبيثُ في الطيّب، والسّخيفُ في الشّريف. إنّ هؤلاء الذين تجرّؤوا على الطعن في شخصِ نبيِّنا صلى الله عليه وسلم كان يكفِيهم ما فيهم؛ بطلانٌ في الدّين، وفَسادٌ في العقول، وانتهاك للأعراض، وإتلاف للأموال، واعتداء على الأنفس، جمعيات ومؤسسات وهيئات تدافع عن الشواذّ وتطالب بحقوقهم! وأخرى تتاجر بأجساد النساء!! الفاحشة عندهم مكرُمة! والشذوذ حرّية!...

أيها المؤمنون.. لقد رحمنا الله تعالى رحمة واسعة حين خصّنا فجعلنا أتباع خير الخلق صلى الله عليه وسلم ، الذي أخرجنا الله به من الظلمات إلى النور، ومن الضلال إلى الهداية، ومن الشقاء إلى السعادة، ومن الذلّ والظلم والجهل والشتات والمهانة إلى العزّ والعدل والعلم والاجتماع والكرامة، مَنْ نحن لولا أن بعث الله إلينا محمداً صلى الله عليه وسلم ؟! وما قيمتنا لولا أن الله منَّ علينا بشريعته؟! {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ}

لقد بلغ صلى الله عليه وسلم الرسالة أحسن بلاغ، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده. آذاه قومه فصبر ليبلّغ هذه الرسالة، ذهب إلى الطائف على قدميه يعرض الإسلام على قبائلها، فأغرَوا به صبيانهم، وأدمَوا عقبيه وهو صابر في سبيل الله في تبليغ الدعوة، يعرض نفسَه على القبائل فتطرده فلا يثنيه ذلك شيئا، أصحابه يعذّبون في حرّ الهجير وهم يستغيثون بالله فقال صلى الله عليه وسلم [صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة] يشجّ رأسه يوم أحد، وتكسر رباعيته، ويتكالب الأعداء على قتله يوم الخندق، فيحزّبون الأحزاب، ويدسّ له اليهود السمّ، ويحاولون قتله أكثر من مرّة، لكن ذلك لا يثني من عزيمته لنشر هذا الدين، حتى بلغ الإسلام مشارقَ الأرض ومغاربها.

لا تحصَى فضائله، ولا تعدّ مزاياه صلى الله عليه وسلم . ما من صفة كمال بشرية إلا اتّصف بها، زكّى الله تعالى عقله فقال: {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} وزكّى لسانه فقال: {وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى} وزكّى شرعه فقال: {إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} ، وزكّى معلِّمه فقال: {عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى *ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى} وزكّى قلبه فقال: {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} ، وزكّى بصره فقال: {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى} وزكّى أصحابه فقال: {وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} وزكّا هديه وتعامله مع أهله وأصحابه وخصومه فقال: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}
نادى الله الأنبياء والرسل بأسمائهم(َفقال {يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ) وقال {يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا} و{ قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ } {وإذ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} أما نبينا فناداه بالرسالة، فقال: { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ} وناداه بالنبوة فقال: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ} ونعته بالرسالة فقال {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ} وشرفه بالعبودية فقال: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ} ، وشهد له بالقيام بها فقال: {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ}
شرح الله له صدره، فقال {ألم نشرح لك صدرك} ووضع عنه وزره، ورفع له ذكره، وأتمّ أمره، وأكمل دينه، وبرّ يمينه. ما ودّعه ربه وما قلاه، بل وجده ضالاً فهداه، وفقيرًا فأغناه، ويتيمًا فآواه. وخيّره الله بين الخلد في الدنيا ولقاه، فاختار لقاء مولاه، وقال: [بل الرفيق الأعلى].

واليومَ يأتي أقوام ما عرفوا الله طرفةَ عين، يعيشون في ظلمات الشهوات، أهدافهم وأفكارهم واعتقاداتهم منحطّة، يحاولون النيلَ من هذه المنارة الشامخة. تأتي صحف دول الإتحاد الأوربي لتستهزئ بأعظم البشر ، لتفك الحصار الاقتصادي والمقاطعة الشعبية التي فرضتها الشعوب الإسلامية.. لم يكن أحدٌ يتصور أن مؤامرة كفار قريش لقتل النبي صلى الله عليه وسلم تعود مرة أخرى بهذه السرعة وبالمنوال نفسه وعلى أيدي الغربيين أعداء المسلمين، حذو القذة بالقذة، والنعل بالنعل. عندما ابتدر أبو جهل تلك الفكرة الآثمة فقال (نأتي من كل قبيلة برجل لقتله حتى يتفرق دمه بين القبائل) فما كان من إبليس إلا أن بارك الفكرة وقال: "هذا هو الرأي"، وكان حاضراً في دار الندوة في صورة شيخٍ من نجد. فتآمروا قديماً على قتله -بأبي وأمي هو- صلى الله عليه وسلم وفي الأسبوع الماضي وبعدما تحمّلت الدنمرك كِبرَ سبّ النبي صلى الله عليه وسلم فكانت الوقفة المشرفة منكم ومن المخلصين من أبناءِ هذه الأمة المِعطاءة. ضد هذه الجريمة النكراء، وعندما بدأت الدنمرك تترنح تحت وطأة آثار المقاطعة الاقتصادية الشجاعة من لدن المسلمين، هنا هبت دولُ الغرب في وقفة آثمة مع هذه الدولة الباغية من أجل تشتيت تلك المقاطعة، (حتى يتفرق أثرها في تلك الدول بدل دولة واحدة)، لكن نجح المسلمون مرة أخرى، عندما استمعوا لتوجيهات العلماء بتركيز المقاطعة على الدنمرك عاملين بقوله تعالى {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} فالدنمرك هي التي تولت كبر الجريمة، والبادي أظلم، وهي التي سنت تلك السنة السيئة، فعليها وزرها ووزر من عمل بها، فاجعلوها عبرة لمعتبر. وابشروا فقد أغلقت بعضُ مصانعها، وسرح كثيرٌ من العاملين فيها. وكثر المحتجين والمتظاهرين في الدنمرك على حكومتها المتغطرسة، ولعل هذا تحقيقاً لقول الباري سبحانه: {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} وسبيل النجاة يكمن في قوله جل وعلا: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا} فينبغي علينا الألفاف حول أولي الأمر من العلماء والأمراء. وهؤلاء سينتقم الله منهم لأنه قال في كتابه: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ} ألم يبلغكم خبرُ أذى عتبة بن أبي لهب وسُخرِيته من الحبيب فقال صلى الله عليه وسلم : [اللهم سلّط عليه كلبا من كلابك] فكان في بعض أسفاره استيقظ على أسدٍ مفترس قد نشب مخالبه في صدغيه، فجعل يصرخ ويقول: يا قوم، قتلتني دعوة محمد، لكن ذلك لم يغن عنه شيئا.

مزّق كسرى رسالتَه، صلى الله عليه وسلم فدعا عليه صلى الله عليه وسلم ، فقتله الله في وقته، ومزّق ملكه كلّ ممزّق، فلم يبق للأكاسرة ملك بعده، تحقيقًا لوعد الله له، فكل من أبغضه وعاداه فإن الله يقطع دابره ويمحق عينَه وأثره.
ويقول سبحانه: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ} قال ابن سعدي رحمه الله في تفسيرها: "وقد فعل تعالى، فما تظاهر أحد بالاستهزاء برسول الله صلى الله عليه وسلم وبما جاء به إلا أهلكه الله وقتله شرّ قِتلة" اهـ.
وأخرج الطبراني في الأوسط والبيهقي وأبو نعيم عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ} قال: المستهزئون، هم: الوليد بن المغيرة والأسود بن عبد يغوث والأسود بن المطلب والحارث السهمي والعاص بن وائل، فأتاه جبريل، فشكاهم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: أرني إياهم، فأراه كلّ واحد منهم، وجبريل يشير إلى كلّ واحد منهم في موضع من جسده ويقول: كَفَيتُكَهُ، فأما الوليد فمر برجل من خزاعة وهو يُعِدُ نبلاً فأصاب أكحله فقطعها فمات، وأما الأسود بن المطلب فنزل تحت سمرة فجعل يقول: يا بنيّ، ألا تدفعون عني؟! قد هلكت وطُعنت بالشوك في عينيّ، فجعلوا يقولون: ما نرى شيئًا، فلم يزل كذلك حتى عتمت عيناه، وأما الأسود بن عبد يغوث فخرج في رأسه قروح فمات منها، وأما الحارث فأخذه الماء الأصفر في بطنه ، فمات منه، وأما العاص فركب إلى الطائف فربض على شبرقة فدخل من أخمص قدمه شوكة فقتلته. فصدق الله، إذ قال {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ} بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله .. قال أصدق القائلين: {لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى} ، ورُبَّ أذِيّةٍ نافعة؛ قال تعالى { َعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } فإنّ ما وقع من الاستهزاء بالنبيّ صلى الله عليه وسلم في بعض صّحف دول الإتحاد الأوربي وتمادي سفهائِهم في غَيِّهم وتغافُلِ عُقَلائهم عن الأخذ على أيديهم أثار غيرة المسلمين للهِ ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، وأيقظهم من سباتهم، وبصّرهم بمكر أعدائهم؛ إنّها صفعة مؤلمة ولكنها موقظة.. ويبقى سؤالٌ مٌلح .. ما موقِفنا نحن؟ يجب أن نسأل أنفسنا: هل أحببنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حبّا حقيقياً صادقا، أم أن الأمر مجرد ادعاء؟! يقول صلى الله عليه وسلم : [لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ] فهل قدمنا طاعته على ما تهواها أنفسنا وما تطلبه نساؤنا وأولادنا؟ يقول البارئ سبحانه {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً} وقال سبحانه {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} فهل عملنا بأوامره، وانتهينا عن نواهيه؟ هل نوقّره؟! هل عملنا على نشر سنته؟! هل نتأدب بآدابه؟! هل نقتدي بهديه في البيوت، وفي الأسواق، وفي التعامل مع الأقارب والجيران والزملاء؟! هل نحن نحب الله ونحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أن الأمر مجرّد ادّعاء؟! تأملوا قوله تعالى { قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} وتدبروا قوله تعالى {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِينا} ينبغي أن يكون حبُّ الرسول صلى الله عليه وسلم عقيدة يتّفق عليها كلّ المسلمين ، ولا شك أنَّ كلِّ القلوبِ مجتَمعة على حبّه صلى الله عليه وسلم ، لهذا يجب علينا :
أولاً- أن نتأسي جميعاً به عملاً بأوامره، واجتناباً لنواهيه، وتطبيقا عملياً لسنته،قال تعالى {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً}
ثانياً- يجب أن يشيع الآباءُ والمعلمون توقير الرسول صلى الله عليه وسلم وتعريف الجيل به وبشمائله صلى الله عليه وسلم .
ثالثاً- يجب على الآباء والأخوة أن يغرسوا محبّةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في قلوب الناشئة،. قبل دخول المدرس؛ قولاً وعملاً واقتداءً وتطبيقاً، لا تلقيناً بدون عمل ، ويتعاهد ذلك المعلمون بعد انضمام الطفل للمدرسة.
رابعاً- على الآباء والأخوة أن يجعلوا من سيرة الحبيب صلى الله عليه وسلم مادّة دائمة لجلسات العائلة، إن أحسنوا ذلك، فبها ونعمت؛ وإلا فلماذا لا يستضيفون الدعاة، والعلماء لإلقاء الكلمات والمحاضرات في البيوت، على مسمعٍ من البنين والبنات والأمهات. كما كان عليه السلف الصالح من قبل.
خامساً- على المعلّمين أن يخصصوا بعض حصَصهم لسيرته العطرة صلى الله عليه وسلم . فلتتّفق القلوب والجهود للدفاع عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، ونشر هديه وتبيلغ سنته.
سادساً- علينا جميعاً أن نستثمِر هذه الأزمة العالمية التي تتنامَى بسبب التعرّض لشخصه صلى الله عليه وسلم في نشر الإسلام ، ونشر السنة وتوحيد الأمّة وجمع كلمتها حول الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ كلٌ بحسب قدرته وطاقته، وكل في مجال تخصصه هذا يكتب مقالا، وآخرُ ينشر شريطاً، وثالثٌ يدعو لطباعة كتاب. ورابعٌ ينشر الخير في موقعٍ على شبكة الانترنت. لتكون غضبة المسلمين لدينهم في الاتجاه الصحيح.

إنها فرصة تاريخية نشعر فيها بالسعادة إذا رأينا جهودَ الدول والشعوب والمؤسسات تتّفق جيمعا على شيء واحد، كيف وهذا الشيء هو الدفاع عن الرسول صلى الله عليه وسلم والذب عنه؟! يجب علينا أن نعلنَ حبّنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وغضبنا له، بالعمل والتأسي، والدعوة لنشر دينه.
اللّهمّ فاجز عنّا نبيّنا محمّدًا صلى الله عليه وسلم خيرَ الجزاء وأوفاه، وأكمله وأسناه، وأتمَّه وأبهاه، يا خيرَ مسؤول وأكرمَ مأمول.

اللّهمّ إنّا نسألك حبَّك، وحبَّ رسولك محمّد صلى الله عليه وسلم ، وحبَّ العملِ الذي يقرّبنا إلى حبّك. اللهم اجعل حبَّك وحبَّ رسولك صلى الله عليه وسلم أحبَّ إلينا من أنفسنا ووالدينا والناس أجمعين.
اللهم صل على نبينا محمد ما ذكره الذاكرون، وصل عليه ما غفل عن ذكره الغافلون. اللهم أحينا على محبته، وأمتنا على ملته، وثبتنا على سنته، وأكرمنا بشفاعته، وأوردنا حوضه، وأنِلنا شرف صحبته في عليين، مع الذين أنعمتَ عليهم من النبيين والصديقين والشهداء الصالحين، وحسن أولئك رفيقا. اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم وصل على آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن الصحابة أجمعين، وعن والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين. وعليك بأعداء الدين. اللهم منزل الكتاب، مجري السحاب، هازم الأحزاب، اللهم يا من قلت وقولك {إنا كفيناك المستهزئين} اللهم عليك بالساخرين الكافرين، اللهم أكفانهم بما شئت يا قوي يا متين، اللهم يا قوي يا عزيز يا شديد الانتقام عليك بالمستهزئين ومن شايعهم، اللهم أحصهم عددا ، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً. اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح ووفق أئمتنا وولاة أمورنا، وأجعلهم هُداة مهتدين، وهيء لهم البطانة الصالحة، وأبعد عنهم بطانة السوء يا رب العالمين. {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيم} اللهم اشفِ مرضانا ومرضى إخواننا المسلمين. اللهم فرج هم المهمومين من المسلمين، ونفس كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين اللهم اغفر لهم وارحمهم، وعافهم واعف عنهم، اللهم أكرم نزلهم وأوسع مدخلهم، واحشرهم في زمرة الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً. ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

عباد الله .. إن الله يأمركم بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكَّرون. فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ماتصنعون.

خطبة الجمعة 11 محرم 1427هـ

عبدالعزيز بن علي العسكر

عبقور2011
02-25-2011, 03:37 PM
نصرةً للحبيب صلى الله عليه وسلم نستطيع أن نحول المحن إلى منح! والمصائب إلى فُرص

المكرم فضيلة الشيخ / خطيب الجامع جعله الله مباركاً حيثما كان،،، آمين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد،،
فإن كُنتُ وغيري قد سُررنا بجهودكم التي تبذلونها في الدعوة إلى الله في الجامع وفي الحي، وتعاونكم مع المؤسسات الخيرية التي هي إحدى الحسنات الكثيرة التي هيئتها بلادنا - حفظ الله أمنها واستقرارها- ولا شك .. أنَّ شكري لكم وشكر غيري لا يفيدكم بقدر ما نحتسب دعواتنا لكم بأن يكتب الله لكم بكل دقيقة أمضيتموها في الدعوة إلى الله فيه ألف ألف حسنة.. ويرفعكم بها ألف ألف درجة في الدنيا والآخرة.. آمين .. وما أنا بصدده – يا أخي المبارك – قضيةٍ لستم بحاجة لأن أُذكِّركم بها فما يعيشه المسلمون هذه الأيام من حملة مسعورة موجّهة نحو دينهم ونبيّهم محمد صلى الله عليه وسلم حملةً ظالمة آثمة. وهذا ليس بخافٍ عليكم. فقد نشرت صحيفة ( جلاندز بوستن ) الدنمركية ، اثني عشر رسماً ساخر.. السخرية بمن يا ترى ؟!

إنهم يسخرون بأعظم رجلٍ وطأت قدماه الثرى , بإمام النبيين وقائد الغر المحجلين صلى الله عليه وسلم . صورٌ آثمةٌ أظهرت ألا ثّمةَ عدالة عند تلك الصحيفة ومسئوليها. وكشفت لنا جهل الغربيين ، إذ لو عرفوا نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم لأسلموا وأحبوه!! وهذا – واللــه من تقصيرنا في الدعوة إلى الله- أظهروا الحبيب صلى الله عليه وسلم في إحدى هذه الرسومات عليه عمامة تشبه قنبلة ملفوفة حول رأسه !! وكأنهم يريدون أن يقولوا إنه ؛ مجرم حرب { ألا ساء ما يزرون}!؟ ومع أسفنا وألمنا... فإننا لا نلومهم بقدر ما نلوم أنفسنا !1 لقد قصرنا في توضيح الصورة الحقيقة للإسلام، وقصرنا في نشر سيرة الحبيب العطرة . فداه نفسي وأولادي وأمي وأبي ومن ولدهما ومن ولدا..

ثم في هذه الأيام وفي يوم عيد الأضحى بالتحديد – إمعاناً في العداء - تأتي جريدة ( ما جزينت ) النرويجية لتنكأ الجراح وتشن الغارة من جديد , فتعيد نشر الرسوم الوقحة التي نُشرت في الصحيفة الدنمركية قبل! { أتواصوا به بل هم قوم طاغون }؟
فما دوركم أخي العزيز.... بماذا ستقابلون ربكم ؟ إذا سألكم بماذا ذببتم عن خليله وحبيبه صلى الله عليه وسلم ؟ بماذا ستواجهون حبيبكم وهو يذود الناس عند الحوض، وهم يُصَدُّون عنه؛ فيقول أمتي .. أمتي ! فيُقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك!
أخي الكريم .. ألا تتفق معي أنَّ الأمة اليوم مستعدة لأن تموت في سبيل الله! لكنها ... غير قادرة لأن تعيش في سبيل الله!!! تُرى كيف نصل لمرحلة أن نعيش (ويعيش الأجيال القادمة) في سبيل الله!!

إن المنتظر منكم، ومن أمثالكم الشيء الكثير الكثير.. ومنه على سبيل المثال وإلا فلديكم أفكاراً أكثر وأفضل؛ مما أقترحه:
1- إن كُنا حريصين فيما مضى على تعلم السنة؛ فيلزمنا من الآن فصاعداً أن نكون عاملين بها؛ متمسكين بها، عاملين بما نعلم منها، فالعمل بالعلم يورث العلم، أما العلم بلا عمل فسريعاً ما يضمحل، كما علينا أن ننشر السنة الشريفة على كافة الأصعدة والمستويات، حتى تكون لنا وللأجيال القادمة كالهواء الذي نتنفسه ! صلى الله عليه وسلم على الحبيب. ونحث أبنائنا وتلاميذنا وزملائنا على التأسي بالحبيب في كل شئونهم.
2- ينبغي أن يتحلّى كل مسلم منا باليقظة والوعي لما يتعرّض له الإسلام والمسلمون من تهديداتٍ ومخاطر، وأن لا نستجيب لاستفزازاتِ المتعصّبين، ولتكن مواقفنا محسوبة، مع حُسن تقديرٍ العواقب .
3- ينبغي علينا جميعاً التآزر والتعاون مع العلماء وولاة الأمر في التصدي لهذه الحملات المغرضة الجائرة، وأن يبذل كلٌّ منا جهده في إيصال تألم المسلمين في بلد التوحيد ودولة التوحيد وقبلة المسلمين لما ينال أعز وأشرف الخلق كلهم؛ فداه نفسي وأولادي ووالدي ووالده وأمي ووالداها وما ولدا. فنبين للمسئولين حزن المسلمين عموماً والسعوديين خصوصاً الشديد لذلك.
4- أمنية لو يستثمر خطاؤنا ودعاتنا في مكاتب دعوة الجاليات بالتعاون مع معلمي اللغة الانجليزية عندكم في المنطقة، والشباب السعوديين المتعاونين مع المكتب المبدعين في الانترنت، ليستثمروا هذه الفرصة الذهبية، لنشر الإسلام في مواقع الانترنت الغربية ، ونراسل صحفهم، دعوةً إلى الله بالتي هي أحسن، مع حذرنا من التأثر بأقوالهم. متأسين بالحبيب الذي قال عنه ربه { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ } بذلك نستطيع أن نحول المحن إلى منح! والمصائب إلى فُرص.. فالغرب يتطلع لمعرفة المزيد ((الصحيح)) عن الإسلام؛ فـ [لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من حمر النعم] كما صح عن الحبيب. فثَّم الاستثمارُ وربُّ محمد صلى الله عليه وسلم ! علينا أن نبين للغربيين الحق حبنا لنبينا ونطلعهم على سيرته العطرة، فالإعلام الغربي – سواء في الدنمرك أو غيرها- يَدَّعِي حرية الرأي، فإن كان هذا الادعاء حق، فهذا يعني أننا مقصرون في تبليغهم سيرة حبيبنا.. وإن كانوا كاذبين، فإننا بهذا نقيم الحجة عليهم؛ فتشهدون عليهم مع الأنبياء، كما قال سبحانه { وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ)} فأنتم الشهداء إذا فعلتم ذلك، كما فشرها العلماء. لنبين الإسلامَ الحقَّ للناس بمحاسنه ورحمته وعدله وسماحته وعفوه وقوّته وإنصافه وغَيرة أتباعه، ولتنشروا سيرةَ نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الطاهرة الشريفة، ولتذبوا عن عرض الحبيب فداه نفسي وأبي ووالده وأمي ووالديها وما ولدا والناس أجمع..... فيبينوا أقوال المنصفين من الغرب نفسه فيما قالوا بحقٍ في حق نبينا صلى الله عليه وسلم ، ومن ذلك :

أولاً: يقول ( مهاتما غاندي ) في حديث لجريدة "ينج إنديا" : " أردتُ أن أعرف صفات الرجل الذي يملك بدون نزاع قلوب ملايين البشر.. لقد أصبحت مقتنعاً كل الاقتناع أن السيف لم يكن الوسيلة التي من خلالها اكتسب الإسلام مكانته، بل كان ذلك من خلال بساطة الرسول، مع دقته وصدقه في الوعود، وتفانيه وإخلاصه لأصدقائه وأتباعه، وشجاعته مع ثقته المطلقة في ربه وفي رسالته. هذه الصفات هي التي مهدت الطريق، وتخطت المصاعب وليس السيف. بعد انتهائي من قراءة الجزء الثاني من حياة الرسول وجدت نفسي أسِفاً لعدم وجود المزيد للتعرف أكثر على حياته العظيمة. أ –هـ وترجة قول مهاتما غانذي هي
(. Mahatma Gandhi, in an interview with Young India Newspaper, said, 'I wanted to know the characteristics of the man who possesses the hears of millions of people, without any doubt. I became fully convinced that the sword was not the mean by which Islam gain it positions and grounds. It was rather the simplicity of the Prophet, his truthfulness, promptness, dedication, and devotion to his companions and followers, besides his unmatched courage and his unparalleled trust and confidence in His Lord; Allah, the Almighty, in addition to his full belief in his Mission and Message of Islam.
These matters were the qualities and descriptions that paved the way and eased the difficulties, and not the sword. After completing the second volume of the biography of Mohammed, I felt sorry that there wan not enough materials to learn more about his life

ثانياً: ويقول المستشرق الكندي الدكتور ( زويمر ) في كتابه " الشرق وعاداته " : إن محمداً كان ولا شك من أعظم القواد المسلمين الدينيين، ويصدق عليه القول أيضاً بأنه كان مصلحاً قديراً وبليغاً فصيحاً وجريئاً مغواراً، ومفكراً عظيماً، ولا يجوز أن ننسب إليه ما ينافي هذه الصفات، وهذا قرآنه الذي جاء به وتاريخه يشهدان بصحة هذا الادعاء. أ –هـ وترجمة قول زويمر هي :
(The Canadian orientlist Dr. Zuwaimer, in his book entitled, 'The East and its customs', says, 'Undoubtedly, Mohammed was on of the greatest Muslim religious leaders. We can rightly say that he was a super efficient reformer, eloquent, brave, courageous, great thinker whom we should not attribute to him any description that contradicts the above qualities. The Glorious Quran, which he brought forth for humanity, is a great testimony for this claim.)

ثالثاً: يقول الانجليزي ( برناردشو ) في كتابه "محمد"، والذي أحرقته السلطة البريطانية: إن العالم أحوج ما يكون إلى رجلٍ في تفكير محمد. هذا النبيُّ الذي وضع دينه دائماً موضع الاحترام والإجلال، فإنه أقوى دين على هضم جميع المدنيات، خالداً خلود الأبد. وإني أرى كثيراً من بني قومي قد دخلوا هذا الدين على بينة، وسيجد هذا الدين مجاله الفسيح في هذه القارة -يعني أوروبا- إنّ رجال الدين في القرون الوسطى، ونتيجةً للجهل أو التعصّب، قد رسموا لدين محمدٍ صورةً قاتمةً، لقد كانوا يعتبرونه عدوًّا للمسيحية!.
لكنّني اطّلعت على أمر هذا الرجل، فوجدته أعجوبةً خارقةً، وتوصلت إلى أنّه لم يكن عدوًّا للمسيحية، بل يجب أنْ يسمَّى منقذ البشرية. وفي رأيي أنّه لو تولّى أمر العالم اليوم، لَوُفِّقَ في حلّ مشكلاتنا ، بما يُؤَمِّنُ السلام والسعادة التي يرنو البشر إليها. أ – هـ وترجمة قول برناردشو، هي
(The British writer and critique, Bernard Show, in his book Mohammed, which was ordered to be burnt by the British authorities, says, 'This world is in a bad need for a man with the thinking style and ability of that of Mohammed. This Prophet who always placed his religion in a respectable and honorable position.
This religion is the strongest to digest all civilizations and be an eternal religion.
I notice that many British citizens embraced Islam rightfully. This religion will find great accommodation in Europe.'
The clergy men in the middle ages, as a result of discrimination and ignorance, had painted a dim picture for Mohammed. They considered him an enemy for Christianity!.
However, after researching his personality, I discovered that he was a great man. I concluded that he was never an enemy for Christianity; rather he should be called the savior of the humanity.
In fact, if he is given the leadership in our world today, he will resolve the entire world problems in a manner that secure peace and prosperity for the entire humanity.)

رابعاً: يقول ( سنرستن الآسوجي ) أستاذ اللغات السامية، في كتابه "تاريخ حياة محمد" : إننا لم ننصف محمداً إذا أنكرنا ما هو عليه من عظيم الصفات وحميد المزايا.
فلقد خاض محمدٌ معركة الحياة الصحيحة في وجه الجهل والهمجية، مُصِرَّاً على مبدئه، وما زال يحارب الطغاة حتى انتهى به المطاف إلى النصر المبين، فأصبحت شريعته أكمل الشرائع، وهو فوق عظماء التاريخ. أ –هـ
وترجمة قوله
(. Senrasten Asoji; Semitic languages professor says in his book, 'The history of Mohammed's life', 'We would not be fair to Mohammed if we denied his great qualities and characteristics.
Mohammed led a real battle against ignorance and barbarism insisting on his principles.
He continued to fight against the oppressors until he reached a clear victory.
His religion is the greatest religion and he is above all great people in history.')

خامساً: يقول الأديب العالمي (ليف تولستوي) الذي يعد أدبه من أمتع ما كتب في التراث الإنساني قاطبة عن النفس البشرية : يكفي محمداً فخراً أنّه خلّص أمةً ذليلةً دمويةً من مخالب شياطين العادات الذميمة، وفتح على وجوههم طريقَ الرُّقي والتقدم، وأنّ شريعةَ محمدٍ، ستسودُ العالم لانسجامها مع العقل والحكمة. وترجمة قوله
(The Russian writers; Tolstoy, whose literature and writings are considered to be on the best international literature: 'It suffice Mohammed that he salvaged a humiliated bloody nation from the grip of Satanic customs and put them on the road of development and progress. The Shariah laws of Mohammed shall spread all over the world because it agrees with the common sense and wisdom.)

سادساً: يقول المستشرق الأمريكي ( سنكس ) في كتابه "ديانة العرب" : ظهر محمد بعد المسيح بخمسمائة وسبعين سنة، وكانت وظيفته ترقية عقول البشر، بإشرابها الأصول الأولية للأخلاق الفاضلة، وبإرجاعها إلى الاعتقاد بإله واحد، وبحياة بعد هذه الحياة. وترجمة قوله
(. Senex, the American orientlist in his book, "The Arabs' Creed', says, ' . His missionMohammed appeared after five-hundred-and-seventy years of Jesus was to promote and improve the human minds by introducing the best ethics and morals to them and teaching them monotheism, and informing them about the Hereafter, or life-after-death.'

هذا غيض من فيض.. فهذه وتلك ... وغيرها الكثير الكثير... شهادات حق بأقلام بعض علماء الغرب ومثقفيه المنصفين. وإنني على ثقة أنكم ستنشرون هذه الشهادات للغربيين الذين ضُلِّلوا عن الحقيقة.. كما آمل من طُلاب العلم عندكم من جانب آخر أن يفضَحوا التناقضاتِ في المواقف والتحيّز والانتقائية والعنصرية

والانفلات الحضاري. والحقّ أحقُّ أن يُتّبع، والزبدُ يذهب جُفاء، وما ينفع الناس فيمكث في الأرض، والمسلمون على عقيدةٍ راسخة بأن الله متمّ نوره، وكيدُ الكائدين لن يضرّ أهلَ الإسلام شيئاً إذا صبروا واتقوا وأحسنوا.

أيها الشيخُ المبارك ... لو راسلتم والأخيار عندكم في المنطقة كُتاب صُحفنا المحلية – ففي الكثير منهم خير- ولا شك أنَّ أكثرهم يُقدرون نعم الله الكثيرة عليهم، ويعلمون يقيناً أن من شُكر المنعم – سبحانه - على موهبةِ الكتابة - التقرب إليه -تبارك وتعالى- بالدفاع عن نبيه، ودعوة الغرب إلى دين الإسلام عبر مواقعهم ومراسلتهم على عناوين كُتابهم سواء ص. ب أو فاكس، أو بريد ألكتروني، قال سبحانه {وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم} وهذا ثغر عظيم من ثغور الإسلام قد لا يسده غيركم عاةً، وهم ككُتاب؛ وأنتم والكُتاب أصحابُ حق، وإنني لأتعجب كيف ينشر الرسام والصحفي الدنمركيين، والنرويجيين.. الضلال، ولا يؤجران عليه، بل يعاقبان عليه؛ قال سبحانه {إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذاباً مهيناً} ونحن، وأنتم وكُتابُ صحفنا نتوانى في نشر الخير والحق، ونحن موعودون بالثواب العظيم!!!!

أملي في شخصكم الكريم.. أن تحثوا إخواننا الدعاة وطلاب العلم ومعلمي اللغة الانجليزية والشباب المميزين في دخول منتديات الغرب وكُتاب الصحف ، كلٌ بحسبه، وكلٌّ بجهده، في اسثتمار هذه النعم التي أنعم الله بها عليكم في تبيين الحق للغرب عبر المواقع الخاصة بهم، والكتابة لصحفهم، فإن استثمار موهبة الكتابة في دعوتهم من أعظم وسائل الدعوة إلى الله، فقد كان حبيبكم صلى الله عليه وسلم يراسل ملوك الروم، والفرس وغيرهم. وقد قال صلى الله عليه وسلم [من دعا إلى هدى كان له من الأجور مثل أجور من تبعه] الله أكبر كيف بك عندما تأتي يوم القيامة وفي ميزان حسناتكم أعمال طبيبٍ دنمركي تلقى منك إيميلاً أو رسالة بالبريد ص. ب . أو قرأ ما كتبته في موقع غربي، أو مهندسٍ نرويجيٍ أو طيارٍ فرنسي؟ أو عددٌ من أساتذة الجامعات الأمريكيين. أو عدد من الطبيبات الانجليز؟ نعم تأتي يوم القيامة وكلُّ صلاةٍ وصيامٍ وحجٍ وصدقة عملوها،في ميزان حسناتكم كما قال صلى الله عليه وسلم [دون أن ينقص من أجورهم شيء] فالله الله في دعوةً إلى الله بما أمر الله ، على منهج الحبيب صلى الله عليه وسلم إذ قال الله له صلى الله عليه وسلم {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كُنت فضا غليظ القلب لانفضوا من حولك} وتأسوا بالحبيب صلى الله عليه وسلم الذي وصفه ربه بقوله {وإنك لعلى خُلقٍ عظيم}

وأخيراً آمل أن توجهوا خطاباتِ شكر ودعاء للأخوة التجار الذين تفاعلوا مع مقاطعة المنتجات الدنمركية، فخطابٌ منكم باسم مدير المكتب، ليس كخطاب من أي شخص آخر فالدعاء والشكر يحفز الانسان لفعل الخير، كما آمل مخاطبة التجار الآخرين ليقتدوا بهم لو برسالة جوال ( رجل الأعمال آل مهدي، والعثيم قاطعا منتجات الساخرين بحبيبك ، ولا نظن أنك أقل حباً لنبيك منهم) سيوم لها الأثر الأكبر في نفسه، وسيكون لكم مثل أحره!! والله أسأل أن يرفع قدركم في الدنيا والآخرة، وأن يُعينكم على أداء هذه الأمانة والمسؤولية العظيمة، كما أسأله أن يجمع كلمة علمائنا، وولاة أمرنا على الحق، وأن يحشرني وإياك ووالدينا وعلمائنا مع الحبيب صلى الله عليه وسلم وأن يجعلنا جميعاً ممن يعملون بما يعلمون، وأن يحفظ على بلادنا أمنها واستقرارها،،،، وصلى الله على نبينا وعلى آله وصحبه وسلم..

أخوكم/ عبدالعزيز بن علي العسكر


خطبة (أما آن لعلماء المسلمين إيقاظ حكامهم؟ بعد نصرة دول الاتحاد الأوربي للدنمرك )

خطبة ( يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم ماذا بعد سحب السفير من الدنمرك)

الحبيب يُساءُ إليه!! فداه نفسي وأولادي وأبي ووالده، وأمي ووالديها وما ولدا


تاريخ: 25/12/1426هـ

عبدالعزيز بن علي العسكر

عبقور2011
02-25-2011, 03:38 PM
كتّاب غربيون يوضحون حقيقة الإسلام ونبيه صلى الله عليه وسلم والدانماركيون يسيئون

كتب - مندوب «الرياض»:
قال الأستاذ عبدالعزيز بن علي العسكر: نشرت صحيفة (جلاندز بوستن) الدنماركية اثني عشر رسماً ساخراً.. السخرية بمن يا ترى؟!
إنهم يسخرون بأعظم رجل وطأت قدماه الثرى، بإمام النبيين وقائد الغر المحجلين صلى الله عليه وسلم، صور آثمة أظهرت ألا ثمة عدالة عند تلك الصحيفة ومسؤوليها، وكشفت لنا جهل الغربيين المساكين بالإسلام - والله مساكين) تصوروا أن الإسلام هو التفجير والتدمير وقتل الأبرياء.. أظهروا الحبيب صلى الله عليه وسلم في إحدى هذه الرسومات عليه عمامة تشبه قنبلة ملفوفة حول رأسه!! وكأنهم يريدون أن يقولوا إنه مجرم حرب (ألا ساء ما يزرون)!؟ ومع أسفنا وألمنا.. فإننا لا نلومهم بقدر ما نلوم أنفسنا فنحن - دعاة وكتّاباً - قصرنا في توضيح الصورة الحقيقية للإسلام، وقصرنا في نشر سيرة الحبيب العطرة. فداه نفسي وأولادي وأمي وأبي ومن ولدهما ومن ولدا..

وإمعاناً في غيها طلبت الصحيفة الدنماركية من الرسامين التقدم بمثل تلك الرسوم لنشرها على صفحاتها. ثم في هذه الأيام وفي يوم عيد الأضحى بالتحديد - إمعاناً في العداء - تأتي جريدة (ماجزينت) النرويجية لتنكأ الجراح وتشن الغارة من جديد، فتعيد نشر الرسوم الوقحة التي نُشرت في الصحيفة الدنماركية قبل! {أتواصوا به بل هم قوم طاغون}؟

إن المنتظر منكم، ومن أمثالكم الشيء الكثير الكثير.. ومنه على سبيل المثال وإلا فلديكم أفكار أكثر وأفضل، مما اقترحه:

٭ إن كنا حريصين فيما مضى على تعلم السنة، فيلزمنا من الآن فصاعداً أن نكون عاملين بها، متمسكين بها، عاملين بما نعلم منها، فالعمل بالعلم يورث العلم، أما العلم بلا عمل فسريعاً ما يضمحل، كما علينا أن ننشر السنة الشريفة على كافة الأصعدة والمستويات، حتى تكون لنا وللأجيال القادمة كالهواء الذي نتنفسه! صلى الله عليه وسلم على الحبيب. ونحث أبناءنا وقراءنا على التأسي بالحبيب في كل شؤونهم.

٭ ينبغي أن يتحلى كل مسلم منا باليقظة والوعي لما يتعرض له الإسلام والمسلمون من تهديدات ومخاطر، وأن لا نستجيب لاستفزازات المتعصبين، ولتكن مواقفنا محسوبة، مع حسن تقدير العواقب.

٭ ينبغي علينا جميعاً التآزر والتعاون مع العلماء وولاة الأمر في التصدي لهذه الحملات المغرضة الجائرة، وأن يبذل كل منا جهده في إيصال تألم المسلمين في بلد التوحيد ودولة التوحيد وقبلة المسلمين لما ينال أعز وأشرف الخلق كلهم، فداه نفسي وأولادي ووالدي ووالده وأمي ووالدها وما ولد. فنبين للمسؤولين حزن المسلمين عموماً والسعوديين خصوصاً الشديد لذلك.

٭ أمنية لو يستثمر كُتاب صحفنا المحلية هذه الفرصة الذهبية - بذلك نستطيع أن نحول المحن إلى منح! والمصائب إلى فرص.. فالغرب يتطلع لمعرفة المزيد (الصحيح) عن الإسلام. ومن ذلك:

أولاً: يقول (مهاتما غاندي) في حديث لجريدة «ينج إنديا»: «أردت أن أعرف صفات الرجل الذي يملك بدون نزاع قلوب ملايين البشر.. لقد أصبحت مقتنعاً كل الاقتناع أن السيف لم يكن الوسيلة التي من خلالها اكتسب الإسلام مكانته، بل كان ذلك من خلال بساطة الرسول، مع دقته وصدقه في الوعود، وتفانيه وإخلاصه لأصدقائه وأتباعه، وشجاعته مع ثقته المطلقة في ربه وفي رسالته. هذه الصفات هي التي مهدت الطريق، وتخطت المصاعب وليس السيف. بعد انتهائي من قراءة الجزء الثاني من حياة الرسول وجدت نفسي آسفاً لعدم وجود المزيد للتعرف على حياته العظيمة. أ-ه»

ثانياً: ويقول المستشرق الكندي الدكتور (زويمر) في كتابه «الشرق وعاداته»: «إن محمداً كان ولا شك من أعظم القواد المسلمين الدينيين، ويصدق عليه القول أيضاً بأنه كان مصلحاً قديراً وبليغاً فصيحاً وجريئاً مغواراً، ومفكراً عظيماً، ولا يجوز أن ننسب إليه ما ينافي هذه الصفات، وهذا قرآنه الذي جاء به وتاريخه يشهدان بصحة هذا الإدعاء. أ.ه»

ثالثاً: يقول الانجليزي (برنارد شو) في كتابه «محمد»، والذي أحرقته السلطة البريطانية: إن العالم أحوج ما يكون إلى رجل في تفكير محمد. هذا النبي الذي وضع دينه دائماً موضع الاحترام والاجلال. فإنه أقوى دين على هضم جميع المدنيات، خالداً خلود الأبد، وإني أرى كثيرا من بني قومي قد دخلوا هذا الدين على بينة، وسيجد هذا الدين مجاله الفسيح في هذه القارة - يعني أوروبا - إن رجال الدين في القرون الوسطى، ونتيجة للجهل أو التعصب، قد رسموا لدين محمد صورة قاتمة، لقد كانوا يعتبرونه عدواً للمسيحية!

لكنني اطلعت على أمر هذا الرجل، فوجدته اعجوبة خارقة، وتوصلت إلى أنه لم يكن عدواً للمسيحية، بل يجب أن يسمى منقذ البشرية. وفي رأيي أنه لو تولى أمر العالم اليوم، لوفق في حل مشكلاتنا، بما يؤمن السلام والسعادة التي يرنو البشر إليها. أ.ه.

رابعاً: يقول (سنرستن الآسوجي) أستاذ اللغات السامية، في كتابه «تاريخ حياة محمد»: إننا لم ننصف محمداً إذا أنكرنا ما هو عليه من عظيم الصفات وحميد المزايا.

فلقد خاض محمد معركة الحياة الصحيحة في وجه الجهل والهمجية، مصراً على مبدئه، وما زال يحارب الطغاة حتى انتهى به المطاف إلى النصر المبين، فأصبحت شريعته أكمل الشرائع، وهو فوق عظماء التاريخ. أ-ه.

خامساً: يقول الأديب العالمي (ليف تولستوي) الذي يعد أدبه من أمتع ما كتب في التراث الإنساني قاطبة عن النفس البشرية: يكفي محمداً فخراً أنه خلص أمة ذليلة دموية من مخالب شياطين العادات الذميمة، وفتح على وجوههم طريق الرقي والتقدم، وأن شريعة محمد، ستسود العالم لانسجامها مع العقل والحكمة.

سادساً: يقول المستشرق الأمريكي (سنكس) في كتابه «ديانة العرب»: ظهر محمد بعد المسيح بخمسمائة وسبعين سنة، وكانت وظيفته ترقية عقول البشر، بإشرابها الأصول الأولية للأخلاق الفاضلة، وبإرجاعها إلى الاعتقاد بإله واحد، وبحياة بعد هذه الحياة.

هذا غيض من فيض.. فهذه وتلك.. وغيرها الكثير الكثير.. شهادات حق بأقلام بعض علماء الغرب ومثقفيه المنصفين. وإنني على ثقة أنكم ستنشرون هذه الشهادات للغربيين الذين ضللوا عن الحقيقة..


عبدالعزيز بن علي العسكر

عبقور2011
02-25-2011, 03:40 PM
الحبيب يُساءُ إليه!! فداه نفسي وأولادي وأبي ووالده، وأمي ووالديها وما ولدا

الحمد لله رب العالمين ، الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، ، والصلاة والسلام على أفضل رسله وخاتم أنبيائه محمدٍ الصادق الأمين، المبعوث رحمة للخلق أجمعين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما.
أما بعد: فيا أيها المسلمون، أوصِيكم ونفسي بتقوى الله عزّ وجلّ، فاتقوا الله جميعاً رحمكم الله.

أيّها المسلمون، في العصور الماضيةِ والأحقاب السّالفة عاش كثيرٌ من العظماء ورجالات التأريخ والديانات، دوّنت الكتبُ أوصافهم، وسجّلت المدوّنات أحوالَهم، غيرَ أنه لا يوجد أحدٌ من هؤلاء العظماء والرجال من نُقلت أخباره ودُوّنت صفاته وحُفظت سيرته وكُتِب سجلّ حياتِه كما كان لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم .
إنَّ سيرةَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم أصحُّ سيرةٍ لتأريخ نبيٍّ مرسَل، سيرة واضحة مدقّقة في جميع أطوارها ومراحلها، حتى قال كاتب من غير المسلمين: "محمّد هو النبي الوحيد الذي وُلِد تحت ضوء الشمس"، إشارةً من هذا الكاتب إلى دقّة سيرته عليه الصلاة والسلام وصحّتها وتوازنها.
نقول هذا الكلام.. ـ أيها المسلمون، ـ والمسلمون يعيشون حملةً مسعورة موجّهة نحو دينهم ونبيّهم محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حملةً ظالمة آثمة. فقد نشرت صحيفة ( جلاندز بوستن ) الدنمركية، اثني عشر رسماً ساخر وقبيحا .. السخرية بمن يا ترى ؟! هل كان ذلك بمسؤول كبير .. أم بأحد الضباط .. أم برئيس دولة ...كلا.. بل كان ذلك بأعظم رجل وطأت قدماه الثرى , بإمام النبيين وقائد الغر المحجلين صلى الله عليه وسلم . صور آثمةٌ أظهرت وقاحة الكفرِ وأهلة , أظهروا النبي صلى الله عليه وسلم في إحدى هذه الرسومات عليه عمامة تشبه قنبلة ملفوفة حول رأسه !! وكأنهم يريدون أن يقولوا إنه – مجرم حرب – { ألا ساء ما يزرون }
وإمعاناً من في غَيِّها طلبت الصحافة الدنمركية من الرسَّامين التقدم بمثل تلك الرسوم لنشرها على صفحاتها.
ثم في هذه الأيام وفي يوم عيد الأضحى بالتحديد – إمعاناً في العداء - تأتي جريدة ( ما جزينت ) النرويجية لتنكأ الجراج وتشن الغارة من جديد , فتعيد نشر الرسوم الوقحة التي نُشرت في الصحيفة الدنمركية قبل! { أتواصوا به بل هم قوم طاغون }

أيها المؤمنون.. إنَّ الهجوم على الإسلام وعلى نبيّ الإسلام لا يزيد الدّين وأهلَه إلا صلابةً وثباتاً وانتشاراً ، وفي كتاب ربنا: {هُوَ ٱلَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدّينِ كُلّهِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً}
إنّهم يعلمون ونَعلم أنّ الذين يدخلون في دين الإسلام في ازدياد وتنامي على الرّغم من كلّ الظروف والمتغيّرات والأحداث والمقاومات، بل والتهديد والتشويه للإسلام وأهله ونبيِّه وقرآنه.

أيّها المسلمون.. لقد كانت سيرةً ومسيرة جليّةَ المعالم، كلّها حقٌّ، وكلّها صدق، توثيقاً وكتابة، وقراءة وبحثاً، واستيعاباً واستنباطاً. لم تُحفَظ قصةُ حياةٍ ولا سيرة رجل ولا مسيرة بطل مثلما حُفظت سيرةُ نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. سيرةٌ لم تلحقها الأساطير والأوهام، وإنّها لإحدى الدلائل التي حفظها الله لتكونَ شاهداً على صدق هذه الرسالة المحمدية.
لقد ضمّت السيرةُ النبوية جميعَ شؤون رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفاصيل حياته وأطوار عمره، من الولادة والرضاعة والطفولة والشباب والكهولة، في حياته قبلَ النبوة، من صدقه وأمانتِه واشتغالِه بالرعي والتجارة وزواجِه، ثم ما حبِّب إليه من الخلوة والتعبُّد، ثمّ بعثته ومواقف قومه العدائية، ومقاومتهم وما واجهوه به من اتهاماتٍ من سحرٍ وجنون وكذب، ثم تزايُدِ أتباعه وعلوِّ شأنه، وما حصل مع قومه من مواجهاتٍ ومهادنات وحروبٍ ومسالمات.
أمّا حياتُه الشخصية فقد نقل لنا النقلة الأثبات تفاصيلَ أوصافه الجسدية من الطول واللّون والهيئة والمشية وحياته اليوميّة من قيامه وجلوسه ونومه ويقظته وضحكه وغضبه وأكله وشربه ولباسه وما يحبّ وما يكره وعبادته في ليله ونهاره، وحياته مع أهل بيته وفي مسجده وأصحابه مع الأصدقاء ومع الغرباء وفي السفر وفي الحضر، ناهيكم بأخلاقه الكريمة من التواضع والحلم والحياء والصبر وحسن العشرة، بحيث لم يبقَ شيء من حياته مخفياً أو مكتوماً، إذا دخل بيته فهو بين أهله وخدمه وأولاده، وإذا خرج فهو مع الأصحاب والغرباء، وكلّ ذلك منقولٌ محفوظ، في بشريّته لم يخرج عن إنسانيّته، ولم تلحق حياتَه الأساطير، ولم تُضْفَ عليه الألوهية لا قليلا ولا كثيراً، فهو النبيّ الرسول، والرسول الإمام، والرسول الحاكم، والرسولُ الزوج، والرسول الأب، والرسول المجاهد، والرسولُ المربي، والرسول الصديق.

محمد صلى الله عليه وسلم أنموذجُ الإنسانية الكاملة، وملتقى الأخلاق الفاضلة، وحامل لواء الدعوة العالمية الشاملة.
أعطاه ربُّه وأكرمه، وأعلى قدره ورفع ذكرَه، ووعده بالمزيد حتى يرضى، ولاّه قلبةً يرضاها، من أطاعه فقد أطاع الله، ومن بايَعَه فإنما يبايع الله، لا قدرَ لأحد من البشر يداني قدرَه، صفوةُ خلقِ الله، وأكرم الأكرمين على الله، وحينما قال موسى كليم الله عليه السلام: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبّ لِتَرْضَىٰ} قال الله لمحمد صلى الله عليه وسلم : {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ} ، وحين سأل موسى الوجيهُ عند ربه عليه السلام: {قَالَ رَبّ ٱشْرَحْ لِى صَدْرِى} قال الله لمحمد صلى الله عليه وسلم : {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ}

أيها المسلمون، ومع حبِّ المسلمين لنبيّهم عليه الصلاة والسلام وتعظيمِهم له وتوقيرهم لجنابه فإنّ عقيدتهم فيه أنه بشرٌ رسول، عبدٌ لا يعبَد، ورسول لا يكذَّب، بل يُطاع ويُحبّ ويوقَّر ويُتّبع، شرّفه الله بالعبودية والرسالة. ولقد علَّمنا ربّنا موقعَ نبيّنا منّا فقال عز شأنه: {النَّبِىُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} فهو أقربُ إلى قلوبنا من قلوبِنا، وأحبّ إلى نفوسنا من نفوسنا، وهو المقدَّم على أعزّ ما لدينا من نفسٍ أو مال أو ولد أو حبيب، ولن يذوقَ المسلم حلاوةَ الإيمان في قلبه وشعوره ووجدانه إذا لم يكن حبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فوقَ كلّ حبيب، ففي الحديث الصحيح: [ثلاثٌ من كنَّ فيه وجد حلاوةَ الإيمان؛ أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما] أخرجه البخاري .. بل يترقّى ذلك إلى حدّ نفيِ الإيمان كما في الحديث الصحيح الآخر:[لا يؤمن أحدُكم حتى أكون أحبَّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين ]متفق عليه بأبي هو وأمي عليه الصلاة والسلام.

أيها المؤمنون.. ونحن نعتقد أن الله سبحانه سيحمي سُمعة رسوله محمد عليه الصلاة والسلام ويصرف عنه أذى الناس وشتمهم بكل طريق، حتى في اللفظ .
ففي " الصحيحين" عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ألا ترونَ كيف يَصْرِفُ الله عنِّي شَتْمَ قريشٍ ولعنَهم، يشتمون مُذَمَّمَاً، ويلعنون مُذَمَّمَاً، وأنا مُحَمَّدٌ] !
وإنه لمن الحسرة والبؤس على الصحافة الدنمركية والنرويجية أن يكون مجرد علمهم عن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو ما استهزؤوا به، مما أوحت به إليهم الأنفس الشريرة، وصدق الله : { يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون }
إن تلك الإساءة لم تخرج عن طريقة أصحاب المناهج الشريرة، الذين الذي حاربوا الأنبياء والمصلحين. وهذا ما أخبرنا الله به عنهم في القرآن الكريم : فقال تعالى : { فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَآؤُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِير} وقال الله عزَّ وجلَّ: { قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ . وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ }
والأيام بيننا وبين أولئك المبطلين المستهزئين، لننظر من تكون له العاقبة، ومن الذي يضل سعيه، ويكذب كلامه، وتظهر للعالمين أباطيله وافتراءاته، فقد قالها أمثالهم، فلمن كانت العاقبة؟ وأين آثارهم وأين مثواهم؟ قال الله جل شأنه في القرآن الكريم{ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } وقال الله سبحانه : {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً }
وقال الإمام العالم شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ "ومن سُنة الله أن من لم يُمكن المؤمنين أن يعذبوه من الذين يؤذون الله ورسوله فإنَّ الله سبحانه ينتقم منه لرسوله ويكفيه إياه، كما قال الله سبحانه {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ . إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ} . والقصص في إهلاك الله المستهزئين واحداً واحداً معروفة، قد ذكرها أهلُ السِّيَر والتفسير. وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم : قال: [ يقول الله تعالى: من عادى لي ولياً، فقد بارزني بالمحاربة] فكيف بمن عادى الأنبياء؟. ومن حَارَبَ الله تعالى حُرِبَ.
{إنا أعطيناك الكوثر* فصلي لربك وانحر* إن شانئك هو الأبتر} نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم وبهدي محمد صلى الله عليه وسلم ، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
الحمد لله أثنى على عبدِه ورسولِه محمّد في غير موضع من محكم كتابِه، وامتدحه بجميل خلقه وكريم آدابِه، أحمد ربي وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله، أصحابِه، والتابعين ومن تبعهم بإحسان .
أما بعد: فيا أيها المسلمون.. ويبقى سؤال كبير، ينبغي أن نطرحه على أنفسنا بعد كل خطبة: هو: ماذا يجب علينا أن نفعل؟ أما أن نستمع ونذرف الدموع، ونخرج بدون عمل، فإنني أربأ بكم عن ذلك ، وإنني أقترح خطوات عملية لنصرة الحبيب صلى الله عليه وسلم ، هي :
1- إن كُنا حريصين فيما مضى على تعلم السنة؛ فيلزمنا من الآن فصاعداً أن نكون عاملين بها؛ متمسكين بها، عاملين بما نعلم منها، فالعمل بالعلم يورث العلم، أما العلم بلا عمل فسريعاً ما يضمحل، كما علينا أن ننشر السنة الشريفة على كافة الأصعدة والمستويات، حتى تكون لنا وللأجيال القادمة كالهواء الذي نتنفسه ! صلى الله عليه وسلم على الحبيب. ونحث أبنائنا وتلاميذنا على التأسي بالحبيب في كل شئونهم.
2- ينبغي أن يتحلّى كل مسلم منا باليقظة والوعي لما يتعرّض له الإسلام والمسلمون من تهديداتٍ ومخاطر، وأن لا نستجيب لاستفزازاتِ المتعصّبين، ولتكن مواقفنا محسوبة، مع حُسن تقديرٍ العواقب.
3- يجب التآزر والتعاون مع العلماء وولاة الأمر في التصدي لهذه الحملات المغرضة الجائرة، وأن يبذل كلٌّ منا جهده في إيصال تألم المسلمين في بلد التوحيد ودولة التوحيد وقبلة المسلمين لما ينال أعز وأشرف الخلق كلهم؛ فداه نفسي وأولادي ووالدي ووالده وأمي ووالداها وما ولدا. فنبين للمسئولين حزن المسلمين عموماً والسعوديين خصوصاً الشديد لذلك.
4- أن نتواصل مع طُلاب العلم الشرعي، ومثقفينا في التخصصات الأخرى، ونتواصل مع كُتاب صحفنا المحلية ونطالب الجميع بأن يستثمروا هذه الفرصة؛ فالغرب يرغب في التعرف على هذا النبي المحبوب لكل هؤلاء المسلمين لدرجة أن أحدهم يفدية بوالديه وأولاده وأمواله وقبل ذلك بنفسه! والأستثمار الذي أدعو إليه بالكتابة للصحف الغربية، ومواقع الانترنت الغربية بلغاتهم – بالتي هي أحسن- علينا أن نبين للغربيين الحق فهم دعون حرية الرأي لنبين الإسلامَ الحقَّ للناس بمحاسنه ورحمته وعدله وسماحته وعفوه وقوّته وإنصافه وغَيرة أتباعه، وينشروا سيرةَ نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الطاهرة الشريفة، ويذبوا عن عرض الحبيب فداه نفسي وأبي ووالده وأمي ووالديها وما ولدا والناس أجمعُ.....
5- علينا أن نتواصل مع مثقفينا ولطلب منهم أن بينوا أقوال المنصفين من الغرب نفسه فيما قالوا بحقٍ في حق نبينا صلى الله عليه وسلم ، وإنني أنصح الجميع بالرجوع لمقال قيم للشيخ خالد الشايع نشره في موقع صيد الفوائد، ذكر فيه ما يزيد على اثني عشر شهادة حق في الحبيب صلى الله عليه وسلم بأقلام بعض علماء الغرب ومثقفيه المنصفين. وعلى مثقفينا من الجانب الآخر أن يفضَحوا التناقضاتِ في المواقف والتحيّز والانتقائية والعنصرية والانفلات الحضاري. والحقّ أحقُّ أن يُتّبع، والزبدُ يذهب جُفاء، وما ينفع الناس فيمكث في الأرض، والمسلمون على عقيدةٍ راسخة بأن الله متمّ نوره، وكيدُ الكائدين لن يضرّ أهلَ الإسلام شيئاً إذا صبروا واتقوا وأحسنوا.
6- علينا جميعاً أن نحث التجار ورجال الأعمال، ونطالبهم بأن يكون لهم موقفٌ حازم غيرةً على حبيبهم محمد صلى الله عليه وسلم فنبين لهم ضرورة أن يوقفوا كل التعاملات التجارية مع الدنمارك، والنروج سواء مشتقات الألبان أو غيرها، وبفضل الله تتوفر البدائل في سوقنا المحلية ولله الحمد. لتستمر المقاطعة حتى يتم الاعتذار وبشكل علنيٍّ ورسميٍّ ، ويؤدب المتسبب هذا العمل الذي أقدمت عليه الصحيفتين الدنمركية، والنرويجية.
7- لنحث المسلمين كأفراد لمقاطعة المنتجات الدنمركية والنرويجية. ولنحث إخواننا المهتمين بالأسهم على مقاطعة تداول أسهم الشركات العاملة في توريد وبيـع ونقــل منتجات الساخرين بالحبيب صلى الله عليه وسلم .
8- أدعو إخواني المسلمين في كل مكان بأن يراسل كلٌ منهم السفارتين ويبدي استنكاره، ويطالب سفارتي الدنمرك والنروج بالاعتذار العلني للمسلمين، وتأديب المتسببين. وعناوينمها معروفة ومنشورة لمن طلبها ، فنطالبُ باعتذارٍ علنيّ عن هذه الاتهامات والاهانات والتي وُجِّهت إلينا في أعزّ ما لدينا، في ديننا وفي نبيّنا فداه نفسي وولدي وأمي وأبي صلى الله عليه وسلم .

اللهم صل على نبينا محمد ما ذكره الذاكرون، وصل عليه ما غفل عن ذكره الغافلون. اللهم أحينا على محبته، وأمتنا على ملته، وثبتنا على سنته، وأكرمنا بشفاعته، وأوردنا حوضه، وأنِلنا شرف صحبته في عليين، مع الذين أنعمتَ عليهم من النبيين والصديقين والشهداء الصالحين، وحسن أولئك رفيقا. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم صلّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر والخلق الأكمل، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن الصحابة أجمعين، وعن والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين. وعليك بأعداء الدين. اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح ووفق أئمتنا وولاة أمورنا، وأجعلهم هُداة مهتدين، وهيء لهم البطانة الصالحة، وأبعد عنهم بطانة السوء يا رب العالمين. {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيم} اللهم اشفِ مرضانا ومرضى إخواننا المسلمين. اللهم فرج هم المهمومين من المسلمين، ونفس كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين اللهم اغفر لهم وارحمهم، وعافهم واعف عنهم، اللهم أكرم نزلهم وأوسع مدخلهم، واحشرهم في زمرة الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً. ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

عباد الله .. إن الله يأمركم بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكَّرون. فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ماتصنعون.


خطبة يوم الجمعة 20 من ذي الحجة 1426هـ
عبدالعزيز بن علي العسكر

عبقور2011
02-25-2011, 03:41 PM
الحبيب يُساءُ إليه!! فداه نفسي وأولادي وأبي ووالده، وأمي ووالديها وما ولدا

الحمد لله رب العالمين ، الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، ، والصلاة والسلام على أفضل رسله وخاتم أنبيائه محمدٍ الصادق الأمين، المبعوث رحمة للخلق أجمعين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما.
أما بعد: فيا أيها المسلمون، أوصِيكم ونفسي بتقوى الله عزّ وجلّ، فاتقوا الله جميعاً رحمكم الله.

أيّها المسلمون، في العصور الماضيةِ والأحقاب السّالفة عاش كثيرٌ من العظماء ورجالات التأريخ والديانات، دوّنت الكتبُ أوصافهم، وسجّلت المدوّنات أحوالَهم، غيرَ أنه لا يوجد أحدٌ من هؤلاء العظماء والرجال من نُقلت أخباره ودُوّنت صفاته وحُفظت سيرته وكُتِب سجلّ حياتِه كما كان لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم .
إنَّ سيرةَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم أصحُّ سيرةٍ لتأريخ نبيٍّ مرسَل، سيرة واضحة مدقّقة في جميع أطوارها ومراحلها، حتى قال كاتب من غير المسلمين: "محمّد هو النبي الوحيد الذي وُلِد تحت ضوء الشمس"، إشارةً من هذا الكاتب إلى دقّة سيرته عليه الصلاة والسلام وصحّتها وتوازنها.
نقول هذا الكلام.. ـ أيها المسلمون، ـ والمسلمون يعيشون حملةً مسعورة موجّهة نحو دينهم ونبيّهم محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حملةً ظالمة آثمة. فقد نشرت صحيفة ( جلاندز بوستن ) الدنمركية، اثني عشر رسماً ساخر وقبيحا .. السخرية بمن يا ترى ؟! هل كان ذلك بمسؤول كبير .. أم بأحد الضباط .. أم برئيس دولة ...كلا.. بل كان ذلك بأعظم رجل وطأت قدماه الثرى , بإمام النبيين وقائد الغر المحجلين صلى الله عليه وسلم . صور آثمةٌ أظهرت وقاحة الكفرِ وأهلة , أظهروا النبي صلى الله عليه وسلم في إحدى هذه الرسومات عليه عمامة تشبه قنبلة ملفوفة حول رأسه !! وكأنهم يريدون أن يقولوا إنه – مجرم حرب – { ألا ساء ما يزرون }
وإمعاناً من في غَيِّها طلبت الصحافة الدنمركية من الرسَّامين التقدم بمثل تلك الرسوم لنشرها على صفحاتها.
ثم في هذه الأيام وفي يوم عيد الأضحى بالتحديد – إمعاناً في العداء - تأتي جريدة ( ما جزينت ) النرويجية لتنكأ الجراج وتشن الغارة من جديد , فتعيد نشر الرسوم الوقحة التي نُشرت في الصحيفة الدنمركية قبل! { أتواصوا به بل هم قوم طاغون }

أيها المؤمنون.. إنَّ الهجوم على الإسلام وعلى نبيّ الإسلام لا يزيد الدّين وأهلَه إلا صلابةً وثباتاً وانتشاراً ، وفي كتاب ربنا: {هُوَ ٱلَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدّينِ كُلّهِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً}
إنّهم يعلمون ونَعلم أنّ الذين يدخلون في دين الإسلام في ازدياد وتنامي على الرّغم من كلّ الظروف والمتغيّرات والأحداث والمقاومات، بل والتهديد والتشويه للإسلام وأهله ونبيِّه وقرآنه.

أيّها المسلمون.. لقد كانت سيرةً ومسيرة جليّةَ المعالم، كلّها حقٌّ، وكلّها صدق، توثيقاً وكتابة، وقراءة وبحثاً، واستيعاباً واستنباطاً. لم تُحفَظ قصةُ حياةٍ ولا سيرة رجل ولا مسيرة بطل مثلما حُفظت سيرةُ نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. سيرةٌ لم تلحقها الأساطير والأوهام، وإنّها لإحدى الدلائل التي حفظها الله لتكونَ شاهداً على صدق هذه الرسالة المحمدية.
لقد ضمّت السيرةُ النبوية جميعَ شؤون رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفاصيل حياته وأطوار عمره، من الولادة والرضاعة والطفولة والشباب والكهولة، في حياته قبلَ النبوة، من صدقه وأمانتِه واشتغالِه بالرعي والتجارة وزواجِه، ثم ما حبِّب إليه من الخلوة والتعبُّد، ثمّ بعثته ومواقف قومه العدائية، ومقاومتهم وما واجهوه به من اتهاماتٍ من سحرٍ وجنون وكذب، ثم تزايُدِ أتباعه وعلوِّ شأنه، وما حصل مع قومه من مواجهاتٍ ومهادنات وحروبٍ ومسالمات.
أمّا حياتُه الشخصية فقد نقل لنا النقلة الأثبات تفاصيلَ أوصافه الجسدية من الطول واللّون والهيئة والمشية وحياته اليوميّة من قيامه وجلوسه ونومه ويقظته وضحكه وغضبه وأكله وشربه ولباسه وما يحبّ وما يكره وعبادته في ليله ونهاره، وحياته مع أهل بيته وفي مسجده وأصحابه مع الأصدقاء ومع الغرباء وفي السفر وفي الحضر، ناهيكم بأخلاقه الكريمة من التواضع والحلم والحياء والصبر وحسن العشرة، بحيث لم يبقَ شيء من حياته مخفياً أو مكتوماً، إذا دخل بيته فهو بين أهله وخدمه وأولاده، وإذا خرج فهو مع الأصحاب والغرباء، وكلّ ذلك منقولٌ محفوظ، في بشريّته لم يخرج عن إنسانيّته، ولم تلحق حياتَه الأساطير، ولم تُضْفَ عليه الألوهية لا قليلا ولا كثيراً، فهو النبيّ الرسول، والرسول الإمام، والرسول الحاكم، والرسولُ الزوج، والرسول الأب، والرسول المجاهد، والرسولُ المربي، والرسول الصديق.

محمد صلى الله عليه وسلم أنموذجُ الإنسانية الكاملة، وملتقى الأخلاق الفاضلة، وحامل لواء الدعوة العالمية الشاملة.
أعطاه ربُّه وأكرمه، وأعلى قدره ورفع ذكرَه، ووعده بالمزيد حتى يرضى، ولاّه قلبةً يرضاها، من أطاعه فقد أطاع الله، ومن بايَعَه فإنما يبايع الله، لا قدرَ لأحد من البشر يداني قدرَه، صفوةُ خلقِ الله، وأكرم الأكرمين على الله، وحينما قال موسى كليم الله عليه السلام: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبّ لِتَرْضَىٰ} قال الله لمحمد صلى الله عليه وسلم : {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ} ، وحين سأل موسى الوجيهُ عند ربه عليه السلام: {قَالَ رَبّ ٱشْرَحْ لِى صَدْرِى} قال الله لمحمد صلى الله عليه وسلم : {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ}

أيها المسلمون، ومع حبِّ المسلمين لنبيّهم عليه الصلاة والسلام وتعظيمِهم له وتوقيرهم لجنابه فإنّ عقيدتهم فيه أنه بشرٌ رسول، عبدٌ لا يعبَد، ورسول لا يكذَّب، بل يُطاع ويُحبّ ويوقَّر ويُتّبع، شرّفه الله بالعبودية والرسالة. ولقد علَّمنا ربّنا موقعَ نبيّنا منّا فقال عز شأنه: {النَّبِىُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} فهو أقربُ إلى قلوبنا من قلوبِنا، وأحبّ إلى نفوسنا من نفوسنا، وهو المقدَّم على أعزّ ما لدينا من نفسٍ أو مال أو ولد أو حبيب، ولن يذوقَ المسلم حلاوةَ الإيمان في قلبه وشعوره ووجدانه إذا لم يكن حبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فوقَ كلّ حبيب، ففي الحديث الصحيح: [ثلاثٌ من كنَّ فيه وجد حلاوةَ الإيمان؛ أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما] أخرجه البخاري .. بل يترقّى ذلك إلى حدّ نفيِ الإيمان كما في الحديث الصحيح الآخر:[لا يؤمن أحدُكم حتى أكون أحبَّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين ]متفق عليه بأبي هو وأمي عليه الصلاة والسلام.

أيها المؤمنون.. ونحن نعتقد أن الله سبحانه سيحمي سُمعة رسوله محمد عليه الصلاة والسلام ويصرف عنه أذى الناس وشتمهم بكل طريق، حتى في اللفظ .
ففي " الصحيحين" عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ألا ترونَ كيف يَصْرِفُ الله عنِّي شَتْمَ قريشٍ ولعنَهم، يشتمون مُذَمَّمَاً، ويلعنون مُذَمَّمَاً، وأنا مُحَمَّدٌ] !
وإنه لمن الحسرة والبؤس على الصحافة الدنمركية والنرويجية أن يكون مجرد علمهم عن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو ما استهزؤوا به، مما أوحت به إليهم الأنفس الشريرة، وصدق الله : { يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون }
إن تلك الإساءة لم تخرج عن طريقة أصحاب المناهج الشريرة، الذين الذي حاربوا الأنبياء والمصلحين. وهذا ما أخبرنا الله به عنهم في القرآن الكريم : فقال تعالى : { فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَآؤُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِير} وقال الله عزَّ وجلَّ: { قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ . وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ }
والأيام بيننا وبين أولئك المبطلين المستهزئين، لننظر من تكون له العاقبة، ومن الذي يضل سعيه، ويكذب كلامه، وتظهر للعالمين أباطيله وافتراءاته، فقد قالها أمثالهم، فلمن كانت العاقبة؟ وأين آثارهم وأين مثواهم؟ قال الله جل شأنه في القرآن الكريم{ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } وقال الله سبحانه : {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً }
وقال الإمام العالم شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ "ومن سُنة الله أن من لم يُمكن المؤمنين أن يعذبوه من الذين يؤذون الله ورسوله فإنَّ الله سبحانه ينتقم منه لرسوله ويكفيه إياه، كما قال الله سبحانه {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ . إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ} . والقصص في إهلاك الله المستهزئين واحداً واحداً معروفة، قد ذكرها أهلُ السِّيَر والتفسير. وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم : قال: [ يقول الله تعالى: من عادى لي ولياً، فقد بارزني بالمحاربة] فكيف بمن عادى الأنبياء؟. ومن حَارَبَ الله تعالى حُرِبَ.
{إنا أعطيناك الكوثر* فصلي لربك وانحر* إن شانئك هو الأبتر} نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم وبهدي محمد صلى الله عليه وسلم ، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
الحمد لله أثنى على عبدِه ورسولِه محمّد في غير موضع من محكم كتابِه، وامتدحه بجميل خلقه وكريم آدابِه، أحمد ربي وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله، أصحابِه، والتابعين ومن تبعهم بإحسان .
أما بعد: فيا أيها المسلمون.. ويبقى سؤال كبير، ينبغي أن نطرحه على أنفسنا بعد كل خطبة: هو: ماذا يجب علينا أن نفعل؟ أما أن نستمع ونذرف الدموع، ونخرج بدون عمل، فإنني أربأ بكم عن ذلك ، وإنني أقترح خطوات عملية لنصرة الحبيب صلى الله عليه وسلم ، هي :
1- إن كُنا حريصين فيما مضى على تعلم السنة؛ فيلزمنا من الآن فصاعداً أن نكون عاملين بها؛ متمسكين بها، عاملين بما نعلم منها، فالعمل بالعلم يورث العلم، أما العلم بلا عمل فسريعاً ما يضمحل، كما علينا أن ننشر السنة الشريفة على كافة الأصعدة والمستويات، حتى تكون لنا وللأجيال القادمة كالهواء الذي نتنفسه ! صلى الله عليه وسلم على الحبيب. ونحث أبنائنا وتلاميذنا على التأسي بالحبيب في كل شئونهم.
2- ينبغي أن يتحلّى كل مسلم منا باليقظة والوعي لما يتعرّض له الإسلام والمسلمون من تهديداتٍ ومخاطر، وأن لا نستجيب لاستفزازاتِ المتعصّبين، ولتكن مواقفنا محسوبة، مع حُسن تقديرٍ العواقب.
3- يجب التآزر والتعاون مع العلماء وولاة الأمر في التصدي لهذه الحملات المغرضة الجائرة، وأن يبذل كلٌّ منا جهده في إيصال تألم المسلمين في بلد التوحيد ودولة التوحيد وقبلة المسلمين لما ينال أعز وأشرف الخلق كلهم؛ فداه نفسي وأولادي ووالدي ووالده وأمي ووالداها وما ولدا. فنبين للمسئولين حزن المسلمين عموماً والسعوديين خصوصاً الشديد لذلك.
4- أن نتواصل مع طُلاب العلم الشرعي، ومثقفينا في التخصصات الأخرى، ونتواصل مع كُتاب صحفنا المحلية ونطالب الجميع بأن يستثمروا هذه الفرصة؛ فالغرب يرغب في التعرف على هذا النبي المحبوب لكل هؤلاء المسلمين لدرجة أن أحدهم يفدية بوالديه وأولاده وأمواله وقبل ذلك بنفسه! والأستثمار الذي أدعو إليه بالكتابة للصحف الغربية، ومواقع الانترنت الغربية بلغاتهم – بالتي هي أحسن- علينا أن نبين للغربيين الحق فهم دعون حرية الرأي لنبين الإسلامَ الحقَّ للناس بمحاسنه ورحمته وعدله وسماحته وعفوه وقوّته وإنصافه وغَيرة أتباعه، وينشروا سيرةَ نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الطاهرة الشريفة، ويذبوا عن عرض الحبيب فداه نفسي وأبي ووالده وأمي ووالديها وما ولدا والناس أجمعُ.....
5- علينا أن نتواصل مع مثقفينا ولطلب منهم أن بينوا أقوال المنصفين من الغرب نفسه فيما قالوا بحقٍ في حق نبينا صلى الله عليه وسلم ، وإنني أنصح الجميع بالرجوع لمقال قيم للشيخ خالد الشايع نشره في موقع صيد الفوائد، ذكر فيه ما يزيد على اثني عشر شهادة حق في الحبيب صلى الله عليه وسلم بأقلام بعض علماء الغرب ومثقفيه المنصفين. وعلى مثقفينا من الجانب الآخر أن يفضَحوا التناقضاتِ في المواقف والتحيّز والانتقائية والعنصرية والانفلات الحضاري. والحقّ أحقُّ أن يُتّبع، والزبدُ يذهب جُفاء، وما ينفع الناس فيمكث في الأرض، والمسلمون على عقيدةٍ راسخة بأن الله متمّ نوره، وكيدُ الكائدين لن يضرّ أهلَ الإسلام شيئاً إذا صبروا واتقوا وأحسنوا.
6- علينا جميعاً أن نحث التجار ورجال الأعمال، ونطالبهم بأن يكون لهم موقفٌ حازم غيرةً على حبيبهم محمد صلى الله عليه وسلم فنبين لهم ضرورة أن يوقفوا كل التعاملات التجارية مع الدنمارك، والنروج سواء مشتقات الألبان أو غيرها، وبفضل الله تتوفر البدائل في سوقنا المحلية ولله الحمد. لتستمر المقاطعة حتى يتم الاعتذار وبشكل علنيٍّ ورسميٍّ ، ويؤدب المتسبب هذا العمل الذي أقدمت عليه الصحيفتين الدنمركية، والنرويجية.
7- لنحث المسلمين كأفراد لمقاطعة المنتجات الدنمركية والنرويجية. ولنحث إخواننا المهتمين بالأسهم على مقاطعة تداول أسهم الشركات العاملة في توريد وبيـع ونقــل منتجات الساخرين بالحبيب صلى الله عليه وسلم .
8- أدعو إخواني المسلمين في كل مكان بأن يراسل كلٌ منهم السفارتين ويبدي استنكاره، ويطالب سفارتي الدنمرك والنروج بالاعتذار العلني للمسلمين، وتأديب المتسببين. وعناوينمها معروفة ومنشورة لمن طلبها ، فنطالبُ باعتذارٍ علنيّ عن هذه الاتهامات والاهانات والتي وُجِّهت إلينا في أعزّ ما لدينا، في ديننا وفي نبيّنا فداه نفسي وولدي وأمي وأبي صلى الله عليه وسلم .

اللهم صل على نبينا محمد ما ذكره الذاكرون، وصل عليه ما غفل عن ذكره الغافلون. اللهم أحينا على محبته، وأمتنا على ملته، وثبتنا على سنته، وأكرمنا بشفاعته، وأوردنا حوضه، وأنِلنا شرف صحبته في عليين، مع الذين أنعمتَ عليهم من النبيين والصديقين والشهداء الصالحين، وحسن أولئك رفيقا. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم صلّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر والخلق الأكمل، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن الصحابة أجمعين، وعن والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين. وعليك بأعداء الدين. اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح ووفق أئمتنا وولاة أمورنا، وأجعلهم هُداة مهتدين، وهيء لهم البطانة الصالحة، وأبعد عنهم بطانة السوء يا رب العالمين. {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيم} اللهم اشفِ مرضانا ومرضى إخواننا المسلمين. اللهم فرج هم المهمومين من المسلمين، ونفس كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين اللهم اغفر لهم وارحمهم، وعافهم واعف عنهم، اللهم أكرم نزلهم وأوسع مدخلهم، واحشرهم في زمرة الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً. ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

عباد الله .. إن الله يأمركم بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكَّرون. فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ماتصنعون.


خطبة يوم الجمعة 20 من ذي الحجة 1426هـ
عبدالعزيز بن علي العسكر

عبقور2011
02-25-2011, 03:44 PM
خطبة الجمعة (قنوات فضائية تعلم السحر والكهانة)

الحمد لله المبدئ المعيد، الفعال لما يريد، أحاط بكل شيء علما وهو على كل شيء شهيد، علا بذاته، وقهر بقدرته،، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وهو أقرب إلى عبده من حبل الوريد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، بشّر وأنذر وحذر يوم الوعيد، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه والتابعين بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا أيها الناس اتقوا الله ربكم، فهو سبحانه أحق أن يطاع فلا يعصى، ويُذكر فلا يُنسى، ويُشكر فلا يُكفر.

أيها المسلمون: إلهنا ربنا الله الذي من اعتصم به هُدي إلى صراط مستقيم، ومن استعان به واستعاذ أوى إلى ركنٍ شديدٍ. نزَّل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين. أعظم ما تتعلق به القلوب رجاؤه. وأعذب ما تلهج به الألسن ذكره ودعاؤه. سبحانه وتقدس وتبارك لا شفاء إلا شفاؤه.
خلق الأجساد وعللها، والأرواح وأسقامها، والقلوب وأدواءها، والصدور ووسواسها.

أيها المؤمنون.. صلاح الجسد مرتبطٌ بصحة المعتقد، بل متى يصلح الجسد إذا لم يصلح المعتقد؟؟.
حين يضعف وازع الإيمان، ويختل ميزان الاعتقاد تختلطُ الحقائق بالخرافة، وتنتشر الخزعبلات والأوهام، ويفشو الدجل والشعوذة.

أيها المؤمنون.. اتصلت بي امرأة من هذه المدينة تقول (أنني دخلت على بناتي وهن يشاهدن إحدى القنوات، وإذا فيه امرأة يتصل بها بنات ، يسألهنا عن مستقبلهن، وماذا يحدث لهن من نجاح وزواج وغيره, فتسأل كل واحدة عن عمرها ، ولون بشرتها، ثم ترمي بحجر ، أو بأوراق خبصة ثم تخرها بما سيقع لها مستقبلا من زواج أو وظيفة أو فشل وإذا تزوجت كم ستلد من الأولاد وغيرها من الخرافات والخزعبلات) ثم وصلتنى مادة إعلامية على سيدى لأحد المشايخ (ذكر أن هناك أربع قنوات فضائية متخصصة في تعليم السحر والكهانة والشعوذة، وأورد تقارير مسجلة من تلك القنوات، وبين خطورتها على عقيدة المسلمين، وعلى علاقاتهم الأسرية. ، رأيت وستمعتُ هذا الساحر يعلم المشاهدين طريقة السحر فيعرض ما يزعم أنه حجاب مكتوباً على صحيفة كبيرة على الشاشة ويقول للمتصل (اكتب اسمك في هذا المربع بين الطلاسم واسم أمك في المربع الآخر ولن يضرك شيئا بعده) ويقول هذا الساحر – مباشرة على الهواء - لإحدى المتصلات (رزقك عندي .. حياتك عندي.. علاقتك مع زوجك عندي.. لا مو هذا بس.. كل شيء عنك عندي) وذكر الشيخ لي في اتصال آخر أسماء هذه القنوات، وأنه يأتيها اتصالاتُ من شتى مناطق ومدن المملكة فيسألون علم الغيب وما سيقع لهم مستقبلا، وتطلب بعض النساء من الساحر أن يفرق يفريق بين زوجها وأمه، آلاف الاتصالات )

أيها المؤمنون.. كيف ينخدع أناس درسوا التوحيد في مدراسنا في المرحلة الابنتدائية والمتوسطة والثانوية بمثل هذه الخزعبلات ويتوهمون أن هناك من يعلم الغيب غير الله من هؤلاء الكهنة والعرافين ؟ والنبي يقول في القرآن { قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)} ففي صحيح مسلم [من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يوما] ويقول صلى الله عليه وسلم: [من أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أُنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ]

عباد الله.. ويضيع الحق في هذه القنوات بين إهمال الوالدين، وبين فريقين؛ ضلاَّلٌ ماديون ينكرون الغيب وعالمه ، وينكرون تأثير الجن، بل بعضهم ينكر وجود الجن أصلا..ويكفرون بما جاءت به نصوص القرآن والسنة من الحقِّ. وسنتكلم عن هذا في الخطبة الثانية.
يقابلهم فريق آخر عششت الخرافات في رؤوسهم وامتلأت بالخزعبلات صدورهم، تعلقت قلوبهم بالسحر والكهانة، ارتبطت مصائرهم بالتنجيم والعرافة، ضربٌ بالكف والرمل، ونظرٌ في الوَدَع والخرز، واستشفاء بالأنواء.
وكلا الفريقين قد سلك مسلك الجاهلية، خالفت نصوص الكتاب والسنة وخالفت الفطرة والعقل.

أيها المؤمنون.. من تعلق شيئاً وُكل إليه، فمن تعلق بربه ومولاه رب كل شيء ومليكه كفاه ووقاه وحفظه وتولاه، فهو نعم المولى ونعم النصير، ومن تعلق بالكهنة والسحرة والشياطين والمشعوذين وغيرهم من أفاكي المخلوقين وكله الله إلى من تعلق به. والتعلق يكون بالقلب وبالفعل ويكون بهما جميعاً، فالمتعلقون بربهم المُنْزِلون حوائجَهم به، المفوضون أمورهم إليه، يكفيهم ويحميهم يقرِّب لهم البعيد، وييسر لهم العسير.

أيها المسلمون: بحثُ عما يفيدني في خطبة اليوم عن هذا الموضوع ويفيد المستميعين، فلم أجد أفضل من رسالة وجهها الإمام العلامة ابن باز رحمه الله في مناسبة مماثلة ، إذ قال رحمه الله ما نصه : (الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد: فنظرا لكثرة المشعوذين في الآونة الأخيرة ممن يدعون الطب ويعالجون عن طريق السحر أو الكهانة، وانتشارهم في بعض البلاد، واستغلالهم للسذج من الناس ممن يغلب عليهم الجهل - رأيت من باب النصيحة لله ولعباده أن أبين ما في ذلك من خطر عظيم على الإسلام والمسلمين لما فيه من التعلق بغير الله تعالى ومخالفة أمره وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم.

فأقول مستعينا بالله تعالى يجوز التداوي اتفاقا، وللمسلم أن يذهب إلى دكتور أمراض باطنية أو جراحية أو عصبية أو نحو ذلك ؛ ليشخص له مرضه ويعالجه بما يناسبه من الأدوية المباحة شرعا حسبما يعرفه في علم الطب ؛ لأن ذلك من باب الأخذ بالأسباب العادية ولا ينافي التوكل على الله، وقد أنزل الله سبحانه وتعالى الداء وأنزل معه الدواء عرف ذلك من عرفه وجهله من جهله، ولكنه سبحانه لم يجعل شفاء عباده فيما حرمه عليهم.

فلا يجوز للمريض أن يذهب إلى الكهنة الذين يدعون معرفة المغيبات ليعرف منهم مرضه، كما لا يجوز له أن يصدقهم فيما يخبرونه به فإنهم يتكلمون رجما بالغيب، أو يستحضرون الجن ليستعينوا بهم على ما يريدون، وهؤلاء حكمهم الكفر والضلال إذا ادعوا علم الغيب، وقد روى مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال [من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يوما] وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال [من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ] رواه أبو داود وخرجه أهل السنن الأربع، وصححه الحاكم عن النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ [من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد] وعن عمران بن حصين قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ليس منا من تطير أو تطير له أو تكهن أو تكهن له أو سحر أو سحر له ومن أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم [رواه البزار بإسناد جيد

ففي هذه الأحاديث الشريفة النهي عن إتيان العرافين والكهنة والسحرة وأمثالهم وسؤالهم وتصديقهم والوعيد على ذلك، فالواجب على ولاة الأمور وأهل الحسبة وغيرهم ممن لهم قدرة وسلطان إنكار إتيان الكهان والعرافين ونحوهم، ومنع من يتعاطى شيئا من ذلك في الأسواق وغيرها والإنكار عليهم أشد الإنكار، والإنكار على من يجيء إليهم، ولا يجوز أن يغتر بصدقهم في بعض الأمور ولا بكثرة من يأتي إليهم من الناس فإنهم جهال لا يجوز اغترار الناس بهم؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد نهى عن إتيانهم وسؤالهم وتصديقهم لما في ذلك من المنكر العظيم والخطر الجسيم والعواقب الوخيمة ولأنهم كذبة فجرة.
كما أن في هذه الأحاديث دليلا على كفر الكاهن والساحر لأنهما يدعيان علم الغيب وذلك كفر، ولأنهما لا يتوصلان إلى مقصدهما إلا بخدمة الجن وعبادتهم من دون الله وذلك كفر بالله وشرك به سبحانه والمصدق لهم في دعواهم علم الغيب يكون مثلهم، وكل من تلقى هذه الأمور عمن يتعاطاها فقد برئ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا يجوز للمسلم أن يخضع لما يزعمونه علاجا كنمنمتهم بالطلاسم أو صب الرصاص ونحو ذلك من الخرافات التي يعملونها، فإن هذا من الكهانة والتلبيس على الناس ومن رضي بذلك فقد ساعدهم على باطلهم وكفرهم.
كما لا يجوز أيضا لأحد من المسلمين أن يذهب إليهم ليسألهم عمن سيتزوج ابنه أو قريبه أو عما يكون بين الزوجين وأسرتيهما من المحبة والوفاء أو العداوة والفراق ونحو ذلك؛ لأن هذا من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى.
والسحر من المحرمات الكفرية كما قال الله عز وجل في شأن الملكين في سورة البقرة: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ }
فدلت هذه الآيات الكريمة على أن السحر كفر وأن السحرة يفرقون بين المرء وزوجه. كما دلت على أن السحر ليس بمؤثر لذاته نفعا ولا ضرا وإنما يؤثر بإذن الله الكوفي القدري لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي خلق الخير والشر.
ولقد عظم الضرر واشتد الخطب بهؤلاء المفترين الذين ورثوا هذه العلوم عن المشركين ولبسوا بها على ضعفاء العقول فإنا لله وإنا إليه راجعون وحسبنا الله ونعم الوكيل.
كما دلت الآية الكريمة على أن الذين يتعلمون السحر إنما يتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم وأنه ليس لهم عند الله من خلاق أي: (من حظ ونصيب)، وهذا وعيد عظيم يدل على شدة خسارتهم في الدنيا والآخرة، وأنهم باعوا أنفسهم بأبخس الأثمان، ولهذا ذمهم الله سبحانه وتعالى على ذلك بقوله: {وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } والشراء هنا بمعنى البيع.

نسأل الله العافية والسلامة من شر السحرة والكهنة وسائر المشعوذين، كما نسأله سبحانه أن يقي المسلمين شرهم، وأن يوفق حكام المسلمين للحذر منهم وتنفيذ حكم الله فيهم حتى يستريح العباد من ضررهم وأعمالهم الخبيثة إنه جواد كريم.
وقد شرع الله سبحانه لعباده ما يتقون به شر السحر قبل وقوعه، وأوضح لهم سبحانه ما يعالج به بعد وقوعه رحمة منه لهم، وإحسانا منه إليهم، وإتماما لنعمته عليهم.

وفيما يلي بيان للأشياء التي يتقى بها خطر السحر قبل وقوعه والأشياء التي يعالج بها بعد وقوعه من الأمور المباحة شرعا:
أما ما يتقى به خطر السحر قبل وقوعه فأهم ذلك وأنفعه هو: التحصن بالأذكار الشرعية والدعوات والتعوذات المأثورة، ومن ذلك قراءة آية الكرسي خلف كل صلاة مكتوبة بعد الأذكار المشروعة بعد السلام، ومن ذلك قراءتها عند النوم، وآية الكرسي هي أعظم آية في القرآن الكريم وهي قوله سبحانه: {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ }
ومن ذلك قراءة: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } ، و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ }، و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ } ، خلف كل صلاة مكتوبة وقراءة هذه السور الثلاث ثلاث مرات في أول النهار بعد صلاة الفجر، وفي أول الليل بعد صلاة المغرب، وعند النوم، ومن ذلك قراءة الآيتين من آخر سورة البقرة في أول الليل وهما قوله تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ } البقرة:285 إلى آخر السورة.
وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال [من قرأ آية الكرسي في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ ولا يقربه شيطان حتى يصبح]، وصح عنه أيضا صلى الله عليه وسلم أنه قال[ من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه] والمعنى والله أعلم: كفتاه من كل سوء.
ومن ذلك: الإكثار من التعوذ بـ"كلمات الله التامات من شر ما خلق" في الليل والنهار، وعند نزول أي منزل في البناء أو الصحراء أو الجو أو البحر لقول النبي صلى الله عليه وسلم [ من نزل منزلا فقال أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك] ومن ذلك أن يقول المسلم في أول النهار وأول الليل ثلاث مرات[ بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم] لصحة الترغيب في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأن ذلك سبب للسلامة من كل سوء.
وهذه الأذكار والتعوذات من أعظم الأسباب في اتقاء شر السحر وغيره من الشرور لمن حافظ عليها بصدق وإيمان وثقة بالله واعتماد عليه وانشراح صدر لما دلت عليه، وهي أيضا من أعظم السلاح لإزالة السحر بعد وقوعه مع الإكثار من الضراعة إلى الله وسؤاله سبحانه أن يكشف الضرر ويزيل البأس.
ومن الأدعية الثابتة عنه صلى الله عليه وسلم في علاج الأمراض من السحر وغيره وكان صلى الله عليه وسلم يرقي بها أصحابه: { اللهم رب الناس أذهب البأس واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما } يقولها ثلاثا، ومن ذلك الرقية التي رقى بها جبرائيل النبي صلى الله عليه وسلم وهي قوله: { بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك ومن شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك بسم الله أرقيك } وليكرر ذلك ثلاث مرات.
ومن علاج السحر بعد وقوعه أيضا وهو علاج نافع للرجل إذا حبس من جماع أهله أن يأخذ سبع ورقات من السدر الأخضر فيدقها بحجر أو نحوه ويجعلها في إناء ويصب عليه من الماء ما يكفيه للغسل ويقرأ فيها: آية الكرسي و {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ } و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ } و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاس}، وآيات السحر التي في سورة الأعراف وهي قوله سبحانه: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ }، والآيات في سورة يونس وهي قوله سبحانه: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ } والآيات في سورة طه: {قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى}
وبعد قراءة ما ذكر في الماء يشرب منه ثلاث حسوات ويغتسل بالباقي وبذلك يزول الداء إن شاء الله، وإن دعت الحاجة لاستعماله مرتين أو أكثر فلا بأس حتى يزول الداء.

ومن علاج السحر أيضا - وهو من أنفع علاجه - بذل الجهود في معرفة موضع السحر في أرض أو جبل أو غير ذلك، فإذا عرف واستخرج وأتلف بطل السحر.
هذا ما تيسر بيانه من الأمور التي يتقى بها السحر ويعالج بها والله ولي التوفيق.
وأما علاجه بعمل السحرة الذي هو التقرب إلى الجن بالذبح أو غيره من القربات فهذا لا يجوز؛ لأنه من عمل الشيطان بل من الشرك الأكبر. فالواجب الحذر من ذلك، كما لا يجوز علاجه بسؤال الكهنة والعرافين والمشعوذين واستعمال ما يقولون لأنهم لا يؤمنون، ولأنهم كذبة فجرة يدعون علم الغيب ويلبسون على الناس، وقد حذر الرسول صلى الله عليه وسلم من إتيانهم وسؤالهم وتصديقهم كما سبق بيان ذلك في أول هذه الرسالة. وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم [أنه سئل عن النشرة فقال: هي من عمل الشيطان [رواه الإمام أحمد وأبو داود بإسناد جيد.
والنشرة هي حل السحر عن المسحور ومراده صلى الله عليه وسلم بكلامه هذا النشرة التي يتعاطاها أهل الجاهلية، وهي: سؤال الساحر ليحل السحر، أو حله بسحر مثله من ساحر آخر.
أما حله بالرقية والتعوذات الشرعية والأدوية المباحة فلا بأس بذلك كما تقدم. وقد نص على ذلك العلامة ابن القيم، والشيخ عبد الرحمن بن حسن في فتح المجيد رحمة الله عليهما، ونص على ذلك أيضا غيرهما من أهل العلم.
والله المسئول أن يوفق المسلمين للعافية من كل سوء، وأن يحفظ عليهم دينهم، ويرزقهم الفقه فيه، والعافية من كل ما خالف شرعه وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه) أ- هـ رحمه الله .
فاتقوا الله وراقبوا ما تبثه هذه القنوات الفضائية على أبنائكم ونسائكم، مما يخرج المرء من دينه.. فقد يحج المسلم عشر حجج ، ويعتمر خمسين عمرة، ويصلي عددا من السنين ، ويتصدق، ثم يفتح قناة من هذه القنوات التي تبث السحر والهانة والدجل فيصدقهم فيكفر بما أنزل على محمد بنص الحديث إذ قال صلى الله عليه وسلم [من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم] . قال تعالى {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نار وقودها الناس والحجارة} بارَكَ الله لي ولَكم في القرآنِ والسنّة، ونفعني وإيّاكم بما فيهما منَ البيّنات والحِكمة، أقول ما تسمعون، وأستغفِر الله لي ولكم ولسائرِ المسلمين من كلِّ ذنب وخطيئَة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.


الحمد لله كفى وشفى، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله النبي المصطفى، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أهل البر والوفا، والتابعين ومن تبعهم بإحسان وسار على هديهم واقتفى.

أما بعد فيا أيها الناس: قلتُ أن هناك أناس فينكرون تأثير الجن، بل هناك من ينكر وجود الجن أصلا .. فهؤلاء ضُلاَّلٌ ماديون ينكرون الغيب وعالمه ويكفرون بما جاءت به نصوص القرآن والسنة. كما أن التأثير الجن محسوس وملموس. وقد أخبر عليه الصلاة والسلام: [أن كل بني آدم يطعن في جنبه بإصبعه حين يولد – أي بإصبع الشيطان] رواه البخاري، وقال أيضاً: [إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي] رواه مسلم.

وهذه الآثار – أيها المؤمنون. – معنويها وحسيها لها علاجها ووقايتها إذا رزق العبد إرادة قوية مؤمنة متعلقة بربها واثقة به: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَلَى رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَـانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ}
أيها المسلمون.. جيء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بصبي به مس من الشيطان فنفث عليه الصلاة السلام في فيه ثلاثاً وقال:[بسم الله أنا عبد الله اخسأ عدو الله] حديث حسن أخرجه الإمام أحمد.
واشتكى ابن أبي العاص إلى النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً يأتيه يصرفه عن صلاته، فقال صلى الله عليه وسلم: [ذاك شيطان ثم ضرب على صدر ابن أبي العاص وقال: اخرج عدو الله - ثلاثاً ] رواه ابن ماجه بسند صحيح.
إذا كان الأمر كذلك – أيها المسلمون – فلتعلموا أن الناس تختلف في ضعف نفوسها، وقوة إرادتها، وصدق يقينها وتعلقها بربها، وقوة تأثير الوساوس عليها.
فأهل الإيمان والتقوى: {إِذَا مَسَّهُمْ طَـئِفٌ مّنَ الشَّيْطَـانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} . تذكروا ربهم فذكروه بألسنتهم وبقلوبهم، ورجعوا إليه، موقنين أنه النافع الضار الحكيم المدبر: {فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} يهديهم ربهم بإيمانهم، فيعتدل حـالهم ويستقيم مزاجهم، واتقوا ربهم فجعل لهم نوراً يمشون به: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَـالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلّ شَىْء قَدْراً}
أيها المؤمنون..: إن عقيدة المسلم في كتاب الله واضحة وفي سنة رسول الله بينة. القرآن لهذه الأدواء هو الشفاء ولكنه لأهل الإيمان خاصة: {وَنُنَزّلُ مِنَ الْقُرْءانِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لّلْمُؤْمِنِينَ} وقال سبحانه. {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ هُدًى وَشِفَاء}
علاج أدوائكم في قرآنكم وفي سنة نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم. وطلب العلاج مشروع، والأخذ بالأسباب المباحة مطلوب، فقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن [لكل داء دواءً، فإذا أصاب الدواء الداء برأ بإذن الله] رواه مسلم. وقال أيضاً: [ما أنزل الله داءً إلا أنزل له شفاءً] متفق عليه. وهذا هو لفظ البخاري، وزاد أحمد: [عَلِمه من علمه وجهله من جهله] وهذا الدواء لا يكون ولن يكون فيما حرَّم الله ورسوله، فتداووا عباد الله ولا تتداووا بحرام.
عباد الله.. وحصول البرء والشفاء بيد الله وإذنه، فلا يأس من رَوح الله، ولا استبعاد لفرج الله،قال صلى الله عليه وسلم [وعجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له ولا يكون ذلك إلا لمؤمن] رواه مسلم.
هذه هي العقيدة وهذا هو المنهج، ولكن أين العقيدة من أناس خفافيش القلوب ضعاف النفوس تعلَّقوا بالدجالين، ولحقوا بركاب المشعوذين؟ ضلُّوا في متاهات الكذب والكهانة، فساد معتقدٍ، وضياع مالٍ، ودوام مرضٍ.

فاتقوا الله وراقبوا ما تبثه هذه القنوات الفضائية على أبنائكم ونسائكم، واكتبوا ما تلاحظون فيها من مخالفات للعلماء وولاة الأمر – حفظهم وأعانهم الله- حتى يتمكنوا من إصلاحه. ولهم قدم سبق وفضل في محاربة هؤلاء السحرة والكهنة ، وغيرهم ، وإن كانت تبث من خارج بلادنا، فإن تأثير بلادنا على الآخرين واضح، وما حجب استار أكاديمي، عنكم ببعيد، بل هو بفضل الله ثم بفضل ولاة أمرنا وعلمائنا، وما لخطاب شديد اللهجة الذي وجهه ، سمو وزير الخارجية - وفقه الله- لبابا الفاكتان .. عنا ببعيد.. وفضل بلادنا على لبنان واضح للعيان، فلن يردوا لحكامنا طلبا بإغلاق هذه القنوات، التي تبث ما يناقض القرآن والسنة., حفظ الله على أمة الإسلام دينها وحسن معتقدها، ووفق ولاة أمور المسلمين لما يحبه ويرضاه، إنه سميع مجيب

هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا ـ رَحِمَكُمُ اللهُ ـ عَلَى مَنْ أَمَرَكُمُ اللهُ تَعَالَى بالصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ عَلَيهِ . فاللهمّ صلِّ على محمّد وعلى آل محمّد كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمّد وعلى آل محمّد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم وأرضى عن الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن الصحابة أجمعين، وعن والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين. اللهم نسألك الأمن في الأوطان. اللهم نسألك الأمن والإيمان. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا واجعلهم ممن خافك واتقاك واتبع رضاك، اللهم أرهم الحق حقاً، وارزقهم اتباعه، وأرهم الباطل باطلاً وأرزقهم اجتنابه. وارزقهم البطانة الصالحة وأبعد عنهم بطانة السوء يا رب العالمين. {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيم} اللهم فرج كربات المكروبين من المسلمين، ونفس اللهم هم المهمومين، واقضي اللهم الدين عن المدينين، واشفِ مرضانا ومرضى المسلمين. اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين اللهم أكرم نزلهم وأوسع مدخلهم، واحشرهم في زمرة الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.

اللهم أنت لا إله إلا أنت أنت الغني ونحن الفقراء ، أنزل على الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا، اللهم لا تحرمنا ما عندك بشر ما عندنا، يا ذا الجلال والإكرام. اللهم إنا خلق من خلقك، فلا تمنع عنا فضلك. آمين اللهم استجب. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
عباد الله ..{ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }. فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ماتصنعون.

محبكم في الله / عبدالعزيز بن علي العسكر
إمام وخطيب جامع العذار بالخرج
جوال 0505109383


تقرير عن القنوات الفضائية التي تعلم السحر والكهانة وخطوات عملية لحماية مجتمعنا منها

حمل حلقة الشعوذة والدجل في الفضائيات للشيخ نبيل العوضي


جمع مادتها وألقاها في جامع العذار / عبدالعزيز بن علي العسكر

عبدالعزيز بن علي العسكر

عبقور2011
02-25-2011, 03:46 PM
خطبة الجمعة ثمان قواعد لجبر مصابي سوق الأسهم وغيرها

الحمد لله قدّر الأمورَ وقضاها، وعلى ما سبَق علمه بها أمضاها، وكما قدَّر مبدأها قدّر منتهاها، أحمده سبحانه عزّ ربًّا وجلَّ إلهًا. وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك لها، وأشهد أن نبيّنا محمدًا عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أَمَّا بَعْدُ: فأوصيكم ونفسي أيها النَّاسُ بتقوى الله، فاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُوهُ، وَرَاقِبُوهُ وَلاَ تَعْصُوهُ، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاَقُوهُ، فَمَجْزِيُّونَ عَلَى إِحْسَانِكُمْ، وَمُحَاسَبُونَ عَلَى تَفْرِيطِكُمْ.
أيها المسلمون، المصائب أمر لا بد منها، فهذه الدنيا مليئة بالحوادث والفواجع والأمراض والخسائر، فبينما الإنسان يسعد بقرب عزيز أو حبيب إذا هو يفجع ويفاجأ بخبر وفاته، وبينا الآخرُ في صحة وعافية وسلامة إلا يفاجأ بمرض يصيبه. وبينما الثالثُ في غني وذا سعة ورزق إذا هو يُفجع بخسارة ماله وهبوط قيمة أسهمه.
في هذه الدنيا منح ومحن وأفراح وأتراح وآمال وآلام، فدوام الحال من المحال، والصفو يعقبه الكدر، والفرح فيها مشوب بترح وحذر. وهيهات أنْ يضحك من لا يبكي، وأنْ يتنعّم من لم يتنغَّصْ، أو يسعدَ من لم يحزنْ!.
تلكم هي الدنيا التي اغتر بها كثير من الناس فجعلها منتهى أمله، و أكبر همه.. وصفها ربها بقوله {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ} وقال سبحانه {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ}
وبين خلـيله صلى الله عليه وسلم حاله معها بقوله[ ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها [ رواه الترمذي ذلك أنه عرف منزلتها؟ وتبين له دنوها وحقارتها..
قال صلى الله عليه وسلم [ لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة، ما سقى كافراً منها شربة ماء] رواه الترمذي، وهي مع ذلك لا يدوم لها حال، إن أضحكت قليلاً أبكت كثيراً و إن سرت يوماً أبكت أياماً ودهوراً.. لا يسلم العبد فيها من سقم يكدر صفو حياته، أو مرض يوهن قوته ويعكر مبا ته..
ولذلك كانت وصية من عرف قدرها صلى الله عليه وسلم [كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل] رواه البخاري . وهكذا.. من عرف حقيقة الدنيا زهد فيها.. ومن زهد فيها هانت عليه أكدارها ومصائبها
هكذا هي الدنيا وهذه أحوالها، وليس للمؤمنِ الصادق فيها إلا الصبر، والرضا بما قضى الله وقدر، فذلكم دواء أدوائها. قال الحسن رحمه الله: "جرَّبْنا وجرَّب المجرِّبون فلم نر شيئًا أنفع من الصبر، به تداوى الأمور، وهو لا يُداوى بغيره".

أيها المسلمون، أمرنا الله بالصبر وجعله من أسباب العون والمعيّة الإلهية، فقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}. فالصبر سبب بقاء العزيمة ودوام البذل والعمل، وما فات لأحد كمال إلا لضعف في قدرته على الصبر والاحتمال، وبمفتاح عزيمة الصبر تُعالج مغاليق الأمور، وأفضل العُدَّة الصبر على الشدَّة.

أيها المسلمون، ونظرًا لحاجة الناس هذه الأيام للتذكير بالصبر على المصائب وافتقارهم الشديد إليها، نظراً لانخفاض قيمة الأسهم. لعلنا نذكّر بثمان قواعد ووصايا تعين المسلم في الصبر على المصائب، وهي:
أولاً: إعداد النفس: فعلى المسلم أن يهيِّئ نفسه للمصائب قبل وقوعها، وأنْ يدرِّبها عليها قبل حدوثها، عليه أنْ يتذكّر دومًا وأبدًا زوال الدنيا وسرعة الفناء، وأنْ ليس لمخلوق فيها بقاء، وأنّ لها آجالاً منصرمة ومُددًا منقضية، فلا تؤمِّلْ أنْ تبقى الدنيا على حال أو تخلوَ من تقلُّب وإصابة واستحالة، فإنّ من عرف الدنيا وخبر أحوالها هان عليه بؤسها ونعيمها، ومن أحبَّ البقاء والسعادة فليُعِدَّ للمصائب قلبًا صبورًا.

ثانيًا: مما يعين على الصبر على المصائب الإيمان بالقضاء والقدر: من آمن بالقضاء والقدر وعلم أنّ الدنيا دار ابتلاء وخطر وأنّ القدر لا يُردّ ولا يؤجَّل اطمأنت نفسه وهان أمره. ومن المشاهَد المعلوم أنّ المؤمنين صادقي الإيمان هم أقلّ الناس تأثُّرًا بمصائب الدنيا، وأقلُّهم جزعًا وارتباكًا. إنَّ الإيمان بالقضاء والقدر وأن ما أصابك من من خسارة أو هبوط قيمة أسهمك إنما هو بقدر الله، لم يأت من عدو ولا حاسد، وإنما هو من أرحم الراحمين، وأحكم الحاكمين، قال تعالى {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ } وقال تعالى{مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ } وقال عليه الصلاة والسلام كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة [رواه مسلم ]

ثالثًا: مما يعين على الصبر على المصائب : تذكر حال الرسول صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح:
الرسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة لكل مسلم ، وفي تأمُّل حاله عليه الصلاة والسلام عظة وسلوى وعزاء، فقد كانت حياته كلها صبرًا ومصابرةً وجهادًا. ومن ما أعظم ما يخفف مصيبة المصاب، تذكره لمصيبته بموت الحبيب صلى الله عليه وسلم .
ومن تأمَّل أحوال السلف الصالح وجدهم رضي الله عنهم قد حازوا الصبر على خير وجوهه.

رابعًا: مما يعين على الصبر عند المصائب استحضار سعة رحمة الله وواسع فضله:
المؤمن الصادق في إيمانه يُحْسِن ظنَّه بربه، وقد قال الله كما أخبر الحبيب صلى الله عليه وسلم : [أنا عند ظن عبدي بي]. فثقوا بسعة رحمة الله بكم، وأنّ أقداره خير في حقيقة أمرها وإنْ كانت في ظاهرها مصائبَ مكروهةً وموجعةً، وقد قال الله: {وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ} ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [عجبًا للمؤمن! لا يقضي الله له شيئًا إلا كان خيرًا له] رواه الإمام أحمد. ثمَّ تأمَّلوا فيما حباكم به الله من النعم والمنن لتعلموا أنّ ما أنتم فيه من البلاء كقطرة صغيرة في بحر النعماء، وتذكَّروا أنّ الله لو شاء لجعل المصيبة أعظم والحادثة أجل وأفدح، واعلموا أنّكم وإن وُقيتم الخسائر المادية، فقد كُفيتم من الحوادث ما هو أعظم مما أُصبتم به.

خامسًا: التأسي بغيره من أهل المصائب: تسلوا بصبر غيركم وتذكَّروا مصائبهم، وانظروا إلى من هو أشدّ مصيبة منكم، فإنّ في ذلك ما يُذهب الأسى ويخفف الألم ويقلِّل الهلع والجزع. واسألوا الله له التفريج، والعوض، وتذكَّروا أنّ مَن يتصبَّرْ يُصَبِّرْهُ الله.

سادسًا: تذكّر أنّ المصائب من دلائل الفضل: المصائب ـ عباد الله ـ دليل فضل المصاب، وكيف لا يكون ذلك وقد سأل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أيُّ الناس أشد بلاء؟ قال: [الأنبياءُ، ثم الأمثل فالأمثل] رواه الترمذي، وقال صلى الله عليه وسلم : [مَن يرد الله به خيرًا يُصِبْ منه]رواه البخاري.

سابعًا: تذكّر حُسن الجزاء: ليتذكر كل منا حُسن الجزاء ليخف حمل البلاء عليه، فإنّ الأجر على قدر المشقة والصبر عليها، والنعيم لا يُدرك بالنعيم، والصبر على مرارة العاجل يفضي إلى حلاوة الآجل، وإنّ عظم الجزاء مع عظم البلاء، والصبر عليه ، وحصول الصلوات والرحمة من الله والهداية مترتب على الصبر على المصائب. قال تعالى{وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} وفي صحيح مسلم ـ رحمه الله ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال [عجباً لأمر المؤمن؛ إن أمره كله له خير، وليس ذلك إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له [ ويقول سبحانه {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّـابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}
فاتقوا الله ـ رحمكم الله ـ واصبروا وأمِّلوا يثبتكم الله، ولا تطغينكم الصحة والثراء والرخاء، ولا تضعفنكم الأحداث والشدائد والمصيبات والبليات؛ فإن فرج الله آت ورحمته قريب من المحسنين، وما عند الله لا ينال إلا بطاعة، {مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} بارك الله لي ولكم في القرآن، ونفعنا بما فيه من الهدى والبيان. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين والمؤمنين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه يحب التوابين وهو الغفور الرحيم.

الخطبه الثانيه
الحَمْدُ للهِِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوفِيقِِهِ وَامْتِنَانِِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ تَعْظِيمًا لشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ ورَسُولُهُ الدَّاعِِي إِلَى رِضْوَانِهِِِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِِ وَعَلَى آلهِِِ وَأَصْحَابهِِ وَأَتْبَاعِهِ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَيَا أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّقُوا اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى حَقَّ التَّقْوَى، فَإِنَّ تَقْوَاهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى سَبَبُ للفرج من الشدائد والمصائب، {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ }

أيها المسلمون،
ثامنا: و مما يعين أيضًا على الصبر عند المصائب ترك الجزع والتشكي:
إيّاكم عند المصائب والجزعَ وكثرةَ الشكوى، فإنّ من غفل عن أسباب العزاء ودواعي السلوة تضاعفت عليه شدّة الأسى والحسرة، وهو بهذا كمن سعى في حتفه وأعان على تلفه، فلا يطيق على مصابه صبرًا، فضلاً قال الشيخ عبدالله القصير حفظه الله (إن شكوى الله على الخلق من أمارات وموجبات ضعف الإيمان، ومن مظاهر اليأس من روح الملك الديان، ومن دواعي القنوط من رحمة الله الرحيم الرحمن، وتلكم من خصال شر البرية الذين يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية؛ ولهذا تجدون بعض هؤلاء إذا نزلت بأحدهم النازلة أو حلت به الكارثة ضاقت عليه المسالك، وترقب أفجع المهالك، فضاق صدره، ونفد صبره، واضطربت نفسه، وساء ظنه، وكثرت همومه، وتوالت غمومه) أ هـ وإياكم والتتحسر والتأسف، فلا يقولن أحد .. لو أني فعل كذا لكان كذا وكذا فإن لو تفتح عمل الشيطان..كما صح عن الحبيب صلى الله عليه وسلم .
وتذكَّروا أنّ الجزع لا يردّ الفائت، ولكنه يُحزن الصديق ويسرّ الشامت، ولا تقرنوا بحزن الحادثة قنوط الإياس، فإنهما لا يبقى معهما صبر ولا يتّسع لهما صدر.
وأخيرًا: فإنّ الصبر على المصائب يُعقب الصابرَ الراحة منها، ويُكسبه المثوبة عنها، فإنْ صبر طائعًا وإلا احتمل همًّا لازمًا، وصبر كارهًا آثمًا. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : (إنّك إنْ صبرت جرى عليك القلم وأنت مأجور، وإنْ جزعت جرى عليك القلم وأنت مأزور)، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ( إنا وجدنا خير عيشنا الصبر)، وروي عن علي رضي الله عنه قوله: (اعلموا أنّ الصبر من الإيمان بمنْزلة الرأس من الجسد، ألا وإنه لا إيمان لمن لا صبر له). جعلنا الله جميعًا من الصابرين الشاكرين، وهو حسبنا ونعم الوكيل. اللهم أجبر مصاب المصابين ، واخلف اللهم لهم بخير مما فاتهم يا سميع يا قريب.

هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا ـ رَحِمَكُمُ اللهُ ـ عَلَى مَنْ أَمَرَكُمُ اللهُ تَعَالَى بالصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ عَلَيهِ . فاللهمّ صلِّ على محمّد وعلى آل محمّد كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمّد وعلى آل محمّد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم وأرضى عن الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن الصحابة أجمعين، وعن والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين. اللهم نسألك الأمن في الأوطان. اللهم نسألك الأمن والإيمان. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا واجعلهم ممن خافك واتقاك واتبع رضاك، اللهم أرهم الحق حقاً، وارزقهم اتباعه، وأرهم الباطل باطلاً وأرزقهم اجتنابه. وارزقهم البطانة الصالحة وأبعد عنهم بطانة السوء يا رب العالمين. {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيم} اللهم فرج كربات المكروبين من المسلمين، ونفس اللهم هم المهمومين، واقضي اللهم الدين عن المدينين، واشفِ مرضانا ومرضى المسلمين. اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين اللهم أكرم نزلهم وأوسع مدخلهم، واحشرهم في زمرة الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.

اللهم أنت لا إله إلا أنت أنت الغني ونحن الفقراء ، أنزل على الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا، اللهم لا تحرمنا ما عندك بشر ما عندنا، يا ذا الجلال والإكرام. اللهم إنا خلق من خلقك، فلا تمنع عنا فضلك. آمين اللهم استجب. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
عباد الله ..{ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }. فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ماتصنعون.



عبدالعزيز بن علي العسكر

عبقور2011
02-25-2011, 03:48 PM
خطبة الاستسقاء يوم الاثنين 14 محرم أثار الذنوب والمعاصي

الحمدُ لله الذي خلَق كلَّ شيءٍ فقدَّره تقديرًا، سبحانه له مقاليدُ السّموات والأرض وإليه يُرجع الأمر كلُّه، وكان بعباده سميعاً بصيراً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له وهو أحقُ أن يُذكر بكرةً وأصيلاً، وأشهد أنَّ سيّدنا ونبيّنا محمَّدًا عبده ورسوله، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبِه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد: فاتقوا الله عباد الله حق التقوى، وراقبوه في السر والنجوى. إن تقوى الله سبحانه حمت أولياءَ الله محارمَه، وألزمت قلوبهم مخافتَه، استقربوا الأجل فبادروا العمل.

أيها الناس قال سبحانه {وَمَا أَصَـابَكُمْ مّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ} وإلاّ فإنّ فشوَّ المنكراتِ وإعلانَها مؤذنٌ بسيلِ عذابٍ قد انعقَد غَمامُه ومُؤذنٌ بليلِ بلاءٍ قد ادلهمَّ ظلامه، أيّها المؤمِنون، ولأجلِ ذلك فإنَّ الله تعالى يذكِّر عبادَه إذا غفلوا، وينذرهم إذا عصَوا، ويخبرهم سبحانَه أنّ ما يحلُّ بالبشر إنما هو من عند أنفسهم، {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} فاتّقوا الله تعالى حقَّ التقوى، وتوبوا إليه واستغفروه.
ونحن لا نريد أن نتبادل التهم،فيأتي التاجر ويقول .. منعنا القطر بسبب منع المزارع للزكاة؟
أو يأتي المزاعُ فيقول: منعنا الغيثُ بسبب غش التجار في المعاملات، أو بسبب مساهمته في شركات ربوية.
أو يأتي مديرُ إدارة ويقول: معنا المطر بسبب تفريط الموظفين في الدوام. ويأتي الموظف.. ويقول: معنا القطر بسبب ظلم المدير ومحاباته لبعض الموظفين... أو يأتي آخر ويقول منعنا الغيث بسبب ... الشحناء والخصومة بين هذا الجارين، أو أولئك الأقارب... نعم هذه معاصي عظيمة .. هي سبب في منع القطر من السماء، وسبب لعدم إجابة الدعاء... ولكن من لم يقع في شيء منها .. فربما وقع في معصية أخرى.. ومن المعاصي التي ربما لا يسلم منها أحد – إلا من رحم ربي – عدم إنكار تلك المعاصي!! وعدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. وهذه معصية عظيمة أيضاً قال صلى الله عليه وسلم : [والذي نفسي بيده، لتأمرُنَّ بالمعروف ولتنهوُنّ عن المنكر أو ليوشِكَنّ الله أن يبعَث عليكم عذابًا مِنه ثم تدعونَه فلا يستجيب لكم] وقل سبحانه {ولْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} أكد سبحانه الأمر بفعل المضارع المسبوق باللام والواو فقال { ولْتَكُن} وقال صلى الله عليه وسلم [من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن يستطع فبلسان...] الحديث وأكد الحبيب الأمر ب بفعل المضارع المسبوق باللام والفاء [فليغيره] وقد عد بعضُ العلماء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الركن السادس من أركان الإسلام . وأقل ما قيل فيه أنه فرض كفاية؛ إذا قام به من يكفي سقط الأثم عن الباقين.... ويبقى السؤال ... الآن هل قام به من يكفي؟ والجواب : لو كان القائمين به كافين، لمَ رأينا منكرات في وسائل الإعلام، وفي الأسواق، الشوارع ، وفي البيوت. !!!

ألا وإنَّ شؤم المعاصي وبيل، وقد قال الله تعالى في محكم التنزيل: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} قال مجاهد: "إنَّ البهائم لتلعَن عصاةَ بَني آدم إذا اشتدَّت السَّنة وأمسك المطر، وتقول: هذا بشؤمِ معصيةِ ابن آدم" وعَن أبي هريرةَ رضي الله عنه أنّه قال: (إنَّ الحبارَى لتموت في وكرِها من ظلمِ الظالم) قال تعالى {واتقوا مصيبة لا تُصيبن الذين ظلموا منكم خاصة* واتقوا الله إن الله شديد العقاب}
وقد استعاذ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بالله أن يدركَ أصحابُه زمانَ ظهور الفاحشةِ والإعلان بها ونقصِ المكيال والموازين ومنعِ الزكاة، كما في حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: أقبَل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((يا معشرَ المهاجرين، خمسٌ إذا ابتُليتم بهنّ وأعوذ بالله أن تدركوهنّ: لم تظهر الفاحِشة في قومٍ قطّ حتى يعلِنوا بها إلاّ فشا فيهم الطاعون والأوجاعُ التي لم تكن مضَت في أسلافهم الذين مضَوا، ولم ينقُصوا المكيالَ والميزان إلاّ أخِذوا بالسِّنين وشدَّة المؤونةِ وجَور السلطان عليهم، ولم يمنَعوا زكاة أموالهم إلاّ منِعوا القطرَ من السماء ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقُضوا عهدَ الله وعهد رسولِه إلاّ سلَّط الله عليهم عدوًّا من غيرهم فأخذَ بعضَ ما في أيديهم، وما لم تحكُم أئمّتهم بكتابِ الله ويتخيَّروا ممّا أنزل الله إلا جعَل بأسَهم بينهم)) رواه ابن ماجه وصححه الحاكم
نستغفر الله، نستغفر الله، نستغفر الله، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفاراً، فأرسل السماء علينا مدراراً.
{ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ}

إنَّ الله لا يبدِّل أمنَ الأمم قلَقًا ولا رخاءَها شِدّةً ولا عافيتَها سَقامًا لأنه راغبٌ أن يذيقَ الناسَ المتاعبَ ويرميهم بالآلام. كلا، إنّه بَرٌّ بعبادِه، يغدِق عليهم فضلَه وسِتره، ويحيطهم بحفظِه، ويصبِّحهم ويُمَسّيهم برزقه، ولكنّ الناسَ يأخذون ولا يحسِنون الشكرَ، ويمرحون من النِّعَم ولا يقدِّرون ولِيَّها ومُسديها سبحانه. وعندما يبلغ هذا الجحودُ مداه وعندما ينعقِد الإصرارُ عليه فلا ينحلّ بندمٍ، عندئذٍ تدقُّ قوارعُ الغضبِ أبوابَ الأمم، وتسودّ الوجوهُ بمصائبِ الدنيا قبل نكالِ الآخرة، وما المصائب التي أحاطَت بالأمّة إلاّ سياطٌ تسوقها إلى العودةِ لباريها والبراءةِ من الذنوب ومخازيها والتنادي بالرجوعِ إلى الله بالتزامِ أمره واجتناب نهيِه وإقامِ الصلاة وإيتاءِ الزكاةِ وحربِ الربا ونبذِ الظّلم وإيقافِ وسائلِ الرّذيلة ودُعاتها والأمرِ بالمعروف والنهيِ عن المنكر؛ لتسلَمَ سفينةُ المجتمَع وتُرَمَّم خروقُها وتسَدَّ ثقوبها، {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ}

ولذا فنحن جميعاً مطالبون بالتوبة النصوح ، فتوبوا إلى الله جميعا لعلكم ترحمون، قال تعالى {قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم} فبادِروا بتوبةٍ نصوح ما دام في العُمر فسحة والباب مفتوح، وأكثِروا من الاستغفار فبِه تُستَجلَب رحمة الله، فقال سبحانه: {ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ ٱلسَّمَاء عَلَيْكُمْ مُّدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوٰلٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّـٰتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً} قرأها الفاروق رضي الله عنه من على المنبر يستسقي ثم قال: (لقد طلبتُ الغيثَ بمجاديح السماء التي يُستنزَل بها المطر). وقال تعالى {لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}
عبادَ الله، أما وقد خَرجتُم تستغيثونَ وتستَسقون فأظهِروا الحاجةَ والافتقارَ، واعقِدوا العزم والإصرار على اجتنابِ المآثِم والأوزارِ، وقد روَى أهل السنَن وأحمد عن ابن عباسٍ رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم خرج للاستسقاءِ متذلِّلاً متواضِعًا متخشِّعًا متضرِّعًا ، والله تعالى أمر بالدعاءِ ووعَد بالإجابة وهو غنيٌّ كريم سبحانه: {وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} فاستغفِروا وادعوا، وأبشِروا وأمِّلوا، وارفعوا أكفَّ الضّراعة إلى الله مبتهلين.

اللّهمّ أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغنيّ ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهمّ أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغثنا، غثيًا هنيئًا مَريئًا غَدَقًا طبَقًا مجلِّلاً سحًّا عامًّا دائمًا نافعًا غيرَ ضار عاجلاً غير آجل، اللّهمّ تحيي به البلادَ وتسقِي به العبادَ وتجعله بلاغًا للحاضِر والباد، اللهم اسقِ عبادك وبهائمَك وأحيِ بلدَك الميت، اللهمّ سقيا رحمة، اللهم سقيا رحمة، اللهمّ سقيا رحمة، لا سقيا عذابٍ ولا بلاء ولا هدم ولا غرق، اللّهمّ إنَّ بالعباد والبلادِ مِنَ اللواء والجَهد والضّنك ما لا نشكوه إلا إليك، اللهم أنبِت لنا الزرع وأدِرَّ لنا الضّرع وأنزِل علينا من بركاتك، اللّهمّ ارفَع عنا الجهدَ والجوعَ والعُري، واكشِف عنا من البلاءِ ما لا يكشفه غيرك.
اللّهمّ إنا نستغفرك إنك كنت غفارًا، فأرسل السماء علينا مدرارًا. اللّهمّ إنا خلق من خلقك، فلا تمنع عنّا بذنوبِنا فضلك. اللهم أنزل علينا الغيثَ، واجعل ما أنزلتَه قوّةً لنا على طاعتك وبلاغًا إلى حين. اللّهمّ أسقِنا الغيثَ وآمِنّا من الخوف ولا تجعلنا آيسين ولا تهلِكنا بالسنين واغفِر لنا أجمعين واكشِف ما بالمسلمين من بلايا يا أرحم الراحمين.
ربَّنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقِنا عذاب النار.

ألا فاعلموا ـ عباد الله ـ أنه يسنّ في مثل هذا الموطن أن تقلبوا أرديتكم اقتداءً بفعل نبيكم صلى الله عليه وسلم ، فقد حوَّل إلى الناس ظهره، واستقبل القبلة يدعو ثم حول رداءه. تفاؤلاً بتحويل الحال عما هي عليه من الشدة إلى الرخاء ونزول الغيث، وادعوا ربكم وأنتم موقنون بالإجابة.
وصلوا وسلموا على خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه والتابعين.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


خطبة الاستسقاء يوم الاثنين 14 محرم أثار الذنوب والمعاصي

عبدالعزيز بن علي العسكر

عبدالعزيز العسكر
الخطب
الحمدُ لله الذي خلَق كلَّ شيءٍ فقدَّره تقديرًا، سبحانه له مقاليدُ السّموات والأرض وإليه يُرجع الأمر كلُّه، وكان بعباده سميعاً بصيراً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له وهو أحقُ أن يُذكر بكرةً وأصيلاً، وأشهد أنَّ سيّدنا ونبيّنا محمَّدًا عبده ورسوله، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبِه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد: فاتقوا الله عباد الله حق التقوى، وراقبوه في السر والنجوى. إن تقوى الله سبحانه حمت أولياءَ الله محارمَه، وألزمت قلوبهم مخافتَه، استقربوا الأجل فبادروا العمل.

أيها الناس قال سبحانه {وَمَا أَصَـابَكُمْ مّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ} وإلاّ فإنّ فشوَّ المنكراتِ وإعلانَها مؤذنٌ بسيلِ عذابٍ قد انعقَد غَمامُه ومُؤذنٌ بليلِ بلاءٍ قد ادلهمَّ ظلامه، أيّها المؤمِنون، ولأجلِ ذلك فإنَّ الله تعالى يذكِّر عبادَه إذا غفلوا، وينذرهم إذا عصَوا، ويخبرهم سبحانَه أنّ ما يحلُّ بالبشر إنما هو من عند أنفسهم، {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} فاتّقوا الله تعالى حقَّ التقوى، وتوبوا إليه واستغفروه.
ونحن لا نريد أن نتبادل التهم،فيأتي التاجر ويقول .. منعنا القطر بسبب منع المزارع للزكاة؟
أو يأتي المزاعُ فيقول: منعنا الغيثُ بسبب غش التجار في المعاملات، أو بسبب مساهمته في شركات ربوية.
أو يأتي مديرُ إدارة ويقول: معنا المطر بسبب تفريط الموظفين في الدوام. ويأتي الموظف.. ويقول: معنا القطر بسبب ظلم المدير ومحاباته لبعض الموظفين... أو يأتي آخر ويقول منعنا الغيث بسبب ... الشحناء والخصومة بين هذا الجارين، أو أولئك الأقارب... نعم هذه معاصي عظيمة .. هي سبب في منع القطر من السماء، وسبب لعدم إجابة الدعاء... ولكن من لم يقع في شيء منها .. فربما وقع في معصية أخرى.. ومن المعاصي التي ربما لا يسلم منها أحد – إلا من رحم ربي – عدم إنكار تلك المعاصي!! وعدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. وهذه معصية عظيمة أيضاً قال صلى الله عليه وسلم : [والذي نفسي بيده، لتأمرُنَّ بالمعروف ولتنهوُنّ عن المنكر أو ليوشِكَنّ الله أن يبعَث عليكم عذابًا مِنه ثم تدعونَه فلا يستجيب لكم] وقل سبحانه {ولْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} أكد سبحانه الأمر بفعل المضارع المسبوق باللام والواو فقال { ولْتَكُن} وقال صلى الله عليه وسلم [من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن يستطع فبلسان...] الحديث وأكد الحبيب الأمر ب بفعل المضارع المسبوق باللام والفاء [فليغيره] وقد عد بعضُ العلماء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الركن السادس من أركان الإسلام . وأقل ما قيل فيه أنه فرض كفاية؛ إذا قام به من يكفي سقط الأثم عن الباقين.... ويبقى السؤال ... الآن هل قام به من يكفي؟ والجواب : لو كان القائمين به كافين، لمَ رأينا منكرات في وسائل الإعلام، وفي الأسواق، الشوارع ، وفي البيوت. !!!

ألا وإنَّ شؤم المعاصي وبيل، وقد قال الله تعالى في محكم التنزيل: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} قال مجاهد: "إنَّ البهائم لتلعَن عصاةَ بَني آدم إذا اشتدَّت السَّنة وأمسك المطر، وتقول: هذا بشؤمِ معصيةِ ابن آدم" وعَن أبي هريرةَ رضي الله عنه أنّه قال: (إنَّ الحبارَى لتموت في وكرِها من ظلمِ الظالم) قال تعالى {واتقوا مصيبة لا تُصيبن الذين ظلموا منكم خاصة* واتقوا الله إن الله شديد العقاب}
وقد استعاذ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بالله أن يدركَ أصحابُه زمانَ ظهور الفاحشةِ والإعلان بها ونقصِ المكيال والموازين ومنعِ الزكاة، كما في حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: أقبَل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((يا معشرَ المهاجرين، خمسٌ إذا ابتُليتم بهنّ وأعوذ بالله أن تدركوهنّ: لم تظهر الفاحِشة في قومٍ قطّ حتى يعلِنوا بها إلاّ فشا فيهم الطاعون والأوجاعُ التي لم تكن مضَت في أسلافهم الذين مضَوا، ولم ينقُصوا المكيالَ والميزان إلاّ أخِذوا بالسِّنين وشدَّة المؤونةِ وجَور السلطان عليهم، ولم يمنَعوا زكاة أموالهم إلاّ منِعوا القطرَ من السماء ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقُضوا عهدَ الله وعهد رسولِه إلاّ سلَّط الله عليهم عدوًّا من غيرهم فأخذَ بعضَ ما في أيديهم، وما لم تحكُم أئمّتهم بكتابِ الله ويتخيَّروا ممّا أنزل الله إلا جعَل بأسَهم بينهم)) رواه ابن ماجه وصححه الحاكم
نستغفر الله، نستغفر الله، نستغفر الله، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفاراً، فأرسل السماء علينا مدراراً.
{ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ}

إنَّ الله لا يبدِّل أمنَ الأمم قلَقًا ولا رخاءَها شِدّةً ولا عافيتَها سَقامًا لأنه راغبٌ أن يذيقَ الناسَ المتاعبَ ويرميهم بالآلام. كلا، إنّه بَرٌّ بعبادِه، يغدِق عليهم فضلَه وسِتره، ويحيطهم بحفظِه، ويصبِّحهم ويُمَسّيهم برزقه، ولكنّ الناسَ يأخذون ولا يحسِنون الشكرَ، ويمرحون من النِّعَم ولا يقدِّرون ولِيَّها ومُسديها سبحانه. وعندما يبلغ هذا الجحودُ مداه وعندما ينعقِد الإصرارُ عليه فلا ينحلّ بندمٍ، عندئذٍ تدقُّ قوارعُ الغضبِ أبوابَ الأمم، وتسودّ الوجوهُ بمصائبِ الدنيا قبل نكالِ الآخرة، وما المصائب التي أحاطَت بالأمّة إلاّ سياطٌ تسوقها إلى العودةِ لباريها والبراءةِ من الذنوب ومخازيها والتنادي بالرجوعِ إلى الله بالتزامِ أمره واجتناب نهيِه وإقامِ الصلاة وإيتاءِ الزكاةِ وحربِ الربا ونبذِ الظّلم وإيقافِ وسائلِ الرّذيلة ودُعاتها والأمرِ بالمعروف والنهيِ عن المنكر؛ لتسلَمَ سفينةُ المجتمَع وتُرَمَّم خروقُها وتسَدَّ ثقوبها، {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ}

ولذا فنحن جميعاً مطالبون بالتوبة النصوح ، فتوبوا إلى الله جميعا لعلكم ترحمون، قال تعالى {قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم} فبادِروا بتوبةٍ نصوح ما دام في العُمر فسحة والباب مفتوح، وأكثِروا من الاستغفار فبِه تُستَجلَب رحمة الله، فقال سبحانه: {ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ ٱلسَّمَاء عَلَيْكُمْ مُّدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوٰلٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّـٰتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً} قرأها الفاروق رضي الله عنه من على المنبر يستسقي ثم قال: (لقد طلبتُ الغيثَ بمجاديح السماء التي يُستنزَل بها المطر). وقال تعالى {لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}
عبادَ الله، أما وقد خَرجتُم تستغيثونَ وتستَسقون فأظهِروا الحاجةَ والافتقارَ، واعقِدوا العزم والإصرار على اجتنابِ المآثِم والأوزارِ، وقد روَى أهل السنَن وأحمد عن ابن عباسٍ رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم خرج للاستسقاءِ متذلِّلاً متواضِعًا متخشِّعًا متضرِّعًا ، والله تعالى أمر بالدعاءِ ووعَد بالإجابة وهو غنيٌّ كريم سبحانه: {وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} فاستغفِروا وادعوا، وأبشِروا وأمِّلوا، وارفعوا أكفَّ الضّراعة إلى الله مبتهلين.

اللّهمّ أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغنيّ ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهمّ أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغثنا، غثيًا هنيئًا مَريئًا غَدَقًا طبَقًا مجلِّلاً سحًّا عامًّا دائمًا نافعًا غيرَ ضار عاجلاً غير آجل، اللّهمّ تحيي به البلادَ وتسقِي به العبادَ وتجعله بلاغًا للحاضِر والباد، اللهم اسقِ عبادك وبهائمَك وأحيِ بلدَك الميت، اللهمّ سقيا رحمة، اللهم سقيا رحمة، اللهمّ سقيا رحمة، لا سقيا عذابٍ ولا بلاء ولا هدم ولا غرق، اللّهمّ إنَّ بالعباد والبلادِ مِنَ اللواء والجَهد والضّنك ما لا نشكوه إلا إليك، اللهم أنبِت لنا الزرع وأدِرَّ لنا الضّرع وأنزِل علينا من بركاتك، اللّهمّ ارفَع عنا الجهدَ والجوعَ والعُري، واكشِف عنا من البلاءِ ما لا يكشفه غيرك.
اللّهمّ إنا نستغفرك إنك كنت غفارًا، فأرسل السماء علينا مدرارًا. اللّهمّ إنا خلق من خلقك، فلا تمنع عنّا بذنوبِنا فضلك. اللهم أنزل علينا الغيثَ، واجعل ما أنزلتَه قوّةً لنا على طاعتك وبلاغًا إلى حين. اللّهمّ أسقِنا الغيثَ وآمِنّا من الخوف ولا تجعلنا آيسين ولا تهلِكنا بالسنين واغفِر لنا أجمعين واكشِف ما بالمسلمين من بلايا يا أرحم الراحمين.
ربَّنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقِنا عذاب النار.

ألا فاعلموا ـ عباد الله ـ أنه يسنّ في مثل هذا الموطن أن تقلبوا أرديتكم اقتداءً بفعل نبيكم صلى الله عليه وسلم ، فقد حوَّل إلى الناس ظهره، واستقبل القبلة يدعو ثم حول رداءه. تفاؤلاً بتحويل الحال عما هي عليه من الشدة إلى الرخاء ونزول الغيث، وادعوا ربكم وأنتم موقنون بالإجابة.
وصلوا وسلموا على خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه والتابعين.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.



عبدالعزيز بن علي العسكر

عبدالعزيز العسكر
الخطب

عبقور2011
02-25-2011, 03:50 PM
خطبة : استثمار المنح العظيمة من محنة الصليبيين 1429 هـ

الخطبة الأولى :
الحمد لله رب العالمين ، الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، ، والصلاة والسلام على أفضل رسله محمدٍ الصادق الأمين، المبعوث رحمة للخلق أجمعين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيراً.
أما بعد: فيا أيها المسلمون، أوصِيكم ونفسي بتقوى الله عزّ وجلّ، فاتقوا الله رحمكم الله.

عبادَ اللهِ.. ألا وإنَّ منْ أعظمِ أبوابِ التقوى، التي يُنالُ بها الأجرُ الوفيرُ، والخيرُ الكثيرُ، في الذبِّ عن عرضِِ المعصومِ عليهِ أفضلُ الصلاةِ وأتمُ التسليمِ، فإنّهُ من أعظمِ القربِ، وأنفعِ الأعمالِ عندَ اللهِ تعالى، كيفَ لا، وهوَ سبحانهُ القائلُ: {واللهُ يعصِمكَ منَ الناسِ} أيها المؤمنون.. لقد ظهرت علاماتُ الحزنِ على عموم المسلمين بعدما نشرت عددٌ من الصحف الدنمركية الرسومات المسيئة لخير من وطئت قدمه الثرى.. ولا شك أن المسلم مأجور على ما يصيبه من هم وحزنٍ وكدر، فكيف إذا كان هذا الحزن والكدر لأجلِ خيرِ البشر؟ قال صلى الله عليه وسلم[عجبًا لأمر المؤمن أن أمره كله خير، وليس ذلك إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له ، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له] أخرجه الإمام مسلم رحمه الله.

عباد.. إنَّ الهجوم على الإسلام وعلى نبيّ الإسلام لا يزيد الدّين وأهلَه إلا صلابةً وثباتاً وانتشاراً ، إنني استشرف من وراء المحنةِ منحنا عظيمة، أليس في كتاب ربنا يقول سبحانه { لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ } وقال تعالى { فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا } ؟ وقال عز من قائل: {هُوَ الَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدّينِ كُلّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً}

أيها المسلمون.. إن أعداءكم اليهودُ والصليبيون.. وأتباعهُم.. يعلمون ونَعلم أنّ الذين يدخلون في دين الإسلام في ازدياد وتنامي على الرّغم من كلّ الظروف والمتغيّرات والأحداث والمقاومات. فمهما أساءوا ومهما شوهوا أو رسموا فإن الله سيفكي نبيه صلى الله عليه وسلم المستهزئين.. أو ليس الله جل وعلا ، هو القائلُ: { إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ * الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللّهِ إِلـهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ} وقال سبحانه {واللهُ يعصِمكَ منَ الناسِ}
وسينزل بهؤلاء الصليبين وأعوانهم ما كانوا به يستهزئون.. قال عز من قائل{ وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } أيّها المؤمنون.. ودليلُ ذلك حفظُ الله للقرآن والسنة ، ولسيرة الحبيب صلى الله عليه وسلم.. لقد كانت ولا زالت سيرةُ الحبيب صلى الله عليه وسلم سيرةً ومسيرة جليّةَ المعالم، كلّها حقٌّ، وكلّها صدق، توثيقاً وكتابة، وقراءة وبحثاً، واستيعاباً واستنباطاً. لم تُحفَظ قصةُ حياةٍ ولا سيرة رجل ولا مسيرة بطل مثلما حُفظت سيرةُ نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. سيرةٌ لم تلحقها الأساطير والأوهام، وإنّها لإحدى الدلائل التي حفظها الله لتكونَ شاهداً على صدق هذه الرسالة المحمدية.

لقد ضمّت السيرةُ النبوية جميعَ شؤون رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفاصيل حياته وأطوار عمره، من الولادة والرضاعة والطفولة والشباب والكهولة، في حياته قبلَ النبوة، من صدقه وأمانتِه . ثمّ بعثته ومواقف قومه العدائية له صلى الله عليه وسلم، ومقاومتهم له ، وما واجهوه به من اتهاماتٍ بالسحرٍ والجنون والكذب، وما لاقاه من ضرب وشج لوجه الكريم، وكسر لرباعيته.

وبعد تمكنه منهم بفتح مكة قال لهم (اذهبوا فأنتم الطلقاء) ... حرمَ نفسهُ حتى من رؤيةِ النصرِ الذي حققه بفتح مكة، فقد سارَ في موكبِ نصرهِ يومَ الفتح، حانياً رأسهُ على صدره حتى تعذرَ على الناسِ رُؤيةَ وجهه الشريف، مُردداً بينهُ وبينَ نفسهُ ابتهالاتِ الشُّكرِ المبللةِ بالدموع الكريمة، رافعاً إيَّاها في حياءٍ إلى ربِّهِ العليِّ الكبير، حتى وصلَ الكعبة. وخطب خطبة المعروفة.

وبعد الاستقرار في المدينة وبعد العزة والدولة والنصر والتمكين.. وحينَ رأى بعضُ القَادِمين عليهِ يَهابُونُهُ في اضطرابٍ ووجل، قال لهم: ( هَوِّنوا عليكم، إنَّ أُمي كانت تأكلُ القَدِيدَ بمكة ) أمّا حياتُه الشخصية فقد نقل لنا العلماء الأثبات تفاصيلَ أوصافه الجسدية من الطول واللّون والهيئة والمشية وحياته اليوميّة من قيامه وجلوسه ونومه ويقظته وضحكه وغضبه وأكله وشربه ولباسه وما يحبّ وما يكره وعبادته في ليله ونهاره، وحياته مع أهل بيته وفي مسجده وأصحابه مع الأصدقاء ومع الغرباء وفي السفر وفي الحضر، ناهيكم عن أخلاقه الكريمة من التواضع والحلم والحياء والصبر وحسن العشرة، بحيث لم يبقَ شيء من حياته مخفياً أو مكتوماً، إذا دخل بيته فهو بين أهله وخدمه وأولاده، وإذا خرج فهو مع الأصحاب، وكلّ ذلك منقولٌ محفوظ، فهو النبيّ الرسول، والرسول الإمام، والإمام الحاكم، والرسولُ الزوج، والرسول الأب، والرسول المجاهد، والرسولُ المربي، والرسول الصديق، الرسول الرحيم الرؤوف.

أيها المسلمون.. إن محمداً.. صلى الله عليه وسلم اشفقُ وأرحمُ بأحِدنا من أمه عليه ، قال سبحانه { َقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } قال العلامة ابن سعدي رحمه الله تعالى :" هذه المنة التي امتن الله بها على عباده هي اكبرُ النعم بل اجلُها وهي الإمتنان عليهم بهذا الرسول الكريم الذي أنقذهم الله به من الضلالة وعصمهم به من التهلكة " أ – هـ عباد الله... محمد صلى الله عليه وسلم أنموذجُ الإنسانية الكاملة، وملتقى الأخلاق الفاضلة.

أعطاه ربُّه وأكرمه، وأعلى قدره ورفع ذكرَه، ووعده بالمزيد حتى يرضى، ولاّه قلبةً يرضاها، من أطاعه فقد أطاع الله، صفوةُ خلقِ الله، وأكرم الأكرمين على الله، حينما قال موسى كليم الله عليه السلام: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبّ لِتَرْضَى} قال الله لمحمد صلى الله عليه وسلم : {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} ، وحين سأل موسى عليه السلام ربه: {قَالَ رَبّ اشْرَحْ لِى صَدْرِى} قال الله لمحمد صلى الله عليه وسلم : {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} أيها المسلمون، ومع حبِّ المسلمين لنبيّهم عليه الصلاة والسلام وتعظيمِهم له وتوقيرهم لجنابه فإنّ عقيدتهم فيه أنه عبدٌ لا يعبَد، ورسول لا يكذَّب، بل يُطاع ويُحبّ ويوقَّر ويُتّبع، شرّفه الله بالعبودية والرسالة. ولقد علَّمنا ربّنا موقعَ نبيّنا منّا فقال عز شأنه: {النَّبِىُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} فهو أقربُ إلى قلوبنا من قلوبِنا، وأحبّ إلى نفوسنا من نفوسنا، وهو المقدَّم على أعزّ ما لدينا من نفسٍ أو مال أو ولد أو حبيب، ففي الحديث الصحيح: قال صلى الله عليه وسلم [ثلاثٌ من كنَّ فيه وجد حلاوةَ الإيمان؛ أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما] أخرجه البخاري ... وكلنا يا عباد الله يزعم ويدعي محبته للنبي صلى الله عليه وسلم ... وربما نذرف الدموع عليه . فهل يكفي هذا الحزن وهذه الدموع دليلا على حبه ؟ الجواب: لا يكفي ذلك كله، فلا بد من مقياسٍ دقيق يدل عليه الكتاب والسنة لقياس مدى حبنا لله سبحانه وتعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم. إذن ما دليل حبنا لله عز وجل وحُبنا لرسوله صلى الله عليه وسلم ؟

دليل ذلك ما أنزل الله في كتابه إذ قال سبحانه {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} والدليل الآخر ما أخبر به الحبيب صلى الله عليه : إذ قال [لا يُؤمِنُ الرَّجُلُ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إليهِ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ] متفق عليه. وكلنا سنقول نحن نحبه أكثر من أنفسنا وأهلنا وأموالنا!! هذا طيب .. لكن يحتاج لدليل فلنتأمل قوله صلى الله عليه وسلم [لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ]

أيها المؤمنون.. إن أول ركن من أركان الإسلام العظيم: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. وإذا كنا تطرقنا للشطر الأول في خطب مضت، فإن تحقيق الشطر الثاني من الشهادتين، وهو شهادة أن محمدًا رسول الله، تتم من خلال الأمور التالية:
أولا: تصديق النبي صلى الله عليه وسلم في كل ما أخبر به، واليقين أنه مبعوثٌ إلى الجن والإنس كافة لتبليغ دين الإسلام الذي لا يقبل الله تعالى دينًا سواه.
ثانيًا: طاعته والرضا بحكمه، والانقياد لسنته والاقتداء به، ونبذ ما يُخالفُ السنة.
ثالثًا: محبته صلى الله عليه وسلم فوق محبة الوالد والولد والنفس؛ ونصرته، والدفاع عنه، والتقيد بما جاء عنه.
فعلى كل مسلم أن يسعى لتحقيق هذا المعنى؛ ليصح إيمانه، وليحقق الشطر الثاني من كلمة التوحيد. قال تعالى { إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعني الله وإياكم بما فيهما من البيان والحكمة، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية :

الحمد لله أثنى على عبدِه ورسولِه محمّد في غير موضع من محكم كتابِه، وامتدحه بجميل خلقه وكريم آدابِه، أحمد ربي وأشكره، وأستغفره، وأتوب إليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله، أصحابِه، والتابعين ومن تبعهم بإحسان .
أما بعد: فيا أيها المسلمون.. ويبقى سؤال كبير، ينبغي أن نطرحه على أنفسنا بعد كل خطبة: هو: ماذا يجب علينا أن نفعل؟ أما أن نستمع ونذرف الدموع، ونخرج بدون عمل، فإنني أربأ بكم عن ذلك ، لا بد أن نترجم العلم إلى عمل ، والمشاعر والعاطفة إلى برامج عملية نافعة..

أيها المؤمنون.. إن ما يجب أن يدركه المسلمون اليوم هو أن هذه المحنة التي حلت بنا، بدايةُ خيرٍ كثير، لو استفاد منها المسلمون منها بخطواتٍ إيجابية مدروسة شرعها الله في كتابه، وأمر بها الحبيب صلى الله عليه وسلم في سنته. فأن شُعاعاً عظيماً من الأمل والنصر قد أشرق من جنبات تلك المحنة المظلمة. فماذا ننتظر؟ ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله- في كتابه المشهور : "الصارم المسلول على شاتم الرسول" قال رحمه الله : ((حدثني العدول من أهل الفقه والخبرة أنهم كانوا يحاربون بني الأصفر -الروم- فتستعصي عليهم الحصون ويصعب عليهم فتحها ويحاصرونها أكثر من ستة أشهر، حتى إذا وقع أهل الحصن في عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم استبشرنا خيرا بقرب فتح الحصن ، يقول فوالله لا يمر يوم أو يومان إلا وقد فتحنا الحصن عليهم بإذن الله جل وعلا) أ – هـ تأملوا ذلك.. كان المسلمون.. يستبشرون خيرا بقرب الفتح إذا ما وقع الأعداء في سب الله أو سب رسول الله مع امتلاء قلوبهم غيظا على ما قالوه. فيعملون.. ولا يتكلون فقط على البشائر. فأدعو إلى الله واعملوا وابشروا وأملوا خيرا. وإنني أقترح خطوات عملية لنصرة الحبيب صلى الله عليه وسلم ، هي :
1- إن كُنا حريصين فيما مضى على تعلم العلم الشرعي عموما والسنة خصوصا؛ فيلزمنا من الآن فصاعداً أن نكون أكثر صبرا على طلب العلم واجتهادا في دراسة السنة النبوية.
2- أن نكون أكثر صدقنا في العمل بالسنة؛ متمسكين بها، عاملين بما نعلم منها، وهذا معني حبنا للنبي صلى الله عليه وسلم. وهذا من أقوى سبل الانتصار للحبيب صلى الله عليه وسلم والذب عن عرضه. والعمل بالعلم يورث العلم، أما العلم بلا عمل فسريعاً ما يضمحل.
3- علينا أن ننشر السنة الشريفة بين أبنائنا وأهلنا، وفي مدارسنا وفي أسواقنا وأحيائنا، وعلى كافة الأصعدة والمستويات، حتى تكون لنا وللأجيال القادمة كالهواء الذي نتنفسه ! فنعمل بالسنة وننشرها ونحث ونربي ونشجع أبنائنا وتلاميذنا على التأسي بالحبيب صلى الله عليه وسلم في كل شئونهم.
4- الدعوة إلى الله ونشر التراجم المتوفرة عنه صلى الله عليه وسلم مما قاله منصفي الغرب وقد جمعه الشيخ خالد الشايع – وفقه الله- ونشره في موقع صيد الفوائد، فلعل المميزين في الانترنت ينقلونه في بقية المنتديات ويتواصون بنشره عبر مواقع الانترنت والمنتديات الغربية والبريد الالكتروني. لكن علينا أن ندعوا إلى الله بالحسنى وبالتي هي أحسن ، بالهدى والرحمة ، قال الله سبحانه تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} يبغي أن نكون لينين للناس حتى يقبلوا منا ، رفيقين بهم، مقتدين بالحبيب صلى الله عليه وسلم، حتى نوصل الحق لهم بالرفق واللين ، قال صلى الله عليه وسلم :[ إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف ] ويقول كما في الحديث الصحيح عن عائشة رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم قال [إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه ] ذكر رئيس مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية ـ وهي من أكبر المنظمات المعنية بالدفاع عن الإسلام والمسلمين ـ (أنه تلقى أكثر من 1600 طلب من الأمريكيين والكنديين يطلبون الحصول على مواد تعريفية عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وذلك خلال 48 ساعة فقط من إطلاق المجلس حملة تعريفية بالرسول صلى الله عليه وسلم) أ – هـ فبين يديكم أيها المسلمون اليوم فرصة ذهبية للدعوة إلى الله، فإن وراء المحن منحا عظيمة... فلنستثمر هذه الفرصة في الدعوة إلى الله والتعريف بصفات وأخلاق وشمائل الحبيب صلى الله عليه وسلم عبر رسائل شبكة الانترنت العالمية أو غيرها.
5- كما أن على إخواننا ممن يعملون في المستشفيات والشركات في بلادنا دعوة العاملين مهم بنشر أقول منصفي الغرب المترجمة لمن يتكلمون الانجليزية من زملائهم. بواسطة المكاتبات والرسائل ورسائل الوسائط ، والكتب. والأشرطة التي تعرف بالحبيب صلى الله عليه وسلم باللغات المختلفة. وذلك بالتعاون مع مكاتب دعوة الجاليات المنتشرة في مدن بلادنا.
6- مقاطعة المنتجات الدنمركية فقد كانت سلاحا إسلاميا قويا ، شكلت ضغوطا كبيرة من قِبل الشركات المنتجة وملاكها والمساهمين فيها على الحكومة الدنمركية ووسائل إعلامها. قبل أن يأتي من ينادي بكسر المقاطعة ممن اجتهد من الدعاة في البحرين. فقد عُقدت دول الإتحاد الأوربي لكسر المقاطعة مؤتمراتٍ عديدة بعدما لاحظوا ضررها على صادرات بلادهم. وولاة أمرنا حفظهم الله فأيدوا المقاطعة فقد صرح وزير الخارجية أن المقاطعة الشعبية .. شأن شعبي ومن حق كل شخص أن يشتري ما يريد ويترك ما لا يريد.

هذا ما تيسر إيراده من الخطوات العملية لنصرة الحبيب صلى الله عليه وسلم. اللهم إنا نشهد بأننا نحبك ونحب نبيك- صلى الله عليه وسلم- اللهم فثبتنا على ذلك حتى نلقاك. وأعنا اللهم على نشر سنته صلى الله عليه وسلم ، وارزقنا اللهم شفاعته يوم العرض عليك، اللهم واجمعنا بهو ووالدينا على حوضه، وفي الفردوس الأعلى.
ألا وصلوا وسلموا على الرحمة المهداة والنعمة المسداة فقد أمركم الله أمركم بأمر عظيم، ألا وهو الصلاة والسلام على النبي الكريم، إذ قال عز من قائل: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} اللّهمَّ صلِّ وسلِّم وزد وبارك على نبيّنا محمّد، وأرضى عن الخلفاء الراشدين الأربعة أولي القدر العلي، أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن الصحابة أجمعين، وعن والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين. اللهم نسألك الأمن في الأوطان. اللهم نسألك الأمن والإيمان. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا واجعلهم ممن خافك واتقاك واتبع رضاك، اللهم أرهم الحق حقاً، وارزقهم اتباعه، وأرهم الباطل باطلاً وأرزقهم اجتنابه. وارزقهم البطانة الصالحة وأبعد عنهم بطانة السوء يا رب العالمين. {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيم} اللهم أرفع عنا الغلاء والربا والزنا والزلازل والفتن والمحن ما ظهر منها وما بطن عن بلدنا هذا خاصة وعن سائر بلاد المسلمين يا أرحم الراحمين.

اللهم أرخص حوائج المسلمين. اللهم فرج كربات المكروبين من المسلمين، ونفس اللهم هم المهمومين، واقضي اللهم الدين عن المدينين، واشفِ مرضانا ومرضى المسلمين. اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين اللهم أكرم نزلهم وأوسع مدخلهم، واحشرهم في زمرة الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين.

اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم اسقنا غيثًا مغيثًا، هنيئًا مرئيًا، صببًا سحًا مجللاً، عامًا نافعًا غير ضار، عاجلاً غير آجل، اللهم اسق البلاد، وتغيث به العباد، وتجعله بلاغًا للحاضر والباد، اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب، اللهم اسق عبادك وبلادك وبهائمك، وانشر رحمتك، وأحي بلدك الميت، اللهم أنبت لنا الزرع، وأدرَّ لنا الضرع، وأنزل علينا من بركاتك واجعل ما أنزلته قوة لنا على طاعتك وبلاغًا إلى حين. اللهم إنا خلق من خلقك فلا تمنع عنا بذنوبنا فضلك عباد الله .. إن الله يأمركم بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكَّرون. فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ماتصنعون.


عبدالعزيز بن علي العسكر

عبقور2011
02-25-2011, 03:51 PM
خطبة ( يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم ماذا بعد سحب السفير من الدنمرك)

إنَّ الحمدَ لِله نحمدهُ ونستعينهُ, ونستغفرهُ, ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا, ومن سيِّئاتِ أعمالِنا, منْ يَهدهِ اللهُ فلا مُضلَ لـهُ, ومنْ يُضلل فلا هاديَ لـه. وأشهدُ أنَّ لا إله إلا الله وحدهُ لا شريكَ لـه, وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسوله.{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَـمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً}
أما بعدُ : فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ الله, وخيرُ الهدي هديُ محمدٍ ص وشرُّ الأمورِ مـُحدثاتُها, وكل محدثةٍ بدعة, وكلَّ بدعةٍ ضلالة, وكلَّ ضلالةٍ في النار .

أما بعدُ أيها المسلمون: فقد كانت خطبة الأسبوع المنصرم عن الحبيب وما ناله بأبي هو وأمي .. من أعداء الله ورسول صلى الله عليه وسلم واليوم سنقف مع الحدث، ومستجداته، ونعم الله علينا في الأسبوع المنصرم، فلقد منَّ الله جل وعلا علينا خلال الأسبوع بنعم كثيرة منها، ما حصل من تواصُلِ بعض المواطنين مع العلماءِ وولاةِ الأمر عاملين بقوله تعالى { وََتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} وبقول الحبيب صلى الله عليه وسلم [الدين النصيحة] كما عند مسلم. وقوله بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم [ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم] وقوله صلى الله عليه وسلم [إن الله يرضى لكم ثلاثاً ...] الحديث وذكر منها [وأن تناصحوا من ولاه أمركم] الحديث... الأمرُ الذي أثمرَ بفضل الله يلي:

1- صدورِ خطاب شديد اللهجة موجه للبرلمان الدنمركي والنرويجي من مجلس الشورى السعودي برئاسة شيخنا العلامة صالح ابن حميد جعله الله وزملائه مباركين حيثما كانوا.
2- صدور خطاب أشدُ وأقوى تأثيراً من سابقه، صدر هذا البيان من مجلس الوزراء السعودي يستنكر إساءة الصحيفة الدنمركية ، ويطالب بالاعتذار وتأديب المتسببين.
3- صدور بيانٍ من سماحةِ مفتي عام البلاد – سدده الله – يستنكرُ ويطالبُ الحكومة الدنمركية بتأديب المجرمين .
4- سحبُ خادمُ الحرمين الشريفين لسفيرِ المملكة في الدنمرك احتجاجاً على الإساءة لحبيب صلى الله عليه وسلم .
5- إعلانُ كثيرٍ من رجالِ الأعمالِ السعوديين مقاطعتهم لمنتجات الدنمرك.
6- مقاطعة الشعوب الإسلامية في كثير من الدول الإسلامية للمنتجات الدنمركية. وبقية المنتجات الدوائية في الصيدليات التجارية كتاد تمتلئ بالأدوية الدنمركية ، والبدائل متوفرة في الصيدليات وبجودة أفضل. وينبغي أن تشمل المقاطعة الأدوية كما شملت المنتجات الغذائية الأخرى.
7- إغلاق شركة دنمركية عملاقة لمنصع للألبان .
8- تمت بحمد الله إقالة رئيس تحرير صحيفة فرانس سوار

عباد الله.. إن موقف حكومة خادم الحرمين وهذا الانتصار لله ولرسوله ليس بمستغربٍ أبداً. فهو من ناجية أقل واجبٍ يمكن أن يقوم به من يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. ومن ناحيةٍ أخرى: إن موقف ولاة الأمر من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر .. هو موقف المناصرة والتأييد، فكيف يكون موقف ولي الأمر المناصرُ هو نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم ؟ المؤمل هو ترحيل سفير الدنمرك والنرويج ... وسأذكر لكم موقفين يؤكدان ما أقول : أحدهما حصل قبل ثلاث سنواتٍ، حيثُ كتبَ رجلٌ -ممن يُصلي معنا بعضَ الجمع - برقيةَ مناصحة لأحد أصحاب السمو الملكي الأمراء الوزراء.. وبعد أسبوعين أتاه أحد موظفي الاتصالات عند مسجده، وسلمه برقية شكر ودعاء وطلب استمرار التواصل من ذلك الأمير الوزير، فجزاه الله كل خير. فيستغرب أحدٌ أن تنتصر حكومة المملكة لنبي الرحمة بعد هذا؟

أيها الأخوة، أن تصل نصيحتك، حتى ولو ضُربتَ أو سجنتَ يعتبر هذا انجازاً. أما أن تُقبل النصيحة وتشكر عليها.. فقولوا في أي بلد معاصرٍ في العالم يحدث مثل هذا؟؟؟؟
الموقف الثاني قبل أربعة أعوام تقريباً.. أخرني صاحب القضية... أنه شاهد في القناة السعودية ... وأثناء نقا صلاة الجمعة من الحرم أن المصورَ ركزَّ الكمرةَ على النساء مقابل وجوههن.. فكتب الناصحُ برقيةً لوزير الإعلام السابق.. وكان لا بد أن يردَّ الوزيرُ على البرقية ولو كان من أصغر مواطن. حسب توجيهات ولاة الأمر. فرد الوزير بخطاب لأمير الرياض – حفظه الله وكان في رد وزير الإعلام (أن ما ذكر المواطن في برقيته غيرُ صحيح. فلم يحصل تصوير للنساء بتاتاً) فكتب عليها أمير الرياض إلى مُحافظ الخرج. (اسألوا المواطن إن كان متبتاً مما في البرقية .. أمرنا بتشكيل لجنة لاستعراض شريط الفديو الذي سجلت عليه الصلاة يوم الجمعة المحدد في البرقة) . ويرد أمير الخرج بإجابة المواطن. وتُشكل لجنة بأمر أمير الرياض – حفظه الله- وتتخذ الإجراءت اللازمة ويعتذر الوزير فيما بعد للمواطن عما حصل وأنَّ تصوير النساء حدث بلا قصد بسبب زحمة الحجاج.

أيها المؤمنون .. وأيم الله ما كانت هذه الاجراءات التي حصل من ولاة الأمر لتحصل لولا فضل الله وحده. ثم إن هذا ردٌ صريح ليس على الدنمركيين فحسب.. بل على الناقمين على بلادنا بلاد الحرمين... سواء مفجري المباني التكفيريين التفجيريين. أو مفجري المشاعر العلمانيين واللبراليين. المتطاولين على عقيدتنا ومبادئنا وثوابت ديننا. وإنني أقول أين هؤلاء .. وهؤلاء؟ أين التكفيريين، أليس الذبُ عن رسول الله من أفضل أنواع الجهاد؟؟ وأين التغريبيين يا تتباكون على حرية المرأة المسلمة، يا من تنادون بحاجة المرأة لقيادة السيارة –رحمةً بها زعموا؟ أين أنتم الآن وأين مقالاتكم في الدفاع عن نبي الرحمة ، الذي أرسل للمرأة والرجل؟ أم أن المرأة أهم عندكم من الرسول؟
لماذا لم يتنصروا لله ولرسول الله بما شرع الله بالتي هي أحسن.

أيها المسلمون.. ينبغي أن يكون كل منا رجل أمن ورجل حسبة آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر. فكلنا ورجال الأمن ورجال الهيئة عيونٌ ساهرة لحفظ أمنِ بلادنا وحفظِ أعرض وعورات المسلمين والمسلمات. فإذا رأى أحدنا ما يخل بالأمن عليه أن يبلغ الجهات المسئولة في الحال.. ولن يجد إلا الشكر والتقدير. وإذا رأى أحدنا منكراً في سوقٍ أو في تلفازٍ أو في صحيفة فليبرق ببيرقين الأصل لخادم الحرمين، أو ولي عهده، والأخرى للوزير المعني... ولن تجد إلا التوفيق من الله والتسديد والدعاء من الناس سواءً المسئولين أو غيرهم.

أيها المؤمنون.. قد يقول البعض إنكم أعطيتم القضية اكبر من حجمها وأنَّ الأمرَ لا يحتاج لهذا لكله! فإننا
نقول لو تكلم أحدٌ الناسِ في عرضك أو في قبيلتك وجماعتك لثرت غضبا لما رضيت بهذا أبدا فكيف وقد اعتدى هؤلاء المجرمون على عرضِ النبي صلى الله عليه وسلم قال تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً} وإذا كانت هذه الإساءة لن تحدث إلا من كافر، وليس بعد الكفر ذنب. فإن أعظم منه ما يحصل من المسلم لأخيه من أذية أو استهزاء سخرية أو غيبة لهو أشد من فعل الدنمرك برسول الله صلى الله عليه وسلم واستمعوا إن شئتم الآية التالية لها قال تعلى {والَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً } نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم وبهدي محمد صلى الله عليه وسلم ، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية :
الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على النبي المصطفى أما بعد:
أما بعد فأوصيكم – أيها الناسُ ونفسي بتقوى الله، فاتقوا الله حق التقوى، فإن أجسادنا على النار لا تقوى.
أيها المسلمون... بقي أن يسأل كلٌ منا نفسه سؤالاً ينبغي أن يتكرر بعد كلِّ خطبة، وبعد كل محاضرة: ماذا عليَّ أن أفعل؟؟ يحسن بنا في هذا المقام التنبيه على عدة أمور ينبغي علينا جميعاً أن نتبناها:
أولاً :على كلٍّ منا أن يحرص على طلب العلم الشرعي فإن هذه الفتنة شكفت لنا، أهمية العلم الشرعي فيالفتن.
ثانياً : من أهم ما ينبغي أن نعيد تأصيله في نفوسنا ونفوس أبناء عبودية الله بالولاء والبراء، وصدق اتباع الحبيب صلى الله عليه وسلم، وصدق المحبة . وخدمة الدين بكل وجهٍ مشروع.
ثالثاً: علينا استمرار التواصل مع العلماء وولاة الأمر فإننا لسنا بشيء والله إذا تفرقت الكلمة. وانتهكنا أعرض ولاة أمرنا وعلمائنا واغتبناهم، وتصيدنا أخطاءهم. فلنكن من خلفهم صفاً واحداً في حندقٍ واحدٍ نصدر عن علمهم وتحت توجيههم، ونتواصل معهم بما نرى من مخالفات ومنكرات فأبوابهم مفتوحة. وأرقام هواتفهم، معلومة. وفاكساتهم منشورة.. وإمكانية الإبراق عليهم وأنت في بيتك متاحة.
رابعا: وهو أهمها : إن من أهم الأمور التي نؤكد عليه الآن... إننا وإن كُنا حريصين فيما مضى على تعلم السنة؛ فيلزمنا من الآن فصاعداً أن نكون عاملين بها؛ متمسكين بها، بها، فالعمل بالعلم يورث العلم، أما العلم بلا عمل فهو حُجةً على صاحبه. كما علينا أن ننشر السنة الشريفة على كافة الأصعدة والمستويات، حتى تكون لنا وللأجيال القادمة كالهواء الذي نتنفسه . ونحث أبنائنا وتلاميذنا على التأسي بالحبيب في كل شئونهم. إن مقياس الصدق والإخلاص في شهادة أن محمداً رسول الله هو اتباعه علية السلام في جزئيات الشريعة وكلياتها, في منهجه في كل حياته وهو في البيت والأسرة، والشارع والسوق، وفي العبادة والطاعة والمعاملة والأخلاق, يا من تألمتَ وربما بكيت لما سخر الدنمرك من نبيك، إن كُنت صادق في محبتك له، فلماذا تُخالفه في نفسك وفي تعاملك مع من حولك في البيت ، في الحي، في العمل، في أسرتك، في تجارتك، مع عمالك؟ قال تعالى {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً} وقال سبحانه {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا }
{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِينا}
أيها المؤمنون ... من يقول أشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وربما بكى لمَّا نيلَ من الحبيب صلى الله عليه وسلم ثم يتخلف عن صلاة الفجر، أو يأتي ويترك أولاده ينامون عن صلاة الفجر. أهو صادق أم كاذبً فيما يدعي؟ قال تعالى { قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} إن كُنا صادقين في محبتنا لله ولرسوله فلننصره في أنفسنا..
أيها المسلمون... والذي يقول : رضيتُ بالإسلام رباً وبالإسلام دينا، وبمحمدٍ نبياً ، وحزن لمـَّا سخر الدنمرك بنبي الرحمة صلى الله عليه وسلم ... ثم يخالفُ نصوص القرآن ويخالف تعاليم الإسلام، ويخالف فعل الرسول وسننه... فيساهم في شركاتٍ ربوية، أو يتداول أسهما محرمة، أو يظلم العمال فلا يعطيهم حقوقهم، ويؤخر مستحقاتهم، أو يدخل على رعيته القنوات الهدامة، وأجهزة البلاستيشن، أهو صادقٌ في محبته، وفي إيمانه، أو أنه مسلم بالبطاقة ..
هل نصرنا رسول الله في أنفسنا قبل نصرته على الدنمرك... هل اتبعنا أمره ، وانتهيا عن نهيه، وتخلقنا بأخلاقه في جميع شؤوننا، وتعاملتنا. إن ما حدث من الدنمركيين ضد رسول الله صلى الله عليه وسلم ينبغي أن يوقضنا من رقدتنا فقد طالت.. ينبغي أن ينبهما من غفلتنا فقد تأخرت... ..
خامساً: يا طلبة العلم أيها الشباب أدعو إلى الإسلام بالتي هي أحسن عبر مواقع الغرب وصحفه ، بينوا لهم سيرة الحبيب العطرة فلو عرفوه لأسلموا وأحبوه.
اللهم صل على نبينا محمد ما ذكره الذاكرون، وصل عليه ما غفل عن ذكره الغافلون. اللهم أحينا على محبته، وأمتنا على ملته، وثبتنا على سنته، وأكرمنا بشفاعته، وأوردنا حوضه، وأنِلنا شرف صحبته في عليين، مع الذين أنعمتَ عليهم من النبيين والصديقين والشهداء الصالحين، وحسن أولئك رفيقا. اللهم صلّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر والخلق الأكمل، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن الصحابة أجمعين، وعن والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين. وعليك بأعداء الدين. اللهم منزل الكتاب، مجري السحاب، هازم الأحزاب، اللهم يا من قلت وقولك {إنا كفيناك المستهزئين} اللهم عليك بالنرويج والدنمركيين، اللهم أكفانهم بما شئت يا قوي يا متين، اللهم وعليك بمن دنس المصحف الشريف من الأمريكان، وعليك بمن يخطط لتدنيسه من الدنمركيين، يا قوي يا عزيز يا شديد الانتقام، اللهم أحصهم عددا ، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً. اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح ووفق أئمتنا وولاة أمورنا، وأجعلهم هُداة مهتدين، وهيء لهم البطانة الصالحة، وأبعد عنهم بطانة السوء يا رب العالمين. {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيم} اللهم اشفِ مرضانا ومرضى إخواننا المسلمين. اللهم فرج هم المهمومين من المسلمين، ونفس كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين اللهم اغفر لهم وارحمهم، وعافهم واعف عنهم، اللهم أكرم نزلهم وأوسع مدخلهم، واحشرهم في زمرة الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً. ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.
عباد الله .. إن الله يأمركم بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكَّرون. فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ماتصنعون.


عبدالعزيز بن علي العسكر

عبدا

عبقور2011
02-25-2011, 03:59 PM
خطبة (أما آن لعلماء المسلمين إيقاظ حكامهم؟ بعد نصرة دول الاتحاد الأوربي للدنمرك )

إنَّ الحمدَ لِله نحمدهُ ونستعينهُ, ونستغفرهُ, ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا, ومن سيِّئاتِ أعمالِنا, منْ يَهدهِ اللهُ فلا مُضلَ لـهُ, ومنْ يُضلل فلا هاديَ لـه. وأشهدُ أنَّ لا إله إلا الله وحدهُ لا شريكَ لـه, وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسوله .
أما بعدُ .فأيها المسلمون: اتقوا اللهَ حق التقوى، فقالَ سبحانَه { يا أيُّها الذينَ آمنوا اتقوا وقولوا قولاً سديداً* يصلحْ لكمْ أعمالكمْ ويغفرْ لكمْ ذنوبكمْ، ومنْ يطعِ اللهَ ورسولَه فقدْ فازَ فوزاً عظيماً}

عبادَ اللهِ.. ألا وإنَّ منْ أعظمِ أبوابِ التقوى، التي يُنالُ بها الأجرُ الوفيرُ، والخيرُ الكثيرُ، الذبَّ عن عرضِِ المعصومِ عليهِ أفضلُ الصلاةِ وأتمُ التسليمِ، فإنّهُ من أعظمِ القربِ، وأنفعِ الأعمالِ عندَ اللهِ تعالى، كيفَ لا، وهوَ سبحانهُ قدْ دافعَ عنهُ، وذبَّ عنْ عرضهِ، أليسَ هو القائل سبحانهُ {إنَّ اللهَ يدافعُ عن الذينَ آمنوا } أو ليس الله جل وعلا ، هو القائلُ: {واللهُ يعصِمكَ منَ الناسِ}

نقول هذا الكلام ..أيها المؤمنون.. ولو لم تذكرّنا به بداية السنّةِ الهجريّةِ الجديدةِ، التي أطلّت علينا منذُ ثلاثةِ أيامٍ، لذكرتنا بها تلكم الهجمةُ الشرسةُ عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، والتي تتزعمها دولةُ الدينمارك الظالمةِ، وتبعهتا دول الكفر واحدةً تلوا الأخرى فالدنمرك ابتدأت الظلم فتبعتها النرويج، ففرنسا، وهولندا، فأسبانيا، فألمانيا، ليوجهوا لنا رسالة واحدة مفادها { َولَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى }، هجمةٌ قوامُها السخريةُ به عليه الصلاة والسلام، وأساسُها الكفرُ به وبدينه، ومبتغاها إطفاءُ نورِ اللهِ تعالى{ يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ } ، يريدون ليطفئوا نورَ الله برسوماتِهم، يريدون ليطفئوا نور الله .. بقصف المدن والقرى الأفغانية، والعراقية، يريدون ليطفئوا نور الله يقتل الأطفال والنساء والشيوخ العزل، بالابادة الجماعية. يريدون ليطفئوا نور الله بإنتهاك حقوق الانسان المسلم في قوانتنامو، وفي معتقلات العراق، يريدون ليطفئوا نور الله بتيس المصحف في القواعد الأمريكية ، ويخططون لتندنسه عذا السبت في كوبنهايقن عاصمة الصهيونية الأربوية الدنمرك. ويأبى اللهُ إلا أن يتمَّ نورَه، ولو كرهَ الكافرون..

أيها المسلمون.. ما فعله أعداؤكم، ويفعلونه ليس بجديد ! لكننا غافلون... نائمون... هائمون... وما حملةٌ نابليون وما قبلها وما بعدها من الحملاتٍ صليبه على العالم الإسلامي عنكم .. ببعيد ... وإن لم نكن عاصرناها، فقد قرأنا عنها ما سطرته كتبُ التاريخ. فلا يظننّ أحدٌ منكم أن الهجوم على الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى الإسلام حديث حديثُ عهد؛ أو أنه بسبب أحداث الحادي عشر من ستنمبر. بل إنه كان ممتدٌ منذُ عقود طويلة تنوعت خلالها طرق الإساءة وتباينت. وإن بدت حملات التّشويه التي تقودها منظمات الفاتيكان ضد الإسلام والمسلمين خلال العقود الأخيرة أكثر قوة وشراسة. فقد نشرت صحيفة (فليت إم زونتاج) الألمانية في 30 يونيو الماضي تقريراً عن منظمة رابطة الرهبان لتنصير الشعوب أن الرابطة تُنظّم حملة كبرى من الجمعيات التّنصيرية، حُشد لها مليون منصّر بدعم من الفاتيكان للحدّ من انتشار الإسلام في العالم. نشرت تلكم الصحيفه الألمانية هذا التقرير تحت بعنوان (مليون منصر ضد محمد) ذكرت فيه أن للفاتيكان منظمة اسمها "رابطة الرهبان لتنصير الشعوب في مناطق الصمت – يعنون بها المملكة واليمن ودولٌ أخرى. ويعمل تحت لواء هذه الحملة الكبرى 85 ألف قسيس ، و 450 ألف جمعية دينية ، وأكثر من مليون مدرس يجوبون العالم كله، قرية قرية، ومدينة مدينة، وهي تملك 42 ألف مدرسة، و1600 مستشفى، و 6000 مؤسسة لمساعدة المحتاجين، و780 ملجأ لمرضى السرطان، و12 مؤسسة خيرية واجتماعية حول العالم . وتقول الصحيفة أن المنظمة تعمل اليوم بجيش يضم أكثر من مليون شخص " للحد من انتشار الإسلام في العالم، وعلى تشويه صورة النبي محمد، ونعته بأبشع الصفات.

أيها الأخوة... ألا وإنه إن كان خلال العقود الطويلة الماضية من السنين لم يواجه المسلمين قاطبة حدث يعنيهم ويقصدهم كحدث التطاول على قدوة الإسلام والمسلمين والخلق كافة.. وذلك من خلال رسومات سافرة مخجلة تتناوب صحف أوربا على نشرها ، والكفر ملة واحدة. إن قضيةَ التطاول والاستهزاءَ برسول هذه الأمة قضية أكبرُ من أن تواجه برفض مواطنٍ لشراءَ كيلو من الجبن أو علبةِ الزبدة أو علبةٍ من الحليب ! وإن كان سلاحٌ فاعل، ويدل على غيرة المسلمين.. ألا أن المنتظر منهم أكبر من هذا بكثير..
القضية يا أمة المليار والنصف مليار مسلم. قضية أكبر من أن تواجه بكلماتٍ مكررة في الصحف.
القضية يا الأمةَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم ليست قضية تعالج وتواجه إرسال «هاكرز» ليعطل موقع الصحيفة دقائق أو ساعات
القضية أيها المسلمون قضية إسلام وقضية رسول أمة وقضية نبي قال عنه ربه { َإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} أنار الله به القلوب بعد ظلمتها وأحياها به بعد مواتها و هداها به بعد ضلالتها وأسعدها بعد شقوتِها {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً *وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً }
القضية يا أهل الإسلام.. قضية.. الرحمةِ المهداة والنعمةِ المسداة فقد كُنا على شفا حفرة من النار فأنقذنا الله به قال سبحانه (وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)

إنه خير البشر خير من مشى على الأرض وخير من طلعت عليه الشمس ، إنه صلى الله عليه وسلم اشفقُ وأرحمُ بأحِدنا من أمه عليه ، قال سبحانه { َقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } قال العلامة ابن سعدي رحمه الله تعالى :" هذه المنة التي امتن الله بها على عباده هي اكبرُ النعم بل اجلُها وهي الإمتنان عليهم بهذا الرسول الكريم الذي أنقذهم الله به من الضلالة وعصمهم به من التهلكة " وقال ابن الجوزي رحمه الله في وصفه صلى الله عليه وسلم : هو من تحركت لعظمته السواكن فحن إليه الجذع ، و كلمه الذئب ، وسبح في كفه الحصى، و تزلزل له الجبل. أ- هـ كان محمد بن المنكدر إذا ذكره بكى حتى يرحمه الجالسون. وكذلك يفعل التابعون. وكان ابن مهدي إذا قرأ حديث النبي صلى الله عليه وسلم أمر الحاضرين بالسكوت لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون .
- القضية هي إذن من مسؤوليات الأفراد والحكومات والدول.. وهي اختبار كبير وعظيم وصادق وصريح لمدى قوة إيماننا، ومدى محبتنا لنبي الرحمة صلى الله عليه وسلم ، وهو أختبارٌ من جهة أخرى لقدرة حكومات الدول الإسلامية على حفظ حقوق أمة ، وردع من تطاولوا على رسولها صلى الله عليه وسلم .
أيها المسلمون.. القضية هنا ليست من مسؤولية دولة واحدة فقط أو مجتمع واحد.. فالقضية قضية كل المسلمين في أنحاء المعمورة فما رأيناه من مقاطعة لمنتجات الساخرين والمستهزئين في المملكة وفي بعض الدول الإسلامية الأخرى. ينبغي أن يستمر.. وما صدر من بعض مديري التعليم بإلزام مديري المدارس بكتابة قول الحبيب [لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب ‘ليه من والده وولده والناس أجمعين] ينبغي أن نفعله في أنفسنا،فنقدم محبته على والدينا وأولادنا، وأهوائنا، وشهواتنا، وأموالنا، وأزواجبنا وعقاراتنا. ومناصبنا.

أها الأخوة.. إنَّ المأمول والمتوقع والمفترض أن تواجه الدنمارك وأتباعها. من دول الاتحاد الأوربي، التي أعادت نشر الصور السيئة لا لشيء، وإنما لفك الحصار الاقتصادي الإسلامي الذي فرضته الشعوب الإسلامية عليها. ينبغي أن يتبعه موقفٌ إسلامي جماعي موحد وصارم موقف سياسي.. واقتصادي وإعلامي واجتماعي.. والأهم هنا هو الموقف الاقتصادي.. فالاقتصاد هو أحد أهم الأسلحة الفعالة في مواجهة مثل هذا الحدث خاصة في هذا العصر، وقد رأيتم تأيثره واضحاً حينما استنجدت الدنمرك بمنظمة الاتحاد الأوربي لفك حصار مقاطعتكم لها.

ولأحدكم أن يسأل ماذا علي أن أفعل تجاه هذه القضية ، فأقول على كلِّ منا أن يتواصل مع العلماء وولاة الأمر فأبوابهم مفتوحة ، ومجال الإبراق إليهم متاح. وهذه أمانة أحملها كلَّ منكم اعملوا بقول الله تعالى تعالى { وََتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} وبقول الحبيب صلى الله عليه وسلم [الدين النصيحة] كما عند مسلم. وقوله بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم [ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم] وقوله صلى الله عليه وسلم [إن الله يرضى لكم ثلاثاً ...] الحديث وذكر منها [وأن تناصحوا من ولاه أمركم] الحديث... بعلينا أن نتواصل عملا بما مضى من أدلة ونطلب من العلماء وولاة الأمر:
1- بالإضافة للاقتراحات التي ذُكرت في الجمعة الماضية.
2- ينبغي استمرار المقاطعة ، ولا تكون في المنتجات الغذائية فقط، بل تشمل الأدوية.ففي الصيدليات كثيرٌ من الأدوية والمضادات والأنسولين الدنمركي، ويوجد بدائل أفضل من الدوائية السعودية، وأخرى مصرية.
3- نقترح على العلماء وولاة الأمر - عقد رابطة العالم الإسلامي ورئاسة المؤتمر الإسلامي اجتماعات طارئة وعاجلة ومستمرة !
2- اتفاق جميع الدول الإسلامية بدون استثناء على وقف الصادرات والواردات إلى تلك الدولة. ولو كانت تتعارض مع منظمة التجارة العالمية ، فلا بارك الله في حبل نضعه في أعناقنا يقودنا به الصهاينة.
3- استدعاء جميع سفراء الدول الإسلامية كافة بدون استثناء من الدنمارك وترحيل سفيرهم.
4- إيقاف جميع رحلات خطوط الطيران الإسلامية الرسمية والأهلية من وإلى الدنمارك.
5- تعليق كافة النشاطات الدبلوماسية والاقتصادية وغيرهما مع الدنمارك .
6- تعيين هيئة محاماة إسلامية عالمية متمكنة لإقامة دعوى على الصحف الساخرة.
7- بعث شكوى واحدة رسمية موقعة من كافة الدول الإسلامية إلى هيئة الأمم المتحدة أو عدة شكاوى من كافة الدول الإسلامية .
8- مطالبة العلماء وولاة الأمر بالسعي لإنشاء هيئة إسلامية متحدة.
9- مطالبة العلماء وولاة الأمر بإنشاء منظمة عدل إسلامية.
10 – مطالبة العلماء وولاة الأمر بإنشاء قوة لحفظ السلام إسلامية.
11- منظمة للتجارة الإسلامية العالمية، وهذا ليس بمستحيل، ولا بدعاً من القول، فقد راهن على نجاحه مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا قبل أكثر من خمس سنوات، وهو رجل الإدارة والاقتصاد الفذ.
12- سرعة إنشاء هيئة إسلامية عالمية تعمل على مدار الساعة تكون مسؤوليتها متابعة هذا الحدث وتطوراته وتوثيق نتائجه واقتراح الإجراءات الملائمة وإعطاء هذه الهيئة كافة الصلاحيات لعملها .وتناط بها أيضا مسؤولية متابعة مثل هذه الأحداث مستقبلا ؟
13- إنشاء مركز إسلامي دعوي عالمي يفتح له مكاتبٌ كل دول العالم ، يدعى إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ويوكل إليه أيضاً تنفيذ آلية إعلامية مضادة لمثل هذه الأعمال والتصرفات تنفذ بصورة عاجلة فور بروز أي حدث مماثل في أي دولة..

هذه أقل ما يمكن أن يتخذ في هذه القضية كمرحلة أولى وهي حقوق طبيعية حتى تحفظ هيبة ومكانة الدول الإسلامية والمسلمين أمام المجتمعات الأخرى.. أما الخطابات.. والتنديدات.. والاحتجاجات فهي فقاعات وقتية تنتهي في لحظات.. وهو أسلوب مضحك.. وفاشل فالحسم.. والجدية.. والوحدة الإسلامية المتكاملة صفاً متكاملاً والتخلي عن الاختلافات عن اجل هذه المهمة هي من يعطي الصورة الحقيقية لمعالجة مثل هذه الاعتداءات ؟ قال تعالى { إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعني الله وإياكم بما فيهما من البيان والحكمة، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية :
الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على النبي المصطفى أما بعد:
أما بعد فأوصيكم – أيها الناسُ ونفسي بتقوى الله، فاتقوا الله حق التقوى، فإن أجسادنا على النار لا تقوى.

أيها المسلمون... أحباب محمد صلى الله عليه وسلم قَالَ حبيبكم في الحديث الذي أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال صلى الله عليه وسلم : [ أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرَّم. وأفضل الصَّلاة بعد الفريضة، صلاة الليل] رواه مسلم
وتعلمون أن الصِّيامَ سرٌّ بين العبد وبين ربِّه، ولهذا يقول الله تبارك وتعالى كما في الحديثُ القدسي: [كلّ عمل ابن آدم لهُ إلاَّ الصَّوم فإنَّهُ لي وأنا أجزي به، يدَعُ شهوتَهُ وطعامَهُ وشرابهُ من أجلي ] رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه
فيا باغي الخير أقبل.. هذا محرم قد أهل.. ويا شاري الجنة هلم، فعن أبي أمَامَةَ رضي الله عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلتُ يا رسولَ الله مُرنِي بِعملٍ أدخُلُ بهِ الجنَّة . فقال: [عليك بالصَّوم، فإنَّهُ لا مِثلَ له] رواه ابن حبّان
وعن أبي قَتادةَ رضي الله عنه قال: سُئِل صلى الله عليه وسلم عن صيامِ يومِ عاشوراء ؟ فقال: [ يكفِّرُ السَّنَةَ الماضِية ] رواهُ مسلم
وحيثُ بت دخول شهر دذ الحجة شرعاً. وصار شهر تاماً ، فعليه فإن يوم عاشورا يوافق يوم الخميس القادم، إلا أن أن يصدر عن العلماء بيان يُخالف هذا. وعن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قَدِمَ المَدينةَ فوجدَ اليهودَ صياماً، يومَ عاشوراء . فقالَ لهم رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:« مَا هَذَا اليوم الّذي تصومونهُ؟ »فقالوا: هذا يومٌ عظيم، أنجى اللهُ فِيهِ موسى وقومَهُ، وغرَّقَ فرعونَ وقومَهُ، فصامَهُ موسى شكراً، فنحنُ نصومُهُ . فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : [ فنحنُ أحقُّ وأولى بِمُوسى مِنكم ] رواه مسلم . فصامَهُ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وأمرَ بصيامِه.
عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنه قال: صَامَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يومَ عاشُوراء وأمَرَ بِصِيامِهِ، قالوا: يا رَسُولَ اللهِ! إِنَّهُ يَومٌ تُعَظِّمُهُ اليَهودُ وَالنَّصَارَى. فَقالَ رسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : « فَإذا كَانَ العامُ المُقْبِلُ، إِن شَاءَ اللهُ، صُمْنَا اليَومَ التَّاسِع »قال: فَلمْ يَأتِ العامُ المُقْبِلُ، حَتَّى تُوُفِيَّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم رواه مسلم

اللهم صل على نبينا محمد ما ذكره الذاكرون، وصل عليه ما غفل عن ذكره الغافلون. اللهم أحينا على محبته، وأمتنا على ملته، وثبتنا على سنته، وأكرمنا بشفاعته، وأوردنا حوضه، وأنِلنا شرف صحبته في عليين، مع الذين أنعمتَ عليهم من النبيين والصديقين والشهداء الصالحين، وحسن أولئك رفيقا. اللهم صلّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر والخلق الأكمل، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن الصحابة أجمعين، وعن والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين. وعليك بأعداء الدين. اللهم منزل الكتاب، مجري السحاب، هازم الأحزاب، اللهم يا من قلت وقولك {إنا كفيناك المستهزئين} اللهم عليك بالنرويج والدنمركيين، اللهم أكفانهم بما شئت يا قوي يا متين، اللهم وعليك بمن دنس المصحف الشريف من الأمريكان، وعليك بمن يخطط لتدنيسه من الدنمركيين، يا قوي يا عزيز يا شديد الانتقام، اللهم أحصهم عددا ، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً. اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح ووفق أئمتنا وولاة أمورنا، وأجعلهم هُداة مهتدين، وهيء لهم البطانة الصالحة، وأبعد عنهم بطانة السوء يا رب العالمين. {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيم} اللهم اشفِ مرضانا ومرضى إخواننا المسلمين. اللهم فرج هم المهمومين من المسلمين، ونفس كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين اللهم اغفر لهم وارحمهم، وعافهم واعف عنهم، اللهم أكرم نزلهم وأوسع مدخلهم، واحشرهم في زمرة الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً. ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.
عباد الله .. إن الله يأمركم بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكَّرون. فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ماتصنعون.


يوم الجمعة 4شهر محرم 1427هـ
عبدالعزيز بن علي العسكر

عبقور2011
02-25-2011, 04:03 PM
خطبة الجمعة في الجامع الكبير بسبت تنومة


( الخطبة الأولى )
=-=-=-=-=-=
الحمد لله الذي بلّغنا شهر رمضان ، والحمد لله الذي يسّر لنا صيام أيامه وقيام لياليه ، والحمد لله الذي يُضاعف في هذا الشهر الكريم الأجر والثواب لمن يشاء من عباده فضلاً منه وكرمًا . وأشهد أن سيدنا ونبينا وقائدنا وقدوتنا محمد بن عبد الله الذي كان بين الناس رجلاً ، وبين الرجال بطلاً ، وبين الأبطال مثلاً ، فصلى الله وسلّم عليه وعلى آله الأطهار ، وصحابته الأخيار ، والتابعين وتابع التابعين إلى يوم القيامة . أما بعد :
فيا أيها الناس : اتقوا الله جل جلاله وعظِّموه في كل وقتٍ وفي كل حين ، واستغفروه وتوبوا إليه مُمسين ومصبحين ، وأكثروا من سؤال الله تعالى الجنة والاستعاذة به سبحانه من النار ، فأنتم في موسمٍ عظيمٍ من مواسم الرحمة والغفران ، والبذل والإحسان ، وطاعة الرحمن ، والعتق من النيران ، ومن الواجب اغتنام هذا الموسم بكل وسيلةٍ مُمكنة فإن الله تعالى لا يُضيع أجر من أحسن عملا .
عباد الله سيكون حديثي إليكم في هذا اليوم مُتمثلاً في رسالتين أوجههما إليكم جميعًا لتكون بإذن الله تعالى دعوة وتوعيةً وتذكيرًا لمن حضر ومن سمع ، والله تعالى أسأل أن ينفعنا جميعًا بها ، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه .
= ( الرسالة الأولى ) موجهةٌ لكل من أكرمه الله ببلوغ هذا الشهر الكريم من المسلمين ذكرًا كان أم أُنثى ، صغيرًا كان أم كبيرًا ، مُتعلمًا كان أم جاهلاً أقول فيها :
اعلم يا أخي الصائم أن عليك أن تغتنم وتستثمر كل لحظةٍ من لحظات هذا الشهر سواءً أكانت في أيامه أم لياليه ، وأن هناك ثلاث ساعاتٍ غالياتٍ فلا تُفرِّط فيها ، واحرص بارك الله فيك على أن تُحسن استثمارها وتوظيفها في طاعة الله تعالى . فالساعة الأولى هي أول ساعة من النهار - بعد أن تؤدي صلاة الفجر ؛ فإنها ساعةٌ مباركةٌ ولها فضلٌ عظيم بين ساعات اليوم إذا ما اغتنمها الإنسان في ذكر الله تعالى وصرفها في طاعته ، يقول الإمام النووي - رحمه الله - في كتاب الأذكار : " اعلم أن أشرف أوقات الذكر في النهار الذكر بعد صلاة الصبح " . وقد جاء في بيان كيفية اغتنامها ما أخرجه الترمذي عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من صلى الفجر في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين كانت له كآجر حجة وعمرة تامةٍ ، تامةٍ ، تامة ) والحديث رواه الترمذي وقال حديث حسن .
وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى الغداة جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس حسناء . ونص الفقهاء على استحباب استثمار هذه الساعة بذكر الله تعالى ( تسبيحًا وتحميدًا وتهليلاً وتكبيرًا واستغفارًا وتلاوةً للقرآن الكريم ) حتى تطلع الشمس وفي الحديث قال صلى الله عليه وسلم : ( اللهم بارك لأمتي في بكورها ).
لذا يكره النوم بعد صلاة الصبح لأنها ساعة تقسم فيها الأرزاق فلا ينبغي النوم فيها بل الواجب على المسلم أن يغتنمها ويكثر فيها من الذكر والدعاء والتلاوة حتى تطلع الشمس ، ولاسيما أننا في شهر رمضان المبارك الذي تتضاعف فيه الأجور ويعظُم الثواب .
أما الساعة الثانية فهي آخر ساعة من النهار وتكون قبل الغروب : وهي ساعةٌ ثـمينةٌ جدًا وعظيمة القدر ولاسيما في شهر رمضان ، ولا ينبغي أن تفوت على الإنسان الصائم ؛ إذ إن كثيرًا من الناس ذكورًا وإناثًا يكونون خلالها مُنشغلين بإعداد الإفطار وتجهيزه والتهيؤ له ونحو ذلك ، وهذا أمرٌ لا ينبغي لمن حرص على تحصيل الأجر فإن كل لحظةٍ من لحظات هذه الساعة تكون غاليةُ وثـمينة ، وكل دقيقةٍ من دقائقها تُعد من أفضل الأوقات للدعاء والذكر وسؤال الله تعالى والطمع في استجابته سبحانه لما جاء عن أبي هريرة  أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ثلاث دعواتٍ مستجابات : دعوة الصائم ، ودعوة المُسافر ، ودعوة المظلوم ) والحديث في شعب الإيمان .
وقد جاءت الأخبار أن سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى كانوا لأخر النهار أشد تعظيمًا من أوله ، لأنه خاتمة اليوم والموفق من وفقه الله لاستثمار واغتنام هذه الساعة في الدعاء والذكر والتلاوة .
أما الساعة الثالثة فهي ساعة السحر التي يقول الحق جل في عُلاه في شأنها وبيان فضلها : { وَالمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ } ( سورة آل عمران : 17 ) . وهي ساعةٌ عظيمة الشأن معروفة الفضل لأنها الساعة التي تكون وقت السحر وهو السدس الأخير من الليل . ويأتي تخصيص هذه الساعة بالاستغفار لأن الدعاء والرجاء والسؤال فيها يكون أقرب إلى الإجابة ، فالله - تعالى - يتجلى على عباده وقت السحر بالغفران والعطاء والإحسان ، وإجابة الدعاء ، وتحقيق الرجاء ، فلا يُرَدُّ من دعاه ، ولا يُخيَّب من رجاه ، ولا يُحرم من سأله ، لما صحَّ عن عمرو بن عبسة - رضي الله عنه - أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : " أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر ، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن " ( رواه الترمذي ، ج 5 ، الحديث رقم 3597 ، ص 569 ) .
عباد الله ، احرصوا كل الحرص على اغتنام هذا الوقت الثمين في طاعة الله تعالى بكثرة الدعاء والاستغفار والتلاوة والصلاة النافلة حتى يؤذن الفجر ، ولاسيما أن كثيرًا من الناس في زماننا لا ينامون في هذا الوقت ، وإنما يكونون مُستيقظين ، فكانت فرصةً عظيمةً لمن وفقه الله سبحانه إلى ذلك الخير الكثير .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم ، أقول ما تسمعون ، واسأل الله لي ولكم السدّاد والعون ، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنبٍ ، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .

0=0=0=0=0=0
الخطبة الثانية
الحمد لله ، نحمدُه ، و نستعينه ، و نستغفره ، ونتوب إليه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مُضل له ، ومن يُضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا ، أما بعد ؛
فستكون الرسالة الثانية موجهةً لكل أبٍ ولكل أخٍ ولكل مسلمٍ يخاف الله تعالى ويتقيه ، ويحرص على إتباع هدي نبيه صلى الله عليه وسلم ، أقول فيها :
نعلم جميعًا أن الله تعالى خلق الإنسان في أحسن تقويم ، وصوره في أجمل صورةٍ وأكملها ، وأن الشيطان لا يكف ولن يكف عن إضلال بني آدم في أي زمانٍ وكل مكان ، ومحاولة إغوائه بأي شكلٍ وبأي صورة ، وخير دليلٍ على ذلك ما لا يخفى على عين المتابع لأحوال الناس في مجتمعنا من انتشار ظاهرةٍ مؤسفةٍ أخذت في الظهور والبروز بشكلٍ لم يكن عليه الحال فيما مضى ، وتتمثل هذه الظاهرة في أن هناك فئةً ليست بالقليلة من إخواننا وأبنائنا يقومون بحلق شواربهم واستئصالها بالكلية حتى لا يتركون لها أثرًا ، فتصبح أشكالهم غريبةً ، ومناظرهم مشوهة ، وتتغير خلقتهم حتى لكأن أحدهم يُشبه المسخ والعياذ بالله .
واعلموا - بارك الله فيكم - أن ظاهرة حلق الشوارب بالكُلية منتشرةٌ بين الكثير من الناس في وقتنا الحاضر ، ولاسيما الشباب الذين تُشير بعض التقارير التي تهتم بدراسة هذه الظاهرة أن السبب في انتشارها يعود إلى تأثُر الشباب بما تبثه وسائل الإعلام المختلفة ، فهم يحلقون شواربهم تقليدًا لمن تُسميهم وسائل الإعلام بالنجوم سواءً في مجال الرياضة ، أو مجال الفن ، أو غير ها من المجالات الإعلامية الأُخرى ، وقد يكون ذلك تأثُرًا بالموضات والتقليعات الوافدة في زمن الانفتاح على الغرب ، وقد يكون السبب راجعًا لفقدان الهوية والافتقار إلى القدوة الحسنة في واقعنا .
ولو أننا رجعنا إلى رأي أهل العلم في مسألة حلق الشارب لوجدنا أنه على الرغم من أن هناك من يرى أن حلق الشارب جائز ، وأنه من السُنة كما هو الحال عند بعض الأحناف ؛ إلا أن الصحيح كما قال بذلك كثيرٌ من أهل العلم خلاف ذلك ، فالسُنة النبوية قد دلّت وأرشدت إلى قص بعض شعر الشارب وليس حلقه بالكلية ، فقد جاء في فتح الباري ( 10 / 285 - 286 ) أن الإمام مالك ( رحمه الله ) سئل عمن يحفي شاربه ، فقال : ” أرى أن يوجع ضربًا " . وقال لمن يحلق شاربه : " هذه بدعة ظهرت في الناس ” رواه البيهقي .
وقال النووي في ” المجموع " (1/34-341) : " ضابط قص الشارب أن يُقص حتى يبدو طرفُ الشفة ، ولا يحفّه من أصله , هذا مذهبنا " .
أما علماء الشريعة في عصرنا الحاضر فقد قال الشيخ ابن عثيمين ( رحمه الله ) في " مجموع الفتاوى" (11/ باب السواك وسنن الفطرة ) :
" .. الأفضل قص الشارب كما جاءت به السنة ، وأما حلقه فليس من السُنَّة " .
ونُقل عن الشيخ الألباني ( رحمه الله ) أنه كان شديد النهي عن حلق الشارب أو تخفيفه قريبًا من الحلق ، حتى إن أحد طلبة العلم دخل عليه في مرض موته ، وقد أنهكه المرض ، وكان معه رجل قد حف شاربه بما يشبه الحلق ، فنهاه الشيخ الألباني عن ذلك ، وبين له أنه خلاف المشروع .
ومع ذلك كله فإن اللافت للنظر أن حليقي الشوارب كانوا في المجتمع قلة ، وربما يُعدّون على الأصابع ؛ أما اليوم فهم كُثر ، وليس مُستغربًا أن يًصبحوا أكثريةً في المجتمع خلال فترةٍ زمنيةٍ قصيرة إذا استمرت عملية حلق الشوارب والتخلص منها هي الموضة السائدة والتقليد الشائع في المجتمع ولا حول ولا قوة إلاّ بالله .
فيا عباد الله اتقوا الله تعالى ، وليحرص كل واحدٍ منا على المحافظة على خلقة الله تعالى السويّة دونما تعديلٍ أو تبديلٍ أو تغيير ، فإن الله تعالى خلق الإنسان في أحسن تقويم ، ومن ذلك أن جعل للرجال اللحى والشوارب ولم يجعلها للنساء ، فلماذا تغيير خلقة الله تعالى ؟
ولماذا يُشوه البعض منا جمال خِلقته التي أرادها الله تعالى له بحلق لحيته وشاربه والتخلُص منهما ؟
ولماذا لا نلتزم بهدي النبوة الكريم في هذا الشأن فنُعفي اللحى ونقص الشوارب عملاً بقول حبيبنا وقائدنا وقدوتنا الذي صحّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال :
" قصوا الشوارب وأعفوا اللحى " ( رواه الإمام أحمد في مُسنده ، ج 2 ، الحديث رقم 7132 ، ص 229 ) .
ولماذا نًحقق لإبليس اللعين ما يسعى إليه من إضلالٍ وغواية يقول فيها الحق سبحانه على لسان إبليس في وصفه لكيفية تضليل أبناء آدم وغوايتهم : { وَلآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ } ( سورة النساء : 119) .
عباد الله :أكثروا من الصلاة والسلام على أجمل الناس شكلاً ، وأكمل الخلق هيئةً ، سيدنا ونبينا محمدٍ بن عبد الله القائل : " من صلى عليَّ صلاةً واحدةً صلى الله عليه بها عشرا " . فصل اللهم وسلم وبارك على نبينا وحبيبنا ، وقائدنا وقدوتنا ، وإمامنا وشفيعنا ، محمدٍ بن عبد الله الذي علّمنا وهدانا وأرشدنا إلى كل قولٍ سديدٍ ، وكل فعلٍ رشيد .
اللهم كما بلغتنا شهر رمضان المبارك فوفقنا اللهم لصيامه وقيامه وبارك اللهم لنا فيه ، واجعله شاهدًا لنا لا علينا ، واكتبنا فيه من المقبولين .
اللهم أعز الإسلام والمُسلمين ، ودمِّر أعداء الملة والدين ، ونسألك اللهم أن توفقنا لحُسن الحياة وحُسن الممات ، وأن تُكرمنا بحُسن الختام وحُسن المآل ، وأن تتفضل علينا بالرحمة والغفران والعتق من النيران .
اللهم أهدنا و سددّنا ، واغفر لنا وارحمنا ، وعافنا وأعف عنا ، واغفر اللهم لآبائنا وأُمهاتنا ، وأولادنا وبناتنا ، وإخواننا وأخواتنا ، وأحيائنا وأمواتنا .
اللهم أصلح شبابنا وأحفظهم من كيد الكائدين ، ومكر الماكرين ، وحقد الحاقدين ، وحسد الحاسدين ، وإفساد المفسدين ، وظلم الظالمين ، واعتداء المعتدين ، وادفع اللهم عنا الغلا ، والوبا ، والربا ، والزنا ، والزلازل ، والمحن ، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن .
اللهم لا تدع لنا في مقامنا هذا ذنبًا إلا غفرته ، ولا مريضًا إلا شفيته ، ولا مُبتلىً إلا عافيته ، ولا ميتًا إلا رحمته ، ولا غائبًا إلا رددته ، ولا حاجةً من حوائج الدنيا والآخرة إلا قضيتها ويسّرتها يا رب العالمين .
اللهم يا من يُرتجى فيُحقق الرجاء ، ويا من يُسأل فيُعطي من سأله من خزائنه الملأ ، نسألك اللهم أن تُغيثنا يا مُغيث ، وأن تُنزل علينا من بركات السماء ، اللهم يا مُغيث أغثنا ، اللهم يا مُغيث أغثنا ، اللهم يا مُغيث أغثنا .
اللهم وفق ولاة أمرنا لما تُحبه وترضاه من القول والعمل والنية ، وارزقهم اللهم البطانة الصالحة التي تدلهم على الخير ، وتُعينهم عليه ، وترشدهم لما فيه الصلاح والفلاح والنجاح .
اللهم افتح لدعائنا باب القبول والإجابة فإنك على كل شيءٍ قدير ، وصل اللهم وسلم على سيدنا ونبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين .
عباد الله : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ . فاذكروا الله يذكركم ، واشكروه على نعمه يزدكم ، واستغفروه يغفر لكم ، وأقم الصلاة .



يوم الجمعة 10 / 9 / 1431هـ .
الدكتور صالح بن علي أبو عرَّاد
أستاذ التربية الإسلامية بكلية المعلمين في أبها
ومدير مركز البحوث التربوية بالكلية

عبقور2011
02-25-2011, 04:12 PM
خطبة الجمعة في الجامع الكبير بسبت تنومة يوم الجمعة
8 رجب 1429هـ ، عن " فضل إصلاح ذات البين "
الدكتور صالح بن علي أبو عرَّاد
أستاذ التربية الإسلامية بكلية المعلمين في أبها
ومدير مركز البحوث التربوية بالكلية

















( الخطبة الأولى )
الحمد لله الذي يؤتي المصلحين أجرًا عظيمًا نعمةً منه وفضلاً ، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ بن عبد الله الذي آخى بين المؤمنين ، وسعى إلى التأليف بين قلوب المسلمين ، وعلى آله وصحبه والتابعين ، أما بعد :
فيا أيها الناس : اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة ، واعلموا أن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً ، وأصلحوا ذات بينكم ، واعلموا أن الله تعالى يُحب الصالحين ، ويُجزل الأجر والثواب للمُصلحين الذين يسعون في الأرض للإصلاح بين الناس ، وتأليف قلوبهم ؛ وغرس المحبة في نفوسهم ، فهم بذلك من مفاتيح الخير ومغاليق الشر .
معشر المسلمين : جرت العادة في هذه الحياة الدنيا أن يكون بين الناس بعض المُشكلات والمنازعات ، والخصومات والخلافات التي تكون نتيجةً لاختلاف الآراء والأهواء ، وتباين الرغبات والاتجاهات . ومن الطبيعي أن ينتج عن ذلك الخلاف والاختلاف وقوع الهجر ، وحصول القطيعة ، وانتشار العداوة والبغضاء ، وتفرق الكلمة ، وتشتيت الشمل ، ونحو ذلك مما لا يُحبه الله ولا يرضاه ، ولاسيما بين الإخوان والأقارب والجيران .
أما أسباب ذلك فكثيرةٌ ومختلفة ؛ إذ إن منها ما يكون لاختلاف المصالح والمنافع ، ومنها ما يكون راجعًا للحقد والحسد ، ومنها ما يرجع سببه إلى كيد الشيطان ومكره ( أعاذنا الله منه ) ، ومنها ما يكون نتيجةً لحديث النفس الأمارة بالسوء ، ومنها ما ينتجُ عن الهوى المضل عن سبيل الله ، ومنها ما يكون بسبب الشُح المهلك ، أو بسبب الغيبة والنميمة المفسدة ، ومن الأسباب اشتباه الأمور وعدم وضوح الرؤية ، ومنها التحريش بين الناس ، إلى غير ذلك من الأسباب والمُسببات الكثيرة ، التي قد تأتي متفرقةً أو مجتمعة ، والتي يحصل لأجلها الخلاف والفُرقة ، وتقع بسببها الفتن والمحن ، وتنتشر نتيجةً لها القطيعة والبغضاء بين الناس ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
وليس هذا فحسب ، فإن من المصائب التي قد تترتب على تلك الفُرقة والقطيعة ، والهجر والخصام ، ما نراه من صور العداوة والبغضاء بين الأخ وأخيه ، والقريب وقريبه ، والصاحب وصاحبه ، والأب وابنه ، والرجل وزوجته ، فربما هجر الولد أباه ، والأخ أخاه ، وربما آذى الجارُ جارَه ، وربما خوَّن الشريك شريكه ، وربما نتج عن ذلك تفرق الجماعة الواحدة ، وتشتت الكلمة ، وضياع الكثير من الحقوق والواجبات ،الأمر الذي تكون نتيجته - والعياذ بالله - أن يدب الخلاف بين الناس ، وتشتد الخصومة بينهم ، وتفسد النيات ، وتتغير القلوب ، وتتدابر الأجسام ، وتعبس الوجوه ، وتتناكر الأنفس ، وتتهاجى الألسن إلى غير ذلك مما لا تُحمد عقباه من الأقوال والأفعال ، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم .
إخوة الإيمان : إن الأمر خطيرٌ جدًا ، ولو أن خطورته تقف عند هذا الحد من السوء ، لكان هينًا ولكن الفُرقة والخصام ، والتقاطع والهجر ، والغضب والشحناء بين المسلمين ، تكون - والعياذ بالله - سببًا رئيسًا في عدم قبول أعمالهم عند الله تعالى ، والحيلولة دون المغفرة لهم ما داموا مختصمين ، فقد جاء في الحديث الصحيح عند الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
" تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس ، فيغفر لكل عبد لا يُشرك بالله شيئا ، إلا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء ، فيقال :أنظروا هذين حتى يصطلحا " .
من أجل ذلك كله ، فقد اهتم ديننا الإسلامي العظيم بإصلاح ذات البين ، وحرص على المحافظة الدائمة والمُستمرة على وحدة المسلمين ولم شملهم ، والعمل على سلامة قلوبهم وصلاح أحوالهم ، ولذلك جاءت تعاليم الدين وتربيته الإسلامية السامية داعيةً إلى الإصلاح بين المُتخاصمين والتوفيق بينهم ، والاجتهاد في الدعوة إلى الخير ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هذا الشأن ، وما ذلك إلا لأن الإصلاح بين الناس يُعد من أعظم القُربات ، وأجل الطاعات ، وأفضل الصدقات ، فالمصلح بين الناس له أجر عظيم ، وثوابٌ كريم ، إذا كان يبتغي بذلك مرضاة الله تعالى وصلاح أمور المسلمين وأحوالهم ، بل إن أجره كما جاء في الحديث الشريف يفوق أجر وثواب الصائم القائم ، المشتغل بخاصة نفسه ، فقد جاء في الحديث الصحيح عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام ، والصلاة ، والصدقة ؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : إصلاح ذات البين ، وفساد ذات البين هي الحالقة " . ومعنى الحالقة : أي تحلق الدين .
وجاء في حديثٍ آخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الإصلاح بين المسلمين المتخاصمين يُعد من الصدقات التي ينبغي أن يتقرب بها المؤمن كل يومٍ إلى ربه جل في عُلاه ؛ فقد صحَّ عند الإمام البُخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
" كل يومٍ تطلع فيه الشمس تعدلُ ( أي تُصلحُ ) بين اثنين صدقة " .
كما جاء في حديثٍ آخر عن عبد الله بن عمرو ( رضي الله عنهما ) أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن أفضل الصدقة إصلاح ذات البين " .
فيا إخوة الإيمان : أصلحوا ما بينكم وبين الله سبحانه يصلح الله ما بينكم وبين من حولكم ، واحذروا أسباب الشحناء والبغضاء تعيشوا - بإذن الله - سالمين من الهم والقلق والحزن .
ويا أخي المسلم ، اعلم - بارك الله فيك - أنك مطالبٌ بالصفح والعفو عمن أساء إليك ، وإذا ما حصل بينك وبين أخيك ، أو صاحِبِك ، أو جارِك بعض الخلاف ثم جاء إليك معتذرًا عن خطأٍ حصل منه أو تقصيرٍ أو نحو ذلك ؛ فأقبل معذرته ببشرٍ وطلاقة ، وكن معينًا له على الخير ، ولا تجعل للشيطان فرصةً يدخل منها بينكما ، فإنه لا يدخل إلاّ بالشر والفساد والفتنة . وتذكّر قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه : " أعقل الناس أعذرهم لهم " .
وقد جاء في بعض كتب أهل العلم أن الحسن بن علي بن أبي طالبٍ - رضي الله عنهما - قال : " لو أن رجلا شتمني في أذني هذه ، واعتذر إليَّ في أذني الأخرى ، لقبلت عذره " .
عباد الله : أقول هذا ونحن جميعًا في بداية موسمٍ جرت العادة أن يلتقي فيه الأهل والإخوان ، والأحباب والأصحاب ، وأن تكثر فيه المناسبات واللقاءات التي تحتاج منا إلى أن نعمل بهدي سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم ، الذي علّمنا وأرشدنا وحثنا على أن نعفو عن الآخرين ، وأن نُبادر بالصفح عن أخطائهم ، وأن نتجاوز عن تقصيرهم ، وأن نصطلح معهم ، ولاسيما أن الصلح خيرٌ ولا يأتي إلا بخير .
وكم هو مؤسفٌ ومُحزن أن نجد بين أبناء المسلمين من سادت الخصومة وكثُرت المنازعات بينهم ، وغلب الجفاء والقطيعة على تعاملاتهم بين بعضهم ، فهذا أخٌ لا يُسلم على أخيه من أمه وأبيه ، وهذا جارٌ لا يدخُل منزل جارِه ، وهذا ابن عمٍ في شقاقٍ دائمٍ ونزاعٍ مستمرٍ مع أهله وأقاربه ، وهناك أزواجٌ قاطعوا زوجاتهم وأبناءهم وهجروا بيوتهم إلى غير رجعة .
وليس هذا فحسب ، فهناك الكثير من المناظر الاجتماعية المؤلمة ، والحوادث اليومية المحزنة التي يرجع السبب فيها إلى أننا غفلنا جميعًا عن واجب الإصلاح بين الناس ، وأصبح كلَّ واحدٍ منا مهتمًا بأمر دنياه ، ومُنساقًا خلف ملذات الحياة ومادياتها ؛ فلا يسأل عن قريبٍ ، ولا يهتم بذي رحم ، ولا يهمه إلا نفسه .
فاتقوا الله أيها المؤمنون ، واعلموا أن سُبل الإصلاح كثيرةٌ جدًا ، وطُرق التوفيق بين المسلمين مُمكنةٌ ومتاحة ، وبخاصةٍ إذا صلُحت النيات ، وقويت العزائم ، وحسُنت المقاصد . وعليكم بارك الله فيكم بالجد والاجتهاد في الإصلاح بين إخوانكم عند الاختلاف ، والتوسط بينهم عند حصول النزاع والفُرقة ، وإياكم أن تتركوهم للشيطان وجندَّه من قرناء السوء ، ورفاق الباطل .
واعلموا بارك الله فيكم أن واقعنا المُعاصر يفرض علينا أن يكون في كل مدينةٍ وقريةٍ ، وفي كل قبيلةٍ وجماعة مُصلحين من أهل العلم ، والعقل ، والحكمة ، والروية ، وأصحاب المنزلة الاجتماعية وبُعد النظر ليقوموا بمهمة الإصلاح بين الناس ، والتقريب بينهم ، وحل مُشكلاتهم ، وتذكيرهم بما هم فيه من النعم التي يأتي من أعظم صور شكرها والحفاظ عليها أن تسود المحبة والأُلفة والمودة بين أبناء المجتمع ، فلا خلاف ولا شقاق ولا نزاع ولا بغضاء .
أقول قولي هذا ، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ ، فاستغفروه ؛ إنه هو الغفور الرحيم .

الخطبة الثانية
الحمد لله الكبير المتعال ، الذي تفرّد بالجمال والجلال والكمال ، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ بن عبد الله كريم الصفات وشريف الخصال ، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم المآل .
أما بعد ؛ فاتقوا الله عباد الله في السر والعلن ، واحرصوا - بارك الله فيكم - على سلامة السرائر واجتماع القلوب ، وراقبوا مولاكم الذي وصف نفسه بعلام الغيوب .
عباد الله : يقول بعض أهل العلم من سلفنا الصالح : " إن الهلاك لا ينزل بقوم فيهم المصلحون " ، وفي هذا القول إشارةٌ جميلةٌ ينبغي أن نعرفها ، وأن نقف معها حتى نستوعبها ، وتتمثل هذه الإشارة في أن هناك فرقًا بين ( المصلح ) و ( الصالح ) ، وأن لكلٍ منهما معنى يخصه ، فشتّان بين الإنسان ( الصالح ) الذي يكون صلاحه لنفسه ، فهو صالحٌ في عبادته وقوله وعمله ونيته وسره وعلنه ، ولكن صلاحه محصورٌ في حدود نفسه ، ولا يتعدى نفعه إلى غيره ، وفرقٌ بين الإنسان ( المصلح ) الذي هو صالح في نفسه ، ولكنه إلى جانب ذلك يسعى للإصلاح في المجتمع الذي يعيش فيه فيتعدى نفعه إلى غيره ، وبذلك يكون المصلح أَعَمُّ وأشمل وأنفع من الصالح في نفسه ؛ لأن المصلح يسعى ويعمل جاهدًا لإصلاح الناس وصلاح شؤون حياتهم حتى تستقيم الأمور كما أمر الله عز وجل ، بأن يدعو إلى الله جل جلاله ، ويأمر بالمعروف ، وينهى عن المنكر ، ويهمّه أمر المسلمين بعامة .
وإلى هذا المعنى يُشير بعض أهل العلم عند شرحهم لقوله تعالى : { وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ } ( سورة هود : الآية 117 ) ، فالله سبحانه وتعالى لم يقل : ( وأهلها صالحون ) ، وإنما قال ( وأهلُها مُصلحون ) ، وهذا يعني أن هناك فرقًا بين الصالح والمُصلح . جعلني الله وإياكم من الصالحين المُصلحين .
أما هؤلاء الموفقين من الناس الذين يحبون أن يكونوا مصلحين ، فعليهم أن يحتسبوا أجرهم على الله سبحانه ، وأن يكون عملهم خالصًا لوجه الله تعالى ، وألاّ يريدوا به الرياء و السمعة ، أو الحصول على عبارات الثناء والمدح من الآخرين ، وأن يَكون سعيهم في عملية الإصلاح بين المتخاصمين بالقول الطيب ، والأخبار السَّارَّةِ ينقلونها بينهم ، ويحملونها إليهم ، حتى يمكنهم ذلك بإذن الله تعالى من الجمع بين الأطراف المتخاصمة ، والتقريب بين وجهات النظر المختلفة .
وعلى المصلحين أن يعلموا أن مهمة الإصلاح بين الناس مهنة العُظماء وهواية الشُرفاء ، وأنها مهمةٌ ليست باليسيرة ، ولا يتصدى لها إلا من وفقه الله تعالى لهذا الخير العظيم الذي يسوقه جل جلاله لمن شاء من عباده ، وفي ذلك يقول الله سبحانه وتعالى :{ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا } ( سورة النساء : 114 ) .
فيا أيها المسلمون ، ليكن لكل واحدٍ منا حظٌ ونصيبٌ من هذا الشرف العظيم ، وليحرص كل فردٍ أن يكون من أهل الصلاح والإصلاح ، أسأل الله تعالى أن يجعلنا من الصالحين المصلحين ، وأن يوفقنا جميعًا لصالح القول والعمل والنية ، وأن يجعلنا ممن يستعملهم في طاعته ، وأن نكون مفاتيح للخير ومغاليق للشر ، إنه على كل شيءٍ قدير .
هذا وصلّوا وسلِّموا - رحمكم الله - على الحبيب المصطفى ، فقد أمركم بذلك ربكم جل وعلا فقال : { إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْه وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } ( سورة الأحزاب : الآية 56 ) .
اللهم أعز الإسلام والمُسلمين ، ودمِّر أعداء الملة والدين ، واكفنا اللهم وإخواننا المسلمين في كل مكانٍ من كيد الكائدين ، ومكر الماكرين ، وحسد الحاسدين ، وفساد المُفسدين .
اللهم أغفر لنا وارحمنا ، وأغفر اللهم لآبائنا وأمهاتنا ، وأبنائنا وبناتنا ، وإخواننا وأخواتنا ، وأزواجنا وزوجاتنا ، وأحيائنا وأمواتنا .
اللهم لا تدع لنا في مقامنا هذا ذنبًا إلا غفرته ، ولا همًا إلا فرجته ، ولا كربًا إلا نفّسته ، ولا دينًا إلا قضيته ، ولا مريضًا إلا شفيته ، ولا مُبتلى إلا عافيته ، ولا أمرًا عسيرًا إلا يسرته ، ولا غائبًا إلا رددته ، ولا حاجةً من حوائج الدنيا هي لك رضى ولنا فيها صلاحٌ إلا أعنتنا على قضائها يا رب العالمين .
اللهم إنك ترى ما نحن فيه من الشدة ، وتعلم ما نحن في حاجةٍ إليه من رحمتك ، فلا تحرمنا فضلك يا واسع الفضل ويا كريم العطاء ، اللهم يا مغيث أغثنا ، اللهم يا مُغيث أغثنا ، اللهم يا مُغيث أغثنا ، اللهم أنزل علينا الغيث ، واجعل ما أنزلته قوةً لنا على طاعتك ، وسبيلاً إلى المزيد من رحمتك .
عباد الله : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ . فاذكروا الله يذكركم ، واشكروه على نعمه يزدكم ، واستغفروه يغفر لكم ، وأقم الصلاة ....

عبقور2011
02-25-2011, 04:14 PM
خطبة الجمعة في الجامع الكبير بسبت تنومة
يوم الجمعة 12 ذي الحجة 1428هـ .
الدكتور صالح بن علي أبو عرَّاد
أستاذ التربية الإسلامية بكلية المعلمين في أبها
ومدير مركز البحوث التربوية بالكلية
( الخطبة الأولى )
الحمد لله الذي يُنعم على عباده بالخيرات والمسرات ، ويوالي على عباده مواسم الخير والطاعات ، ليزيدهم من الحسنات ، ويرفع لهم الدرجات ، ويمحو عنهم الخطيئات . والصلاة والسلام على نبينا وحبيبنا محمدٍ بن عبد الله الذي شرح الله له صدره ، ووضع عنه وزره ، ورفع له ذكره ، وأعلى له قدره صلى الله عليه وسلم ، وعلى آله الأخيار ، وصحابته الأطهار ، ما تعاقب الليل والنهار . أما بعد ؛
فالله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر كبيرًا ، والحمد لله كثيرًا ، وسبحان الله بُكرةً وأصيلاً .
أيها الناس : أهنئكم ونفسي بمناسبة العيد السعيد ، وكلُ عامٍ ونحن جميعًا وأمة الإسلام والمسلمين في خير ورشاد ، وهدايةٍ و سداد . ونسأل الله تعالى أن يجعل أيامنا كلها أعيادًا ، وأن يرزقنا فيها فعل الطاعات ، وترك المنكرات ، والاستزادة من الحسنات .
عباد الله ، اتقوا الله تعالى ، وأعلموا أن مواسم الخير تمُر بنا مرورًا سريعًا حتى أننا لا نكاد نشعر بمرورها وانقضائها ، وتذكّروا - بارك الله فيكم - أن السعيد من وفقه الله تعالى إلى اغتنام هذه المواسم بالطاعات والقُربات ، والإكثار من العمل الصالح والقول الصالح والنية الصالحة .
عباد الله : لقد مرّت على المسلمين في الأيام الماضية مناسبةٌ عظيمةٌ ربح فيها من ربح وخسر فيها من خسر . وإذا كانت قد طويت صحائف الأعمال فيها وطويت معها صفحاتٌ من أعمارنا ؛ فإن علينا جميعًا أن نقف مع أنفسنا وقفة محاسبةٍ ومُراجعة ، لنرى ما قدمته أيدينا فيها ، فإن كان لنا فيها رصيدٌ من العمل الصالح ، والقول الطيب ، والطاعات والحسنات حمدنا الله تعالى وشكرناه وسألناه التكرم بقبولها والتوفيق إلى مزيد من الخير ، وإن كان غير ذلك من الخطايا والمعاصي والآثام والذنوب والتقصير ، وجب علينا أن نستغفر الله تعالى ، وأن نتوب إليه ، وأن نحرص على تدارك الموقف بالإكثار من الحسنات التي قال فيها الحق سبحانه : { إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ } ( هود: من الآية 114) .
وجاء في مسند الإمام أحمد عن أبي ذرٍ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له :
" اتق الله حيثُما كنت ، واتبع السيئة الحسنة تمحُها ، وخالق الناس بخُلُقٍ حسن " .
وليعلم المسلم أن حياة الإنسان فرصةٌ ثـمينةٌ ، فكان عليه أن يغتنمها في مرضاة الله سبحانه وطاعته والتقرب إليه ، لأن العمل الصالح والقول الصالح والنية الصالحة ليس لها موسمٌ محدَّد ، ولا مناسبةٌ معينة ، وأوامر الشرع وتعاليم الدين جاءت عامةً في كل زمانٍ ومكان ، وفي كل وقتٍ وحين . وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي روي عن ابن عباس ( رضي الله عنهما ) أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لرجل و هو يعظه :
" اغتنم خمسا قبل خمس ، شبابك قبل هرمك ، و صحتك قبل سقمك ، و غناك قبل فقرك ، و فراغك قبل شغلك ، و حياتك قبل موتك " .
فيا أيها الناس ، اتقوا الله تعالى وأصلحوا أعمالكم يُصلح الله أحوالكم ، ويُبارك في أرزاقكم ، ويُحسن خاتمتكم ، ويُصلح عاقبتكم ، ويُعظِّم مثوبتكم ، قال سبحانه : { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً } ( الكهف :30 ) .
معاشر المسلمين ، جاء في ( شعب الإيمان ) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فقال : " يا أيها الناس ، إن لكم علمًا فانتهوا إلى علمكم ، و إن لكم نهايةً فانتهوا إلى نهايتكم ؛ فإن المؤمن بين مخافتين :
بين أجل قد مضى لا يدري كيف صنع الله فيه ، و بين أجلٍ قد بقي لا يدري ما الله قاضٍ فيه ، فليتزود المرءُ لنفسه من نفسه ، و من دنياه لآخرته ، و من الشباب قبل الهرم ، ومن الصحة قبل السقم ، فإنكم خُلقتم للآخرة ، و الدنيا خُلقت لكم . والذي نفسي بيده ما بعد الموت من مُستعتبٍ ، و ما بعد الدنيا دارٌ إلا الجنة أو النار " .
لا دار للمرء بعد الموت يسكنها *** إلا التي كان قبل الموت يبنيها
فإن بناها بخيـر طـاب مسكنه *** وإن بنـاها بشـرٍ خـاب بانيهــا
وجاء عن أبي بكرٍ الصديق رضي الله عنه أنه قال في إحدى خُطبه : " إنكم تغدون وتروحون إلى أجلٍ قد غُيبَ عنكم ، فإن استطعتم أن لا يمضي هذا الأجل إلا وأنتم في عملٍ صالحٍ فافعلوا " .
يا راكضًا في ميادين الهوى مرِحًا *** ورافــلاً فــي ثيـــاب الغـيِّ نشـوانـا
مضى الزمان و ولى العمر في لعبٍ *** يكفيك ما قد مضى قد كان ما كانا
كما ورد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : " أيها الناس : حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا ، وزِنوها قبل أن توزنوا ، وتأهبوا للعرض الأكبر على الله ، ثم قرأ قوله تعالى : { يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ } ( الحاقة : 18 ) .
فيا عباد الله ، إن من الواجب علينا جميعًا أن نقوِّم حياتنا بعد هذه المناسبة ، وأن نرى هل تركت العبادات والطاعات فيها آثارًا واضحةً في حياتنا ؟
وأن نسأل أنفسنا ماذا خرجنا به من تلك الأيام العظيمة التي أنعم الله ( جل جلاله ) علينا فيها بالصحة ، والعافية ، والسلامة ، وكثيرٍ من النعم التي لا تُعد ولا تُحصى .
وأن نعلم أن مواسم الخير والطاعات تفرض علينا أن يكون هناك تغيرٌ شاملٌ وتبدلٌ كاملٌ في مجريات حياتنا بأن نستيقظ من الغفلة ، وأن نبادر إلى الاستقامة ، وأن نحرص على الطاعة وكثرة الاستغفار ، فقد قال بعض أهل العلم : إن الله تعالى قد شرع لعباده كثرة الاستغفار بعد انتهاء العبادات والطاعات ، وبعد انقضاء مواسم الخيرات ليجبُر به النقص وليسُد الخلل .
فهنيئًًا لمن وجد في صحيفته استغفارًا كثيرًا ، وهنيئًا لمن علم أن الأعمال بالخواتيم ، وهنيئًا لمن استدرك عمرًا ضاع أوله ، فحرص واجتهد في تعويض ما فات وتحصيل الأجر والثواب فيما بقي .
واعلموا رحمكم الله أننا سنودع عما قريبٍ عامًا مضى من أعمارنا ، ونستقبل عامًا جديدًا نسأل الله تعالى أن يجعله عام خيرٍ وبركةٍ ونصرٍ وتوفيق وصلاحٍ في الدين والدنيا لأُمة الإسلام في كل مكان . كما نسأله - جل في علاه - أن يجعل يومنا خيرًا من أمسنا ، وغدنا خيرًا من يومنا .
أعوذ بالله العلي العظيم من الشيطان الرجيم : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ } ( فاطر : 5 ) .
بارك الله لي ولكم في القرآن الكريم ، ونفعني وإياكم بهدي سيد المرسلين . أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنبٍ فاستغفروه ، إنه هو الغفور الرحيم .

( الخطبة الثانية )
الحمد لله العزيز الغفار ، والصلاة والسلام على نبينا محمد المختار ، وعلى آله الأخيار ، وصحابته الأطهار ، وبعد :
فتختلف المفاهيم وتتباين الآراء بين الناس في كثير من شؤون ومجريات الحياة ، ولعل ذلك راجع إلى اختلاف الناس في طباعهم وثقافاتهم ومستوى فكرهم ووعيهم ، ولو أخذنا موضوع النظافة لعلمنا أنه من الأمور المختلف فيها ، فالمقصود بالنظافة لا يعتمد على نظافة الملبس فقط ، ولا على نظافة المسكن ومكان المعيشة ، ولا على نظافة وجمال الشكل الظاهري وحده ، ولكنه يختلف في التقدير من شخصٍ لآخر ، ومن مجتمعٍ إلى مجتمع آخر .
فمتى يمكن أن يوصف الإنسان بأنه نظيف؟!
إن ذلك أمرٌ مُختلفٌ فيه عند الكثير من الناس ؛ إلا أن المقياس الحقيقي لنظافة الإنسان المسلم الشخصية يمكن أن نتعرف عليه من هدي وسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم ، التي بينت في أكثر من موضعٍ من كتب السنة ما ينبغي أن يكون عليه حال الإنسان المسلم الطاهر النظيف حسياً ومعنوياً؛ فإذا كان الإنسان ( ذكراً أو أُنثى ) يتوضأ لكل صلاة على مدار اليوم والليلة .
وإذا كان ينظف أسنانه وفمه بالسواك أو نحوه من المُنظفات .
وإذا كان يقص أظفاره كلما طالت حتى لا تجتمع تحتها الأوساخ والقاذورات .
وإذا كان محافظاً على قص شاربه متى طال حتى لا يعلق به شيء من بقايا الطعام .
وإذا كان يغسل شعر رأسه ويعتني به ويُقَصِّرُه أو يحلقه إذا طال .
وإذا كان يُحافظ على الاغتسال مرةً في الأسبوع على الأقل .
وإذا كان يحرص على الطيب والروائح الطيبة ، وبخاصةٍ في يوم الجمعة وعند أداء الصلوات .
وإذا كان يُراعي نظافة وجمال ملبسه ومظهره العام حتى يبدو كالشامة بين الناس .
وإذا كان يهتم ويعتني بنظافة مسكنه ومركبه ومقر عمله بين وقت وآخر ؛ فهو نظيفٌ إن شاء الله تعالى ؛ لأن كل هذه الصور السلوكية تعني إدراكه لمعنى النظافة الحسية ، واهتمامه بها ، ومحافظته عليها .
أما إذا كان الحال غير ذلك كأن نرى أناساً قد طالت أظفارهم بشكلٍ مزعجٍ ومُفزع حتى أصبحت كالمخالب . وآخرين تنبعثُ منهم الروائح الكريهة المنتنة سواءً من أبدانهم المتسخة ، أومن ملابسهم القذرة .
وإذا كان هناك من الناس من لا يُرون إلا ثائري الرؤوس منفوشي الشعر . وآخرين لا تستطيع النظر إلى أسنانهم التي تراكمت عليها الأوساخ وبقايا الأطعمة بشكلٍ مؤذٍ ومُؤسف ؛ فليس ذلك من النظافة ، ولا يمكن أن يتفق أو يليق بشخصية الإنسان المسلم ، ولا يمكن أن يتناسب مع منزلته الكريمة التي خلقه الله عليها ليكون في أحسن تقويم وأجمل صورة .
فيا إخوة الإسلام ، عليكم ( بارك الله فيكم ) بالحرص الدائم على نظافة الأبدان ، وجمال الهيئة ، وحسن المظهر ، وليكن لكم في هدي النبي صلى الله عليه وسلم وتربيته النبوية خير قدوةٍ تقتدون بها ؛ فالنظافة كما نعرف جميعاً من علامات الإيمان ، والمحافظة عليها فضيلةٌ في كل زمان ومكان .
وفقنا الله وإياكم لكل هديٍ رشيدٍ ، ونهجٍ سديدٍ ، ورزقنا جميعًا نظافة الظاهر وطهارة الباطن حتى نكون ممن قال الله تعالى فيهم : { إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ } ( سورة البقرة : من الآية 222) .
هذا وصلّوا وسلِّموا - رحمكم الله - على الهادي البشير ، والسراج المنير ، كما أمركم بذلك اللطيف الخبير ، فقال جلَّ من قائل : { إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْه وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } ( سورة الأحزاب : الآية 56 ) .
اللهم يا من لا يُسأل غيره ولا يُرتجى سواه ، وفقنا إلى خير الدعاء ، وجميل القول ، وصالح العمل ، وأهدنا وسدّدنا ، وأعطنا ولا تحرمنا .
اللهم أعز الإسلام والمُسلمين ، ودمِّر أعداء الملة والدين ، واكفنا اللهم بأمرك كيد الكائدين ، ومكر الماكرين ، وحسد الحاسدين . وحقد الحاقدين ، وشماتة الشامتين ، وظلم الظالمين .
اللهم يا رحمن يا رحيم أغفر لنا وارحمنا . وأغفر اللهم لآبائنا وأمهاتنا ، وأبنائنا وبناتنا ، وإخواننا وأخواتنا ، وأزواجنا وزوجاتنا ، وأحيائنا وأمواتنا .
اللهم يا من تهب الكثير وتقبل باليسير ، تقبّل منا ، وتجاوز عنا ، واجعلنا من عبادك الذين لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون .
اللهم يا عظيم العفو ، يا واسع المغفرة ، يا قريب الرحمة ، يا ذا الجلال والإكرام ، هب لنا العافية والسلامة في الدنيا ، والعفو والمغفرة في الآخرة .
اللهم أحفظ علينا نعمة الأمن والإيمان ، ولا تُبدل أمننا خوفاً ورُعبا وفزعًا، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ، أبداً ما أبقيتنا .
اللهم افتح لدعائنا باب القبول والإجابة ، وارحمنا وارحم أمواتنا ، واغفر لنا ولوالدينا ، ولوالدي والدينا ، ولمن له حقٌ علينا ، وصل اللهم وسلم على سيدنا ونبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين .
عباد الله : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ .
فاذكروا الله يذكركم ، واشكروه على نعمه يزدكم ، واستغفروه يغفر لكم ، وأقم الصلاة ....




صا

عبقور2011
02-25-2011, 04:30 PM
خطبة الجمعة في الجامع الكبير بسبت تنومة
يوم الجمعة 21 / 6 / 1428هـ
الدكتور صالح بن علي أبو عرَّاد
أستاذ التربية الإسلامية بكلية المعلمين في أبها
ومدير مركز البحوث التربوية بالكلية

الخطبة الأولى
الحمد لله الذي خلق الإنسان وعلّمه ما لم يعلم ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، فضَّلَ العلم والعُلماء ، ورفع منزلتهم في الدنيا والآخرة . وأشهد أن محمداً رسول الله الذي أرسله الله إلى الناس كافةً بشيراً ونذيراً ، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً ، صلى الله عليه وعلى آله الأطهار ، وصحابته الأخيار ، وسلّم تسليماً كثيراً . أما بعد :
فيا أيها الناس اتقوا الله تعالى ، وتفقهوا في علوم الدين الذي شرَّفكم الله بأن جعله دينكم ؛ واعلموا أن من يُرِد الله به خيراً يُفقهه في الدين . وعليكم بطلب العلم فإن العلم نورٌ وهدى ، وهو سبيل الجلال والجمال والكمال لصاحبه في الدنيا والآخرة متى عرف به الحق وعمل به في الخير . وإياكم والجهل فإنه ظُلمةٌ وشقاءٌ لصاحبه في الدين والدنيا والآخرة .

= إخوة الإيمان : اطلبوا العلم فإن العُلماء ورثة الأنبياء . اطلبوا العلم فإنه زينةٌ لصاحبه في دينه ودُنياه وآخرته .اطلبوا العلم يكن لكم شفيع خيرٍ يوم الدين ؛ ولسان صدقٍ في الآخرين .
عباد الله : عنوان خُطبة اليوم : " حوارٌ بين عالمين " ، وسنتحدث فيها عن مُحاورةٍ علميةٍ جرت بين عالمٍ ربانيٍ مسلمٍ يدعو إلى الله تعالى على علمٍ وبصيرة ، وعالمٍ ضالٍ غير مُسلمٍ صدَّ عن الحق ، وأعرض عن الحقيقة ( والعياذ بالله ) حتى أُقيمت عليه الحُجة بالعلم والهدى .
فقد جاء في بعض كتب أهل العلم أن عالماً مُسلماً كان يعيش في مدينةٍ يسكن فيها بعض النصارى الذين لم يدخلوا في الإسلام ، وكانوا لا يزالون على دينهم الباطل المُحرَّف ؛ الأمر الذي رأى معه هذا العالم المسلم أن عليه واجب دعوتهم إلى دين الله الحق ، فقرّر أن يذهب إليهم وأن يدعوهم إلى الإسلام ، وأن يُحاورهم إذا لزم الأمر حتى يظهر الحق وتُقام عليهم الحُجة ؛ فلعلهم بعد ذلك يُسلمون ويدخلون في دين الله تعالى فيُنقذون أنفسهم بذلك من النار والعياذ بالله .
وفي ليلةٍ من الليالي كان هؤلاء النصارى يحتفلون في إحدى كنائسهم ، فرأى العالم المُسلم أن الوقت ملائمٌ ومناسبٌ للذهاب إليهم في عُقر دارهم ، وتنفيذ ما كان قد عزم عليه ؛ فما كان منه إلا أن استعان بالله وحده ودخل كنيستهم ، فلما رأوه عرفوه وأخبروا كبيرهم الذي سأله عن سبب وجوده بينهم وهو مسلمٌ وهم نصارى ، فقال له العالم المسلم : أتيت لأدعوكم إلى الدخول في دين الله الإسلام .
فقال كبيرهم بعد أن تشاور مع من حوله : يا مُسلم ، إني سائلُك عن أشياء ، فإن أجبت عنها كُلها أجبناك إلى ما جئت تدعو إليه ، وإن لم تُجب عن واحدٍ منها ضربنا عنقك . فاستعان العالم المسلم بالله تعالى وقال : سل ما بدا لك .

وهنا وجه كبير النصارى له الأسئلة التالية :
= من هو الواحد الذي لا ثاني له ؟
= وما هما الاثنان الذي ليس لهما ثالث ؟
= وما هي الثلاثة التي لا رابع لها ؟
= وما هي الأربعة التي لا خامس لها ؟
= وما هي الخمس التي لا سادس لها ؟
= وما هي الستة التي لا سابع لها ؟
= وما هي السبعة التي لا ثامن لها ؟
= ومنهم الثمانية الذين لا تاسع لهم ؟
= ومنهم التسعة الذين لا عاشر لهم ؟
= وما هي العشر التي ليس لها حادي عشر ؟
= ومنهم الأحد عشر ؟
= وما هي الاثنا عشر ؟
= ومنهم الثلاثة عشر ؟
= وما هو الدين الذي لا يقبل الله غيره ؟
= وما هي غِرَاسُ الجنة ؟
= وما هي صلاة كل شيء ؟
= وما أحب كلمةٍ إلى الله تعالى ؟
= ومنهم الأربعة الذين فيهم الروح ولم يكونوا في الأصلاب ولا الأرحام ؟
= ومن هو الرجل الذي لا أب له ؟
= ومن هو الرجل الذي لا أُمَّ له ولا أب ؟
= وما هو الموضع الذي لا قِبلة له ؟
= وما هو القبر الذي سار بصاحبه ؟
= وما هي البُقعة التي طلعت عليها الشمس مرةً واحدةً ولم تطلع عليها قبل ذلك ولا بعده ؟
= وما هو الشيء الذي حُرِّم بعضُه و أُحِل بعضُه ؟
= وما هو الشيء الذي بعثه الله وليس من الإنس ولا من الجن ولا من الملائكة ؟
= وما هي الشجرة التي نبتت على إنسان ؟
= وما هي النفس التي خرجت من نفسٍ ولا نسبة بينهما ؟
= وما هو الماء الذي لم ينبع من الأرض ولم ينزل من السماء ؟
= ومن هو النبي الذي نهى الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يعمل عمله ؟
= ومنهم الشهود الذين شهدوا حقاً وهم كاذبون ؟
= ومنهم الشهود الذين شهدوا بالحق فأدخلوا النار ومن شهدوا عليه ؟
= وما هو الجبل الذي ارتفع ثم رجع ؟
= ومن هو الكافر الذي لم تأكل الأرض لحمه ؟
= وما هو الشيءُ الذي على الأرض وهو من الجنة ؟
= ومن هي المرأة التي أوحى الله إليها ؟
= ومن هي الأُم التي لم تولد ؟
= وما هي الأُم التي لم تلد ؟
= وما هو الشيءُ الذي يتنفس ولا روح له ؟
= وما هما الصيدان اللذان صادهما رجلٌ ، فحُرِّم عليه أحدهما وأُحلّ له الآخر ؟
= ومن هو الميت الذي مات ألف شهرٍ ومائتي شهر ؟
= ومنهم الذين سجدوا لغير الله تعالى وهم في فعلهم مُطيعون ؟
وهنا وقف العالم المسلم مُستعينا بالله وحده ليُجيب على هذه الأسئلة ، ثم قال :
= أما الواحد الذي لا ثاني له فالله جل جلاله وتقدست أسماؤه . قال تعالى : { قل هو الله أحد } .
= وأما الاثنان اللذان ليس لهما ثالثٌ فالليل والنهار .
= وأما الثلاثة التي ليس لها رابعٌ فالأديان السماوية ( الإسلام ، والمسيحية ، واليهودية ) .
= وأما الأربعة التي لا خامس لها فالكُتب السماوية ( القرآن الكريم ، والتوراة ، والإنجيل ، والزبور ) .
= وأما الخمس التي لا سادس لها فالصلوات الخمس المفروضة في اليوم والليلة .
= وأما الستة التي لا سابع لها فعدد الأيام التي خلق الله فيها السموات والأرض وما بينهما ، قال تعالى : { ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيامٍ وما مسَّنا من لغُوب } ( سورة ق : 38 ) .
= وأما السبعة التي لا ثامن لها فأيام الأسبوع .
= وأما الثمانية الذين لا تاسع لهم فحملة العرش يوم القيامة ، قال تعالى : {ويحملُ عرش ربك فوقهم يومئذٍ ثـمانية } ( سورة الحاقة : 17 ) .
= وأما التسعة الذين لا عاشر لهم فالتسعة الرهط الذين يُفسدون في الأرض ، وقد ذكرهم الله في قوله تعالى : { وكان في المدينة تسعة رهطٍ يُفسدون في الأرض ولا يُصلحون } ( سورة النمل : 48 ) .
= وأما العشر التي ليس لها حادي عشرة فالليالي العشر التي ذكرها الله تعالى في قوله : { والفجر * وليالٍ عشر } ( سورة الفجر : 1 – 2 ) .
= وأما الأحد عشر فإخوة نبي الله يوسف عليه السلام .
= وأما الإثنا عشر فشهور السنة . قال تعالى : { إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله } ( سورة التوبة : 36 ) .
= وأما الثلاثة عشر فإخوة يوسف عليه السلام وأبوه وأُمه .
= وأما الدين الذي لا يقبل الله غيره دين الإسلام الحنيف ، قال تعالى : : { ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يُقبل منه } .
= وأما غراس الجنة فقول : سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر .
= وأما صلاةُ كُلِ شيءٍ فسبحان الله وبحمده .
= وأما أحب كلمةٍ إلى الله تعالى فكلمة الإخلاص " لا إله إلا الله " .
= وأما الأربعة الذين فيهم الروح ولم يكونوا في الأصلاب ولا الأرحام فهم : ( أدم وحواء عليهما السلام ، وناقة صالحٍ عليه السلام ، وعصا موسى عليه السلام ، وكبشُ إسماعيل عليه السلام ) .
= وأما الرجل الذي لا أب له فنبي الله عيسى بن مريم عليه السلام .
= وأما الرجل الذي لا أُمَّ له ولا أب فأبو البشر آدم عليه السلام .
= وأما الموضع الذي لا قبلة له فسطح الكعبة .
= وأما القبر الذي سار بصاحبه فالحوت الذي التقم نبي الله يونس عليه السلام وسار به في البحر .
= وأما البُقعة التي طلعت عليها الشمس مرةً واحدةً ، ولم تطلع عليها قبل ذلك ولا بعده ، فأرض البحر الذي فلقَه الله تعالى لنبيه موسى عليه السلام ، ومن معه من بني إسرائيل .
= وأما الشيءُ الذي حُرم بعضه وأُحلَ بعضه فهو نهر طالوت الذي قال تعالى في شأنه : { إن الله مُبتليكم بنهرٍ فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غُرفةً بيده } ( سورة البقرة : 249 ) .
= وأما الشيء الذي بعثه الله وليس من الإنس ولا من الجن ولا من الملائكة ، فهو الغراب الذي قال تعالى في شأنه : { فبعث الله غُراباً يبحث في الأرض } ( سورة المائدة : 31 ) .
= وأما الشجرة التي نبتت على إنسان فهي شجرة اليقطين أنبتها الله تعالى على نبيه يونس بن مَتَّى ، قال عز من قائل : { وأنبتنا عليه شجرةً من يقطين } ( سورة الصافات : 146 ) .
= وأما النفس التي دخلت في نفسٍ أُخرى ثم خرجت منها وليس بينهما مناسبةً فيونس بن متى عليه السلام الذي دخل في بطن الحوت وخرج منه بإذن الله ؛ قال تعالى : { فالتقمه الحوت } ( سورة الصافات : 142 ) .
= وأما الماء الذي لم ينبع من الأرض ولم ينزل من السماء ، فالماء الذي نَبَعَ بين أصابع النبي محمدٍ صلى الله عليه وسلم .
= وأما النبي الذي نهى الله النبي محمدٍ صلى الله عليه وسلم أن يعمل مثل عمله فهو نبي الله ( يونس ) عليه السلام حيث قال تعالى : { فاصبر لحُكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت } ( سورة القلم : 48 ) .
= وأما الشهود الذين شهدوا حقاً وهم كاذبون ، فهم المنافقون الذين قال الله تعالى فيهم : { إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون } ( سورة المنافقون :1 ) .
= وأما الشهود الذين هدوا بالحق وأُدخلوا النار ومن شهدوا عليه ، فالجوارح التي تشهد على أصحابها يوم القيامة ، قال الله تعالى في شأنها : { يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون } ( سورة النور : 24 ) .
= وأما الجبل الذي ارتفع ثم رجع فهو جبل الطور الذي قال تعالى في شأنه : { وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظُلةٌ وظنوا أنه واقعٌ بهم } ( سورة الأعراف : 171 ) .
= وأما الكافر الذي لم تأكل الأرض لحمه فقارون عليه من الله ما يستحق .
= وأما الشيءُ الذي على الأرض وهو من الجنة فالحجر الأسود .
= وأما المرأة التي أوحى الله إليها ، فأُم موسى عليه السلام التي قال تعالى في شأنها : { وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه } ( سورة القصص : 7 ) .
= وأما الأُم التي لم تولد فحواء عليها السلام .
= وأما الأُم التي لم تلد فمكة المكرمة ( أم القُرى ) ، قال تعالى : { لتُنذر أُمَّ القُرى ومن حولها } ( سورة الشورى : 7 ) .
= وأما الشيءُ الذي يتنفس ولا روح له فالصُبح الذي قال تعالى في شأنه : { والصُبح إذا تنفس } ( سورة التكوير : 18 ) .
= وأما الصيدان اللذان صادهما رجلٌ فحُرِّم عليه أحدهما وأُحِلَ له الآخر ، فمُحرمٌ صاد صيدين من البر واحدٌ ومن البحر واحد ؛ فالصيد الذي من البَر حرامٌ ، والصيد الذي من البحر حلالٌ .
= وأما الرجل الذي مات ألف شهرٍ ومائتي شهر ثم أحياه الله تعالى فالعُزير عليه السلام ، الذي قال تعالى فيه : { فأماته الله مائة عامٍ ثم بعثه } ( سورة البقرة : 259 ) .
= وأما الذين سجدوا لغير الله تعالى وهم في فعلهم مُطيعون ، فهم الملائكة الكرام حينما أمرهم الله تعالى بالسجود لآدم عليه السلام .
وهنا انتهت أسئلة كبير النصارى ، ونجح العالم المُسلم في الإجابة عليها كلها مستندً في إجاباته كلها على ما جاء في كتاب الله العظيم وسنة رسوله الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ، وجاء دوره في أن يقول ما يشاء ، وهو ما سنعرض له في الخطبة الثانية ( بإذن الله تعالى ) .
أقول قولي هذا ، وأستغفر الله لي ولكم ، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم .

=-=-=-=
الخُطبة الثانية
=-=-=-=

الحمد لله العزيز الغفار ، والصلاة والسلام على نبينا محمد المختار ، وعلى آله الأخيار ، وصحابته الأطهار ، وبعد :
فقد تحدثنا في الخطبة الأولى عن أسئلة عالم النصارى التي وجهها للعالم المُسلم فأجاب عليها كلها بفضل الله تعالى ، وجاء دوره في أن يوجِّه ما شاء من الأسئلة لعالم النصارى ومن معه في الكنيسة ، وهنا قال العالم المسلم :
يا كبير النصارى لقد سألتني فأجبتك ، وإني سائلك سؤالاً واحداً ، فهل ستُجيب عليه ؟
قال عالم النصارى : نعم .
فقال العالم المسلم : ما هو مفتاح الجنة ؟
وهنا سكت عالم النصارى ولم يُجب بكلمة ، فقال له العالم المسلم : ألا تعرفه ؟!
قال عالم النصارى : بلى ، ولكني أخاف من أتباعي . وهنا صاح أتباعه من النصارى : أجب ، ولا تخف .
فقال عالم النصارى : مفتاح الجنة ( شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ) ؛ فلما سمع النصارى عالمهم وكبيرهم يشهد شهادة الحق ، ارتفعت أصواتهم جميعاً وهي تُردد شهادة الحق ، ودخلوا في دين الإسلام جميعاً بعد أن هداهم الله تعالى لذلك على يد هذا العالِم المُسلم الصادق الذي أخلص النية لله سُبحانه في دعوته ، وأصلح القول والعمل فنَّور الله بصيرته ، وأجرى الحق على لسانه ، وهداهم بسببه إلى طريق الحق وسبيل الرشاد .
عباد الله ، إن هذه القصة إنما هي أنموذجٌ لأحد ُعُلماء الإسلام الذين تعلموا العلم لوجه الله تعالى ، فرفعهم الله به ، ونفعهم بما علموه منه ، واستعملهم به في الطاعة ، وفضلهم به على سائر المؤمنين .
= هؤلاء هم العُلماء الذين يُعرفُ بهم الحلال من الحرام ، والحق من الباطل ، والضار من النافع ، والحسن من القبيح .
= هؤلاء هم العُلماء الذين تعلموا في مدرسة محمدٍ صلى الله عليه وسلم ، فكانوا دعاةً للحق ، وهداةً للبشرية ، ومنائر للعلم .
= هؤلاء هم العُلماء الذين قال الله تعالى في شأنهم : { قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون } ( سورة الزمر : 9 ) .
= هؤلاء هم العُلماء الذين تستغفر لهم الحيتان في البحار ، وتخضع لهم الملائكة بأجنحتها رضاً بما يصنعون ، ولذلك فإن علينا أن نحترم العُلماء وأن نُجلّهم ، وأن نقدر لهم منزلتهم السامية الكريمة ، وأن نعود إليهم فيما يُشكل علينا من أمور الحياة ومجرياتها ، وأن نقبل ما يوجهون به ويُرشدون إليه من الخير .
ثم اعلموا - رحمكم الله - أن من أفضل أعمالكم ، وأزكاها عند مليككم ، وأرفعها في درجاتكم ، كثرة صلاتكم وسلامكم على خير الورى ، النبي المصطفى ، والحبيب المُجتبى محمد بن عبد الله الذي أمرنا ربنا جل في علاه بالصلاة والسلام عليه فقال عزّ من قائل :
{ إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْه وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } ( سورة الأحزاب : الآية 56 ) .
اللهم علمنا العلم الصالح النافع المفيد الذي يُقربنا منك ، ومن كل ما تُحبه وترضاه من الأقوال والأفعال والنيات .
اللهم يا من لا يُسأل غيره ولا يُرتجى سواه ، ويا من لا يَردُ من دعاه ، وفقنا إلى خير الدعاء ، وجميل القول ، وصالح العمل ، وأهدنا وسدّدنا ، وأعطنا ولا تحرمنا .
اللهم أعز الإسلام والمُسلمين ، ودمِّر أعداء الملة والدين ، واكفنا اللهم وإخواننا المسلمين في كل مكانٍ من كيد الكائدين ، ومكر الماكرين ، وحسد الحاسدين .
اللهم أغفر لنا وارحمنا ، وأغفر اللهم لآبائنا وأمهاتنا ، وأبنائنا وبناتنا ، وإخواننا وأخواتنا ، وأزواجنا وزوجاتنا ، وأحيائنا وأمواتنا .
اللهم أرحم أموات المسلمين ، وأغفر لهم وتجاوز عنهم ، من عرفنا منهم ومن لم نعرف ، ومن ذكرنا ومن لم نذكر .
اللهم يا عظيم العفو ، يا واسع المغفرة ، يا قريب الرحمة ، يا ذا الجلال والإكرام ، هب لنا العافية والسلامة في الدنيا ، والعفو والمغفرة في الآخرة .
اللهم ارحم ضعفنا ، وتول أمرنا ، وأحسن خلاصنا ، وبلغنا مما يُرضيك آمالنا ، وانصر اللهم إخواننا المسلمين المُستضعفين في كل مكان ، ورد عنهم اعتداء المعتدين ، ومكر الطُغاة والظالمين .
اللهم أهد شباب المسلمين ، وأحفظهم من كل شرٍ يُراد بهم ، وأعزهم بالإسلام ، وأعز الإسلام بهم ، ورُدهم إليك رداً جميلاً .
اللهم افتح لدعائنا باب القبول والإجابة ، وارحمنا وارحم أمواتنا أجمعين ، واغفر لنا ولوالدينا ، ولمن له حقٌ علينا ، وصل اللهم وسلم على سيدنا ونبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين .
عباد الله : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ . فاذكروا الله يذكركم ، واشكروه على نعمه يزدكم ، واستغفروه يغفر لكم ، وأقم الصلاة ...

=-=-=

باشطح7
02-26-2011, 10:32 AM
تشكر عبقور
احسننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننننن نننننننننننننننننننننننننننت

عبقور2011
02-26-2011, 11:16 AM
مشكووووووووووووووووووووووووور أخوي على المروووووووووووووووووووووووووووووووووووووووور

عبقور2011
02-26-2011, 11:28 AM
أحكام لباس المرأة المسلمة وزينتها
دار الوطن


الحمد لله، والصلاة والسلام على نبيه ومصطفاه، أما بعد:



أختي المسلمة:






للناس في دروب الحياة، وشعابها غايات شتى، وأهداف متعددة وآمال متغايرة. فمنهم من يريد المال، فتجده ينفق ساعات عمره وأيامه في جمعه، ولا يبالي أمِنْ حلال أم من حرام. ومن الناس من غايته اللهو واللعب والسفر والتجوال بحثاً عن المتعة أينما وجدت، ومن النساء من غايتها تضييع الوقت وإهدار ساعات العمر فيما يغضب الله عز وجل من مجالس السوء التي فيها الغيبة والنميمة والكذب والاستهزاء بالآخرين، فإذا نُصحت إحداهن قالت: وماذا نفعل، إننا نتسلى ونوسِّع صدورنا !! ومنهنَّ من غايتها الأكل والشرب وقضاء الوطر، ثم إنها لا تعرف شيئاً بعد ذلك عن صلاة ولا صيام ولا صدقة ولا حج، وكأنها تقول بلسان الحال: إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ [المؤمنون:37]، أو تقول: ما الأمر إلا أرحام تٌدفع، وأرضٌ تبلع !!


وهؤلاء جميعاً مآلهم الشقاء، ونهايتهم الحسرة والندم: وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى، قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا، قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى [طه:124-126]. فَأَمَّا مَن طَغَى، وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات:37-39].


أما أنت أيتها الأخت الفاضلة، فغايتك سامية وهدفك نبيل، إن غايتك هي رضا الله عز وجل وعبادته وحده لا شريك له، والنجاة من النار والفوز بالجنة وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات:40-41]. من أجل ذلك – أختي المسلمة – فإنكِ دائماً تتطلعين إلى معرفة أحكام الله عز وجل فيما يخصك من أمور.


وهذه الصفحات سوف نجعلها للحديث عن ضوابط لباس المرأة وزينتها وتحدثها مع الرجال الأجانب، وذلك لأن اللباس والزينة من أعظم الأسلحة التي حوربت بها المرأة – بل الأمة كلها – في هذا العصر، وكان من نتائج ذلك أن تجاوزت كثير من النساء حدود الإسلام في اللباس والزينة بصورة كبيرة – ولهذا التجاوز أسباب منها:


1- أن المرأة مفطورة على حب الحليّ والزينة كما قال تعالى: أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ [الزخرف:18]، ولكن ينبغي أن يكون ذلك وفق الضوابط الشرعية حتى لا يكون سبيلاً إلى معصية.


2- خفة التديُّن واتباع الهوى وعدم مراقبة الله تعالى لدى كثير من النساء.


3- طول الأمل ونسيان أن الموت يأتي بغتة.


4- التعلق بآيات وأحاديث الرجاء والعفو وسعة الرحمة، ونسيان أنه تعالى شديد العقاب.


5- ارتياد المرأة أماكن التجمعات العامة لغير حاجة كالأسواق.


6- الاهتمام بمجلات وبيوت الأزياء.


7- سلبية بعض الأولياء والأزواج، فلا تجد المرأة من أحدهم نصحاً أو إرشاداً أو اعتراضاً على ما ترتديه.


8- سوء عشرة بعض الأزواج لزوجاتهم، وهجرانهم لهن.


9- صديقات السوء.


10- التشجيع والثناء من بعض من لا خلاق لهم.




الفتاوى






سُئل الشيخ عبدالله بن حميد رحمه الله: هل المعنى الحقيقي لكلمة "الحجاب" في الإسلام هو أن لا يظهر من المرأة سوى وجهها ويديها أم هناك معنى أوسع وأعمق لكلمة الحجاب في الإسلام؟


فأجاب: الحجاب في الإسلام بيَّنه القرآن وهو: أن المرأة المسلمة ينبغي أن تكون عفيفة، وأن تكون ذات مروءة، وأن تكون بعيدة عن مواطن الشبه، بعيدة عن اختلاطها بالرجال، الأجانب،هذا هو معنى الحجاب بالإضافة إلى ستر وجهها ويديها عن الرجال الأجانب، لأن محاسنها وجمالها هو في وجهها، والحجاب وسيلة، والغاية من تلك الوسيلة هو محافظة المرأة على نفسها والبقاء على مروءتها وعفافها وإبعادها عن مواطن الشبه، وألا تفتتن بغيرها وألا يفتتن غيرها بها، فإن محاسنها وجمالها كله في وجهها، والله أعلم. [نور على الدرب]



حكم لبس النقاب والبرقع واللثام






سؤال: في الآونة الأخيرة انتشرت ظاهرة بين أوساط النساء بشكل ملفت للنظر، وهي ما يسمى بالنقاب، ففي بداية الأمر كان لا يظهر من الوجه إلا العينان فقط ؛ ثم بدأ النقاب بالاتساع شيئاً فشيئاً، فأصبح يظهر مع العينين جزء من الوجه مما يجلب الفتنة؛ ولا سيما أن كثير من النساء يكتحلن عند لبسه، وهن - أي النساء - إذا نوقشن في هذا الأمر احتججن بأن فضيلتكم قد أفتى بأن الأصل فيه الجواز، فنرجو توضيح هذه المسألة بشكل مفصل وجزاكم الله خيراً؟


الجواب: لا شك أن النقاب كان معروفاً في عهد النبي وأن النساء كنَّ يفعلنه ؛ كما يفيده قوله : في المرأة إذا أحرمت: { لا تنتقب } فإن هذا يدل على أن من عادتهن لبس النقاب، ولكن في وقتنا هذا لا نفتي بجوازه ؛ بل نرى منعه، وذلك لأنه ذريعة إلى التوسع فيما لا يجوز، وهذا أمر كما قال السائل مشاهد، ولهذا لم نفت امرأة من النساء لا قريبة ولا بعيدة بجواز النقاب أو البرقع في أوقاتنا هذه ؛ بل نرى أن يمنع منعاً باتًّا، وأن على المرأة أن تتقي ربَّها في هذا الأمر، وألا تنتقب، لأن ذلك يفتح باب شر لا يمكن إغلاقه فيما بعد. [ابن عثيمين – فتاوى نسائية]



حكم لبس العباءة المطرزة






سؤال: ما حكم لبس العباءة التي في أطرافها أو أكمامها قيطان أو غيره؟


الجواب: محرم حيث إنه يؤدي إلى الفتنة. فيا أختي المسلمة حكِّمي عقلك وفكري ومعِّني في لبسك للعباءة، فهل يُعقل أن تستري الزينة بزينة أخرى، وهل شُرع الحجاب إلا لإخفاء تلك الزينة؟!! فلنكن على بينة من أمرنا. ولنعلم أن أعداء الإسلام يحيكون ضدنا مؤامرة على الحجاب. فيا أيتها المسلمة أنقذي نفسك فإن متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى، فلا تغتري بمالك ولا جمالك، فإن ذلك لا يغني عنك من الله شيئاً !! وأني أنذرك وأحذرك بأن النبي قد عرضت عليه النار ورأى أكثر أهلها النساء، وأنذرك بأن النبي قال في النساء وأنت إحداهن: { اتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء } وأنقذي نفسك من النار، واعلمي أنك أعجز من أن تطيقي عذاب النار، فإن الجبال لو سيرت في النار لذابت، فأين أنت من الجبال الراسيات والصم الشامخات؟ أنقذي نفسك من النار واستجيبي لمنادي الحق، واعلمي أن من ترك شيئاً لله عوَّض الله خيراً منه. وأن الآخرة هي مسعانا وإن طالت الآمال في الدنيا، فماذا تريدين من هذه العباءة المزركشة التي تشترينها بالمئات وأنت توضعين في القبر في كفن من أرخص الأقمشة، فهل تنفعك هذه العباءة في ظلمة القبر؟!! فتذكري نفسك وأنت في هذا الموضع. [الشيخ ابن عثيمين، فتاوى المرأة]



حكم لبس القصير والضيق من الثياب






سؤال: إن بعض الناس اعتادوا إلباس بناتهم ألبسة قصيرة وألبسة ضيقة تبين مفاصل الجسم، سواء كانت للبنات الكبيرات أو الصغيرات. أرجو توجيه نصيحة لمثل هؤلاء.


الجواب: يجب على الإنسان مراعاة المسئولية، فعليه أن يتقي الله ويمنع كافة من له ولاية عليهن من هذا الألبسة، فقد ثبت عنه أنه قال: { صنفان من أهل النار لم أرهما بعد... وذكر نساء كاسيات عاريات، مائلات مميلات، رءوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها.. } [رواه مسلم] وهؤلاء النسوة اللاتي يستعملن الثياب القصيرة كاسيات ؛ لأن عليهن كسوة، لكنهن عاريات لظهور عوراتهن ؛ لأن المرأة بالنسبة للنظر كلها عورة، وجهها ويداها ورجلاها وجميع أجزاء جسمها لغير المحارم.


وكذلك الألبسة الضيقة، وإن كانت كسوة في الظاهر لكنها عري في الواقع، فإن إبانة مقاطع الجسم بالألبسة الضيقة هو تعري. فعلى المرأة أن تتقي ربَّها ولا تبيِّن مفاتنها، وعليها ألا تخرج إلى السوق إلاَّ وهي متبذلة لابسة ما لا يلفت النظر، ولا تكون متطيبة لئلا تجر الناس إلى نفسها فيخشى أن تكون زانية.


وعلى المرأة المسلمة ألا تترك بيتها إلا لحاجة لابد منها، ولكن غير متطيبة ولا متبرجة بزينة وبدون مشية خيلاء، وليعلم أنه قال: { ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء } [متفق عليه]، ففتنة النساء عظيمة لا يكاد يسلم منها أحد. [ابن عثيمين – منار الإسلام]



حكم لبس الكعب العالي ووضع المناكير






سؤال: ما حكم لبس الكعب العالي، وما حكم وضع المناكير؟


الجواب: لبس الكعب العالي محرم ؛ لأنه من التبرج الذي نهى الله عنه بقوله لنساء النبي : وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى [الأحزاب:33]. وأما المناكير فإن كانت المرأة تصلي فلا تستعملها لأنها تمنع وصول الماء إلى ما تحتها ؛ وإن كانت لا تصلي فلا بأس باستعمالها. [ابن عثيميمن – دليل الطالبة المؤمنة]



حكم لبس ما يسمى بـ"الكاب" وحكم لبس "النقاب"






سؤال: انتشر في الآونة الأخيرة لبس (الكاب) والنقاب اللذين يظهران بعض مفاتن المرأة فما حكم لبسه بهذه الطريقة؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً.


الجواب: المرأة عورة وفتنة، وهي أعظم ضرراً من كل الفتن ؛ لقول النبي : { واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء }، ولا شك أن كل لباس يلفت النظر وتحصل به الفتنة فإنه حرام. ومعلوم أن هذا اللباس المعروف بالكاب فيه تشبه بالرجال، وفيه بيان محاسن المرأة ومفاتنها وحجم أعضائها، وكل ذلك من الأدلة على منعه والنهي عنه. وكذلك لبس النقاب الذي تبدي منه المرأة بعض وجهها كالأنف والحاجب والوجنتين، وذلك من أسباب تحديق النظر نحوها، فهو فتنة ووسيلة إلى الفساد، فهو حرام لما يسببه من الشرور والمنكرات. والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. [ابن جبرين – وقفات مع فتيات]



حكم التبرج أمام النساء






سؤال: شوهد أخيراً في مناسبات الزواج قيام بعض النساء بلبس الثياب التي خرجن بها عن المألوف في مجتمعنا، معللات بأن لبسها إنما يكون بين النساء فقط وهذه الثياب فيها ما هو ضيق يحدد مفاتن الجسم، ومنها ما هو مفتوح من أعلى أو أسفل بدرجة يظهر من خلالها جزء من الصدر أو الظهر، ومنها ما يكون مشقوقاً من الأسفل إلى الركبة أو قريب منها، أفتونا عن الحكم الشرعي في لبسها، وماذا على الولي في ذلك؟


الجواب: ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : { صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات، مميلات مائلات، رءوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا }. فقوله : { كاسيات عاريات } يعني أن عليهن كسوة لا تفي بالستر الواجب، إما لقصرها، أو خفتها، أو ضيقها.


ومن ذلك: فتح أعلى الصدر، فإنه خلاف أمر الله تعالى حيث قال: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ [النور:31]. قال القرطبي في تفسيره: وهيئة ذلك أن تضرب المرأة بخمارها على جيبها لتستر صدرها، ثم ذكر أثراً عن عائشة أن حفصة بنت أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر – رضي الله عنهما – دخلت عليها بشيء يشف عن عنقها وما هنالك، فشقته عليها وقالت: إنما يُضرب بالكثيف الذي يستر.


ومن ذلك: ما يكون مشقوقاً من الأسفل إذا لم يكن تحته شيء ساتر، فإن كان تحته شيء ساتر فلا بأس إلا أن يكون على شكل ما يلبسه الرجال ؛ فيحرم من أجل التشبه بالرجال.


وعلى ولي المرأة أن يمنعها من كل لباس محرم ومن الخروج متبرجة أو متطيبة لأنه وليها فهو مسئول عنها يوم القيامة في يوم لا تجزي نفس عن نفس شيئاً، ولا تقبل منها شفاعة، ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. [ابن عثيمين - دليل الطالبة المؤمنة]



حكم ستر الوجه بغطاء شفاف






سؤال: كم طبقة من غطاء الوجه ينبغي أن تضع المرأة على وجهها؟ أطبقه واحدة أم اثنتين أم ثلاث أم أربع؟ أفيدونا بارك الله فيكم؟


الجواب: الواجب على المرأة أن تستر وجهها عن الرجال غير المحارم لها، بأن تستره بستر لا يصف لون البشرة، سواء كان طبقة أم طبقتين أم أكثر، فإن كان الخمار صفيقاً لا ترى البشرة من خلاله كفى طبقة واحدة، وإن كانت لا تكفي زادت اثنتين أو ثلاثاً أو أربعاً، والمهم أن تستره بما لا يصف اللون، فأما ما يصف اللون فإنه لا يكفي كما تفعله بعض النساء، وليس المقصود أن تضع المرأة شيئاً على وجهها ؛ بل المقصود ستر وجهها فلا يبين لغير محارمها. [ابن عثيمين- منار الإسلام]



إخراج المرأة كفيها وساعديها في الأسواق






سؤال: ما رأي فضيلتكم في أن كثيراً من النساء اللاتي يخرجن إلى الأسواق لقصد الشراء من أصحاب المحلات التجارية يخرجن أكف أيديهن، والبعض الآخر يخرجن الكف مع الساعد وذلك عند غير محارمهن؟


الجواب: لا شك أن إخراج المرأة كفيها وساعديها في الأسواق أمر منكر وسبب للفتنة، لا سيما أن بعض هؤلاء النساء يكون على أصابعهن خواتم وعلى سواعدهن أسورة، وقد قال الله تعالى للمؤمنات: وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31]. وهذا يدل على أن المرأة المؤمنة لا تبدي شيئاً من زينتها، وأنه لا يحل لها أن تفعل شيئاً يعلم به ما تخفيه من هذه الزينة، فكيف بمن تكشف زينة يديها ليراها الناس. [ابن عثيمين – فتاوى المرأة]



حكم خروج المرأة متعطرة ومتزينة






سؤال: ما حكم تعطر المرأة وتزينها وخروجها من بيتها إلى مدرستها مباشرة، هل لها أن تفعل هذا الفعل؟ وما هي الزينة التي لا يجوز إبداؤها للنساء؟


الجواب: خروج المرأة متطيبة إلى السوق محرم لما في ذلك من فتنة، أما إذا كانت المرأة ستركب في السيارة ولا يظهر ريحها إلا لمن يحل لها أن تظهر الريح عنده، وستنزل فوراً بدون أن يكون هناك رجل حول المدرسة، فهذا لا بأس به ؛ لأنه ليس في هذا محذور، فهي في سيارتها كأنها في بيتها، ولهذا لا يحل للإنسان أن يمكن امرأته أومن له ولاية عليها أن تركب وحدها مع السائق ؛ لأن هذه خلوة، أما إذا كانت ستمر إلى جانب الرجال فإنه لا يحل لها أن تتطيب.


وبهذه المناسبة أود أن أذكِّر النساء بأن بعضهن في أيام رمضان تأتي بالطيب معها وتعطيه النساء، فتخرج النساء من المسجد وهن متطيبات بالبخور، وقد قال النبي : { أيما امرأة أصابت بخوراً فلا تشهد معنا صلاة العشاء }، ولكن لا بأس أن تأتي بالبخور لتطيب المسجد.


أما بالنسبة للزينة التي تظهرها للنساء فإن كل ما اعتيد بين النساء من الزينة المباحة فهي حلال، وأما التي لا تحل كما لو كان الثوب خفيفاً جداً يصف البشرة، أو كان ضيقاً جداً يبين مفاتن المرأة، فإن ذلك لا يجوز لدخوله في قول النبي : { صنفان من أهل النار لم أراهما بعد.. وذكر: نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها }. [ابن عثيمين – فتاوى المرأة المسلمة]



ضوابط التحدُّث مع أصحاب المحلات والخياطين






وسؤال: ما حكم تحدث المرأة مع صاحب محل الملابس أو الخياط؟ مع الرجاء توجيه كلمة شاملة إلى النساء.


الجواب: تحدُّث المرأة مع صاحب المتجر التحدث الذي بقدر الحاجة وليس فيه فتنة لا بأس به، فقد كانت النساء تكلم الرجال في الحاجات والأمور التي لا فتنة فيها وفي حدود الحاجة. أما إذا كان مصحوباً بضحك أو بمباسطة أو بصوت فاتن ؛ فهذا محرم لا يجوز.


يقول الله سبحانه وتعالى لأزواج نبيه ورضي الله عنهن: فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا [الأحزاب:32]، والقول المعروف ما يعرفه الناس وبقدر الحاجة، أما ما زاد عن ذلك بأن كان على طريق الضحك والمباسطة، أو بصوت فاتن، أو غير ذلك، أو أن تكشف وجهها أمامه، أو تكشف ذراعيها أو كفيها ؛ فهذه كلها محرمات ومنكرات من أسباب الفتنة، ومن أسباب الوقوع في الفاحشة.


فيجب على المرأة المسلمة التي تخاف الله عز وجل أن تتقي الله، وألا تكلم الرجال الأجانب بكلام يطمعهم فيها ويفتن قلوبهم، تجتنب هذا الأمر، وإذا احتاجت إلى الذهاب إلى متجر أو إلى مكان فيه الرجال، فلتحتشم ولتتستر وتتأدب بآداب الإسلام، وإذا كلمت الرجال فلتكلمهم الكلام المعروف الذي لا فتنة ولا ريبة فيه. [المنتقى من فتاوى الشيخ صالح الفوزان]



حكم لبس البنطلون






سؤال: ما حكم لبس البنطلون للفتيات عند غير أزواجهن؟


الجواب: لا يجوز للمرأة عند غير زوجها مثل هذا اللباس ؛ لأنه يبين تفاصيل جسمها، والمرأة مأمورة أن تلبس ما يستر جميع بدنها ؛ لأنها فتنة وكل شيء يبين من جسمها يحرم إبداؤه عند الرجال أو النساء أو المحارم وغيرهم إلا الزوج الذي يحل له النظر إلى جميع بدن زوجته، فلا بأس أن تلبس عنده الرقيق أو الضيق ونحوه والله أعلم. [ابن جبرين – النخبة من الفتاوى النسائية]



حكم قص شعر الفتاة إلى كتفيها للتجميل واستعمال أدوات التجميل






سؤال: ما حكم قص شعر الفتاة إلى كتفيها للتجميل سواء كانت متزوجة أو غير متزوجة، وما حكم استعمال أدوات التجميل المعروف للتجمل للزوج؟


الجواب: قص المرأة لشعرها إما أن يكون على وجه يُشبه شعر الرجال. فهذا محرم ومن كبائر الذنوب، لأن النبي لعن المتشبهات من النساء بالرجال، وأما أن يكون على وجه لا يصل به إلى التشبه بالرجال، فقد اختلف أهل العلم في ذلك على ثلاثة أقوال: منهم من قال: إنه جائز لا بأس به، ومنهم من قال: إنه محرم، ومنهم من قال: إنه مكروه، والمشهور من مذهب الإمام أحمد أنه مكروه، وفي الحقيقة أنه لا ينبغي لنا أن نتلقى كل ما ورد علينا من عادات غيرنا، فنحن قبل زمن غير بعيد كنا نرى النساء يتباهين بكثرة شعور رءوسهن وطول شعورهن، فما بالهنّ يذهبن إلى هذا العمل الذي أتانا من غير بلادنا، وأنا لست أنكر كلَّ شيء جديد، ولكنني أنكر كل شيء يؤدي إلى أن ينتقل المجتمع إلى عادات متلقاه من غير المسلمين.


أما استعمال أدوات التجميل كتحمير الشفاه فلا بأس بها، وكذلك تحمير الخدود لا بأس به لا سيما للمتزوجة، وأما التجميل الذي تفعله بعض النساء من النمص وهو نتف شعر الحواجب وترقيقها فحرام ؛ لأن النبي لعن النامصة والمتنمصة. وكذلك وشر المرأة أسنانها للتجميل محرم ملعون فاعله. [أسئلة مهمة – للشيخ ابن عثيمين]



حكم تخفيف الحاجب وتطويل الأظافر ووضع المناكير






سؤال:


1- ما حكم تخفيف الشعر الزائد من الحاجب؟


2- ما حكم تطويل الأظافر ووضع مناكير عليها مع العلم بأنني أتوضأ قبل وضعه ويجلس 24 ساعة ثم أزيله؟


3- هل يجوز للمرأة أن تتحجب دون أن تغطي وجهها إذا سافرت للخارج؟


الجواب:


1- لا يجوز أخذ شعر الحاجبين ولا التخفيف منها، لما ثبت عن النبي صلى الله علية وسلم أنه لعن النامصة والمتنمصة. وقد بين أهل العلم أن أخذ شعر الحاجبين من النمص.


2- تطويل الأظافر خلاف السُنة، وقد ثبت عن النبي أنه قال: { الفطرة خمس: الختان، و الاستحداد، وقص الشارب، ونتف الإبط، وقلم الأظفار }. ولا يجوز أن تترك أكثر من أربعين ليلة لما ثبت عن أنس قال: { وقَّت لنا رسول الله وفي قص الشارب وقلم الظفر ونتف الإبط وحلق العانة ألا نترك شيئاً من ذلك أكثر من أربعين ليلة }، ولأن تطويلها فيه تشبه بالبهائم وبعض الكفرة.


أما المناكير فتركها أولى، وتجب إزالتها عند الوضوء ؛ لأنها تمنع وصول الماء إلى الظفر.


3- يجب على المرأة أن تتحجب عن الأجانب في الداخل والخارج، لقوله سبحانه: وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ [الأحزاب:59]، وهذه الآية الكريمة تعم الوجه وغيره، والوجه هو عنوان المرأة وأعظم زينتها، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا [الأحزاب:59]، وقال سبحانه: وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ [النور:31].


وهذه الآيات تدل على وجوب الحجاب في الداخل والخارج، وعن المسلمين والكفار، ولا يجوز لأي امرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تتساهل في هذا الأمر لما في ذلك من المعصية لله ولرسوله، ولأنَّ ذلك يُفْضِي إلى الفتنة بها في الداخل والخارج. [الشيخ ابن باز – فتاوى المرأة]



حكم لبس الجوارب والقفازين عند الخروج






سؤال: ها يجب على المرأة لبس الجوارب والقفازين عند الخروج من البيت أم ذلك من السنة فقط؟


الجواب: الواجب عليها عند الخروج من البيت ستر كفيها وقدميها ووجهها بأي ساتر كان ولكن لبس قفازين كما هم عادة نساء الصحابة رضي الله عنهن عند الخروج ودليل ذلك قوله في المرأة إذا أحرمت لا تلبس القفازين و هذا يدل على أن من عادتهن لبس ذلك. [ابن عثيمين - دليل الطالبة المؤمنة]



حكم لبس العدسات اللاصقة بقصد الزينة






سؤال: ما حكم لبس بعض النساء للعدسات اللاصقة الملونة بقصد الزينة؟ كأن تلبس لباساً أخضر فتضع عدسات خضراء.


الجواب: لا يجوز هذا إذا كان بقصد الزينة، فإنه من تغيير خلق الله، ولا فائدة فيه للبصر، وربما قلل بصر العين حيث تعرض للعبث بها بالإلصاق وما بعده، ثم هو تقليد للغرب دون هائدة، ولا جمال أحسن من خلق الله. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. [ابن جبرين - النخبة من الفتاوى النسائية]



حكم المراسلة يبن الشباب والشابات






سؤال: إذا كان الرجل يقوم بعمل المراسلة مع المرأة الأجنبية وأصبحا متحابين هل يعتبر هذا العمل حراماً؟!


الجواب: لا يجوز هذا العمل لأنه يثير الشهوة بين الاثنين، ويدفع الغريزة إلى التماس اللقاء والاتصال، وكثيراً ما تحدث تلك المغازلة والمراسلة فتناً وتغرس حب الزنى في القلب، مما يوقع في الفواحش أو يسببها، فننصح من أراد مصلحة نفسه وحمايتها عن المراسلة والمكالمة ونحوها، حفظاً للدين والعرض والله الموفق. [ابن جبرين - فتاوى المرأة المسلمة]



حكم المكالمات الهاتفية بين الشباب والفتيات






سؤال: ما حكم فيما لو قام شاب غير متزوج وتكلم مع شابة غير متزوجة في التليفون؟


الجواب: لا يجوز التكلم مع المرأة الأجنبية بما يثير الشهوة كمغازلة وتغنج وخضوع في القول، سواء كان في التليفون أو في غيره لقوله تعالى: فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ [الأحزاب:32]، فأما الكلام العارض لحاجة فلا بأس به إذا سلم من المفسدة ولكن بقدر الضرورة. [ابن جبرين –فتاوى المرأة]



حكم جلوس المرأة مع أخي زوجها






سؤال: تطلب مني أم زوجي أن أجلس مع أبنها - أخي زوجي - بالعباءة والغطاء أمام التلفزيون وحين يشربون الشاي فأرفض وينتقدونني، فهل أنا على حق أم لا؟!


الجواب: يحق لك الامتناع من الجلوس معهم في تلك الحال لما في ذلك من أسباب الفتنة، فأخو زوجك الذي لا يزال عزباً يعتبر أجنبياً فيعتبر سماعه لصوتك ورؤيته لشخصك من أسباب الفتنة وهكذا نظرك إليه.



حكم مصافحة غير المحارم






سؤال: نحن في قرية لها عادات سيئة من ذلك مثلاً أنه إذا جاء ضيف إلى المنزل فإن الكل يصافحونه ذكوراً وإناثاً فإذا امتنعت عن ذلك قالوا عني أنني شاذة فما الحكم؟


الجواب: الواجب على المسلم أن يطيع الله عز وجل بامتثال أمره والبعد عن نهيه، والمتمسك بذلك ليس شاذاً، بل الشاذ هو الذي يخالف أوامر الله، وهذة العادة - المسئول عنها - عادة سيئة، فمصافحة المرأة للرجل غير المحرم سواء أكانت من وراء حائل أو مباشرة حرام، لما يفضي إليه الملمس من الفتنة، وقد وردت في ذلك أحاديث في الوعيد وإن كانت غير قوية السند، ولكن المعنى يؤيدها - والله اعلم - وأقول للسائلة: لا تصغي لذم أهلها، بل الواجب عليها أن تنصحهم بأن يقلعوا عن هذه العادة السيئة وأن يعملوا بما يرضي الله ورسوله. [ابن عثيمين - فتاوى المرأة المسلمة]



حكم شراء مجلات الأزياء






سؤال: ما حكم شراء مجلات عرض الأزياء للاستفادة منها في بعض موديلات ملابس النساء الجديدة والمتنوعة؟ وما حكم اقتنائها بعد الاستفادة منها وهي مليئة بصورة النساء؟


الجواب: لاشك أن شراء المجلات التي ليس بها إلا صور محرم ؛ لأن اقتناء الصور حرام ؛ لقول الرسول : { لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة } [متفق عليه]. ولأنه لما شاهد الصورة في النمرقة عند عائشة وقف ولم يدخل، وعُرفت الكراهية في وجهه، وهذه المجلات التي تعرض الأزياء يجب أن ينظر فيها، فما كل زيّ يكون حلالاً، قد يكون هذا الزيُّ متضمناً لظهور العورة، أما لضيقه أو لغير ذلك، وقد يكون هذا الزيُّ من ملابس الكفار التي يختصون بها، والتشبه بالكفار محرم ؛ لقول الرسول : { من تشبه بقوم فهو منهم }.


فالذي أنصح به إخواننا المسلمين عامة والنساء خاصة أن يتجنبن هذه الأزياء ؛ لأن منها ما يكون تشبُّهاً بغير المسلمين، ومنها ما يكون مشتملاً على ظهور العورة، ثم إن تطلع النساء إلى كل زيّ جديد يستلزم في الغالب أن تنتقل عاداتنا التي منبعها ديننا إلى عاداتٍ أخرى متلقاة من غير المسلمين.



حكم ركوب الطالبة وحدها مع السائق الأجنبي






سؤال: فضيلة الشيخ بعض الطالبات يركبن بمفردهن مع السائق الأجنبي، وقد يكون مسلماً وقد يكون كافراً، فيذهب بها إلى المدرسة تارة وإلى السوق تارة أخرى، فما حكم ذلك بالتفصيل حيث إن الناس قد تساهلوا في ذلك؟


*الجواب: ركوب المرأة وحدها مع السائق غير المحرم مُحرم بلا شك ؛ لأنه خلوة، وقد قال النبي : { لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم }. وهو أخطر من كثير من الخلوات التي لا إشكال فيها ؛ لأن هذا السائق بيده التصرف في السيارة المركوبة فيمكنه أن يذهب بها إلى حيث شاء ثم يلجأها إلى ما يريد من الشر، وكذلك هي ربما تكون فاسدة أو يغريها الشيطان بسبب خلوتها مع هذا الرجل فتدعوه إلى أن يخرج بها إلى مكان ليس حولهما أحد، فيحصل الشر والفساد.


أما إذا كان معها امرأة أخرى وكان السائق أميناً فإن هذا لا بأس به ؛ لأن هذا لا يُعد خلوة. وعلى هذا فالواجب على المرأة إذا كانت تحتاج أن تذهب إلى السوق أو المدرسة أن تصطحب معها امرأة أخرى إذا لم يكن هناك محرم، ولا بد أن يكون المحرم بالغاً عاقلاً، فمن دون البلوغ لا يكفي أن يكون محرماً، وكذلك من لا عقل له، والواجب على النساء وأولياء أمورهن أن يتقين الفتنة وأسبابها حتى لا يحصل الشر والفساد. [ابن عثيمين – دليل الطالبة المؤمنة]


وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم.

عبقور2011
02-26-2011, 11:30 AM
ذروة السنام يا أمة الإسلام
عبدالحكيم بن علي السويد
دار الوطن


الحمد لله القائل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [الصف:10-11]، وصلى الله وسلم على نبينا محمد القائل: { جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم } [رواه أحمد والنسائي وصححه الحاكم]. أما بعد:


فإن من الخصائص العظيمة التي امتن بها الله سبحانه وتعالى على هذه الأمة وميزها عن بقية الأمم أن شرع لها الجهاد وجعل ما يحصل بسببه من الأجر والمثوبة الشيء العظيم، تلك هي الفريضة التي جعلت للمسلمين الأوائل العزة والتمكين في الأرض، ومن ثم السيادة على باقي الأمم، وقد علم أولئك فضل الجهاد فعملوا به على الوجه المطلوب الذي أراده الله ورسمه رسوله ، ولهذا لم يكن جهادهم وكفاحهم لتحقيق أهداف شخصية، أو أطماع دنيوية زائلة، أو حباً للتملك والرياسة، وإنما كان الغرض من هذا كله إعلاء الحق وجعل كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى، ومن إعلاء كلمة الله تطبيق شرعه الذي أمر به، وتعبيد الناس لله، وإعمار الأرض بما يرضيه سبحانه، وإرهاب أعداء الله، وزرع المهابة في قلوبهم كما قال تعالى: وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ [الأنفال:60].


(ولما كان الجهاد ذروة الإسلام، ومنازل أهله أعلى المنازل في الجنة، كما لهم الرفعة في الدنيا، كان رسول الله في الذروة العليا منه، فاستولى على أنواعه كلها، فجاهد في الله حق جهاده بالقلب والجنان والدعوة والبيان، والسيف والسنان، فكانت ساعاته موقوفة على الجهاد، ولهذا كان أعظم العالمين عند الله قدراً) [مختصر زاد المعاد].


وكذلك كان جيل الصحابة رضوان الله عليهم أفضل الأجيال، وقد قال أبو بكر الصديق في أول خطبة له بعد توليه الخلافة: (لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل) [البداية والنهابة(415/9)]. ومن ثم جيل التابعين؛ لأنهم باعوا أنفسهم في سوق الجنة لخالقها، وحملوها على راحاتهم وسيوفهم بأيمانهم.


قال الشاعر:



أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا *** جمعتنا يا جرير المجامع








فضل المرابطة في سبيل الله






قال شيخ اللإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى (ج28): والمرابطة في سبيل الله أفضل من المجاورة بمكة والمدينة وبيت المقدس، حتى قال أبو هريرة رضي الله عنه: لأن أرابط في سبيل الله أحب إلي من أن أوافق ليلة القدر عند الحجر الأسود، وقال رسول الله : { رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل } [رواه أهل السنن وصححوه]، وفي صحيح مسلم عن سلمان، أن النبي قال: { رباط يوم وليلة في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه، ومن مات مرابطاً أجري عليه عمله، وأجري عليه رزقه في الجنة، وأمن الفتان } يعني منكراً ونكيراً. فهذا في الرباط فكيف في الجهاد؟ وقال رسول الله : { لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في وجه عبداً أبداً } وقال: { من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمها الله على النار } فهذا في الغبار الذي يصيب الوجه والرجل. فكيف بما هو أشق من: كالثلج، والبرد، والوحل.



فضل الجهاد في سبيل الله






قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى (ج28): اعلموا أن الجهاد فيه خير الدنيا والآخرة، وفي تركه خسارة الدنيا والآخرة، قال الله تعالى في كتابه: قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ [التوبة:52] يعني: إما النصر والظفر، وإما الشهادة والجنة، فمن عاش من المجاهدين كان كريماً له ثواب الدنيا، وحسن ثواب الآخرة. ومن مات منهم أو قتل فإلى الجنة. قال : { يعطى الشهيد ست خصال: يغفر له بأول قطرة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويكسى حلة من الإيمان، ويزوج ثنتين وسبعين من الحور العين، ويوقى فتنة القبر، ويؤمن من الفزع الأكبر } [رواه أهل السنن]، وقال : { إن في الجنة لمائة درجة، ما بين الدرجة والدرجة ما بين السماء والأرض، أعدها الله سبحانه وتعالى للمجاهدين في سبيله }، فهذا ارتفاع خمسين ألف سنة في الجنة لأهل الجهاد. وقال : { مثل المجاهد في سبيل الله مثل الصائم القائم القانت، الذي لا يفتر من صلاة ولا صيام }، وقال رجل: { أخبرني بعمل يعدل الجهاد في سبيل الله؟ قال: "لا تستطيعه". قال: أخبرني؟ قال: "هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تصوم ولا تفطر وتقوم ولا تفتر؟". قال: لا. قال: "فذلك الذي يعدل الجهاد في سبيل الله" }. وهذه الأحاديث في الصحيحين وغيرهما.


وكذلك اتفق العلماء - فيما أعلم - على أنه ليس في التطوعات أفضل من الجهاد. فهو أفضل من الحج، وأفضل من صوم التطوع، وأفضل من صلاة التطوع. انتهى.



أنوع الجهاد






قال ابن القيم رحمة الله في مختصر زاد المعاد: الجهاد على أربع مراتب:


الأولى: جهاد النفس. وهو أيضاً أربع مراتب:


أحدهما: أن يجاهدها على تعلم الهدى.


الثانية: على العمل به بعد علمه.


الثالثة: على الدعوة إليه، وإلا كان ممن يكتمون ما أنزل الله.


الرابعة: على الصبر على مشاق الدعوة، ويتحمل ذلك كله لله، فإذا استكمل هذه الأربع صار من الربانيين، فإن السلف مجمعون على أن العالم لا يكون ربانياً حتى يعرف الحق ويعمل به ويعلمه.


المرتبة الثانية: جهاد الشيطان. وهو مرتبتان:


أحدهما: جهاده على ما يلقي من الشبهات.


الثانية: على دفع ما يلقي من الشهوات، فالأولى بعدة اليقين، والثانية بعدة الصبر، قال تعالى: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة:24].


المرتبة الثالثة: جهاد الكفار والمنافقين. وهو أربع مراتب:


أحدهما: القلب. الثانية: اللسان. الثالثة: المال. الرابعة: النفس.


وجهاد الكفار أخص باليد، وجهاد المنافقين أخص باللسان.


المرتبة الرابعة: جهاد أرباب الظلم والمنكرات والبدع. وهو ثلاث مراتب:


أحدهما: باليد إذا قدر.


الثانية: باللسان إذا عجز عن اليد.


الثالثة: بالقلب إذا عجز عن اللسان.


فهذه ثلاث عشر مرتبة من الجهاد و { من مات ولم يغز، ولم يحدث نفسه به مات على شعبة من نفاق } [رواه مسلم].



هديه في الجهاد






(كان النبي يستحب القتال أول النهار، فإذا لم يقاتل أول النهار، أخر القتال حتى تزول الشمس، وتهب الريح وينزل النصر، وكان يبايع أصحابه في الحرب على أن لا يفروا، وكان يشاور أصحابه في الجهاد، ولقاء العدو، وتخير المنازل، وكان يتخلف في ساقتهم في المسير، فيجزي الضعيف، ويروف المنقطع، وكان أرفق الناس بهم في المسير، وإذا أراد غزوة ورى بغيرها، ويقول : { الحرب خدعة } وكان يبعث العيون يأتونه بخبر عدوه، ويطلع الطلائع ويبث الحرس، وإذا لقي عدوه، وقف ودعا واستنصر الله، وأكثر هو وأصحابه من ذكر الله، وخفضوا أصواتهم.


وكان يرتب الجيش والمقاتلة. ويجعل في كل كنبة كفئاً لها، وكان يبارز بين يديه بأمره، وكان يلبس للحرب عدته، وربما ظاهر بين درعين، وكان له ألوية، وكان إذا ظهر على قوم نزل بعرصتهم ثلاثاً، ثم قفل.


وكان يرتب الصفوف. ويبعث للقتال بيده ويقول: { تقدم يا فلان، تأخر يا فلان } وكان يستحب للرجل أن يقاتل تحت راية قومه، وكان إذا لقي العدو يقول: { اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم، وانصرنا عليهم } وربما قال: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ، بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ [القمر:45-46].


وكان أقربهم إلى العدو. وكان يجعل لأصحابه شعاراً في الحرب يعرفون به، وكان شعارهم مرة: أمت أمت، ومرة: يا منصور.


وكان يلبس الدرع والخوذة. ويتقلد السيف، ويحمل الرمح والقوس العربية ويتترس بالترس، ويحب الخيلاء في الحرب، وقال: { إن منها ما يحب الله، ومنها ما يبغض الله، فأما التي يحب الله، فاختيال الرجل بنفسه عند اللقاء، واختياله عند الصدقة، وأما التي يبغض الله عز وجل، فاختياله في البغي والفجور } وقاتل مرة بالمنجنيق، نصبه على أهل الطائف، وكان ينهى عن قتل النساء والولدان، وينظر في المقاتلة، فمن رآه أنبت قتله، وإلا أستحياه.


وكان إذا بعث سرية يوصيهم بتقوى الله. ويقول: { سيروا بسم الله وفي سبيل الله، ولا تمثلوا، ولا تغدروا، ولا تغلوا، ولا تقتلوا وليداً } وكان ينهى عن السفر بالقرآن إلى أرض العدو، ويأمر أمير سريته أن يدعو عدوه قبل القتال إلى الاسلام والهجرة، أو الاسلام دون الهجرة، ويكونون كأعراب المسلمين ليس لهم نصيب في الفيء، أو بذل الجزية، فإن هم أجابوا إليه قبل منهم، وإلا استعان بالله وقاتلهم.


وكان يشدد في الغلول جداً ويقول: { عار ونار وشنار على أهله يوم القيامة }، ولما أصيب غلامه مدعم، قال بعض الصحابة: هنيئاً له الجنة. فقال: { كلا والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من الغنائم لم تصبها المقاسم، لتشتعل عليه ناراً } فجاء رجل بشراك أو شراكين لما سمع ذلك فقال: "شراك أو شراكان من نار") [مختصر زاد المعاد].



دور المرأة في الجهاد






لقد كان للمرأة في عهد النبي وعهد الخلفاء الراشدين مواقف بطولية توحي إلى قوة إيمان أولئك النسوة وحرصهن - رضوان الله عليهم - على نصرة هذا الدين والذب عنه بكل ما يستطعن من قوة.


فكان من الأدوار التي قامت بها المرأة في الجهاد المشاركة الفعلية في القتال إذا استلزم الأمر لذلك، وهذا يتبين في شجاعة أم سليم يوم حنين حيث اتخذت خنجراً، وعندما سألها رسول الله : { ما هذا الخنجر؟ } فقالت: اتخذته إن دنا مني أحد المشركين بقرت به بطنه، فجعل رسول الله يضحك. [صحيح السيرة النبوية، إبراهيم العلي (446)]. وهذه أم عمارة قاتلت يوم أحد فاعترضت لابن قمئة في أناس من المسلمين، فضرب ابن قمئة عاتقها ضربة تركت جرحاً أجوف، وضربت هي ابن قمئة عدة ضربات بسيفها، ولكن كان عليه درعان فنجا، وبقيت أم عمارة حتى أصابها اثنا عشر جرحاً. [الرحيق المختوم، للمباركفوري (319)].


وكذلك تقوم المرأة بتطبيب الجرحى المشاركين في القتال، كما فعلت أم سليط، فقد قال عنها عمر بن الخطاب رضي الله عنه: كانت تزفر لنا القرب يوم أحد. [صحيح السيرة النبوية (446)]. وغيرهن كثير.


ومنهن من تشارك بطريق غير مباشر بتحريض ودفع فلذة كبدها للجهاد، كما فعلت الخنساء عندما دفعت بأبنائها الأربعة للجهاد، وقد قتلوا جميعاً.


والمرأة في زماننا هذا عليها مسئولية جسيمة وأمانة عظيمة يجب أن تتحملها، فهي مطالبة بأنواع من الجهاد كتربية أبنائها التربية المستقيمة المتمثلة في حب الشهادة في سبيل الله، فابنها أمل المستقبل، وعندما يكبر سيكون - بإذن الله - حجر عثرة في طريق أعداء الأمة الذين يتربصون بها الدوائر. وتربية بناتها على حب الفضيلة والعفة والحياء.


وكذلك من جهاد المرأة: طاعتها لزوجها والقيام بما يصلح له أمر دينه ودنياه.


ومن جهادها: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حدود ما تستطيع، وبذل النصح والتوجيه لأخواتها المسلمات واللاتي هن في أمس الحاجة لمن يفقههن ويعلمهن ما ينفعهن.


وأيضاً جهادها بالقلم والرد على أصحاب الدعوات المضللة الذين يطالبون بخروج المرأة وتحررها من جميع القيم الدينية والأخلاقية الإسلامية الفاضلة، ويطالبونها بالتنكر على فطرتها التي فطرها الله عليها، ونزع حيائها الذي يميزها عن سائر نساء العالم، حتى تسقط المرأة المسلمة الطاهرة في شباكهم من خلال شعاراتهم البراقة التي ظاهرها النصح والتعاطف معها والأخذ بيدها والرفع من شأنها ومكانتها زعموا، ولا شك أن أصحاب هذه الدعوات ذئاب تتلبس بمسوح النعاج، فيلزم جهادهم. وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ [يوسف:21].


وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

عبقور2011
02-26-2011, 11:33 AM
تلزمهم الحكومة بقنوت الفجر وهم يعتقدون عدم شرعية ذلك

نحن دولة إسلامية في جنوب آسيا ، الحكومة تأمر على الأئمة أن يقلدوا الشافعية في صلواتهم ، من خالف الشافعية يواجه مشاكل كثيرة ، ربما يسجن أو يحبس ، لذا الأئمة كلهم يقلدون الشافعية خوفا من الحكومة ، خاصة في قنوت الفجر لا نجد مسجداً إلا يقنت فيه .
أسئلتنا هي :
أولاً : هل يؤم أحدنا في مثل هذه الموقف ويقنت وهو باعتقاده أنه بدعة ؟ .
ثانياً : هل تصح صلاة هذا الإمام ؟ هل نصلي وراء هذا ؟ .
ثالثاً : هنا بعض الأئمة باعتقادهم أن القنوت في الفجر من السنة كما هو معلوم في الشافعية ، هل نصلي وراء هؤلاء ؟ .
رابعاً : لو علينا أن نتبعهم هل نتبعهم في صلاتنا وراءهم فقط أم حتى رفع أيدينا في القنوت نتبعهم ؟ .
خامساً : وبعضهم يسجدون سجود السهو إذا نسوا القنوت إذاً ماذا نفعل هل نسجد ؟ أم ننتظر حتى يسلم ؟ فنحن مقتدون ، أم نتركه ونصلي وحدنا مرة أخرى ؟ .
نحن بأمس الحاجة لجوابكم لأن الملتزمين هنا سعوا في التفريق بسبب هذه المسألة .
أفيدونا حتى لا تغرق السفينة .
وفقكم الله .


الجواب

الحمد لله

أولاً :
يجب على المسلمين جميعاً الالتزام بالكتاب والسنة ، وترك التعصب للأئمة والعلماء ، وقد أمر الله تعالى عند الاختلاف بالرجوع إلى الكتاب والسنة ، فقال تعالى { ... فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا } [ النساء / 59 ] .
ولا يجوز لأحدٍ أن يُلزم الناس بالتزام مذهب معيَّن ، لا سيما في أمور العبادات ؛ فضلاً عن معاقبة من خالف ذلك ، ومن فعل ذلك فقد استحق الوعيد .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : ( لا يجب على أحدٍ من المسلمين تقليد شخص بعينه من العلماء في كل ما يقول ، ولا يجب على أحدٍ من المسلمين التزام مذهب شخص معين غير الرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما يوجبه ويخبر به ، بل كل أحدٍ من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏.‏
واتباع شخصٍ لمذهب شخص بعينه لعجزه عن معرفة الشرع من غير جهته ، إنما هو مما يسوغ له ؛ ليس هو مما يجب على كل أحد إذا أمكنه معرفة الشرع بغير ذلك الطريق ، بل كل أحد عليه أن يتقي الله ما استطاع ، ويطلب علم ما أمر الله به ورسوله ، فيفعل المأمور ويترك المحظور‏) انتهى.‏
" مجموع الفتاوى " ( 20 / 209 ) .

ثانياً :
مسألة القنوت في صلاة الفجر مما اختلف العلماء في حكمها ، فقد ذهب الإمام مالك إلى استحبابه قبل ركوع الركعة الثانية ، وقال الشافعي بسنيته بعد ركوع الركعة الثانية ، وخالفهما أبو حنيفة وأحمد وذهبا إلى عدم سنيتها بل صرَّح أبو حنيفة ببدعيتها .
والصواب في ذلك أن القنوت في الفجر لا يسن فعله على الدوام ، إنما يستحب القنوت في النوازل ، في الفجر وغيره من الصلوات . وما ورد في تخصيص الفجر بالقنوت ، أو في كون قنوت الفجر سنة راتبة : فلم يصح منه شيء .
وينظر جواب السؤال رقم (101015) .

ثالثاً :
مع ما ذكرناه سابقا ، من أنه لا يشرع قنوت الفجر ، بصفة دائمة ، فإذا كان الإمام يعلم أن قومه لن يطيعوه في ترك القنوت ، أو فيما سوى ذلك من فعل السنن والمستحبات ، فإنه يصلي بهم على ما استطاع إقامته من السنة ، ويترفق بهم إلى أن ينقلهم إلى السنة بالتدرج ؛ لقول الله تعالى : (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) التغابن/16، فيعلمهم السنة بالرفق واللين ، ويتدرج بهم في إقامتها ، ومن المعلوم عند العلماء : أن الميسور لا يسقط بالمعسور ؛ وما عجر عنه ليس عذرا له في ترك إقامة ما يقدر عليه من السنة القولية والعملية .
وليس من الحكمة ولا من الشرع في شيء أن يترك الصلاة بقومه ، لأجل مثل هذه المسائل الخلافية ، فيعجزوا عن إقامة إمام لهم ، أو يقدموا إماما جاهلا ، أو مبتدعا لا يقتصر على فعل تلك المسائل الخلافية ، بل ربما تعدى شره إلى نشر بدع أخرى قولية أو عملية .
بل يستحب للإمام أن يفعل بعض المسائل الخلافية ، والتي تخالف ما يترجح لديه هو ، إن كان في ذلك تأليف لقومه على دعوته .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " ويستحب الجهر بالبسملة للتأليف ، كما استحب أحمد ترك القنوت في الوتر تأليفا للمأموم " انتهى من " الاختيارات الفقهية " (50) .

رابعاً:
إذا كان من المشروع للإمام أن يصلي بالناس ، وإن خالف ما ترجح عنده في المسائل الاجتهادية ، حيث اقتضت المصلحة الشرعية ذلك ، فشأن المأموم أسهل ، وصلاته وراء من يخالف في بعض موراد الاجتهاد من باب أولى ، خاصة إذا ترتب على صلاته خلفه شيء من المصالح الشرعية ، كتأليف القلوب ، واجتماع الكلمة ، ونحو ذلك ، أو كان تركه للصلاة خلفه مما يفوت عليه صلاة الجماعة بالكلية .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
" ولو ترك الإمام ركناً يعتقده المأموم ، ولا يعتقده الإمام : صحت صلاته خلفه ، وهو إحدى الروايتين عن أحمد ، ومذهب مالك ، واختيار المقدسي " .
وقال أيضا :
" لو فعل الإمام ما هو محرم عند المأموم دونه ، مما يسوغ فيه الاجتهاد : صحت صلاته خلفه ، وهو المشهور عن أحمد " انتهى من "الاختيارات الفقهية" (70) .
وقال أيضا :
ولهذا ينبغي للمأموم أن يتبع إمامه فيما يسوغ فيه الاجتهاد ، فإذا قنت قنت معه ، وإن ترك القنوت لم يقنت ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إنما جعل الإمام ليؤتم به " وقال : " لا تختلفوا على أئمتكم " ، وثبت عنه في الصحيح أنه قال : " يصلون لكم فإن أصابوا فلكم ولهم وإن أخطأوا فلكم وعليهم " .
" مجموع الفتاوى " ( 23 / 115 ، 116 ) .
وعليه فلا ينبغي لكم التردد في جواز الصلاة خلف من يخالفكم في هذه المسائل وأشباهها ، والقول بخلاف هذا قول مخالف للكتاب والسنة وإجماع الصحابة .

وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية - رَحمه اللّه - ‏:‏
هل تصح صلاة المأموم خلف من يخالف مذهبه ‏؟‏ .
فأجاب‏ :‏

وأما صلاة الرجل خلف من يخالف مذهبه : فهذه تصح باتفاق الصحابة والتابعين لهم بإحسان ، والأئمة الأربعة ، ولكن النزاع في صورتين‏ :‏
إحداهما‏ :‏ خلافها شاذ ، وهو ما إذا أتي الإمام بالواجبات كما يعتقده المأموم ، لكن لا يعتقد وجوبها مثل التشهد الأخير إذا فعله من لم يعتقد وجوبه ، والمأموم يعتقد وجوبه ، فهذا فيه خلاف شاذ‏ ،‏ والصواب الذي عليه السلف وجمهور الخلف : صحة الصلاة‏ .‏
والمسألة الثانية ‏:‏ فيها نزاع مشهور ، إذا ترك الإمام ما يعتقد المأموم وجوبه مثل أن يترك قراءة البسملة سرّاً وجهراً ، والمأموم يعتقد وجوبها‏ ،‏ أو مثل أن يترك الوضوء من مس الذكر ، أو لمس النساء ، أو أكل لحم الإبل ، أو القهقهة ، أو خروج النجاسات ، أو النجاسة النادرة ، والمأموم يرى وجوب الوضوء من ذلك ، فهذا فيه قولان :‏ أصحهما : صحة صلاة المأموم ، وهو مذهب مالك ، وأصرح الروايتين عن أحمد في مثل هذه المسائل ، وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعي ، بل هو المنصوص عنه‏ ، فإنه كان يصلي خلف المالكية الذين لا يقرؤون البسملة ، ومذهبه وجوب قراءتها‏ ،‏ والدليل على ذلك : ما رواه البخاري وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏ :‏ ‏" ‏يصلون لكم فإن أصابوا فلكم ولهم ، وإن اخطؤوا فلكم وعليهم‏ "‏ فجعل خطأ الإمام عليه دون المأموم ‏.‏
وهذه المسائل إن كان مذهب الإمام فيها هو الصواب ، فلا نزاع ، وإن كان مخطئاً فخطؤه مختص به ، والمنازع يقول ‏:‏ المأموم يعتقد بطلان صلاة إمامه ، وليس كذلك ، بل يعتقد أن الإمام يصلي باجتهاد أو تقليد ، إن أصاب فله أجران ، وإن أخطأ، فله أجر، وهو ينفذ حكم الحاكم في مسائل الاجتهاد ، وهذا أعظم من اقتدائه به‏ ،‏ فإن كان المجتهد حكمه باطلاً : لم يجز إنفاذ الباطل ، ولو ترك الإمام الطهارة ناسياً لم يُعِد المأموم عند الجمهور ، كما ثبت عن الخلفاء الراشدين ، مع أن الناسي عليه إعادة الصلاة ، والمتأول لا إعادة عليه ‏.‏
فإذا صحت الصلاة خلف من عليه الإعادة : فلأن تصح خلف من لا إعادة عليه أولى ،‏ والإمام يعيد إذا ذكر دون المأموم ، ولم يصدر من الإمام ولا من المأموم تفريط ؛ لأن الإمام لا يرجع عن اعتقاده بقوله‏ ،‏ بخلاف ما إذا رأى على الإمام نجاسة ولم يحذره منها ، فإن المأموم هنا مفرِّط‏ ، فإذا صلى يعيد ؛ لأن ذلك لتفريطه ، وأما الإمام : فلا يعيد في هذه الصورة في أصح قولي العلماء ، كقول مالك ، والشافعي في القديم ، وأحمد في أصح الروايتين عنه ‏.‏
وعلم المأموم بحال الإمام في صورة التأويل يقتضي أنه يعلم أنه مجتهد مغفور له خطؤه ، فلا تكون صلاته باطلة ، وهذا القول هو الصواب المقطوع به‏ ، واللّه أعلم ‏.
" مجموع الفتاوى " ( ‏23 / 378 – 380 ) .

وقال البهوتي في " الروض المربع " :
ومن ائتم بقانت في فجر تابع الإمام وأمَّن أ.هـ .
أي : تابعه في دعائه .
" حاشية الروض " ( 1 / 220 ) .
وقال علماء اللجنةالدائمة :
استحب مالك القنوت في الركعة الأخيرة من الصبح قبل الركوع ، وذهب الشافعي إلى أن القنوت سنة بعد الركوع من الركعة الأخيرة من الصبح ، وقال بذلك جماعة من السلف والخلف ، واستدلوا بما تقدم من حديث البراء ونحوه ، ونوقش بأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك في النوازل فقط ثم ترك ، وبأن الحديث لم يخص القنوت بالفجر بل دل على مشروعيته في المغرب والفجر في النوازل ، ودلت الأحاديث الأخرى على تعميمه في سائر الفرائض ، وهم يخصون القنوت بالفجر ويقولون بالاستمرار ، واستدلوا أيضا بما روي من أن النبي صلى الله عليه وسلم " لم يزل يقنت في الصبح حتى فارق الدنيا " ، ونوقش بأن هذه الجملة وردت في بعض الأحاديث لكنها ضعيفة ؛ لأنها من طريق أبي جعفر الرازي ، وقد قال فيه عبد الله بن أحمد : ليس بالقوي ، وقال علي بن المديني : إنه يخلط ، وقال عمرو بن علي الفلاس : صدوق سيئ الحفظ ، وإنما أخذ به من أخذ من الأئمة لتوثيق جماعة من أهل الجرح والتعديل أبا جعفر الرازي ولشهادة بعض الأحاديث له ، لكن في سند الشاهد عمرو بن عبيد القدري وليس بحجة .
وبالجملة : فتخصيص صلاة الصبح بالقنوت من المسائل الخلافية الاجتهادية ، فمن صلى وراء إمام يقنت في الصبح خاصة قبل الركوع أو بعده فعليه أن يتابعه ، وإن كان الراجح الاقتصار في القنوت بالفرائض على النوازل فقط .
الشيخ عبد الرزاق عفيفي ، الشيخ عبد الله بن غديان ، الشيخ عبد الله بن منيع .
" فتاوى اللجنة الدائمة " ( 7 / 42 – 45 ) .
وينظر جواب السؤال رقم (59925) .

رابعاً :
إذا صلَّيتم خلف من يقنت في الفجر فنسي القنوت فسجد للسهو فالظاهر أنه يلزمكم متابعته وإن كنتم ترون أنه بدعة ؛ وذلك لأن ترك السجود وراءه فيه نقص في المتابعة ووضوح في المخالفة ، وقد أُمر المأموم بمتابعة الإمام ونُهي عن الاختلاف عليه ، وحتى لو صلَّى جالساً – مع أن القيام في الصلاة من الأركان – فإن المأموم يؤمر بالجلوس ، وقد سبق أن نقلنا فتاوى لبعض أهل التحقيق في متابعة الإمام في القنوت حتى وإن كان المأموم لا يرى مشروعيته.
عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه ، فإذا ركع فاركعوا ، وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا لك الحمد ، وإذا سجد فاسجدوا ، وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعون " .
رواه البخاري ( 689 ) ومسلم ( 414 ) .
ومعنى " فلا تختلفوا عليه " أي : في الأفعال ، وهو ما فسَّره الحديث نفسه بقوله " ... فإذا ركع فاركعوا ... " ، وليس كما قاله بعض الفقهاء من أنه الاختلاف في النية ، أوالاختلاف في الحال .
قال الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله - :
فتبيّن بهذا أنَّ الحديثَ لا يُراد به اختلافُ النِّيةِ ، ولهذا جاء التَّعبيرُ النَّبويُّ بقوله : " لا تختلفوا عليه " ولم يقل : لا تختلفوا عنه فتنووا غير ما نَوى ، وبين العبارتين فَرْقٌ ، فإذا قيل : لا تختلفْ على فلان : صار المرادُ بالاختلافِ المخالفة ، كما يُقال : لا تختلفوا على السُّلطان ، أي : لا تنابذوه وتخالفوه فيما يأمرُكم به مِن المعروفِ ، وقد فَسَّرَ النبي صلى الله عليه وسلم عَدَمَ المخالفةِ بقوله : " فإذا كَبَّرَ فكبِّروا ، وإذا رَكَعَ فاركعوا ... " إلخ الحديث .
فصار المرادُ بقوله : " لا تختلفوا عليه " أي : في الأفعالِ .
" الشرح الممتع " ( 4 / 258 ) .
نسأل الله أن يوفقكم لما فيه رضاه .
والله أعلم

عبقور2011
02-26-2011, 11:36 AM
محرمات استهان بها الناس

المقدمة

إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله .

أما بعد :

فإن الله سبحانه وتعالى فرض فرائض لا يجوز تضييعها ، وحد حدودا لا يجوز تعديها ، وحرم أشياء لا يجوز انتهاكها .

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ( ما أحل الله في كتابه فهو حلال ، وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عافية فاقبلوا من الله العافية ، فإن الله لم يكن نسيا ثم تلا هذه الآية [ وما كان ربك نسيا ] . ) [ رواه الحاكم 2/375 وحسنه الألباني في غاية المرام ص: 14 ]

والمحرمات هي حدود الله عز وجل ( ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه ) الطلاق/1 وقد هدد الله من يتعدى حدوده وينتهك حرماته فقال سبحانه : ( ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين ) سورة النساء/14

واجتناب المحرمات واجب لقوله صلى الله عليه وسلم ( ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم ) [ رواه مسلم : كتاب الفضائل حديث رقم 130 ط. عبد الباقي]

ومن المشاهد أن بعض متبعي الهوى ، ضعفاء النفوس ، قليلي العلم إذا سمع بالمحرمات متوالية يتضجر ويتأفف ويقول : كل شيء حرام ، ما تركتم شيئا إلا حرمتموه ، أسأمتمونا حياتنا ، وأضجرتم عيشتنا ، وضيقتم صدورنا ، وما عندكم إلا الحرام والتحريم ، الدين يسر، والأمر واسع ، والله غفور رحيم .

ومناقشة لهؤلاء نقول :

إن الله جل وعلا يحكم ما يشاء لا معقب لحكمه وهو الحكيم الخبير فهو يحل ما يشاء ويحرم ما يشاء سبحانه ، ومن قواعد عبوديتنا لله عز وجل أن نرضى بما حكم ونسلم تسليما .

وأحكامه سبحانه صادرة عن علمه وحكمته وعدله ليست عبثا ولا لعبا كما قال الله : ( وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم ) الأنعام/115

وقد بين لنا عز وجل الضابط الذي عليه مدار الحل والحرمة فقال تعالى : ( ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ) الأعراف/157 فالطيب حلال والخبيث حرام .

والتحليل والتحريم حق لله وحده فمن ادعاه لنفسه أو أقر به لغيره فهو كافر كفرا أكبر مخرجا عن الملة ( أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله .. ) الشورى/21

ثم إنه لا يجوز لأي أحد أن يتكلم في الحلال والحرام إلا أهل العلم العالمين بالكتاب والسنة وقد ورد التحذير الشديد فيمن يحلل ويحرم دون علم فقال تعالى : ( ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب .. ) سورة النحل/116

والمحرمات المقطوع بها مذكورة في القرآن وفي السنة كقوله تعالى : ( قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق .. الآية ) سورة الأنعام/151

وفي السنة كذلك ذكر لكثير من المحرمات كقوله صلى الله عليه وسلم ( إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام . [ رواه أبوداود 3486 وهو في صحيح أبي داود 977 ]

وقوله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه ) . [ رواه الدارقطني 3/7 وهو حديث صحيح ]

وقد يأتي في بعض النصوص ذكر محرمات مختصة بنوع من الأنواع مثلما ذكر الله المحرمات في المطاعم فقال : ( حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام .. الآية ) المائدة/3

وذكر سبحانه المحرمات في النكاح فقال : ( حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم .. الآية ) النساء/23

وذكر أيضا المحرمات من المكاسب فقال عز وجل : ( وأحل الله البيع وحرم الربا .. الآية ) البقرة/275

ثم إن الله الرحيم بعباده قد أحل لنا من الطيبات مالا يحصى كثرة وتنوعا ولذلك لم يفصل المباحات لأنها كثيرة لا تحصر وإنما فصل المحرمات لانحصارها وحتى نعرفها فنجتنبها فقال عز وجل : ( وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه ..) الأنعام/119

أما الحلال فأباحه على وجه الإجمال مادام طيبا فقال : ( يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ) البقرة/168 فكان من رحمته أن جعل الأصل في الأشياء الإباحة حتى يدل الدليل على التحريم ، وهذا من كرمه سبحانه وتعالى ومن توسعته على عباده فعلينا الطاعة والحمد والشكر .

وبعض الناس إذا رأوا الحرام معددا عليهم ومفصلا ضاقت أنفسهم ذرعا بالأحكام الشرعية وهذا من ضعف إيمانهم وقلة فقههم في الشريعة فهل يريد هؤلاء يا ترى أن يعدد عليهم أصناف الحلال حتى يقتنعوا بأن الدين يسر ؟ وهل يريدون أن تسرد لهم أنواع الطيبات حتى يطمئنوا أن الشريعة لا تكدر عليهم عيشهم ؟

هل يريدون أن يقال بأن اللحوم المذكاة من الإبل والبقر والغنم والأرانب والغزلان والوعول والدجاج والحمام والبط والوز والنعام حلال وأن ميتة الجراد والسمك حلال ؟.

وأن الخضراوات والبقول والفواكه وسائر الحبوب والثمار النافعة حلال

وأن الماء واللبن والعسل والزيت والخل حلال

وأن الملح والتوابل والبهارات حلال

وأن استخدام الخشب والحديد والرمل والحصى والبلاستيك والزجاج والمطاط حلال

وأن ركوب الدواب والسيارات والقطارات والسفن والطائرات حلال

وأن استعمال المكيفات والثلاجات والغسالات والنشافات والطاحونات والعجانات والفرامات والمعاصر وسائر أدوات الطب والهندسة والحساب والرصد والفلك والبناء واستخراج المياه والنفط والمعادن والتنقية والتحلية والطباعة والحاسبات الآلية حلال

وأن لبس القطن والكتان والصوف والوبر والشعر والجلود المباحة والنايلون والبوليستر حلال

وأن الأصل في النكاح والبيع والشراء والكفالة والحوالة والإجارة والمهن والحرف من النجارة والحدادة وإصلاح الآلات ورعي الغنم حلال

وهل يمكن يا ترى أن ينتهي بنا المقام إذا أردنا المواصلة في العد والسرد فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ؟

أما احتجاجهم بأن الدين يسر فهو حق أريد به باطل فإن مفهوم اليسر في هذا الدين ليس بحسب أهواء الناس وآرائهم وإنما بحسب ما جاءت به الشريعة فالفرق عظيم بين انتهاك المحرمات بالاحتجاج الباطل بأن الدين يسر ـ وهو يسر ولاشك ـ وبين الأخذ بالرخص الشرعية كالجمع والقصر والفطر في السفر ، والمسح على الخفين والجوربين للمقيم يوما بليلته وللمسافر ثلاثة أيام بلياليهن، والتيمم عند الخوف من استعمال الماء وجمع الصلاتين للمريض وحين نزول المطر ، وإباحة النظر إلى المرأة الأجنبية للخاطب ، والتخيير في كفارة اليمين بين العتق والإطعام والكسوة ، وأكل الميتة عند الاضطرار وغير ذلك من الرخص والتخفيفات الشرعية .

وبالإضافة لما تقدم فينبغي أن يعلم المسلم بأن في تحريم المحرمات حكما منها : أن الله يبتلي عباده بهذه المحرمات فينظر كيف يعملون ومن أسباب تميز أهل الجنة عن أهل النار أن أهل النار قد انغمسوا في الشهوات التي حفت بها النار وأهل الجنة صبروا على المكاره التي حفت بها الجنة ، ولولا هذا الابتلاء ما تبين العاصي من المطيع . وأهل الإيمان ينظرون إلى مشقة التكليف بعين احتساب الأجر وامتثال أمر الله لنيل رضاه فتهون عليهم المشقة وأهل النفاق ينظرون إلى مشقة التكليف بعين الألم والتوجع والحرمان فتكون الوطأة عليهم شديدة والطاعة عسيرة .

وبترك المحرمات يذوق المطيع حلاوة : من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه ويجد لذة الإيمان في قلبه .

وفي هذه الرسالة يجد القارئ الكريم عددا من المحرمات التي ثبت تحريمها في الشريعة مع بيان أدلة التحريم من الكتاب والسنة [ وقد صنف بعض العلماء في المحرمات أو في بعض أنواعها كالكبائر ومن الكتب الجيدة في موضوع المحرمات كتاب تنبيه الغافلين عن أعمال الجاهلين لابن النحاس الدمشقي رحمه الله تعالى ] ، وهذه المحظورات مما شاع فعلها وعم ارتكابها بين كثير من المسلمين ، وقد أردت بذكرها التبيان والنصح ، أسأل الله لي ولإخواني المسلمين الهداية والتوفيق والوقوف عند حدوده سبحانه وأن يجنبنا المحرمات ويقينا السيئات والله خير حافظا وهو أرحم الراحمين

المحتويات

الشرك بالله

عبادة القبور

الذبح لغير الله

تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله

السحر والكهانة والعرافة

الاعتقاد في تأثير النجوم والكواكب في الحوادث وحياة الناس

اعتقاد النفع في أشياء لم يجعلها الخالق كذلك

الرياء بالعبادات

الطيرة

الحلف بغير الله تعالى

الجلوس مع المنافقين أو الفساق استئناسا بهم أو إيناسا لهم

ترك الطمأنينة في الصلاة

العبث وكثرة الحركة في الصلاة

سبق المأموم إمامه في الصلاة عمدا

إتيان المسجد لمن أكل بصلا أو ثوما أو ماله رائحة كريهة

الزنا

اللواط

امتناع المرأة من فراش زوجها بغير إذن شرعي

طلب المرأة الطلاق من زوجها لغير سبب شرعي

الظهار

وطء الزوجة في حيضها

إتيان المرأة في دبرها

عدم العدل بين الزوجات

الخلوة بالأجنبية

مصافحة المرأة الأجنبية

تطيب المرأة عند خروجها ومرورها بعطرها على الرجال

سفر المرأة بغير محرم

تعمد النظر إلى المرأة الأجنبية

الدياثة

التزوير في انتساب الولد لأبيه وجحد الرجل ولده

أكل الربا

كتم عيوب السلعة وإخفاؤها عند بيعها

بيع النجش

البيع بعد النداء الثاني يوم الجمعة

القمار والميسر

السرقة

أخذ الرشوة وإعطاؤها

غصب الأرض

قبول الهدية بسبب الشفاعة

استيفاء العمل من الأجير وعدم إيفائه أجره

عدم العدل في العطية بين الأولاد

سؤال الناس المال من غير حاجة

الاستدانة بدين لا يريد وفاءه

أكل الحرام

شرب الخمر ولو قطرة واحدة

استعمال آنية الذهب والفضة والأكل والشرب فيها

شهادة الزور

سماع المعازف والموسيقى

الغيبة

النميمة

الاطلاع على بيوت الناس دون إذن

تناجي اثنين دون الثالث

الإسبال في الثياب

تحلي الرجال بالذهب على أي صورة كانت

لبس القصير والرقيق والضيق من الثياب للنساء

وصل الشعر بشعر مستعار لآدمي أو لغيره للرجال والنساء

تشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال

صبغ الشعر بالسواد

تصوير ما فيه روح في الثياب والجدران والورق ونحو ذلك

الكذب في المنام

الجلوس على القبر والوطء عليه وقضاء الحاجة في المقابر

عدم الاستتار من البول

التسمع إلى حديث قوم وهم له كارهون

سوء الجوار

المضارة في الوصية

اللعب بالنرد

لعن المؤمن ولعن من لا يستحق اللعن

النياحة

ضرب الوجه والوسم في الوجه

هجر المسلم فوق ثلاثة أيام دون سبب شرعي



الشرك بالله

وهو أعظم المحرمات على الإطلاق لحديث أبي بكرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر (ثلاثا) قالوا قلنا بلى يا رسول الله ، قال : الإشراك بالله .. متفق عليه البخاري / رقم 2511 ط. البغا ) وكل ذنب يمكن أن يغفره الله إلا الشرك فلا بد له من توبة مخصوصة قال الله تعالى ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) النساء/48

والشرك منه ما هو أكبر مخرج عن ملة الإسلام ، صاحبه مخلد في النار إن مات على ذلك .

ومن مظاهر هذا الشرك المنتشرة في كثير من بلاد المسلمين :

ـ عبادة القبور واعتقاد أن الأولياء الموتى يقضون الحاجات ويفرجون الكربات والاستعانة والاستغاثة بهم والله سبحانه وتعالى يقول : ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ... ) سورة الإسراء/23 ، وكذلك دعاء الموتى من الأنبياء والصالحين أو غيرهم للشفاعة أو للتخليص من الشدائد والله يقول : ( أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء .. أإله مع الله ) النمل/62 وبعضهم يتخذ ذكر اسم الشيخ أو الولي عادته وديدنه إن قام وإن قعد وإن عثر وكلما وقع في ورطة أو مصيبة وكربة فهذا يقول يا محمد وهذا يقول يا علي وهذا يقول يا حسين وهذا يقول يا بدوي وهذا يقول يا جيلاني وهذا يقول يا شاذلي وهذا يقول يا رفاعي وهذا يدعو العيدروس وهذا يدعو السيدة زينب وذاك يدعو ابن علوان والله يقول : ( إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم ... ) سورة الأعراف/194 وبعض عباد القبور يطوفون بها ويستلمون أركانها ويتمسحون بها ويقبلون أعتابها ويعفرون وجوههم في تربتها ويسجدون لها إذا رأوها ويقفون أمامها خاشعين متذللين متضرعين سائلين مطالبهم وحاجاتهم من شفاء مريض أو حصول ولد أو تيسير حاجة وربما نادى صاحب القبر يا سيدي جئتك من بلد بعيد فلا تخيبني والله عز وجل يقول ( ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون ) سورة الأحقاف/5 وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من مات وهو يدعو من دون الله ندا دخل النار ) رواه البخاري الفتح 8/176 ، وبعضهم يحلقون رؤوسهم عند القبور ، وعند بعضهم كتب بعناوين مثل : "مناسك حج المشاهد" ويقصدون بالمشاهد القبور وأضرحة الأولياء ، وبعضهم يعتقد أن الأولياء يتصرفون في الكون وأنهم يضرون وينفعون والله عز وجل يقول : ( وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله ...) سورة يونس/107 ، وكذلك من الشرك النذر لغير الله كما يفعل الذين ينذرون الشموع والأنوار لأصحاب القبور .

ــ ومن مظاهر الشرك الأكبر الذبح لغير الله والله يقول : ( فصل لربك وانحر ) سورة الكوثر/2 أي انحر لله وعلى اسم الله وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لعن الله من ذبح لغير الله ) رواه الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه رقم 1978 ط. عبد الباقي ، وقد يجتمع في الذبيحة محرمان وهما الذبح لغير الله والذبح على غير اسم الله وكلاهما مانع للأكل منها ، ومن ذبائح الجاهلية - الشائعة في عصرنا - " ذبائح الجن " وهي أنهم كانوا إذا اشتروا دارا أو بنوها أو حفروا بئرا ذبحوا عندها أو على عتبتها ذبيحة خوفا من أذى الجن ( انظر تيسير العزيز الحميد ط. الإفتاء ص : 158 )

ــ ومن أمثلة الشرك الأكبر العظيمة الشائعة تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله أو اعتقاد أن أحدا يملك الحق في ذلك غير الله عز وجل ، أو التحاكم إلى المحاكم والقوانين الجاهلية عن رضا واختيار واعتقاد بجواز ذلك وقد ذكر الله عز وجل هذا الكفر الأكبر في قوله : ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ) التوبة/31 ولما سمع عدي بن حاتم نبي الله صلى الله عليه وسلم يتلوها قال : فقلت : إنهم لم يكونوا يعبدونهم قال : ( أجل ولكن يحلون لهم ما حرم الله فيستحلونه ويحرمون عليهم ما أحل الله فيحرمونه فتلك عبادتهم لهم ) رواه البيهقي السنن الكبرى 10/116 وهو عند الترمذي برقم 3095 وحسنه الألباني في غاية المرام ص:19 ، وقد وصف الله المشركين بأنهم ( لا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق .. ) سورة التوبة/29 ، وقال الله عز وجل : ( قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون ) سورة يونس/59

ــ ومن أنواع الشرك المنتشرة السحر والكهانة والعرافة :

أما السحر فإنه كفر ومن السبع الكبائر الموبقات وهو يضر ولا ينفع قال الله تعالى عن تعلمه ( فيتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ) البقرة/102 ، وقال ( ولا يفلح الساحر حيث أتى ) طه/69 ، والذي يتعاطى السحر كافر قال الله تعالى : ( وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر ) البقرة/102

وحكم الساحر القتل وكسبه حرام خبيث ، والجهال والظلمة وضعفاء الإيمان يذهبون إلى السحرة لعمل سحر يعتدون به على أشخاص أو ينتقمون منهم ومن الناس من يرتكب محرما بلجوئه إلى الساحر لفك السحر والواجب اللجوء إلى الله والاستشفاء بكلامه كالمعوذات وغيرها .

أما الكاهن والعراف فكلاهما كافر بالله العظيم لادعائهما معرفة الغيب ولا يعلم الغيب إلا الله وكثير من هؤلاء يستغفل السذج لأخذ أموالهم ويستعملون وسائل كثيرة من التخطيط في الرمل أو ضرب الودع أو قراءة الكف والفنجان أو كرة الكريستال والمرايا وغير ذلك وإذا صدقوا مرة كذبوا تسعا وتسعين مرة ولكن المغفلين لا يتذكرون إلا المرة التي صدق فيها هؤلاء الأفاكون فيذهبون إليهم لمعرفة المستقبل والسعادة والشقاوة في زواج أو تجارة والبحث عن المفقودات ونحو ذلك وحكم الذي يذهب إليهم إن كان مصدقا بما يقولون فهو كافر خارج عن الملة والدليل قوله صلى الله عليه وسلم : " من أتى كاهنا أو عرافا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد " رواه الإمام أحمد 2/429 وهو في صحيح الجامع 5939 أما إن كان الذي يذهب إليهم غير مصدق بأنهم يعلمون الغيب ولكنه يذهب للتجربة ونحوها فإنه لا يكفر ولكن لا تقبل له صلاة أربعين يوما والدليل قوله صلى الله عليه وسلم : " من أتى عرافا فسأله عن شئ لم تقبل له صلاة أربعين ليلة " صحيح مسلم 4/1751 ، هذا مع وجوب الصلاة والتوبة عليه .

ــ الاعتقاد في تأثير النجوم والكواكب في الحوادث وحياة الناس :

عن زيد بن خالد الجهني قال : صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية ـ على أثر سماء كانت من الليلة ـ فلما انصرف أقبل على الناس فقال : " هل تدرون ماذا قال ربكم ؟ " قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : " أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر ، فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي وكافر بالكوكب . وأما من قال بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي ومؤمن بالكوكب " رواه البخاري أنظر فتح الباري 2/333 . ومن ذلك اللجوء إلى أبراج الحظ في الجرائد والمجلات فإن اعتقد ما فيها من أثر النجوم والأفلاك فهو مشرك وإن قرأها للتسلية فهو عاص آثم لأنه لا يجوز التسلي بقراءة الشرك بالإضافة لما قد يلقي الشيطان في نفسه من الاعتقاد بها فتكون وسيلة للشرك .

ــ ومن الشرك اعتقاد النفع في أشياء لم يجعلها الخالق عز وجل كذلك كما يعتقد بعضهم في التمائم والعزائم الشركية وأنواع من الخرز أو الودع أو الحلق المعدنية وغيرها بناء على إشارة الكاهن أو الساحر أو اعتقاد متوارث فيعلقونها في رقابهم أو على أولادهم لدفع العين بزعمهم أو يربطونها على أجسادهم أو يعلقونها في سياراتهم وبيوتهم أو يلبسون خواتم بأنواع من الفصوص يعتقدون فيها أمورا معينة من رفع البلاء أو دفعه وهذا لاشك ينافي التوكل على الله ولا يزيد الإنسان إلا وهنا وهو من التداوي بالحرام وهذه التمائم التي تعلق في كثير منها شرك جلي واستغاثة ببعض الجن والشياطين أو رسوم غامضة أو كتابات غير مفهومة وبعض المشعوذين يكتبون آيات من القرآن ويخلطونها بغيرها من الشرك وبعضهم يكتب آيات القرآن بالنجاسات أو بدم الحيض وتعليق كل ما تقدم أو ربطه حرام لقوله صلى الله عليه وسلم : ( من علق تميمة فقد أشرك ) رواه أحمد 4/156 وهو في السلسلة الصحيحة رقم 492 .

وفاعل ذلك إن اعتقد أن هذه الأشياء تنفع أو تضر من دون الله فهو مشرك شركا أكبر ، وإن اعتقد أنها سبب للنفع أو الضرر ، والله لم يجعلها سببا ، فهو مشرك شركا أصغر وهذا يدخل في شرك الأسباب

ــ الرياء بالعبادات :

من شروط العمل الصالح أن يكون خالصا من الرياء مقيدا بالسنة والذي يقوم بعبادة ليراه الناس فهو مشرك وعمله حابط كمن صلى ليراه الناس ، قال الله تعالى : ( إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا ) النساء/ 142 ، وكذلك إذا عمل العمل لينتقل خبره ويتسامع به الناس فقد وقع في الشرك وقد ورد الوعيد لمن يفعل ذلك كما جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا : " من سمع سمع الله به ومن راءى راءى الله به " رواه مسلم 4/2289 . ومن عمل عبادة قصد بها الله والناس فعمله حابط كما جاء في الحديث القدسي : " أنا أغنى الشركاء عن الشرك ، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه " رواه مسلم رقم 2985

ومن ابتدأ العمل لله ثم طرأ عليه الرياء فإن كرهه وجاهده ودافعه صح عمله وإن استروح إليه وسكنت إليه نفسه فقد نص أكثر أهل العلم على بطلانه .

ــ الطيرة :

وهي التشاؤم قال تعالى : ( فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه ، وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ) الأعراف/131 .

وكانت العرب إذا أراد أحدهم أمرا كسفر وغيره أمسك بطائر ثم أرسله فإن ذهب يمينا تفاءل ومضى في أمره وإن ذهب شمالا تشاءم ورجع عما أراد وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم حكم هذا العمل بقوله : " الطيرة شرك " رواه الإمام أحمد 1/389 وهو في صحيح الجامع 3955 .

ومما يدخل في هذا الاعتقاد المحرم المنافي للتوحيد : التشاؤم بالشهور كترك النكاح في شهر صفر ، وبالأيام كاعتقاد أن آخر أربعاء من كل شهر يوم نحس مستمر أو الأرقام كالرقم 13 أو الأسماء أو أصحاب العاهات كما إذا ذهب ليفتح دكانه فرأى أعور في الطريق فتشاءم ورجع ونحو ذلك فهذا كله حرام ومن الشرك وقد برئ النبي صلى الله عليه وسلم من هؤلاء فعن عمران بن حصين مرفوعا : " ليس منا من تطير ولا تطير له ولا تكهن ولا تكهن له ( وأظنه قال :) أو سحر أو سحر له " رواه الطبراني في الكبير 18/162 انظر صحيح الجامع 5435 . ومن وقع في شئ من ذلك فكفارته ما جاء في حديث عبدالله بن عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من ردته الطيرة من حاجة فقد أشرك قالوا يا رسول الله ما كفارة ذلك قال أن يقول أحدهم : " اللهم لا خير إلا خيرك ولا طير إلا طيرك ولا إله غيرك " رواه الإمام أحمد 2/220 السلسلة الصحيحة 1065 .

والتشاؤم من طبائع النفوس يقل ويكثر وأهم علاج له التوكل على الله عز وجل كما في قول ابن مسعود : " وما منا إلا ( أي : إلا ويقع في نفسه شئ من ذلك ) ولكن الله يذهبه بالتوكل " رواه أبو داود رقم 3910 وهو في السلسلة الصحيحة 430 .

ــ الحلف بغير الله تعالى :

الله سبحانه وتعالى يقسم بما شاء من مخلوقاته وأما المخلوق فلا يجوز له أن يقسم بغير الله ومما يجري على ألسنة كثير من الناس الحلف بغير الله والحلف نوع من التعظيم لا يليق إلا بالله عن ابن عمر مرفوعا : " ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت " رواه البخاري انظر الفتح 11/530 . وعن ابن عمر مرفوعا : " من حلف بغير الله فقد أشرك " رواه الإمام أحمد 2/125 انظر صحيح الجامع 6204 . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " من حلف بالأمانة فليس منا " رواه أبو داود 3253 وهو في السلسلة الصحيحة رقم 94 .

فلا يجوز الحلف بالكعبة ولا بالأمانة ولا بالشرف ولا بالعون ولا ببركة فلان ولا بحياة فلان ولا بجاه النبي ولا بجاه الولي ولا بالآباء والأمهات ولا برأس الأولاد كل ذلك حرام ومن وقع في شيء من هذا فكفارته أن يقول لا إله إلا الله كما جاء في الحديث الصحيح : " من حلف فقال في حلفه باللات والعزى فليقل لا إله إلا الله .. " رواه البخاري فتح 11/536

وعلى منوال هذا الباب أيضا عدد من الألفاظ الشركية والمحرمة التي يتفوه بها بعض المسلمين ومن أمثلتها : أعوذ بالله وبك ـ أنا متوكل على الله وعليك ـ هذا من الله ومنك ـ مالي إلا الله وأنت ـ الله لي في السماء وأنت لي في الأرض ـ لولا الله وفلان ـ أنا بريئ من الإسلام ـ يا خيبة الدهر ( وكذا كل عبارة فيها سب الدهر مثل هذا زمان سوء وهذه ساعة نحس والزمن غدار ونحو ذلك وذلك لأن سب الدهر يرجع على الله الذي خلق الدهر ) ـ شاءت الطبيعة ـ كل الأسماء المعبدة لغير الله كعبد المسيح وعبد النبي وعبد الرسول وعبد الحسين

ومن المصطلحات والعبارات الحادثة المخالفة للتوحيد كذلك : اشتراكية الإسلام ـ ديموقراطية الإسلام ـ إرادة الشعب من إرادة الله ـ الدين لله والوطن للجميع ـ باسم العروبة ـ باسم الثورة .

ومن المحرمات إطلاق لفظة ملك الملوك وما في حكمها كقاضي القضاة على أحد من البشر ـ إطلاق لفظة سيد وما في معناها على المنافق والكافر ( سواء كان باللغة العربية أو بغيرها) ـ استخدام حرف لو الذي يدل على التسخط والتندم والتحسر ويفتح عمل الشيطان ـ قول اللهم اغفر لي إن شئت ـ [ وللتوسع انظر معجم المناهي اللفظية : بكر أبو زيد ]

الجلوس مع المنافقين أو الفساق استئناسا بهم أو إيناسا لهم :

يعمد كثير من الذين لم يتمكن الإيمان من قلوبهم إلى مجالسة بعض أهل الفسق والفجور بل ربما جالسوا بعض الذين يطعنون في شريعة الله ويستهزئون بدينه وأوليائه ولاشك أن هذا عمل محرم يقدح في العقيدة قال الله تعالى : ( وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين ) الأنعام/68

فلا يجوز الجلوس معهم في هذه الحالة وإن اشتدت قرابتهم أو لطف معشرهم وعذبت ألسنتهم إلا لمن أراد دعوتهم أو رد باطلهم أو الإنكار عليهم أما الرضا أو السكوت فلا ، قال الله تعالى : ( فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين ) التوبة/96

ترك الطمأنينة في الصلاة :

من أكبر جرائم السرقة السرقة من الصلاة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته قالوا يا رسول الله : وكيف يسرق من صلاته قال : لا يتم ركوعها ولا سجودها " رواه الإمام أحمد 5/310 وهو في صحيح الجامع 997 . وإن ترك الطمأنينة وعدم استقرار الظهر في الركوع والسجود وعدم إقامته بعد الرفع من الركوع واستوائه في الجلسة بين السجدتين كل ذلك مشهور ومشاهد في جماهير المصلين ولا يكاد يخلو مسجد من نماذج من الذين لا يطمئنون في صلاتهم . والطمأنينة ركن والصلاة لا تصح بدونها والأمر خطير قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تجزئ صلاة الرجل حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود" رواه أبو داود 1/533 وهو في صحيح الجامع 7224 . ولا شك أن هذا منكر يستحق صاحبه الزجر والوعيد ، عن أبي عبد الله الأشعري قال صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه ثم جلس في طائفة منهم فدخل رجل فقام يصلي فجعل يركع وينقر في سجوده فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أترون هذا ؟ من مات على هذا مات على غير ملة محمد ينقر صلاته كما ينقر الغراب الدم ، إنما مثل الذي يركع وينقر في سجوده كالجائع لا يأكل إلا التمرة والتمرتين فماذا تغنيان عنه " رواه ابن خزيمة في صحيحه 1/332 وانظر صفة صلاة النبي للألباني 131 ، وعن زيد بن وهب قال رأى حذيفة رجلا لا يتم الركوع والسجود قال : ما صليت ولو مت مت على غير الفطرة التي فطر الله محمدا صلى الله عليه وسلم رواه البخاري انظر الفتح 2/274 . وينبغي على من ترك الطمأنينة في الصلاة إذا علم بالحكم أن يعيد فرض الوقت الذي هو فيه ويتوب إلى الله عما مضى ولا تلزمه إعادة الصلوات السابقة كما دل عليه حديث ارجع فصل فإنك لم تصل .

العبث وكثرة الحركة في الصلاة :

وهذه آفة لا يكاد يسلم منها أعداد من المصلين لأنهم لا يمتثلون أمر الله ( وقوموا لله قانتين ) البقرة/238 ، ولا يعقلون قول الله ( قد أفلح المؤمنون ، الذين هم في صلاتهم خاشعون ) المؤمنون/1-2 ، ولما سئل صلى الله عليه وسلم عن تسوية التراب في السجود قال " لا تمسح وأنت تصلي فإن كنت لا بد فاعلا فواحدة تسوية الحصى " رواه أبو داود 1/581 وهو في صحيح الجامع 7452 ، وقد ذكر أهل العلم أن الحركة الكثيرة المتوالية بغير حاجة تبطل الصلاة فكيف بالعابثين في صلواتهم يقفون أمام الله وأحدهم ينظر في ساعته أو يعدل ثوبه أو يلقم إصبعه أنفه ويرمى ببصره يمينا وشمالا وإلى السماء ولا يخشى أن يخطف بصره وأن يختلس الشيطان من صلاته .

سبق المأموم إمامه في الصلاة عمدا :

الإنسان من طبعه العجلة ( وكان الإنسان عجولا ) الإسراء/11 ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم ( التأني من الله والعجلة من الشيطان ) رواه البيهقي في السنن الكبرى 10/104 وهو في السلسلة 1795 . وكثيرا ما يلاحظ المرء وهو في الجماعة عددا من المصلين عن يمينه أو شماله بل ربما يلاحظ ذلك على نفسه أحيانا مسابقة الإمام بالركوع أو السجود وفي تكبيرات الانتقال عموما وحتى في السلام من الصلاة وهذا العمل الذي لا يبدو ذا أهمية عند الكثيرين قد جاء فيه الوعيد الشديد عن النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : " أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار " رواه مسلم 1/320-321 .

وإذا كان المصلي مطالبا بالإتيان إلى الصلاة بالسكينة والوقار فكيف بالصلاة ذاتها وقد تختلط عند بعض الناس مسابقة الإمام بالتخلف عنه فليعلم أن الفقهاء رحمهم الله قد ذكروا ضابطا حسنا في هذا وهو أنه ينبغي على المأموم الشروع في الحركة حين تنقطع تكبيرة الإمام فإذا انتهى من ( راء ) الله أكبر يشرع المأموم في الحركة لا يتقدم عن ذلك ولا يتأخر وبذلك ينضبط الأمر وقد كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهم في غاية الحرص على عدم استباق النبي صلى الله عليه وسلم فيقول أحدهم وهو البراء بن عازب رضي الله عنه إنهم كانوا يصلون خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا رفع رأسه من الركوع لم أر أحدا يحني ظهره حتى يضع رسول الله صلى الله عليه وسلم جبهته على الأرض ثم يخر من وراءه سجدا ) رواه مسلم رقم 474 ط. عبد الباقي .

ولما كبر النبي صلى الله عليه وسلم وصار في حركته نوع من البطء نبه المصلين خلفه فقال ( يا أيها الناس إني قد بدنت فلا تسبقوني بالركوع والسجود .. ) رواه البيهقي 2/93 وحسنه في إرواء الغليل 2/ 290 ، وعلى الإمام أن يعمل بالسنة في التكبير إذا صلى وهو ما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم ثم يكبر حين يركع .. ثم يكبر حين يهوي ثم يكبر حين يرفع رأسه ثم يكبر حين يسجد ثم يكبر حين يرفع رأسه ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها حتى يقضيها ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس ) رواه البخاري رقم 756 ط. البغا ، فإذا جعل الإمام تكبيره مرافقا ومقترنا بحركته وحرص المأموم على الالتزام بالكيفية السابق ذكرها صلح أمر الجماعة في صلاتهم .

إتيان المسجد لمن أكل بصلا أو ثوما أو ما له رائحة كريهة : -

قال الله تعالى : ( يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد ... ) الأعراف/31

عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أكل ثوما أو بصلا فليعتزلنا أو قال : فليعتزل مسجدنا وليقعد في بيته " رواه البخاري انظر الفتح 2/339 ، وفي رواية لمسلم " من أكل البصل والثوم والكراث فلا يقربن مسجدنا فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم " رواه مسلم رواه 1/395 . وخطب عمر بن الخطاب الناس يوم الجمعة فقال في خطبته : " ثم إنكم أيها الناس تأكلون شجرتين لا أراهما إلا خبيثتين : هذا البصل والثوم لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وجد ريحهما من الرجل في المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع فمن أكلها فليمتهما طبخا " رواه مسلم 1/396 .

ويدخل في هذا الباب الذين يدخلون المساجد بعد أعمالهم مباشرة والروائح الكريهة تنبعث من آباطهم وجواربهم .

وأسوأ من هذا المدخنون الذين يتعاطون التدخين المحرم ثم يدخلون المساجد يؤذون عباد الله من الملائكة والمصلين .

الزنا :

لما كان من مقاصد الشريعة حفظ العرض وحفظ النسل جاء فيها تحريم الزنا قال الله تعالى : ( ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا ) الإسراء/32 ، بل وسدت الشريعة جميع الذرائع والطرق الموصلة إليه بالأمر بالحجاب وغض البصر وتحريم الخلوة بالأجنبية وغير ذلك .

والزاني المحصن يعاقب بأشنع عقوبة وأشدها وهي رجمه بالحجارة حتى يموت ليذوق وبال أمره وليتألم كل جزء من جسده كما استمتع به في الحرام والزاني الذي لم يسبق له الوطء في نكاح صحيح يجلد بأكثر عدد في الجلد ورد في الحدود الشرعية وهو مائة جلدة مع ما يحصل له من الفضيحة بشهادة طائفة من المؤمنين لعذابه والخزي بإبعاده عن بلده وتغريبه عن مكان الجريمة عاما كاملا .

وعذاب الزناة والزواني في البرزخ أنهم يكونون في تنور أعلاه ضيق وأسفله واسع يوقد تحته نار يكونون فيه عراة فإذا أوقدت عليهم النار صاحوا وارتفعوا حتى يكادوا أن يخرجوا فإذا أخمدت رجعوا فيها وهكذا يفعل بهم إلى قيام الساعة .

ويزداد الأمر قبحا إذا كان الرجل مستمرا في الزنا مع تقدمه في السن وقربه من القبر وإمهال الله له فعن أبي هريرة مرفوعا : " ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم : شيخ زان وملك كذاب وعائل مستكبر " رواه مسلم 1/102-103 . ومن شر المكاسب مهر البغي وهو ما تأخذه مقابل الزنا ، والزانية التي تسعى بفرجها محرومة من إجابة الدعوة عندما تفتح أبواب السماء في نصف الليل [ الحديث في صحيح الجامع 2971 ، وليست الحاجة والفقر عذرا شرعيا مطلقا لانتهاك حدود الله وقديما قالوا تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها فكيف بفرجها .

وفي عصرنا فتح كل باب إلى الفاحشة وسهل الشيطان الطريق بمكره ومكر أوليائه واتبعه العصاة والفجرة ففشا التبرج والسفور وعم انفلات البصر والنظر المحرم وانتشر الاختلاط وراجت مجلات الخنا وأفلام الفحش وكثر السفر إلى بلاد الفجور وقام سوق تجارة الدعارة وكثر انتهاك الأعراض وازداد عدد أولاد الحرام وحالات قتل الأجنة فنسألك اللهم رحمتك ولطفك وسترك وعصمة من عندك تعصمنا بها من الفواحش ونسألك أن تطهر قلوبنا وتحصن فروجنا وأن تجعل بيننا وبين الحرام برزخا وحجرا محجورا .

اللواط :-

كانت جريمة قوم لوط هي إتيان الذكران من الناس قال الله تعالى : ( ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين . أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر ) العنكبوت/29 .

ولشناعة هذه الجريمة وقبحها وخطورتها عاقب الله مرتكبيها بأربعة أنواع من العقوبات لم يجمعها على قوم غيرهم وهي أنه طمس أعينهم وجعل عاليها سافلها وأمطرهم بحجارة من سجيل منضود وأرسل عليهم الصيحة

وفي هذه الشريعة صار القتل بالسيف ـ على الراجح ـ هو عقوبة الفاعل والمفعول به إذا كان عن رضا واختيار فعن ابن عباس مرفوعا : " من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به " رواه الإمام أحمد 1/300 وهو في صحيح الجامع 6565 .

وما ظهر في زماننا من الطواعين وأنواع الأمراض التي لم تكن في أسلافنا الذين مضوا بسبب الفاحشة كمرض الإيدز القاتل يدل على شئ من حكمة الشارع في تعيين هذه العقوبة البليغة .

امتناع المرأة من فراش زوجها بغير عذر شرعي :

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح " رواه البخاري انظر الفتح 6/314 .

وكثير من النساء إذا صار بينها وبين زوجها خلاف تعاقبه - بظنها - بمنعه حقه في الفراش وقد يترتب على هذا مفاسد عظيمة منها وقوع الزوج في الحرام وقد تنعكس عليها الأمور فيفكر جادا في الزواج عليها

فعلى الزوجة أن تسارع بإجابة زوجها إذا طلبها امتثالا لقوله عليه الصلاة والسلام : " إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فلتجب وإن كانت على ظهر قتب " انظر زوائد البزار 2/181 وهو في صحيح الجامع 547 والقتب ما يوضع على ظهر الجمل للركوب . وعلى الزوج أن يراعي زوجته إذا كانت مريضة أو حاملا أو مكروبة حتى يدوم الوفاق ولا يقع الشقاق .

طلب المرأة الطلاق من زوجها لغير سبب شرعي :-

تسارع كثير من النساء إلى طلب الطلاق من أزواجهن عند حصول أدنى خلاف أو تطالب الزوجة بالطلاق إذا لم يعطها الزوج ما تريد من المال وقد تكون مدفوعة من قبل بعض أقاربها أو جاراتها من المفسدات وقد تتحدى زوجها بعبارات مثيرة للأعصاب كقولها إن كنت رجلا فطلقني ومن المعلوم أنه يترتب على الطلاق مفاسد عظيمة من تفكك الأسرة وتشرد الأولاد وقد تندم حين لا ينفع الندم ولهذا وغيره تظهر الحكمة في الشريعة لما جاءت بتحريم ذلك فعن ثوبان رضي الله عنه مرفوعا : " أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة " رواه أحمد 5/277 وهو في صحيح الجامع 2703 . وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه مرفوعا : " إن المختلعات والمنتزعات هن المنافقات " رواه الطبراني في الكبير 17/339 وهو في صحيح الجامع 1934 . أما لو قام سبب شرعي كترك الصلاة أو تعاطي المسكرات والمخدرات من قبل الزوج أو أنه يجبرها على أمر محرم أو يظلمها بتعذيبها أو بمنعها من حقوقها الشرعية مثلا ولم ينفع النصح ولم تجد محاولات الإصلاح فلا يكون على المرأة حينئذ من بأس إن هي طلبت الطلاق لتنجو بدينها ونفسها .

الظهار :-

من ألفاظ الجاهلية الأولى المنتشرة في هذه الأمة الوقوع في الظهار كأن يقول الزوج لزوجته أنت علي كظهر أمي أو أنت حرام علي كحرمة أختي ونحو ذلك من الألفاظ الشنيعة التي استبشعتها الشريعة لما فيها من ظلم المرأة وقد وصف الله ذلك بقوله سبحانه :( الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا وإن الله لعفو غفور ) المجادلة/2

وجعلت الشريعة الكفارة في ذلك مغلظة مشابهة لكفارة قتل الخطأ ومماثلة لكفارة الجماع في نهار رمضان لا يجوز للمظاهر من زوجته أن يقربها إلا إذا أتى بالكفارة فقال الله تعالى : ( والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير . فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله وتلك حدود الله وللكافرين عذاب أليم ) المجادلة/3-4 .

وطء الزوجة في حيضها :-

قال تعالى : ( ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن) البقرة/222 ، فلا يحل له أن يأتيها حتى تغتسل بعد طهرها لقوله تعالى : ( فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله .. ) البقرة/222 ، ويدل على شناعة هذه المعصية قوله صلى الله عليه وسلم : " من أتى حائضا أو امرأة في دبرها أو كاهنا فقد كفر بما أنزل على محمد " رواه الترمذي عن أبي هريرة 1/243 وهو في صحيح الجامع 5918 .

ومن فعل ذلك خطأ دون تعمد وهو لا يعلم فليس عليه شيء ومن فعله عامدا عالما فعليه الكفارة في قول بعض أهل العلم ممن صحح حديث الكفارة وهي دينار أو نصف دينار ، قال بعضهم هو مخير فيهما وقال بعضهم إذا أتاها في أول حيضها في فورة الدم فعليه دينار وإن أتاها في آخر حيضها إذا خف الدم أو قبل اغتسالها من الحيض فعليه نصف دينار والدينار بالتقدير المتداول 25,4 غراما من الذهب يتصدق بها أو بقيمتها من الأوراق النقدية .

إتيان المرأة في دبرها :

بعض الشاذين من ضعاف الإيمان لا يتورع عن إتيان زوجته في دبرها ( في موضع خروج الغائط ) وهذا من الكبائر وقد لعن النبي صلى الله عليه وسلم من فعل هذا فعن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا : " ملعون من أتى امرأة في دبرها " رواه الإمام أحمد 2/479 وهو في صحيح الجامع 5865 ، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من أتى حائضا أو امرأة في دبرها أو كاهنا فقد كفر بما أنزل على محمد " رواه الترمذي برقم 1/243 وهو في صحيح الجامع 5918 . ورغم أن عددا من الزوجات من صاحبات الفطر السليمة يأبين ذلك إلا أن بعض الأزواج يهدد بالطلاق إذا لم تطعه ، وبعضهم قد يخدع زوجته التي تستحي من سؤال أهل العلم فيوهمها بأن هذا العمل حلال وقد يستدل لها بقوله تعالى ( نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ) البقرة/223 ، ومعلوم أن السنة تبين القرآن وقد جاء فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأنه يجوز أن يأتيها كيف شاء من الأمام والخلف مادام في موضع الولد ولا يخفى أن الدبر ومكان الغائط ليس موضعا للولد . ومن أسباب هذه الجريمة الدخول إلى الحياة الزوجية النظيفة بموروثات جاهلية قذرة من ممارسات شاذة محرمة أو ذاكرة مليئة بلقطات من أفلام الفاحشة دون توبة إلى الله . ومن المعلوم أن هذا الفعل محرم حتى لو وافق الطرفان فإن التراضي على الحرام لا يصيره حلالا .

عدم العدل بين الزوجات :-

مما وصانا الله به في كتابه العزيز العدل بين الزوجات قال الله تعالى : ( ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما ) النساء/129 ، فالعدل المطلوب هو أن يعدل في المبيت وأن يقوم لكل واحدة بحقها في النفقة والكسوة وليس العدل في محبة القلب لأن العبد لا يملكها وبعض الناس إذا اجتمع عنده أكثر من زوجة ينحاز إلى واحدة ويهمل الأخرى فيبيت عند واحدة أكثر أو ينفق عليها ويذر الأخرى وهذا محرم وهو يأتي يوم القيامة بحال جاء وصفها عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل " رواه أبو داود 2/601 وهو في صحيح الجامع 6491 .

الخلوة بالأجنبية :-

الشيطان حريص على فتنة الناس وإيقاعهم في الحرام ولذلك حذرنا الله سبحانه بقوله : ( يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر .. الآية) النور/21 ، والشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ومن سبل الشيطان في الإيقاع في الفاحشة الخلوة بالأجنبية ولذلك سدت الشريعة هذا الطريق كما في قوله صلى الله عليه وسلم : " لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان " رواه الترمذي 3/474 انظر مشكاة المصابيح 3118 . وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا يدخلن رجل بعد يومي هذا على مغيبة إلا ومعه رجل أو اثنان " رواه مسلم 4/1711 . فلا يجوز لرجل أن يختلي في بيت أو حجرة أو سيارة بامرأة أجنبية عنه كزوجة أخيه أو الخادمة أو مريضة مع طبيب ونحو ذلك وكثير من الناس يتساهلون في هذا إما ثقة بنفسه أو بغيره فيترتب على ذلك الوقوع في الفاحشة أو مقدماتها وتزداد مأساة اختلاط الأنساب وأولاد الحرام .

مصافحة المرأة الأجنبية :

وهذا مما طغت فيه بعض الأعراف الاجتماعية على شريعة الله في المجتمع وعلا فيه باطل عادات الناس وتقاليدهم على حكم الله حتى لو خاطبت أحدهم بحكم الشرع وأقمت الحجة وبينت الدليل اتهمك بالرجعية والتعقيد وقطع الرحم والتشكيك في النوايا الحسنة ... الخ، وصارت مصافحة بنت العم وبنت العمة وبنت الخال وبنت الخالة وزوجة الأخ وزوجة العم وزوجة الخال أسهل في مجتمعنا من شرب الماء ولو نظروا بعين البصيرة في خطورة الأمر شرعا ما فعلوا ذلك . قال المصطفى صلى الله عليه وسلم " لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له " رواه الطبراني 20/212 وهو في صحيح الجامع 4921 . ولا شك أن هذا من زنا اليد كما قال صلى الله عليه وسلم " العينان تزنيان واليدان تزنيان والرجلان تزنيان والفرج يزني " رواه الإمام أحمد 1/412 وهو في صحيح الجامع 4126 ، وهل هناك أطهر قلبا من محمد صلى الله عليه وسلم ومع ذلك قال " إني لا أصافح النساء" رواه الإمام أحمد 6/357 وهو في صحيح الجامع 2509 ، وقال أيضا " إني لا أمس أيدي النساء" رواه الطبراني في الكبير 24/342 وهو في صحيح الجامع 7054 وانظر الإصابة 4/354 ط. دار الكتاب العربي . وعن عائشة رضي الله عنها قالت : ولا والله ما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة قط غير أنه يبايعهن بالكلام [ رواه مسلم 3/1489 ] . ألا فليتق الله أناس يهددون زوجاتهم الصالحات بالطلاق إذا لم يصافحن إخوانهم .

وينبغي العلم بأن وضع حائل والمصافحة من وراء ثوب لا تغني شيئا فهو حرام في الحالين .

تطيب المرأة عند خروجها ومرورها بعطرها على الرجال :

وهذا مما فشا في عصرنا رغم التحذير الشديد من النبي صلى الله عليه وسلم بقوله " أيما امرأة استعطرت ثم مرت على القوم ليجدوا ريحها فهي زانية " رواه الإمام أحمد 4/418 انظر صحيح الجامع 105 . وعند بعض النساء غفلة أو استهانة يجعلها تتساهل بهذا الأمر عند السائق والبائع وبواب المدرسة ، بل إن الشريعة شددت على من وضعت طيبا بأن تغتسل كغسل الجنابة إذا أرادت الخروج ولو إلى المسجد . قال صلى الله عليه وسلم " أيما امرأة تطيبت ثم خرجت إلى المسجد ليوجد ريحها لم يقبل منها صلاة حتى تغتسل اغتسالها من الجنابة " رواه الإمام أحمد 2/444 وانظر صحيح الجامع 2703 . فإلى الله المشتكى من البخور والعود في الأعراس وحفلات النساء قبل خروجهن واستعمال هذه العطورات ذات الروائح النفاذة في الأسواق ووسائل النقل ومجتمعات الإختلاط وحتى في المساجد في ليالي رمضان وقد جاءت الشريعة بأن طيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه نسأل الله أن لا يمقتنا وأن لا يؤاخذ الصالحين والصالحات بفعل السفهاء والسفيهات وأن يهدي الجميع إلى صراطه المستقيم .

سفر المرأة بغير محرم :

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم إلا مع ذي محرم " رواه مسلم 2/977 . وسفرها بغير محرم يغري الفساق بها فيتعرضون لها وهي ضعيفة فقد تنجرف وأقل أحوالها أن تؤذى في عرضها أو شرفها، وكذلك ركوبها بالطائرة ولو بمحرم يودع ومحرم يستقبل ـ بزعمهم ـ فمن الذي سيركب بجانبها في المقعد المجاور ولو حصل خلل فهبطت الطائرة في مطار آخر أو حدث تأخير واختلاف موعد فماذا يكون الحال والقصص كثيرة . هذا ويشترط في المحرم أربعة شروط وهي أن يكون مسلما بالغا عاقلا ذكرا .

عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرا يكون ثلاثة أيام فصاعدا إلا ومعها أبوها أو ابنها أو زوجها أو أخوها أو ذو محرم منها " رواه مسلم 2/977 .

تعمد النظر إلى المرأة الأجنبية :

قال الله تعالى ( قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون ) النور /30 ، وقال صلى الله عليه وسلم " ...فزنا العين النظر ..." ( أي إلى ما حرم الله ) رواه البخاري انظر فتح الباري 11/26 . ويستثنى من ذلك ما كان لحاجة شرعية كنظر الخاطب والطبيب . ويحرم كذلك على المرأة أن تنظر إلى الرجل الأجنبي نظر فتنة قال تعالى ( وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ) ويحرم كذلك النظر إلى الأمرد والحسن بشهوة ، ويحرم نظر الرجل إلى عورة الرجل والمرأة إلى عورة المرأة وكل عورة لا يجوز النظر إليها لا يجوز مسها ولو من وراء حائل . ومن تلاعب الشيطان ببعضهم ما يفعلون من النظر إلى الصور في المجلات ومشاهدة الأفلام بحجة أنها ليست حقيقية وجانب المفسدة وإثارة الشهوات في هذا واضح كل الوضوح .

الدياثة :

عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعا : " ثلاثة قد حرم الله عليهم الجنة : مدمن الخمر والعاق والديوث الذي يقر في أهله الخبث " رواه الإمام أحمد 2/69 وهو في صحيح الجامع 3047 .

ومن صور الدياثة في عصرنا الإغضاء عن البنت أو المرأة في البيت وهي تتصل بالرجل الأجنبي يحادثها وتحادثه بما يسمى بالمغازلات وأن يرضى بخلوة إحدى نساء بيته مع رجل أجنبي وكذا ترك إحدى النساء من أهل البيت تركب بمفردها مع أجنبي كالسائق ونحوه وأن يرضى بخروجهن دون حجاب شرعي يتفرج عليهن الغادي والرائح وكذا جلب الأفلام أو المجلات التي تنشر الفساد والمجون وإدخالها البيت .

التزوير في انتساب الولد لأبيه وجحد الرجل ولده :

لا يجوز شرعا لمسلم أن ينتسب إلى غير أبيه أو يلحق نفسه بقوم ليس منهم وبعض الناس يفعلون ذلك لمآرب مادية ويثبتون النسب المزور في الأوراق الرسمية وبعضهم قد يفعله حقدا على أبيه الذي تركه وهو في صغره وكل ذلك حرام ويترتب على ذلك مفاسد عظيمة في أبواب متعددة كالمحرمية والنكاح والميراث ونحو ذلك وقد جاء في الصحيح عن سعد وأبي بكرة رضي الله عنهما مرفوعا : " من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم فالجنة عليه حرام " رواه البخاري انظر فتح الباري 8/45 . ويحرم في الشريعة كل ما فيه عبث بالأنساب أو تزوير فيها وبعض الناس إذا فجر في خصومته مع زوجته اتهمها بالفاحشة وتبرأ من ولده دون بينة وهو قد جاء على فراشه وقد تخون بعض الزوجات الأمانة فتحمل من فاحشة وتدخل في نسب زوجها من ليس منه وقد جاء الوعيد العظيم على ذلك فيما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لما نزلت آية الملاعنة : " أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم فليست من الله في شيء ولن يدخلها الله جنته وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله منه وفضحه على رؤوس الأولين والآخرين " رواه أبو داود 2/695 انظر مشكاة المصابيح 3316 .

أكل الربا :

لم يؤذن الله في كتابه بحرب أحد إلا أهل الربا قال الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين ، فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله ) البقرة / 278-279 ، وهذا كاف في بيان شناعة هذه الجريمة عند الله عز وجل .

والناظر على مستوى الأفراد والدول يجد مدى الخراب والدمار الذي خلفه التعامل بالربا من الإفلاس والكساد والركود والعجز عن تسديد الديون وشلل الاقتصاد وارتفاع مستوى البطالة وانهيار الكثير من الشركات والمؤسسات وجعل ناتج الكدح اليومي وعرق العمل يصب في خانة تسديد الربا غير المتناهي للمرابي وإيجاد الطبقية في المجتمع من جعل الأموال الطائلة تتركز في أيدي قلة من الناس ولعل هذا شيء من صور الحرب التي توعد الله بها المتعاملين بالربا .

وكل من يشارك في الربا من الأطراف الأساسية والوسطاء والمعينين المساعدين ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم فعن جابر رضي الله عنه قال : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم :" آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه " وقال : " هم سواء " رواه مسلم 3/1219 . وبناء عليه لا يجوز العمل في كتابة الربا ولا في تقييده وضبطه ولا في استلامه وتسليمه ولا في إيداعه ولا في حراسته وعلى وجه العموم تحرم المشاركة فيه والإعانة عليه بأي وجه من الوجوه .

ولقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تبيان قبح هذه الكبيرة فيما جاء عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه مرفوعا : " الربا ثلاثة وسبعون بابا أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه ، وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم " رواه الحاكم في المستدرك /37 وهو في صحيح الجامع 3533 . وبقوله فيما جاء عن عبد الله بن حنظلة رضي الله عنهما مرفوعا : " درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ستة وثلاثين زنية " رواه الإمام أحمد 5/225 انظر صحيح الجامع 3375 . وتحريم الربا عام لم يخص بما كان بين غني وفقير كما يظنه بعض الناس بل هو عام في كل حال وشخص وكم من الأغنياء وكبار التجار قد أفلسوا بسببه والواقع يشهد بذلك وأقل ما فيه محق بركة المال وإن كان كثيرا في العدد قال النبي صلى الله عليه وسلم : " الربا وإن كثر فإن عاقبته تصير إلى قل " رواه الحاكم 2/37 وهو في صحيح الجامع 3542 ومعنى قل أي نقصان المال .

وليس الربا كذلك مخصوصا بما إذا كانت نسبته مرتفعة أو متدنية قليلة أم كثيرة فكله حرام صاحبه يبعث من قبره يوم القيامة يقوم كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس والصرع .

ومع فحش هذه الجريمة إلا أن الله أخبر عن التوبة منها وبين كيفية ذلك فقال تعالى لأهل الربا : "( فإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون ) وهذا عين العدل .

ويجب أن تنفر نفس المؤمن من هذه الكبيرة وأن تستشعر قبحها وحتى الذين يضعون أموالهم في البنوك الربوية اضطرارا وخوفا عليها من الضياع أو السرقة ينبغي عليهم أن يشعروا بشعور المضطر وأنهم كمن يأكل الميتة أو أشد مع استغفار الله تعالى والسعي لإيجاد البديل ما أمكن ولا يجوز لهم مطالبة البنوك بالربا بل إذا وضع لهم في حساباتهم تخلصوا منه في أي باب جائز تخلصا لا صدقة فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبا ولا يجوز لهم الاستفادة منه بأي نوع من الاستفادة لا بأكل ولا شرب ولا لبس ولا مركب ولامسكن ولا نفقة واجبة لزوجة أو ولد أو أب أو أم ولا في إخراج الزكاة ولا في تسديد الضرائب ولا يدفع بها ظلما عن نفسه وإنما يتخلص منها خوفا من بطش الله تعالى .

كتم عيوب السلعة وإخفاؤها عند بيعها :

مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على صبرة طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللا فقال " ما هذا يا صاحب الطعام ؟ قال أصابته السماء يا رسول الله قال أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس ؟ من غش فليس منا " رواه مسلم 1/99 ، وكثير من الباعة اليوم ممن لا يخاف الله يحاول إخفاء العيب بوضع لاصق عليه أو جعله في أسفل صندوق البضاعة أو استعمال مواد كيميائية ونحوها تظهره بمظهر حسن أو تخفي صوت العيب الذي في المحرك في أول الأمر فإذا عاد المشتري بالسلعة لم تلبث أن تتلف من قريب وبعضهم يغير تاريخ انتهاء صلاحية السلعة أو يمنع المشتري من معاينة السلعة أو فحصها أو تجريبها وكثير ممن يبيعون السيارات والآلات لا يبينون عيوبها وهذا حرام . قال النبي صلى عليه وسلم " المسلم أخو المسلم ولا يحل لمسلم باع من أخيه بيعا فيه عيب إلا بينه له " رواه ابن ماجة 2/754 وهو في صحيح الجامع 6705 . وبعضهم يظن أنه يخلي مسئوليته إذا قال للمشترين في المزاد العلني .. أبيع كومة حديد .. كومة حديد ، فهذا بيعه منزوع البركة كما قال صلى الله عليه وسلم " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما ". رواه البخاري أنظر الفتح 4/328 .

بيع النجش :

وهو أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها ليخدع غيره ويجره إلى الزيادة في السعر، قال صلى الله عليه وسلم "لا تناجشوا" رواه البخاري انظر فتح الباري 10/484 ، وهذا نوع من الخداع ولا شك وقد قال عليه الصلاة والسلام " المكر والخديعة في النار " انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة 1057 . وكثير من الدلالين في الحراج والمزادات ومعارض بيع السيارات كسبهم خبيث لمحرمات كثيرة يقترفونها منها تواطؤهم في بيع النجش والتغرير بالمشتري القادم وخداعه فيتواطؤن على خفض سعر سلعته أما لو كانت السلعة لهم أو لأحدهم فعلى العكس يندسون بين المشترين ويرفعون الأسعار في المزاد يخدعون عباد الله ويضرونهم .

البيع بعد النداء الثاني يوم الجمعة : -

قال الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ) الجمعة/9

وبعض الباعة يستمرون في البيع بعد النداء الثاني في دكاكينهم أو أمام المساجد ويشترك معهم في الإثم الذين يشترون منهم ولو سواكا وهذا البيع باطل على الراجح وبعض أصحاب المطاعم والمخابز والمصانع يجبرون عمالهم على العمل في وقت صلاة الجمعة وهؤلاء وإن زاد ربحهم في الظاهر فإنهم لا يزدادون إلا خسارا في الحقيقة ، أما العامل فإنه لابد أن يعمل بمقتضى قوله صلى الله عليه وسلم : " لا طاعة لبشر في معصية الله " . رواه الإمام أحمد 1/129 وقال أحمد شاكر إسناده صحيح رقم 1065 .

القمار والميسر :-

قال الله تعالى : ( إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون ) المائدة/90 .

وكان أهل الجاهلية يتعاطون الميسر ومن أشهر صوره عندهم أنهم كانوا يشتركون في بعير عشرة أشخاص بالتساوي ثم يَضرب بالقداح وهو نوع من القرعة فسبعة يأخذون بأنصبة متفاوتة معينة في عرفهم وثلاثة لا يأخذون شيئا .

وأما في زماننا فإن للميسر عدة صور منها :

ـ ما يعرف باليانصيب وله صور كثيرة ومن أبسطها شراء أرقام بمال يجري السحب عليها فالفائز الأول يعطى جائزة والثاني وهكذا في جوائز معدودة قد تتفاوت فهذا حرام ولو كانوا يسمونه بزعمهم خيريا .

ـ أن يشتري سلعة بداخلها شيء مجهول أو يعطى رقما عند شرائه للسلعة يجري عليه السحب لتحديد الفائزين بالجوائز .

ـ ومن صور الميسر في عصرنا عقود التأمين التجاري على الحياة والمركبات والبضائع وضد الحريق والتأمين الشامل وضد الغير إلى غير ذلك من الصور المختلفة حتى أن بعض المغنين يقومون بالتأمين على أصواتهم .

هذا وجميع صور المقامرة تدخل في الميسر وقد وجد في زماننا أندية خاصة بالقمار وفيها ما يعرف بالطاولات الخضراء الخاصة لمقارفة هذا الذنب العظيم وكذلك ما يحدث في مراهنات سباق الخيول وغيرها من المباريات هو أيضا نوع من أنواع الميسر ويوجد في بعض محلات الألعاب ومراكز الترفيه أنواع من الألعاب المشتملة على فكرة الميسر كالتي يسمونها "الفليبرز" ومن صور المقامرة أيضا المسابقات التي تكون فيها الجوائز من طرفي المسابقة أو أطرافها كما نص على ذلك جماعة من أهل العلم .

السرقة :

قال تعالى : ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم ) المائدة / 38 .

ومن أعظم جرائم السرقة سرقة حجاج وعمار بيت الله العتيق وهذا النوع من اللصوص لا يقيم وزنا لحدود الله في أفضل بقاع الأرض وحول بيت الله وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في قصة صلاة الكسوف : ( لقد جئ بالنار وذلكم حين رأيتموني تأخرت مخافة أن يصيبني من لفحها ، وحتى رأيت فيها صاحب المحجن يجر قصبه [ أمعاءه ] في النار ، كان يسرق الحاج بمحجنه [ عصا معقوفة الطرف ] فإن فطن له قال : إنما تعلق بمحجني ، وإن غفل عنه ذهب به .. ) رواه مسلم رقم 904 .

ومن أعظم السرقات السرقة من الأموال العامة وبعض الذين يفعلونها يقولون نسرق كما يسرق غيرنا وما علموا أن تلك سرقة من جميع المسلمين لأن الأموال العامة ملك لجميع المسلمين وفعل الذين لا يخافون الله ليس بحجة تبرر تقليدهم وبعض الناس يسرق من أموال الكفار بحجة أنهم كفار وهذا غير صحيح فإن الكفار الذين يجوز سلب أموالهم هم المحاربون للمسلمين وليس جميع شركات الكفار وأفرادهم يدخلون في ذلك ومن وسائل السرقة مد الأيدي إلى جيوب الآخرين خلسة وبعضهم يدخل بيوت الآخرين زائرا ويسرق وبعضهم يسرق من حقائب ضيوفه وبعضهم يدخل المحلات التجارية ويخفي في جيوبه وثيابه سلعا أو ما تفعله بعض النساء من إخفائها تحت ثيابها وبعض الناس يستسهل سرقة الأشياء القليلة أو الرخيصة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : " لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده " رواه البخاري انظر فتح الباري 12/81 . ويجب على كل من سرق شيئا أن يعيده إلى صاحبه بعد أن يتوب إلى الله عز وجل سواء أعاده علانية أو سرا شخصيا أو بواسطة فإن عجز عن الوصول إلى صاحب المال أو إلى ورثته من بعده مع الاجتهاد في البحث فإنه يتصدق به وينوي ثوابه لصاحبه .

أخذ الرشوة وإعطاؤها :

إعطاء الرشوة للقاضي أو الحاكم بين الناس لإبطال حق أو تمشية باطل جريمة لأنها تؤدي إلى الجور في الحكم وظلم صاحب الحق وتفشي الفساد قال الله تعالى : ( ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنت تعلمون ) البقرة/ 188 . وعن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا : " لعن الله الراشي والمرتشي في الحكم " رواه الإمام أحمد 2/387 وهو في صحيح الجامع 5069 . أما ما وقع للتوصل لحق أو دفع ظلم لا يمكن إلا عن طريق الرشوة فلا يدخل في الوعيد .

وقد تفشت الرشوة في عصرنا تفشيا واسعا حتى صارت موردا أعظم من المرتبات عند بعض الموظفين بل صارت بندا في ميزانيات كثير من الشركات بعناوين مغلفة وصارت كثير من المعاملات لا تبدأ ولا تنتهي إلا بها وتضرر من ذلك الفقراء تضررا عظيما وفسدت كثير من الذمم بسببها وصارت سببا لإفساد العمال على أصحاب العمل والخدمة الجيدة لا تقدم إلا لمن يدفع ومن لا يدفع فالخدمة له رديئة أو يؤخر ويهمل وأصحاب الرشاوي الذين جاءوا من بعده قد انتهوا قبله بزمن وبسبب الرشوة دخلت أموال هي من حق أصحاب العمل في جيوب مندوبي المبيعات والمشتريات ولهذا وغيره فلا عجب أن يدعو النبي صلى الله عليه وسلم على الشركاء في هذه الجريمة والأطراف فيها أن يطردهم الله من رحمته فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لعنة الله على الراشي والمرتشي " رواه ابن ماجة 2313 وهو في صحيح الجامع 5114 .

غصب الأرض :-

إذا انعدم الخوف من الله صارت القوة والحيلة وبالا على صاحبها يستخدمها في الظلم كوضع اليد والاستيلاء على أموال الآخرين ومن ذلك غصب الأراضي وعقوبة ذلك في غاية الشدة فعن عبد الله بن عمر مرفوعا :" من أخذ من الأرض شيئا بغير حقه خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين " رواه البخاري انظر الفتح 5/103 .

وعن يعلى بن مرة رضي الله عنه مرفوعا : " أيما رجل ظلم شبرا من الأرض كلفه الله أن يحفره ( في الطبراني : يحضره ) حتى آخر سبع أرضين ثم يطوقه يوم القيامة حتى يقضى بين الناس " رواه الطبراني في الكبير 22/270 وهو في صحيح الجامع 2719 .

ويدخل في ذلك تغيير علامات الأراضي وحدودها فيوسع أرضه على حساب جاره وهو المشار إليه بقوله صلى الله عليه وسلم : " لعن الله من غير منار الأرض " رواه مسلم بشرح النووي 13/141 .

قبول الهدية بسبب الشفاعة :-

الجاه والمكانة بين الناس من نعم الله على العبد إذا شكرها ومن شكر هذه النعمة أن يبذلها صاحبها لنفع المسلمين وهذا يدخل في عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم : " من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل " رواه مسلم 4/1726 . ومن نفع بجاهه أخاه المسلم في دفع ظلم عنه أو جلب خير إليه دون ارتكاب محرم أو اعتداء على حق أحد فهو مأجور عند الله عز وجل إذا خلصت نيته كما أخبر عن ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : " اشفعوا تؤجروا " رواه أبو داود 5132 والحديث في الصحيحين فتح الباري 10/450 كتاب الأدب باب تعاون المؤمنين بعضهم بعضا .

ولا يجوز أخذ مقابل على هذه الشفاعة والواسطة والدليل ما جاء عن أبي أمامة رضي الله عنه مرفوعا : " من شفع لأحد شفاعة ، فأهدى له هدية (عليها) فقبلها (منه) فقد أتى بابا عظيما من أبواب الربا " . رواه الإمام أحمد 5/261 وهو في صحيح الجامع 6292 .

ومن الناس يعرض بذل جاهه ووساطته مقابل مبلغ مالي يشترطه لتعيين شخص في وظيفة أو نقل آخر من دائرة أو من منطقة إلى أخرى أو علاج مريض ونحو ذلك والراجح أن هذا المقابل محرم لحديث أبي أمامة المتقدم آنفا بل إن ظاهر الحديث يشمل الأخذ ولو بدون شرط مسبق [ من إفادات الشيخ عبد العزيز بن باز مشافهة ] وحسب فاعل الخير الأجر من الله يجده يوم القيامة . جاء رجل إلى الحسن بن سهل يستشفع به في حاجة فقضاها فأقبل الرجل يشكره فقال له الحسن بن سهل علام تشكرنا ونحن نرى أن للجاه زكاة كما أن للمال زكاة ؟ الآداب الشرعية لابن مفلح 2/176 .

ومما يحسن الإشارة إليه هنا الفرق بين استئجار شخص لإنجاز معاملة ومتابعتها وملاحقتها مقابل أجرة فيكون هذا من باب الإجارة الجائزة بالشروط الشرعية وبين أن يبذل جاهه ووساطته فيشفع مقابل مال فهذا من المحظور .

استيفاء العمل من الأجير وعدم إيفائه أجره :-

لقد رغب النبي صلى الله عليه وسلم في سرعة إعطاء الأجير حقه فقال : " أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه " رواه ابن ماجة 2/817 وهو في صحيح الجامع 1493 .

ومن أنواع الظلم الحاصل في مجتمعات المسلمين عدم إعطاء العمال والأجراء والموظفين حقوقهم ولهذا عدة صور منها :

ــ أن يجحده حقه بالكلية ولا يكون للأجير بينة فهذا وإن ضاع حقه في الدنيا فإنه لا يضيع عند الله يوم القيامة فإن الظالم يأتي وقد أكل مال المظلوم فيعطى المظلوم من حسنات الظالم فإن فنيت أخذ من سيئات المظلوم فطرحت على الظالم ثم طرح في النار .

ــ أن يبخسه فيه فلا يعطيه إياه كاملا وينقص منه دون حق وقد قال الله تعالى : ( ويل للمطففين ) المطففين/1 ، ومن أمثلة ذلك ما يفعله بعض أرباب العمل إذا استقدم عمالا من بلدهم وكان قد عقد معهم عقدا على أجر معين فإذا ارتبطوا به وباشروا العمل عمد إلى عقود العمل فغيرها بأجور أقل فيقيمون على كراهية وقد لا يستطيعون إثبات حقهم فيشكون أمرهم إلى الله ، وإن كان رب العمل الظالم مسلما والعامل كافرا كان ذلك البخس من الصد عن سبيل الله فيبوء بإثمه .

ــ أن يزيد عليه أعمالا إضافية أو يطيل مدة الدوام ولا يعطيه إلا الأجرة الأساسية ويمنعه أجرة العمل الإضافي .

ــ أن يماطل فيه فلا يدفعه إليه إلا بعد جهد جهيد وملاحقة وشكاوى ومحاكم وقد يكون غرض رب العمل من التأخير إملال العامل حتى يترك حقه ويكف عن المطالبة أو يقصد الاستفادة من أموال العمال بتوظيفها وبعضهم يرابي فيها والعامل المسكين لا يجد قوت يومه ولا ما يرسله نفقة لأهله وأولاده المحتاجين الذين تغرب من أجلهم . فويل لهؤلاء الظلمة من عذاب يوم أليم روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " قال الله تعالى : ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة رجل أعطى بي ثم غدر ورجل باع حرا وأكل ثمنه ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره " رواه البخاري انظر فتح الباري 4/447 .

عدم العدل في العطية بين الأولاد :

يعمد بعض الناس إلى تخصيص بعض أولادهم بهبات وأعطيات دون الآخرين وهذا على الراجح عمل محرم إذا لم يكن له مسوغ شرعي كأن تقوم حاجة بأحد الأولاد لم تقم بالآخرين كمرض أو دين عليه أو مكافأة له على حفظه للقرآن مثلا أو أنه لا يجد عملا أو صاحب أسرة كبيرة أو طالب علم متفرغ ونحو ذلك وعلى الوالد أن ينوي إذا أعطى أحدا من أولاده لسبب شرعي أنه لو قام بولد آخر مثل حاجة الذي أعطاه أنه سيعطيه كما أعطى الأول . والدليل العام قوله تعالى ( اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله ) والدليل الخاص ما جاء عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما أن أباه أتى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " إني نحلت ابني هذا غلاما ( أي وهبته عبدا كان عندي ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل ولدك نحلته مثله ؟ فقال لا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرجعه " رواه البخاري انظر الفتح 5/211 ، وفي رواية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم " قال فرجع فرد عطيته الفتح 5/211 ، وفي رواية " فلا تشهدني إذا فإني لا أشهد على جور " صحيح مسلم 3/1243 . ويعطى الذكر مثل حظ الأنثيين كالميراث وهذا قول الإمام أحمد رحمه الله [ مسائل الإمام أحمد لأبي داود 204 وقد حقق الإمام ابن القيم في حاشيته على أبي داود المسألة تحقيقا بينا ] . والناظر في أحوال بعض الأسر يجد من الآباء من لا يخاف الله في تفضيل بعض أولاده بأعطيات فيوغر صدور بعضهم على بعض ويزرع بينهم العداوة والبغضاء . وقد يعطي واحدا لأنه يشبه أعمامه ويحرم الآخر لأنه فيه شبها من أخواله أو يعطي أولاد إحدى زوجتيه مالا يعطي أولاد الأخرى وربما أدخل أولاد إحداهما مدارس خاصة دون أولاد الأخرى وهذا سيرتد عليه فإن المحروم في كثير من الأحيان لا يبر بأبيه مستقبلا وقد قال عليه الصلاة والسلام لمن فاضل بين أولاده في العطية " ...أليس يسرك أن يكونوا إليك في البر سواء ..." . رواه الإمام أحمد 4/269 وهو في صحيح مسلم رقم 1623

سؤال الناس المال من غير حاجة :

عن سهل بن الحنظلية رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من جمر جهنم قالوا وما الغنى الذي لا تنبغي معه المسألة قال قدر ما يغديه ويعشيه" رواه أبو داود 2/281 وهو في صحيح الجامع 6280 ، وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من سأل وله ما يغنيه جاءت يوم القيامة خدوشا أو كدوشا في وجهه " رواه الإمام أحمد 1/388 انظر صحيح الجامع 6255 . وبعض الشحاذين يقفون في المساجد أمام خلق الله يقطعون التسبيح بشكاياتهم وبعضهم يكذبون ويزورون أوراقا ويختلقون قصصا وقد يوزعون أفراد الأسرة على المساجد ثم يجمعونهم وينتقلون من مسجد لآخر وهم في حالة من الغنى لا يعلمها إلا الله فإذا ماتوا ظهرت التركة. وغيرهم من المحتاجين الحقيقيين يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف لا يسألون الناس إلحافا ولا يفطن لهم فيتصدق عليهم .

الاستدانة بدين لا يريد وفاءه

حقوق العباد عند الله عظيمة وقد يخرج الشخص من حق الله بالتوبة ولكن حقوق العباد لا مناص من أدائها قبل أن يأتي يوم لا يتقاضى فيه بالدينار ولا بالدرهم ولكن بالحسنات والسيئات والله سبحانه وتعالى يقول : ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ) النساء /58 ، ومن الأمور المتفشية في المجتمع التساهل في الاستدانة وبعض الناس لا يستدين للحاجة الماسة وإنما يستدين رغبة في التوسع ومجاراة الآخرين في تجديد المركب والأثاث ونحو ذلك من المتاع الفاني والحطام الزائل وكثيرا ما يدخل هؤلاء في متاهات بيوع التقسيط التي لا يخلو كثير منها من الشبهة أو الحرام .

والتساهل في الاستدانة يقود إلى المماطلة في التسديد أو يؤدي إلى إضاعة أموال الآخرين وإتلافها ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم محذرا من عاقبة هذا العمل : " من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه ومن أخذ يريد إتلافها أتلفه الله " رواه البخاري انظر فتح الباري 5/54 . والناس يتساهلون في أمر الدين كثيرا ويحسبونه هينا وهو عند الله عظيم ، بل إن الشهيد مع ماله من المزايا العظيمة والأجر الجزيل والمرتبة العالية لا يسلم من تبعة الدين ودليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : " سبحان الله ماذا أنزل الله من التشديد في الدين والذي نفسي بيده لو أن رجلا قتل في سبيل الله ثم أحيي ثم قتل ثم أحيي ثم قتل وعليه دين ما دخل الجنة حتى يقضى عنه دينه " رواه النسائي انظر المجتبى 7/314 وهو في صحيح الجامع 3594 . فهل بعد هذا يرعوي هؤلاء المتساهلون المفرطون ؟!

أكل الحرام :

من لا يخاف الله لا يبالي من أين اكتسب المال وفيم أنفقه بل يكون همه زيادة رصيده ولو كان سحتا وحراما من سرقة أو رشوة أو غصب أو تزوير أو بيع محرم أو مراباة أو أكل مال يتيم أو أجرة على عمل محرم ككهانة وفاحشة وغناء أو اعتداء على بيت مال المسلمين والممتلكات العامة أو أخذ مال الغير بالإحراج أو سؤال بغير حاجة ونحو ذلك ثم هو يأكل منه ويلبس ويركب ويبني بيتا أو يستأجره ويؤثثه ويدخل الحرام بطنه وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : " كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به ... " رواه الطبراني في الكبير 19/136 وهو في صحيح الجامع 4495 . وسيسأل يوم القيامة عن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه وهنالك الهلاك والخسار فعلى من بقي لديه مال حرام أن يسارع بالتخلص منه وإن كان حقا لآدمي فليسارع بإرجاعه إليه مع طلب السماح قبل أن يأتي يوم لا يتقاضى فيه بالدينار ولا بالدرهم ولكن بالحسنات والسيئات

شرب الخمر ولو قطرة واحدة :

قال الله تعالى : ( إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون ) المائدة/90 ، والأمر بالاجتناب هو من أقوى الدلائل على التحريم وقد قرن الخمر بالأنصاب وهي آلهة الكفار وأصنامهم فلم تبق حجة لمن يقول إنه لم يقل هو حرام وإنما قال فاجتنبوه !!

وقد جاء الوعيد في سنة النبي صلى الله عليه وسلم لمن شرب الخمر فعن جابر مرفوعا : " ... إن على الله عز وجل عهدا لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال " قالوا : يا رسول الله وما طينة الخبال ؟ قال : " عرق أهل النار أو عصارة أهل النار " رواه مسلم 3/1587 . وعن ابن عباس مرفوعا : " من مات مدمن خمر لقي الله وهو كعابد وثن " رواه الطبراني 12/45 وهو في صحيح الجامع 6525 .

وقد تنوعت أنواع الخمور والمسكرات في عصرنا تنوعا بالغا وتعددت أسماؤها عربية وأعجمية فأطلقوا عليها البيرة والجعة والكحول والعرق والفودكا والشمبانيا وغير ذلك وظهر في هذه الأمة الصنف الذين أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عنهم بقوله : " ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها " رواه الإمام أحمد 5/342 وهو في صحيح الجامع 5453 . فهم يطلقون عليها مشروبات روحية بدلا من الخمر تمويها وخداعا ( يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون ) .

وقد جاءت الشريعة بالضابط العظيم الذي يحسم الأمر ويقطع دابر فتنة التلاعب وهو ما جاء في قوله صلى الله عليه وسلم : " كل مسكر خمر وكل مسكر حرام " رواه مسلم 3/1587 . فكل ما خالط العقل وأسكره فهو حرام قليله وكثيره [ حديث " ما أسكر كثيره فقليله حرام " قد رواه أبو داود رقم 3681 وهو في صحيح أبي داود رقم 3128 ] ومهما تعددت الأسماء واختلفت فالمسمى واحد والحكم معلوم .

وأخيرا فهذه موعظة من النبي صلى الله عليه وسلم لشراب الخمور ، قال عليه الصلاة والسلام : " من شرب الخمر وسكر لم تقبل له صلاة أربعين صباحا وإن مات دخل النار فإن تاب تاب الله عليه وإن عاد فشرب فسكر لم تقبل له صلاة أربعين صباحا فإن مات دخل النار فإن تاب تاب الله عليه وإن عاد فشرب فسكر لم تقبل له صلاة أربعين صباحا فإن مات دخل النار فإن تاب تاب الله عليه وإن عاد كان حقا على الله أن يسقيه من ردغة الخبال يوم القيامة قالوا يا رسول الله وما ردغة الخبال قال : عصارة أهل النار . رواه ابن ماجة رقم 3377 وهو في صحيح الجامع 6313 .

استعمال آنية الذهب والفضة والأكل والشرب فيها :

لا يكاد يخلو محل من محلات الأدوات المنزلية اليوم من الأواني الذهبية والفضية أو المطلية بالذهب والفضة وكذلك بيوت الأثرياء وعدد من الفنادق بل صار هذا النوع من الأواني من جملة الهدايا النفيسة التي يقدمها الناس بعضهم لبعض في المناسبات ، وبعض الناس قد لا يضعها في بيته ولكنه يستعملها في بيوت الآخرين وولائمهم ، وكل هذا من الأمور المحرمة في الشريعة وقد جاء الوعيد الشديد عن النبي صلى الله عليه وسلم في استعمال هذه الأواني فعن أم سلمة مرفوعا : " إن الذي يأكل أو يشرب في آنية الفضة والذهب إنما يجرجر في بطنه نار جهنم " رواه مسلم 3/1634 . وهذا الحكم يشمل كل ما هو من الآنية وأدوات الطعام كالصحون والشوك والملاعق والسكاكين وأواني تقديم الضيافة وعلب الحلويات المقدمة في الأعراس ونحوها .

وبعض الناس يقولون نحن لا نستعملها ولكن نضعها على رفوف خلف الزجاج للزينة ، وهذا لا يجوز أيضا سدا لذريعة استخدامها [ من إفادات الشيخ عبد العزيز بن باز مشافهة ] .

شهادة الزور :

قال الله تعالى : ( فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور حنفاء لله غير مشركين به ) الحج/30-31 ، وعن عبد الرحمن بن أبي بكرة رضي الله عنهما عن أبيه قال : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :" ألا أنبئكم بأكبر الكبائر " ثلاثا " الإشراك بالله وعقوق الوالدين ـ وجلس وكان متكئا ـ فقال : ألا وقول الزور قال فما زال يكررها حتى قلنا : ليته سكت " رواه البخاري انظر الفتح 5/261 .

وتكرار التحذير من شهادة الزور هنا لتساهل الناس بها وكثرة الدواعي إليها من العداوة والحسد ولما يترتب عليها من المفاسد الكثيرة فكم ضاع من الحقوق بشهادة الزور وكم وقع من ظلم على أبرياء بسببها أو حصل أناس على مالا يستحقون أو أعطوا نسبا ليس بنسبهم بناء عليها .

ومن التساهل فيها ما يفعله بعض الناس في المحاكم من قوله لشخص يقابله هناك اشهد لي وأشهد لك فيشهد له في أمر يحتاج إلى علم بالحقيقة والحال كأن يشهد له بملكية أرض أو بيت أو تزكية وهو لم يقابله إلا على باب المحكمة أو في الدهليز وهذا كذب وزور فينبغي أن تكون الشهادة كما ورد في كتاب الله : ( وما شهدنا إلا بما علمنا ) يوسف / 81 .

سماع المعازف والموسيقى:

كان ابن مسعود رضي الله عنه يقسم بالله أن المراد بقوله تعالى ( ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله ) هو الغناء [ تفسير ابن كثير 6/333 ] وعن أبي عامر وأبي مالك الأشعري رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف ... " رواه البخاري انظر الفتح 10/51 . وعن أنس رضي الله عنه مرفوعا : " ليكونن في هذه الأمة خسف وقذف ومسخ وذلك إذا شربوا الخمور واتخذوا القينات وضربوا بالمعازف " انظر السلسلة الصحيحة 2203 وعزاه إلى ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي والحديث رواه الترمذي رقم 2212 .

وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الكوبة وهي الطبل ووصف المزمار بأنه صوت أحمق فاجر وقد نص العلماء المتقدمون كالإمام أحمد رحمه الله على تحريم آلات اللهو والعزف كالعود والطنبور والشبابة والرباب والصنج ولا شك أن آلات اللهو والعزف الحديثة تدخل في حديث النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عن المعازف وذلك كالكمنجة والقانون والأورج والبيانو والغيتار وغيرها بل إنها في الطرب والنشوة والتأثير أكبر بكثير من الآلات القديمة التي ورد تحريمها في بعض الأحاديث بل إن نشوة الموسيقى وسكرها أعظم من سكر الخمر كما ذكر أهل العلم كابن القيم وغيره ولاشك أن التحريم يشتد والذنب يعظم إذا رافق الموسيقى غناء وأصوات كأصوات القينات وهن المغنيات والمطربات وتتفاقم المصيبة عندما تكون كلمات الأغاني عشقا وحبا وغراما ووصفا للمحاسن ولذلك ذكر العلماء أن الغناء بريد الزنا وأنه ينبت النفاق في القلب وعلى وجه العموم صار موضوع الأغاني والموسيقى من أعظم الفتن في هذا الزمان .

ومما زاد البلاء في عصرنا دخول الموسيقى في أشياء كثيرة كالساعات والأجراس وألعاب الأطفال والكمبيوتر وبعض أجهزة الهاتف فصار تحاشي ذلك أمرا يحتاج إلى عزيمة والله المستعان .

الغيبة :

صارت فاكهة كثير من المجالس غيبة المسلمين والولوغ في أعراضهم وهو أمر قد نهى الله عنه ونفر عباده منه ومثله بصورة كريهة تتقزز منها النفوس فقال عز وجل : ( ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه ) الحجرات/12 .

وقد بين معناها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : " أتدرون ما الغيبة ؟ قالوا الله ورسوله أعلم . قال : ذكرك أخاك بما يكره قيل : أفرأيت إن كان في أخي ما أقول ؟ قال : إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهته " رواه مسلم 4/2001 .

فالغيبة ذكرك للمسلم بما فيه مما يكرهه سواء كان في بدنه أو دينه أو دنياه أو نفسه أو أخلاقه أو خلقته ولها صور متعددة منها أن يذكر عيوبه أو يحاكي تصرفا له على سبيل التهكم

والناس يتساهلون في أمر الغيبة مع شناعتها وقبحها عند الله ويدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : " الربا اثنان وسبعون بابا أدناها مثل إتيان الرجل أمه وإن أربى الربا استطالة الرجل في عرض أخيه " السلسلة الصحيحة 1871 .

ويجب على من كان حاضرا في المجلس أن ينهى عن المنكر ويدافع عن أخيه المغتاب وقد رغب في ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : " من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة " رواه أحمد 6/450 وهو في صحيح الجامع 6238 .

النميمة :-

لا يزال نقل كلام الناس بعضهم إلى بعض للإفساد بينهم من أعظم أسباب قطع الروابط وإيقاد نيران الحقد والعداوة بين الناس وقد ذم الله تعالى صاحب هذا الفعل فقال عز وجل : ( ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم ) القلم/11 .

وعن حذيفة مرفوعا : " لا يدخل الجنة قتات " رواه البخاري انظر الفتح 10/472 وفي النهاية لابن الأثير 4/11 : وقيل القتات الذي يتسمع على القوم وهم لا يعلمون ثم ينم .

وعن ابن عباس قال مر النبي صلى الله عليه وسلم بحائط [ بستان ] من حيطان المدينة فسمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " يعذبان ، وما يعذبان في كبير - ثم قال - بلى [ وفي رواية : وإنه لكبير ] كان أحدهما لا يستتر من بوله وكان الآخر يمشي بالنميمة ... " رواه البخاري انظر فتح الباري 1/317 .

ومن الصور السيئة لهذا العمل تخبيب الزوج على زوجته والعكس وهو السعي في إفساد العلاقة بينهما وكذلك قيام بعض الموظفين في نقل كلام الآخرين للمدير أو المسؤول في نوع من الوشاية للإيقاع وإلحاق الضرر وهذا كله من المحرمات .

الاطلاع على بيوت الناس دون إذن :

قال تعالى ( يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها) النور/27 ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم موضحا أن العلة في الاستئذان هي مخافة الإطلاع على عورات أصحاب البيوت : " إنما جعل الاستئذان من اجل البصر" رواه البخاري انظر فتح الباري 11/24 . واليوم مع تقارب المباني وتلاصق العمارات وتقابل النوافذ والأبواب صار احتمال كشف الجيران بعضهم بعضا كبيرا وكثيرون لا يغضون أبصارهم وربما تعمد بعض من في الأعلى الإطلاع من نوافذهم وأسطحهم على البيوت المجاورة أسفل منهم ، وهذه خيانة وانتهاك لحرمة الجيران ووسيلة إلى الحرام ، وحصل بسبب ذلك الكثير من البلاء والفتنة ويكفي دليلا على خطورة الأمر إهدار الشريعة لعين المتجسس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقئوا عينه " رواه مسلم 3/1699 ، وفي رواية " ففقئوا عينه فلا دية له ولا قصاص " [ رواه الإمام أحمد 2/385 وهو في صحيح الجامع 6022 .

تناجي اثنين دون الثالث :

وهذه من آفات المجالس ومن خطوات الشيطان ليفرق بين المسلمين ويوغر صدور بعضهم على بعض وقد قال عليه الصلاة والسلام مبينا الحكم والعلة " إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى رجلان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس أجل ( أي من أجل كما ورد في بعض الروايات ) أن ذلك يحزنه " رواه البخاري انظر فتح الباري 11/83 ، ويدخل في ذلك تناجي ثلاثة دون الرابع وهكذا وكذلك أن يتكلم المتناجيان بلغة لا يفهمها الثالث ولا شك أن التناجي فيه نوع من التحقير للثالث أو إيهامه أنهما يريدان به شرا ونحو ذلك .

الإسبال في الثياب :

مما يحسبه الناس هينا وهو عند الله عظيم الإسبال وهو إطالة اللباس أسفل من الكعبين وبعضهم يمس لباسه الأرض وبعضهم يسحبه خلفه

عن أبي ذر رضي الله عنه مرفوعا :" ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم : المسبل ( وفي رواية : إزاره ) والمنان ( وفي رواية : الذي لا يعطي شيئا إلا منه ) والمنفق سلعته بالحلف الكاذب " رواه مسلم 1/102 .

والذي يقول إن إسبالي لثوبي ليس كبرا فهو يزكي نفسه تزكية غير مقبولة والوعيد للمسبل عام سواء قصد الكبر أم لم يقصده كما يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم : " ما تحت الكعبين من الإزار ففي النار " رواه الإمام أحمد 6/254 وهو في صحيح الجامع 5571 . فإذا أسبل خيلاء صارت عقوبته أشد وأعظم وهي ما ورد في قوله صلى الله عليه وسلم : " من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة " رواه البخاري رقم 3465 ط. البغا ، وذلك لأنه جمع بين محرمين والإسبال محرم في كل لباس كما يدل عليه حديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعا : " الإسبال في الإزار والقميص والعمامة من جر منها شيئا خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة " رواه أبو داود 4/353 وهو في صحيح الجامع 2770 . والمرأة يسمح لها أن ترخي شبرا أو شبرين لستر قدميها احتياطا لما يخشى من الانكشاف بسبب ريح ونحوها ولكن لا يجوز لها مجاوزة الحد كما في بعض ثياب العرائس التي تمتد أشبارا وأمتارا وربما حمل وراءها .

تحلي الرجال بالذهب على أي صورة كانت

عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه مرفوعا : " أحل لإناث أمتي الحرير والذهب وحرم على ذكورها " رواه الإمام أحمد 4/393 انظر صحيح الجامع 207 .

وفي الأسواق اليوم عدد من المصنوعات المصممة للرجال من الساعات والنظارات والأزرار والأقلام والسلاسل وما يسمونه بالميداليات بعيارات الذهب المختلفة أو مما هو مطلي بالذهب طلاء كاملا ومن المنكرات ما يعلن في جوائز بعض المسابقات : ساعة ذهب رجالي !!

عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى خاتما من ذهب في يد رجل فنزعه ، فطرحه ، فقال : " يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده ؟! " فقيل للرجل بعدما ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم خذ خاتمك انتفع به قال : لا والله لا آخذه أبدا وقد طرحه رسول الله صلى الله عليه وسلم . رواه مسلم 3/1655 .

لبس القصير والرقيق والضيق من الثياب للنساء :-

كان مما غزانا به أعداؤنا في هذا الزمان هذه الأزياء والموضات التي وضعوا أشكالها وتفصيلها وراجت بين المسلمين وهي لا تستر العورة لقصرها أو شفافيتها أو ضيقها وكثير منها لا يجوز لبسه حتى بين النساء وأمام المحارم وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم عن ظهور هذه الأنواع من الألبسة على نساء آخر الزمان كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا : " صنفان من أهل النار لم أرهما : قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة ، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا " رواه مسلم 3/ 1680 والبخت هي الجمال طوال الأعناق . ويدخل في هذا الألبسة التي تلبسها بعض النساء تكون ذات فتحة طويلة من الأسفل أو مشقوقة من عدة جهات فإذا جلست ظهر من عورتها ما ظهر مع ما في ذلك من التشبه بالكفار واتباعهم في الموضات وما استحدثوه من الأزياء الفاضحة نسأل الله السلامة . ومن الأمور الخطيرة كذلك ما يوجد على بعض الملابس من الصور السيئة كصور المغنين والفرق الموسيقية وقوارير الخمر وصور ذوات الأرواح المحرمة شرعا أو الصلبان أو شعارات الأندية والجمعيات الخبيثة أو العبارات الرديئة المخلة بالشرف والعفة والتي كثيرا ما تكون مكتوبة بلغات أجنبية

وصل الشعر بشعر مستعار لآدمي أو لغيره للرجال والنساء :-

عن أسماء بنت أبي بكر قالت جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن لي ابنة عريسا أصابتها حصبة فتمرق ( أي تساقط ) شعرها أفأصله فقال : " لعن الله الواصلة والمستوصلة " رواه مسلم 3/1676 . وعن جابر بن عبدالله قال : زجر النبي صلى الله عليه وسلم أن تصل المرأة برأسها شيئا " رواه مسلم 3/1679 .

ومن أمثلة هذا ما يعرف في عصرنا بالباروكة ومن الواصلات في عصرنا " الكوافيرات " وما تزخر به صالاتهن من المنكرات

ومن أمثلة هذا المحرم أيضا لبس الشعر المستعار كما يفعله بعض من لا خلاق لهم من الممثلين والممثلات في التمثيليات والمسرحيات .

تشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال في اللباس أو الكلام أو الهيئة :

من الفطرة أن يحافظ الرجل على رجولته التي خلقه الله عليها وأن تحافظ المرأة على أنوثتها التي خلقها الله عليها وهذا من الأسباب التي لا تستقيم حياة الناس إلا بها وتشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال هو مخالفة للفطرة وفتح لأبواب الفساد وإشاعة للانحلال في المجتمع وحكم هذا العمل شرعا هو التحريم وإذا ورد في نص شرعي لعن من يقوم بعمل فإن ذلك يدل على تحريمه وقد جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا : " لعن رسول الله المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال " رواه البخاري انظر الفتح 10/332 ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا : " لعن رسول الله المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء " رواه البخاري الفتح 10/333 . والتشبه قد يكون بالحركات والسكنات والمشية كالانخناث في الأجسام والتأنث في الكلام والمشي .

وكذلك لا يجوز تشبه كل من الجنسين بالآخر في اللباس ولا فيما هو من خصائصه فلا يجوز للرجل أن يلبس القلائد ولا الأساور ولا الخلاخل ولا الأقراط ونحوها كما هو منتشر عند أصناف الهبيين والخنافس ونحوهم وكذلك لا يجوز للمرأة أن تلبس ما اختص الرجل بلبسه من ثوب أو قميص ونحوه بل يجب أن تخالفه في الهيئة والتفصيل واللون ، والدليل على وجوب مخالفة كل من الجنسين للآخر في اللباس ما جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا : " لعن الله الرجل يلبس لبسة المرأة ، والمرأة تلبس لبسة الرجل " رواه أبو داود 4/355 وهو في صحيح الجامع 5071 .

صبغ الشعر بالسواد :

والصحيح أنه محرم للوعيد المذكور في قوله عليه الصلاة والسلام " يكون قوم يخضبون في آخر الزمان بالسواد كحواصل الحمام لا يريحون رائحة الجنة " رواه أبو داود 4/419 وهو في صحيح الجامع 8153 . وهذا عمل منتشر بين كثير ممن ظهر فيهم الشيب فيغيرونه بالصبغ الأسود فيؤدي عملهم هذا إلي مفاسد منها الخداع والتدليس على خلق الله والتشبع بحال غير حاله الحقيقية ولا شك أن لهذا أثرا سيئا على السلوك الشخصي وقد يحصل به نوع من الاغترار وقد صح أنه صلى الله عليه وسلم كان يغير الشيب بالحناء ونحوها مما فيه اصفرار أو احمرار أو بما يميل إلى اللون البني ، ولما أتي بأبي قحافة يوم الفتح ورأسه ولحيته كالثغامة من شدة البياض قال عليه الصلاة والسلام " غيروا هذا بشيء واجتنبوا السواد " رواه مسلم 3/1663 . والصحيح أن المرأة كالرجل لا يجوز أن تصبغ بالسواد ما ليس بأسود من شعرها .

تصوير ما فيه روح في الثياب والجدران والورق ونحو ذلك :-

عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه مرفوعا : " إن أشد الناس عذابا عند الله يوم القيامة المصورون " رواه البخاري انظر الفتح 10/382 . وعن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا : " قال الله تعالى : ( ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي فليخلقوا حبة و ليخلقوا ذرة ... ) " رواه البخاري انظر فتح الباري 10/385 . وعن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا : " كل مصور في النار ، يجعل له بكل صورة صورها نفسا فتعذب في جهنم " قال ابن عباس : إن كنت لا بد فاعلا فاصنع الشجر وما لا روح فيه " رواه مسلم 3/1671 . فهذه الأحاديث دالة على تحريم صور ذوات الأرواح من الآدميين وسائر الحيوانات مما له ظل أو ليس له ظل سواء كانت مطبوعة أو مرسومة أو محفورة أو منقوشة أو منحوتة أو مصبوبة بقوالب ونحو ذلك والأحاديث في تحريم الصور تشمل ذلك كله .

والمسلم يستسلم لنصوص الشرع ولا يجادل فيقول أنا لا أعبدها ولا أسجد لها !! ولو نظر العاقل بعين البصيرة والتأمل في مفسدة واحدة فقط لشيوع التصوير في عصرنا لعرف شيئا من الحكمة في هذه الشريعة عندما جاءت بتحريم التصوير وهو ما حصل من الفساد العظيم من إثارة الغرائز وثوران الشهوات بل الوصول إلى الوقوع في الفواحش بسبب الصور .

وينبغي على المسلم أن لا يحتفظ في بيته بصور لذوات الأرواح حتى لا يكون ذلك سببا في امتناع الملائكة عن دخول بيته فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا تصاوير " رواه البخاري انظر الفتح 10/380 . وتوجد في بعض البيوت تماثيل بعضها لمعبودات الكفار توضع على أنها تحف ومن الزينة فهذه حرمتها أشد من غيرها وكذلك الصور المعلقة أشد من غير المعلقة فكم أفضت إلى تعظيم وكم جددت من أحزان وكم أدت إلى تفاخر ولا يقال الصور للذكرى فإن الذكرى الحقيقية في القلب من عزيز أو قريب من المسلمين يدعى لهم بالمغفرة والرحمة فينبغي إخراج كل صورة أو طمسها اللهم إلا ما كان عسيرا وفيه مشقة بالغة كالصور التي عمت بها البلوى على المعلبات والصور في القواميس والمراجع والكتب التي يستفاد منها مع السعي لإزالتها ما أمكن والحذر مما في بعضها من الصور السيئة وكذلك يمكن الاحتفاظ بالصور التي تدعو الحاجة لها كما في إثباتات الشخصية ورخص بعض أهل العلم في الصور الممتهنة كالموطوءة بالأقدام ( فاتقوا الله ما استطعتم ) التغابن/16 .

الكذب في المنام :

يعمد بعض الناس إلى اختلاق رؤى ومنامات لم يروها لتحصيل فضيلة أو ذكر بين الخلق أو لحيازة منفعة مالية أو تخويفا لمن بينه وبينهم عداوة ونحو ذلك، وكثير من العامة لهم اعتقادات في المنامات وتعلق شديد بها فيخدعون بهذا الكذب وقد ورد الوعيد الشديد لمن فعل هذا الفعل ، قال صلى الله عليه وسلم " إن من أعظم الفرى أن يدعي الرجل إلى غير أبيه أو يري عينه ما لم تر ويقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل " رواه البخاري انظر الفتح 6/540 ، وقال صلى الله عليه وسلم " من تحلم بحلم لم يره كلف أن يعقد بين شعيرتين ولن يفعل ...الحديث " رواه البخاري انظر الفتح 12/427 ، والعقد بين شعيرتين أمر مستحيل فكان الجزاء من جنس العمل .

الجلوس على القبر والوطء عليه وقضاء الحاجة في المقابر :

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر " رواه مسلم 2/667 . أما الوطء على القبور فطائفة من الناس يفعلونه فتراهم عندما يدفنون ميتهم لا يبالون بالوطء ( وبأحذيتهم أحيانا ) على القبور المجاورة دون احترام لبقية الموتى وفي عظم هذا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "لأن أمشي على جمرة أو سيف أو أخصف نعلي برجلي أحب إلي من أن أمشي على قبر مسلم ... " رواه ابن ماجة 1/499 وهو في صحيح الجامع 5038 . فكيف بمن يستولي على أرض مقبرة ويقيم عليها مشروعا تجاريا أو سكنيا . أما التغوط في المقابر وقضاء الحاجة فيها فيفعله بعض من لا خلاق له إذا حضره قضاء الحاجة تسور مقبرة أو دخل فيها فآذى الموتى بنتنه ونجاسته ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم " وما أبالي أوسط القبر قضيت حاجتي أو وسط السوق "[ التخريج السابق ] . أي أن قبح قضاء الحاجة في المقبرة كقبح كشف العورة وقضاء الحاجة أمام الناس في السوق ، والذين يتعمدون إلقاء القاذورات والزبالة في المقابر ( خصوصا المهجورة والتي تهدمت أسوارها ) لهم نصيب من ذلك الوعيد . ومن الآداب المطلوبة عند زيارة المقابر خلع النعال عند إرادة المشي بين القبور .

عدم الاستتار من البول :

من محاسن هذه الشريعة أنها جاءت بكل ما يصلح شأن الإنسان ومن ذلك إزالة النجاسة ، وشرعت لأجل ذلك الاستنجاء والاستجمار وبينت الكيفية التي يحصل بها التنظيف والنقاء وبعض الناس يتساهل في إزالة النجاسة مما يتسبب في تلويث ثوبه أو بدنه وبالتالي عدم صحة صلاته وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن ذلك من أسباب عذاب القبر فعن ابن عباس قال مر النبي صلى الله عليه وسلم بحائط [ بستان ] من حيطان المدينة فسمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " يعذبان ، وما يعذبان في كبير - ثم قال - بلى [ وفي رواية : وإنه لكبير ] كان أحدهما لا يستتر من بوله وكان الآخر يمشي بالنميمة ... " رواه البخاري انظر فتح الباري 1/317 . بل أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن : " أكثر عذاب القبر في البول " رواه الإمام أحمد 2/326 وهو في صحيح الجامع 1213 . وعدم الاستتار من البول يشمل من يقوم من حاجته بسرعة قبل أن ينقطع بوله أو يتعمد البول في هيئة أو مكان يرتد عليه بوله أو أن يترك الاستنجاء أو الاستجمار أو يهمل فيهما ، وقد بلغ من التشبه بالكفار في عصرنا أن صارت بعض المراحيض فيها أماكن لقضاء الحاجة مثبتة في الجدران ومكشوفة يأتي إليها الشخص فيبول أمام الداخل والخارج دون حياء ثم يرفع لباسه ويلبسه على النجاسة فيكون قد جمع بين أمرين محرمين قبيحين : الأول أنه لم يحفظ عورته من نظر الناس والثاني أنه لم يستنزه ولم يستبرئ من بوله .

التسمع إلى حديث قوم وهم له كارهون :

قال الله تعالى : ( ولا تجسسوا ... ) الحجرات/11

عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا : " من استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون صب في أذنيه الآنك يوم القيامة ... " رواه الطبراني في الكبير 11/248-249 وهو في صحيح الجامع 6004 والآنك هو الرصاص المذاب .

فإذا كان ينقل حديثهم دون علمهم لإيقاع الضرر بهم فهو يضيف إلى إثم التجسس إثما آخر بدخوله في حديث النبي صلى الله عليه وسلم " لا يدخل الجنة قتات " رواه البخاري فتح 10/472 والقتات الذي يستمع إلى حديث القوم وهم لا يشعرون به

سوء الجوار

أوصانا الله سبحانه في كتابه بالجار فقال تعالى : ( واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا ) النساء/36 .

وإيذاء الجار من المحرمات لعظم حقه : عن أبي شريح رضي الله عنه مرفوعا : " والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن ، قيل ومن يا رسول الله ؟ قال : الذي لا يأمن جاره بوائقه " رواه البخاري انظر فتح الباري 10/443

وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم ثناء الجار على جاره أو ذمه له مقياسا للإحسان والإساءة فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله كيف لي أن أعلم إذا أحسنت أو إذا أسأت فقال النبي صلى الله عليه وسلم " إذا سمعت جيرانك يقولون : قد أحسنت فقد أحسنت ، وإذا سمعتهم يقولون : قد أسأت فقد أسأت " رواه الإمام أحمد 1/402 وهو في صحيح الجامع 623 .

وإيذاء الجار له صور متعددة فمنها منعه أن يغرز خشبة في الجدار المشترك أو رفع البناء عليه وحجب الشمس أو الهواء دون إذنه أو فتح النوافذ على بيته والإطلال منها لكشف عوراته أو إيذاؤه بالأصوات المزعجة كالطرق والصياح وخصوصا في أوقات النوم والراحة أو ضرب أولاده وطرح القمامة عند عتبة بابه والذنب يعظم إذا ارتكب في حق الجار ويضاعف إثم صاحبه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : " لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره .. لأن يسرق الرجل من عشرة أبيات أيسر عليه من أن يسرق من بيت جاره " رواه البخاري في الأدب المفرد رقم 103 وهو في السلسلة الصحيحة 65 ، وبعض الخونة ينتهز غياب جاره في نوبته الليلية ويدخل بيته ليعيث فيه الفساد فالويل له من عذاب يوم أليم .

المضارة في الوصية : -

من قواعد الشريعة أنه لا ضرر ولا ضرار ومن الأمثلة على ذلك الإضرار بالورثة الشرعيين أو ببعضهم ومن يفعل ذلك فهو مهدد بقوله صلى الله عليه وسلم : " من ضار أضر الله به ومن شاق شق الله عليه " رواه الإمام أحمد 3/453 انظر صحيح الجامع 6348 . ومن صور المضارة في الوصية حرمان أحد الورثة من حقه الشرعي أو أن يوصي لوارث بخلاف ما جعلته له الشريعة أو أن يوصي بأكثر من الثلث .

وفي الأماكن التي لايخضع فيها الناس لسلطان القضاء الشرعي يتعذر على صاحب الحق أن يأخذ حقه الذي أعطاه الله له بسبب المحاكم الوضعية التي تحكم بخلاف الشريعة وتأمر بإنفاذ الوصية الجائرة المسجلة عند المحامي فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون .

اللعب بالنرد :-

تحتوي كثير من الألعاب المنتشرة والمستعملة بين الناس على أمور من المحرمات ومن ذلك النرد ( المعروف بالزهر ) الذي يتم به الانتقال والتحريك في عدد كثير من الألعاب كالطاولة وغيرها وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من هذا النرد الذي يفتح أبواب المقامرة والميسر فقال : " من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه " رواه مسلم 4/1770 . وعن أبي موسى رضي الله عنه مرفوعا : " من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله " رواه الإمام أحمد 4/394 وهو في صحيح الجامع 6505 .

لعن المؤمن ولعن من لا يستحق اللعن :-

لا يملك كثير من الناس ألسنتهم إذا ما غضبوا فيسارعون باللعن فيلعنون البشر والدواب والجمادات والأيام والساعات بل وربما لعنوا أنفسهم وأولادهم ولعن الزوج زوجته والعكس وهذا أمر جد خطير فعن أبي زيد ثابت بن الضحاك الأنصاري رضي الله عنه مرفوعا : " .... ، ومن لعن مؤمنا فهو كقتله " رواه البخاري انظر فتح الباري 10/465 ولأن اللعن يكثر من النساء فقد بين عليه الصلاة والسلام أنه من أسباب دخولهن النار وكذلك فإن اللعانين لا يكونون شفعاء يوم القيامة وأخطر منه أن اللعنة ترجع على صاحبها إن تلفظ بها ظلما فيكون قد دعا على نفسه بالطرد والإبعاد من رحمة الله .

النياحة :-

من المنكرات العظيمة ما تقوم به بعض النساء من رفع الصوت بالصياح وندب الميت ولطم الوجه وكذلك شق الثوب وحلق الشعر أو شده وتقطيعه وكل ذلك يدل على عدم الرضا بالقضاء وعدم الصبر على المصيبة وقد لعن النبي صلى الله عليه وسلم من فعل ذلك فعن أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن الخامشة وجهها والشاقة جيبها والداعية بالويل والثبور " رواه ابن ماجة 1/505 وهو في صحيح الجامع 5068 . وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه مرفوعا : " ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية " رواه البخاري انظر الفتح 3/163 . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب " رواه مسلم رقم 934

ضرب الوجه والوسم في الوجه :-

عن جابر قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الضرب في الوجه وعن الوسم في الوجه . رواه مسلم 3/1673

أما ضرب الوجه فإن عددا من الآباء والمدرسين يعمدون إليه في معاقبة الأولاد حينما يضربون الوجه بالكف ونحوه وكذا يفعله بعض الناس مع خدمهم وهذا مع ما فيه من إهانة الوجه الذي كرم الله به الإنسان فإنه قد يؤدي أيضا إلى فقد بعض الحواس المهمة المجتمعة في الوجه فيحصل الندم وقد يطلب القصاص .

أما وسم الدواب في الوجه وهو وضع علامة مميزة يعرف بها صاحب كل دابة دابته أو ترد عليه إذا ضلت فهو حرام وفيه تشويه وتعذيب ولو احتج بعض الناس بأنه عرف قبيلتهم وعلامتها المميزة فيمكن أن يجعل الوسم في مكان آخر غير الوجه .

هجر المسلم فوق ثلاثة أيام دون سبب شرعي :-

من خطوات الشيطان إحداث القطيعة بين المسلمين وكثيرون أولئك الذين يتبعون خطوات الشيطان فيهجرون إخوانهم المسلمين لأسباب غير شرعية إما لخلاف مادي أو موقف سخيف وتستمر القطيعة دهرا وقد يحلف أن لا يكلمه وينذر أن لا يدخل بيته وإذا رآه في طريق أعرض عنه وإذا لقيه في مجلس صافح من قبله ومن بعده وتخطاه وهذا من أسباب الوهن في المجتمع الإسلامي ولذلك كان الحكم الشرعي حاسما والوعيد شديدا فعن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا : " لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث فمن هجر فوق ثلاث فمات دخل النار " رواه أبو داود 5/215 وهو في صحيح الجامع 7635 .

وعن أبي خراش الأسلمي رضي الله عنه مرفوعا : " من هجر أخاه سنة فهو بسفك دمه " رواه البخاري في الأدب المفرد حديث رقم 406 وهو في صحيح الجامع 6557 .

ويكفي من سيئات القطيعة بين المسلمين الحرمان من مغفرة الله عز وجل فعن أبي هريرة مرفوعا : " تعرض أعمال الناس في كل جمعة مرتين ، يوم الإثنين ويوم الخميس فيغفر لكل عبد مؤمن إلا عبدا بينه وبين أخيه شحناء فيقال : اتركوا أو أركوا ( يعني أخروا ) هذين حتى يفيئا " رواه مسلم 4/1988 .

ومن تاب إلى الله من المتخاصمين فعليه أن يعود إلى صاحبه ويلقاه بالسلام فإن فعل وأبى صاحبه فقد برئت ذمة العائد وبقيت التبعة على من أبى ، عن أبي أيوب مرفوعا : " لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام " رواه البخاري فتح الباري 10/492 .

أما إن وجد سبب شرعي للهجر كترك صلاة أو إصرار على فاحشة فإن كان الهجر يفيد المخطئ ويعيده إلى صوابه أو يشعره بخطئه صار الهجر واجبا ، وأما إن كان لا يزيد المذنب إلا إعراضا ولا ينتج إلا عتوا ونفورا وعنادا وازديادا في الإثم فعند ذلك لا يسوغ الهجر لأنه لا تتحقق به المصلحة الشرعية بل تزيد المفسدة فيكون من الصواب الاستمرار في الإحسان والنصح والتذكير .

وختاما هذا ما تيسر جمعه من المحرمات المنتشرة [ والموضوع طويل وقد رأيت إتماما للفائدة أن أفرد فصلا خاصا بجملة من المنهيات الواردة في الكتاب والسنة مجموع بعضها إلى بعض ستكون في رسالة مستقلة إن شاء الله ] نسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى أن يقسم لنا من خشيته ما يحول بيننا وبين معاصيه ومن طاعته ما يبلغنا به جنته وأن يغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وأن يغنينا بحلاله عن حرامه وبفضله عمن سواه وأن يتقبل توبتنا ويغسل حوبتنا إنه سميع مجيب وصلى وسلم على النبي الأمي محمد وآله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين

عبقور2011
02-26-2011, 11:38 AM
ماذا يعني مصطلح تسلسل الحوادث ؟
السؤال : كثيراً ما نقرأ في كتب العقائد كلمة " تسلسل الحوادث " والكلام على أن له أنواعاً ، فما معنى هذه العبارة ؟

الجواب :
الحمد لله
" تسلسل الحوادث " هو أحد الألفاظ المجملة التي يطلقها المتكلمون .
ولأجل أن يتضح مفهوم هذه اللفظة ، ومدلولها ، ووجه الصواب والخطأ في إطلاقها : إليك هذا العرض الموجز .
أ. " تعريف التسلسل " :
قال الجرجاني رحمه الله :" التسلسل هو ترتيب أمور غير متناهية " .
انتهى من" التعريفات " ( ص 57 ) .
ب. " سبب تسميته بذلك " :
سمِّي بذلك أخذاً من السلسلة ؛ فهي قابلة لزيادة الحِلَق إلى ما لا نهاية ؛ فالمناسبة بينهما : عدم التناهي بين طرفيهما ، ففي السلسلة : مبدؤها ومنتهاها ، وأما التسلسل : فطرفاه الزمن الماضي والمستقبل .
ج. " مراد أهل الكلام من إطلاق هذه اللفظة " : مرادهم يختلف باختلاف سياق الكلام ، وباختلاف المتكلمين ، فقد يكون مرادهم : نفي قِدَمِ اتصاف الله ببعض صفاته ، وقد يكون مرادهم : نفي دوام أفعال الله ومفعولاته ، وقد يكون مرادهم : نفي أبدية الجنة والنار ، وقد يكون غير ذلك .
د. " هل وردت هذه اللفظة في الكتاب أو السنَّة ، أو أطلقها أحد من أئمة السلف " ؟
الجواب : لا .
هـ. " ما طريقة أهل السنة في التعامل مع هذا اللفظ ؟ " .
طريقتهم كطريقتهم في سائر الألفاظ المجملة ؛ حيث إنهم يتوقفون في لفظ " التسلسل " فلا يثبتونه ، ولا ينفونه ؛ لأنه لفظ مبتدع مجمل ، يحتمل حقّاً وباطلاً ، وصواباً وخطأً .
هذا بالنسبة للفظ .
أما بالنسبة للمعنى : فإنهم يستفصلون ، فإن أريد به حق : قبلوه ، وإن أريد به باطل : رَدُّوه .
وبناءاً على ذلك : فإنه يُنْظَرُ في هذا اللفظ ، وتطبق عليه هذه القاعدة : فيقال لمن أطلقوا هذا اللفظ :
1. إذا أردتم بالتسلسل : دوام أفعال الرب أزلاً – الأزل : هو القِدَم الذي لا بداية له - وأبداً - الأبد : هو المستقبل الذي لا نهاية له - : فذلك معنى صحيح دل عليه العقل والشرع ، فإثباته واجب ، ونفيه ممتنع ، قال الله تعالى : ( فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ) هود/ 107 .
والفعَّال هو من يفعل على الدوام ، ولو خلا من الفعل في أحد الزمانين لم يكن فعَّالاً ؛ فوجب دوام الفعل أزلاً وأبداً .
ثم إن المتصف بالفعل أكمل ممن لا يتصف به ، ولو خلا الرب منه لخلا من كمال يجب له ، وهذا ممتنع .
ولأن الفعل لازم من لوازم الحياة ، وكل حي فهو فعال ، والله تعالى حيٌّ فهو فعال ، وحياته لا تنفك عنه أبداً وأزلاً .
ولأن الفرق بين الحيِّ والميتِ الفعلُ ، والله حيٌّ فلا بد أن يكون فاعلاً ، وخُلُوُّه من الفعل في أحد الزمانين الماضي والمستقبل : ممتنع ، فوجب دوام فعله أزلاً وأبداً .
فخلاصة هذه المسألة : أنه إذا أريد بالتسلسل دوام أفعال الرب : فذلك معنى صحيح ، واجب في حق الله ، ونفيه ممتنع .
ولا يجوز أن يكون تعالى معطَّلاً عن الفعل ثم فعل ، أو أنه اتصف بصفة من الصفات بعد أن لم يكن متصفاً بها ، أو أنه حصل له الكمال بعد أن لم يكن : فذلك معنى باطل لا يجوز .
فالله عز وجل لم يزل متَّصفاً بصفات الكمال : صفات الذات ، وصفات الفعل ، ولا يجوز أن يُعتقد أن الله اتصف بصفة بعد أن لم يكن متصفاً بها ؛ لأن صفاته سبحانه صفات كمال ، وفَقْدُها صفة نقص ، فلا يجوز أن يكون قد حصل له الكمال بعد أن كان متصفاً بضده .
قال الإمام الطحاوي رحمه الله : " ما زال بصفاته قديماً قبل خلقه ، لم يزدد بكونهم شيئاً لم يكن قبلهم من صفته ، وكما كان بصفاته أزليّاً ، كذلك لا يزال عليها أبديّاً " .
انتهى من" شرح العقيدة الطحاوية " ( ص 124 ) .
مثال ذلك : صفة الكلام ؛ فالله عز وجل لم يزل متكلماً إذا شاء ، ولم تحدث له صفة الكلام في وقت ، ولم يكن معطَّلاً عنها في وقت ، بل هو متصف بها أزلاً وأبداً .
وكذلك صفة الخلق ، فلم تحدث له هذه الصفة بعد أن كان معطَّلاً عنها .
2- وإذا أريد بالتسلسل : أن شيئاً من المخلوقات المعينة قديم قدم الله تعالى ، فهذا باطل ، فكل سوى الله تعالى مخلوق ، مسبوق بالخالق ، بل مسبوق بعدم نفسه أيضاً.
قال شيخ الإسلام رحمه الله : " ولكن الذي نطقت به الكتب والرسل أن الله خالق كل شيء فما سوى الله من الأفلاك والملائكة وغير ذلك مخلوق ومحدث كائن بعد أن لم يكن مسبوق بعدم نفسه وليس مع الله شيء قديم بقدمه في العالم لا أفلاك ولا ملائكة سواء سميت عقولاً ونفوساً أو لم تسم " انتهى من " الصفدية " (1/14).
وقال رحمه الله : " ولكن يمتنع عند أهل الملل أن يكون موجود قديم مع الله فإن الله خالق كل شيء وكل مخلوق مسبوق بعدم نفسه وإن قيل مع ذلك بدوام كونه خالقا فخلقه شيئاً بعد شيء دائماً لا ينافى أن يكون كل ما سواه مخلوقاً محدثاً كائناً بعد أن لم يكن ليس من الممكنات قديم بقدم الله تعالى مساوياً له بل هذا ممتنع بصرائح العقول مخالف لما أخبرت به الرسل عن الله كما قد بسط في موضعه " انتهى من " منهاج أهل السنة النبوية " (2/210).
3. وإذا كان المقصود بالتسلسل : التسلسل في مفعولات الله عز وجل ، وأنه ما زال ولا يزال يخلق خلْقاً بعد خلق ، إلى ما لا نهاية ، فذلك معنى صحيح ، وتسلسل ممكن ، وهو جائز في الشرع والعقل .
وتسلسل الحوادث أو دوام الحوادث أو المفعولات ، معناه أن نوع الحوادث لم يزل متجدداً وان الله يخلق خلقاً بعد خلق، وكل مخلوق يعني مسبوق بالعدم ، ودوام الحوادث أو المخلوقات في الماضي يمنع من كونه تعالى هو الأول كما أن دوامها في المستقبل – كنعيم الجنة – لا يمنع من كونه تعالى هو الآخر .
4. وإن أريد بالتسلسل : التسلسل بالمؤثِّرين ، أي : بأن يؤثِّر الشيء بالشيء إلى ما لا نهاية ، وأن يكون هناك مؤثرون ، كلُّ واحد منهم استفاد تأثيره مما قبله لا إلى غاية : فذلك تسلسل ممتنع شرعاً وعقلاً ؛ لاستحالة وقوعه ؛ فالله عز وجل خالق كل شيء ، وإليه المنتهى ، فهو الأول فليس قبله شيء ، وهو الآخر فليس بعده شيء ، وهو الظاهر فليس فوقه شيء ، وهو الباطن فليس دونه شيء .
والقول بالتسلسل في المؤثرين : يؤدي إلى خُلُوِّ المُحدَث والمخلوق من مُحْدِثٍ وخالقٍ ، وينتهي بإنكار الخالق جل وعلا .
خلاصة القول في مسألة التسلسل عموماً :
أ. أن التسلسل هو ترتيب أمور غير متناهية ، وأنه سمِّيَ بذلك أخذاً من " السلسلة " .
ب. أن التسلسل من الألفاظ المجملة التي لا بد فيها من الاستفصال كما مر ، لإثبات ما فيها من الحق ، ونفي ما فيها من الباطل .
انتهى من كتاب : " مصطلحات في كتب العقائد " للشيخ محمد بن إبراهيم الحمد ( ص 72 – 76 ) ، باختصار .
وانظر – لمزيد فائدة لما سبق – كتاب : " الألفاظ والمصطلحات المتعلقة بتوحيد الربوبية " ، تأليف : الدكتورة آمال بنت عبد العزيز العمرو ، ص 241 .

والله أعلم .

عبقور2011
02-26-2011, 11:41 AM
الوقف نظرات وأحكام

ناصر محمد الأحمد


ملخص الخطبة

1- الإسلام دين التكافل. 2- أهمية المال وضبط الإسلام طريقة توزيعه. 3- حق الفقراء في أموال الأغنياء. 4- الحث على عبادة الوقف. 5- تطبيق المسلمين لهذه العبادة. 6- صور متعددة للأوقاف. 7- الوقف عمل يقدمه المرء لآخرته. 8- وصايا للواقفين ونظار الأوقاف.


الخطبة الأولى





أما بعد: الإسلام دين الكمال والشمول، كمال وشمول يساير متطلبات الفرد وحاجات الأمة، ويحقق العزة والكرامة لأهل الإسلام في دارهم الدنيا والدار الآخرة، دين يحقق كل أواصر التكافل بين المسلمين، وكل أنواع التعاون بين المؤمنين، حوى كل سبل الخير، وشمـل جميع أنـواع البر قال الله تعالى: وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِ وَٱلتَّقْوَىٰ وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ [المائدة:2].

أيها المسلمون، إن في الناس قدرات وطاقات، والله قد قسم هذه القدرات والطاقات بين الناس ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً ورحمة ربك خير مما يجمعون.

الناس بحكمة الله ورحمته وعدله يختلفون فيما أعطاهم الله من ملكات وطاقات، في هممهم وأعمالهم، في عقولهم وجهودهم، منهم من يفتح الله على يديه ويرزقه من حيث لا يحتسب، يوسع عليه في رزقه ويبسط له في ماله، وفئات أخرى قد قُدِر عليها رزقها، وقلّت مواردها، إما لنقص في قدراتها، أو عجز في مدركاتها، وإما لإعاقات في أبدانها، فهناك الصّغار والقصّار، وهناك أصحاب العاهات والإعاقات، لا يقدرون على مباشرة حرف، ولا يحسنون صنائع. ولله في ذلك تقدير وحكمة، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون.

أيها المسلمون، لقد أصبح المال عصب الحياة، ولهذا فإن الله جلت قدرته نظّم لكم التصرف في هذه الأموال اكتساباً وتصريفاً، فبين لكم كيف تكتسبونها وكيف تتصرفون فيها وتصرفونها، نظم ذلك لكم في حياتكم وبعد مماتكم، ففي حياة الإنسان يستطيع الحر المكلف الرشيد العاقل أن يتصرف في ماله بيعاً وشراءً وإجارةً ورهناً ووقفاً وهبةً ووصيةً، على حسب الحدود الشرعية التي بينها الشارع. وبعد ممات الإنسان حَفِظ الله له المال بأن تولى قَسمه بنفسه على أولى الناس به، ففرَض المواريث وقسّمها فقال جل وعز: ءابَاؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مّنَ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً [النساء:11]. وأخبر أن هذه حدوده فقال: وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأنْهَـرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا وَذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَـٰلِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ [النساء:13، 14].

عباد الله، إن التعاون في أعلى صوره، والرحمة بالناس في أجمل معانيها يتجسد في الاهتمام بالضعفاء من عباد الله. إن لهؤلاء الضعفاء حقاً في أموال من بسط الله عليه من أصحاب الثروات المتنامية، حق في الزكوات وحق في الصدقات. أيها المسلمون، إن الإحسان في الإسلام واسع الأبواب متعدد الطرق متنوع المسالك لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلاْخِرِ وَٱلْمَلَـئِكَةِ وَٱلْكِتَـٰبِ وَٱلنَّبِيّينَ وَءاتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبّهِ ذَوِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّائِلِينَ وَفِي ٱلرّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَـٰهَدُواْ وَٱلصَّابِرِينَ فِى ٱلْبَأْسَاء وٱلضَّرَّاء وَحِينَ ٱلْبَأْسِ أُولَـئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ [البقرة:177].

أيها المسلمون، وهذه وقفة مع صورة كبرى من صور البر والإحسان في الإسلام، صورة تغطي جانباً من جوانب التكافل، وتعالج معالجة حقيقية لكثير من حاجات المجتمع واحتياجاته، وغُصصه وآلامه، صورة تبرز ما للمال من وظيفة اجتماعية، تحقق الحياة الكريمة، وتدفع وطأة الحاجة، وينعم المجتمع كله بنعمة الأخوة الرحيمة والإلفة الكريمة. صورة يجد فيها الفقير المحتاج في مجتمعه من يشاطره همومه وآلامه، ويفرّج عنه أحزانه وغمومه، تلكم أيها الإخوة الأوقاف والأحباس. حقيقة طالما غابت عن أذهان كثير من المسلمين ممن أنعم الله عليهم بشيء من المال. فغالب الناس اليوم لا يعرفون إلا الوصية ولا يعرفون الوقف.

الوقف ـ يا عباد الله ـ من أفضل الصدقات وأجل الأعمال وأبر الإنفاق، وكلما كان الوقف أقرب إلى رضوان الله وأنفع لعباد الله كان أكثر بركة وأعظم أجراً الوقف في الدنيا برٌ بالفقراء والأصحاب، وفي الآخرة تحصيلٌ للثواب وطلبٌ للزلفى من رب الأرباب.

كم ستعيش يا عبد الله، يا من تملك شيئاً من المال في هذه الدنيا، هل فكرت أن تنفع نفسك وتوقف شيئاً من مالك لله ينفعك في قبرك ويوم معادك.

هل تعلم بأن الوقف انتفاع لك دائم متواصل، على طبقات المحتاجين من الأقربين والأبعدين، من الأحياء والميتين؟ إنه عمل صالح ومسلك رابح.

الوقف: وعاءٌ يصب فيه خيرات العباد، ومنبع يفيض بالخيرات على البلاد والعباد، تتحقق به مصالح خاصة ومنافع عامة.

الأوقاف: تُجسّد مسئولية القادرين على القيام بمسئولياتهم وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ ٱلْفَسَادَ فِى ٱلأرْضِ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ [القصص:77].

الوقف: إحسان بالمال والقول والعمل.

في الوقف: ضمان لحفظ المال ودوام للانتفاع به وتحقيق للاستفادة منه مُدداً طويلة وآماداً بعيدة.

أيها المسلمون، لقد ذكر التاريخ الإسلامي في المجال التطبيقي لفكرة الوقف كثيراً من الأوقاف التي تبارى المحسنون من المسلمين في كل أقطارهم وعصورهم وعلى اختلاف مذاهبهم في إنشائها على جهات البر الكثيرة التي ما زال كثير منها قائماً حتى اليوم.

فمنذ أيام الإسلام الأولى بادر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بوقف جزءٍ من أموالهم، وحبس أشياء من دورهم وعقارهم. فها هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه يستأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في طرق الخير ووجوه البر قائلاً يا رسول الله: إني أصبت مالاً بخيبر لم أُصب مالاً أنفس عندي منه فما تأمرني. فقال عليه الصلاة والسلام: ((إن شئت حبّست أصلها وتصدقت بها غير أن لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث)). قال: فتصدق بها عمر في الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضعيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف أو يطعم صديقاً غير متمولٍ فيه، متفق عليه.

وهذا أبو طلحة رضي الله عنه كان أكثر أنصاريّ المدينة مالاً وكان أحب ماله إليه بيرحاء، مستقبل المسجد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماءٍ طيب فيها. قال أنس بن مالك رضي الله عنه فلما نزل قوله تعالى: لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران:92]، قام أبو طلحة فقال: يا رسول الله إن الله تعالى يقول: لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وإن أحب أموالي إليّ بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو برّها وذخرها عنده، فضعها حيث أراك الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((بخٍ بخٍ ذلك مال رابح وقد سمعتُ ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين))، فقال أبو طلحة أفعل ذلك يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه.

وأوقف أبو بكر رضي الله عنه رباعاً له في مكة على الفقراء والمساكين وفي سبيل الله وذوي الرحم القريب والبعيد.

وأوقف عثمان وعلي وسعد بن أبي وقاص وجابر بن عبد الله وعقبة بن عامر والزبير رضي الله عنهم أجمعين.

ومن أمهات المؤمنين أوقفت عائشة وأم سلمة وصفية وأم حبيبة رضي الله عنهن. وخالد بن الوليد رضي الله عنه احتبس أدرعه وأعتاده في سبيل الله.

يقول جابر رضي الله عنه: ما بقي أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم له مقدرة إلاّ وَقف. وقال الشافعي رحمه الله: وأكثر دور مكة وقف.

ثم سار من بعدهم الأغنياء والموسورون من المسلمين فأوقفوا الأوقاف وأشادوا الصروح، بنوا المساجد، وأنشؤوا المدارس وأقاموا الأربطة، ولو تأملت دقيق التأمل لرأيت أن هؤلاء القادرين الأخيار والأغنياء الأبرار لم يدفعهم إلى التبرع بأنفس ما يجدون وأحب ما يملكون ولم يتنازلوا عن هذه الأموال الضخمة والثروات الهائلة إلا لعظم ما يرجون من ربهم ويأمّلون من عظيم ثواب مولاهم ثم الشعور بالمسئولية تجاه الجماعة والأقربين يدفعهم كل ذلك إلى أن يرصدوا الجزيل من أموالهم ليستفيد إخوانهم أفراداً وجماعات، جمعيات وهيئات، أقرباء وغرباء.

قال بعض أهل العلم: الوقف شرع لمصالح لا توجد في سائر الصدقات فإن الإنسان ربما صرف مالاً كثيراً ثم يفنى هذا المال ثم يحتاج الفقراء مرة أخرى أو يأتي فقراء آخرون فيبقون محرومين، فلا أحسن ولا أنفع للعامة من أن يكون شيء وقفاً للفقراء وابن السبيل يصرف عليهم من منافعه ويبقى أصله.

في الوقف تطويل لمدة الاستفادة من المال، فقد تُهيأ السبل لجيل من الأجيال لجمع ثروة طائلة، ولكنها قد لا تتهيأ للأجيال التي بعدها. فبالوقف يمكن إفادة الأجيال اللاحقة بما لا يضر الأجيال السابقة.

أيها المسلمون، الوقف ليس محصوراً ولا مقصوراً على الفقراء والمساكين كما يظن البعض، ويظن أنها أعظم أجراً من غيرها، ولكنها أوسع من ذلك وأشمل لقد كان للوقف أثر عظيم في نشر الدين وحمل رسالة الإسلام ونشاط المدارس والحركة العلمية في أقطار المسلمين وأقاليمهم في حركة منقطعة النظير غير متأثرة بالأحداث السياسية والتقلبات الاجتماعية، توفر للمسلمين نتاجاً علمياً ضخماً وتراثاً إسلامياً خالداً وفحولاً من العلماء برزوا في تاريخ الإسلام بل في تاريخ العالم كله. ففيها تحقيق مصالح للأمة وتوفير لكثير من احتياجاتها ودعم لتطورها ورقيها وصناعة حضارتها. إنه يوفر الدعم المادي للمشروعات الإنمائية والأبحاث العلمية، إنه يمتد ليشمل كثيراً من الميادين والمشروعات التي تخدم في مجالات واسعة وميادين متعددة ومتجددة.

إن المساجد لم تكن لتنتشر هذا الانتشار في تاريخ الإسلام كله إلا بطريق الأوقاف، أوقاف يصرف ريعها من أجل حفظ كتاب الله وطباعته ونشره، ويصرف في الدراسات القرآنية وخدمة علوم السنة وسائر فروع علوم الشريعة.

الأوقاف دعامة من الدعامات الكبرى للنهوض بالمجتمع ورعاية أفراده وتوفير الخدمات الاجتماعية والصحية والتعليمية بالأوقاف، تبنى مصحّات ومستشفيات، يراعى فيها أحوال الفقراء وذوي الدخول المتدنية، تشاد بها دور وملاجئ وأربطة تحفظ اليتامى وتؤوي الأرامل وتقي الأحداث مصارع الضياع، نُزلٌ وفنادق تؤوي المنقطعين والمحتاجين من الغرباء وأبناء السبيل، مؤسسات إغاثية ترعى المنكوبين من المسلمين في كل مكان، صناديق وأوقاف لإعانة المعسرين وتسديد ديون المنقطعين. تقوم على الأوقاف مدارس وجامعات وعلوم وأبحاث، ذوي اليسار والغنى يمدون الهيئات والمؤسسات والصناديق الوقفية بأموالهم، والخبراء المتخصصون والمتفرغون الموثوقون يديرون هذه المؤسسات والصناديق بشروط دقيقة وأنظمة شاملة على ما يقتضيه الشرع المطّهر.

عن طريق الوقف انتشر في العالم الإسلامي المدارس والمكتبات والأربطة وحِلَق العلم والتأليف، وتحسنت بدعمها الأحوال الصحية للمسلمين وازدهر علم الطب، وأنشئت المستشفيات، إضافة إلى دَورها في دعم الحركة التجارية والنهضة الزراعية والصناعية وتوفير البنية الأساسية من طرق وقناطر وجسور. ناهيك عن تحقيق التكافل الاجتماعي والترابط الأسري وبناء المساكن للضعفاء ومساعدة المحتاجين، وتزويج الشباب غير القادرين، ورعاية المعوقين والمقعدين والعجزة، وبناء القبور وتجهيز لوازم التغسيل والتكفين للموتى.

أيها المسلمون، إن الإسلام في تاريخه وحضارته قد تميّز فيما تميّز، بما أبرزه المسلمون من أوقاف على مساجدهم ومدارسهم وطلبة العلم فيهم وذوي الحوائج منهم، مما كان له الأثر البالغ في نشر الإسلام وتنشئة المسلمين على العلم والصلاح وحفظ كرامة المحتاجين ورعاية الأقربين وحفظ أصول الأملاك، فأغنت بإذن الله وأغاثت وأعفّت، فعاشوا أعزةً لا يمدون يداً إلى لئيم.

أيها المسلمون، إن مال الإنسان الحقيقي هو ما قدمه لنفسه ذخراً عند ربه كما قال سبحانه: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَـٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَـٰكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ [الأنعام:94]، وفي الحديث الصحيح يقول ابن آدم: ((مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأبقيت وما سوى ذلك فذاهبٌ وتاركه للناس)) وفي الحديث الآخر: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به بعده أو ولد صالح يدعو له)) والإنسان ينتقل من دنياه غنياً عما خلّف فقيراً إلى ما قدّم قال الله تعالى: لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاء وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلاِنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ٱبْتِغَاء وَجْهِ ٱللَّهِ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ [البقرة:272].

ففكر جيداً يا عبد الله في هذا الباب، فوالله إنه لباب عظيم من أبواب الخير، غفل عنه الكثيرون، أوقف يا عبد الله داراً صغيرةً، أو عمارةً هنا أو هناك، واجعل ريعها في أحد وجوه الخير التي سمعت تنفعك نفعاً عظيماً بإذن الله تعالى إذا خلصت النيات. واجعل على هذا الوقف شخصاً أو شخصين من أهل الخير والصلاح ممن عرفوا بالأمانة والنـزاهة يرعون شؤونها ويديرون أمورها، يأتيك أجرك وأنت في قبرك، ويدعو لك كل من استفاد منها، وكلما كان الوقف متعدي النفع فهو أفضل. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علماً نشره، وولداً صالحاً تركه، ومصحفاً ورثه، أو مسجداً بناه، أو بيتاً لابن السبيل بناه، أو نهراً أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه بعد موته)) رواه ابن ماجه. وقال صلى الله عليه وسلم: ((من احتبس فرساً في سبيل الله إيماناً بالله وتصديقاً بوعده، فإن شعره وروثه وبوله في ميزان حسناته)) رواه ابن ماجه. هذا يا عباد الله أجر من أوقف فرساً فكيف بمن أوقف أكثر من ذلك.

أيها المسلمون، ومع العلم بأن الوقف من خصائص الإسلام إلا أننا نجد اليوم أن أهل الضلال والشرك من أصحاب الكنائس والأضرحة يعملون لدعم ونشر ضلالهم. إن المطّلع على أحوال المنصّرين الذين يجوسون خلال ديار المسلمين بغية إخراجهم من دينهم الحق وإدخالهم في دياجير ظلمة النصرانية يرى كم هم مجتهدون في إقامة الملاجئ والمدارس والمستشفيات والمستوصفات والمصانع ليَدخلوا إلى قلوب المسلمين تمهيداً لتنصيرهم من خلال إطعام جائعٍ، وكسوة عارٍ، ومداواة مريض. والمتتبع لنشاطاتهم وأحوالهم يجد أنهم قد اعتمدوا في تمويل مشاريعهم هذه على ريع الوقف الكبير الذي وقفه أبناء النصارى في العالم للكنائس، فأوقاف الفاتيكان وحدها تضم عدة بنوك وشركات صناعية واستثمارات كبرى ومناجم في عدة دول.

وفي المقابل نرى أن المشاريع الإسلامية خصوصاً الدعوية منها تعاني من اضطراب في الاستمرارية وعدم وضوح في مستقبلها المالي مما ينعكس سلباً على الدعوة الإسلامية لعدم وجود مورد مالي مستمر بسبب إحجام كثير من الموسرين من المسلمين عن وقف جزءٍ من أموالهم على مثل هذه المشاريع.

أيها المسلمون، هناك من يوقف شيئاً من ماله على أولاده وذريته من بين سائر الورثة ليؤمِّن لذريته مورداً ثابتاً يعينهم على نوائب الدهر وتقلبات الزمن فيحميهم بحد زعمه بإذن الله من الفاقة أخذاً من عموم قوله صلى الله عليه وسلم: ((إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس)) بل إن بعض الأغنياء قد يتوجسون خيفةً من أن بعض الذرية لا يحسن التصرف في الثروة أو يخشى عليهم الخلاف والنـزاع والفرقة، فيقول: من أجل مصلحتهم ومصلحة ذرياتهم أوقف بعض الأعيان والأصول ليحفظ الثروة من الضياع ويكف الأيدي من التلاعب، وبهذا يكون النفع مستمراً، والفائدة متصلة غير منقطعة.

وهذا العمل أيها الأحبة حرام ولا يجوز، لأنه داخل في عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث)) فكما لا يجوز لأحد أن يوصي لبعض ورثته دون بعض، لا بشيء من أعيان المال ولا بشيء من منافعه وغلاته فكذلك لا يجوز له أن يوقف شيئاً من ماله أو عقاره لبعض من له حق في الميراث. فإن الله تعالى قد فرض لكل وارث حقه ونصيبه من الميراث، وبناءً عليه فلا يجوز أن توصي لأولادك بوقف شيء من مالك عليهم وتدع بقية الورثة، فإن هذا تعدياً لحدود الله واقتطاعاً من حق بعض الورثة لورثة آخرين. فإذا قال الإنسان أوصيت بثلثي أو ببيتي أو بعقاري يكون وقفاً على أولادي وله ورثة غير الأولاد فهذه وصيةٌ لوارث وتعدٍ لحدود الله فيكون حراماً. عافانا الله وإياكم.

وهناك من يوقف كل ماله على جميع الورثة، وهذا أيضاً مما نهى عنه بعض العلماء لأن فيه حجر على الورثة فلا يستطيعون التصرف في شيء بعد موت الواقف، لكن لا بأس أن توقف شيئاً من المال أو العقار على جميع الورثة.

نفعني الله وإياكم ..








الخطبة الثانية



الحمد لله الذي شرع لعباده من الطاعات ما يقربهم إلى رضوانه، ويرفع منازلهم في جنانه، والصلاة والسلام على نبي الهدى والرحمة الذي جعل حياته ومماته وماله كله في سبيله، وعلى آله وأصحابه الذين تنافسوا في الخير ونالوه، وتسابقوا إلى البر وحازوه، وعلى من اهتدى بهديهم وعمل بسنتهم إلى يوم الدين.

أما بعد: ألا فليتق الله الواقفون ونظّار الأوقاف وليتحرَ الواقف في وقفه أن يكون مما يتقرب به إلى الله عز وجل مبتعداً عن المبتدعات والمحرمات مبتغياً في وقفه مرضاة الله متبعاً سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم معظماً حرمات الله، وليحذر مما يفعله بعض الواقفين من المقاصد السيئة الذين يجعلون من الوقف ذريعة من حرمان بعض الذرية فيحرمون البنات أو يجعلون القسمة ضيزى بين الذكور والإناث وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرّيَّةً ضِعَـٰفاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواّ ٱللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً [النساء:9]، لقد كثرت هذه المآثم حتى شوهت الأوقاف وأخفت في بعض الأحيان خيراتها ومنافعها.

أما نظّار الأوقاف والمتولون عليها فقد سلطهم الله على هذه الأوقاف ومكّنهم منها، فليتقوا الله فيما عُهد إليهم وما ائتُمنوا عليه من أموال المسلمين، فليحذروا غضب الله وسخطه يوم لا ينفع مال ولا بنون، يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار.

يا نظراء الأوقاف، إن في أعناقكم صغاراً وقصّاراً، وعجزةً وأرامل، لا يحسنون التصرف في الأموال ولا يقدرون على الإحسان في الأعمال بل لعلهم لا يعرفون ما الذي لهم. إن في أمانتكم فقراء في أشد الحاجة إلى سد العَوَز.

أيها المسلمون، إن الخونة من النظّار ومتولي الأوقاف أشد جرماً من اللصوص وقطّاع الطريق، إن اللص يحتال ويسرق من غيره، ولكن هؤلاء يسرقون مما هم مؤتمنون عليه. اللص ضرره على الأحياء، أما هذا فضرره على الأحياء والأموات اللص في الغالب لا يسرق إلا من أهل الثرى والغنى، أما هذا المجرم فيسطو على حقوق الأرامل واليتامى والمساكين، يقطع ما أمر الله به أن يوصل. ما أعظم ذنب الخونة هؤلاء وما أشد وزرهم جعلوا غلاّت الأوقاف نهباً لهم ولمن حام حولهم، فنهبت الأراضي وخرّبت الدور، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وعلى قضاة المسلمين وفقهم الله وأعانهم أو يولوا الأوقاف مزيد عناية في أهلها ومستحقيها وأصولها ونظّارها ومتوليها.

والمسلمون كلهم في الحق متضامنون ومتعاونون وعلى دفع الظلم والإثم متآزرون والجميع غداً بين يدي الله موقوفون وبأعمالهم مجزيون وعلى تفريطهم نادمون وَسَيَعْلَمْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ أَىَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ [الشعراء:227].

أيها المسلمون، إن مما يوقف مسيرة الأوقاف أن تستمر، بل ويعطل نفعها إذا أصبحت تحت مظلة رسمية. فإن هذا يشلّ حركتها ويقطع نفعها، وإلاّ فأين أوقاف المسلمين مثلاً في بلاد الشام وأرض الكنانة وبلاد أفريقيا، بل أين هي أوقاف المسلمين في تركيا وبلاد الهند والسند وما وراء النهر، كم أوقف تجار المسلمين وأهل الخير منذ مئات السنين أشياء وأشياء في تلكم البلاد، وبقي المحتاجون ينتفعون منها. فأين هي الآن؟ ولماذا تعطلت؟ ولماذا المسلمون في تلكم البلاد بالذات يعانون ما يعانون من الفقر والحاجة؟ السبب أنها أصبحت رسمية والله أعلم أين تذهب غلاتها؟ إليك هذه المعلومة:

كان للمسلمين في أيام الدولة العثمانية أوقافاً عظيمة ومتعددة، كان هناك وقفين كبيرين على تجهيز الفتيات المعدمات اللاتي يصلن إلى سن الزواج. وكان هناك أوقاف تقوم بصرف مرتبات للعائلات الفقيرة غير الأكل، لأن الأكل المجاني كانت له أوقاف خيالية مثل وقف المطاعم الخيرية، أحدها كان يقدم أكلاً مجانياً لعدد يبلغ عشرين ألف شخص يومياً مجاناً، وكان مثل هذا في كل الولايات التابعة للدولة العثمانية. كان المطعم الخيري في جامع السليمانية تبلغ ميزانيته ما يعادل عشرة ملايين دولار تقريباً. هذا مثال واحد فقط، وإلاّ فأوقاف المسلمين في بقية البلدان أشياء خيالية، فأين هي الآن؟

ولذا فليس في صالح أحد السعي لمثل هذا الأمر، ولتبق الأوقاف في أيدي النظّار المؤتمنون ليدعم الوقف مسيرة حركة الأمة.

اللهم رحمة اهد بها قلوبنا، ونسألك اللهم أن تجمع بها ..

عبقور2011
02-26-2011, 11:42 AM
هل الأنبياء والرسل يُحاسبون يوم القيامة ؟ وما الحكَم من استغفار النبي كثيراً ؟
السؤال: وفقاً لما جاء في القرآن الكريم فإن كل إنسان سيحشر يوم القيامة ويُحاسب على ما كان منه ، والنبي صلى الله عليه وسلم سيكون شافعاً للخلائق في ذلك اليوم . وأريد أن أعرف ما إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم سيحاسب أيضاً في ذلك اليوم أم إنه معفيٌّ من الحساب كما يقول البعض ؟ . وإذا كان الأمر كذلك فلماذا كان صلى الله عليه وسلم يستغفر في اليوم أكثر من سبعين مرة ؟ لقد قرأت فتاوى على موقعكم بهذا الخصوص ولكني لم أجد إجابة وافية تناسب تساؤلاتي ، فأرجو الإجابة عن أسئلتي هذه تحديداً ، وجزاكم الله خيراً .

الجواب :
الحمد لله
أولاً:
ذهب بعض أهل العلم إلى أن الحساب يوم القيامة يشمل الخلق كلَّهم بمن فيهم الأنبياء والمرسلين ، وقد استدلوا بالعمومات الواردة في القرآن ، كمثل قوله تعالى ( فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِين) الأعراف/ 6 ، وقوله تعالى ( فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ . عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) الحِجر/ 92 ، 93 ، وممن قال بهذا : الفخر الرازي في تفسيره ، حيث قال – في تفسير الآية الأولى - :
"الذين أرسِل إليهم هم الأمة ، والمرسلون هم الرسل ، فبيَّن تعالى أنه يسأل هذين الفريقين ، ونظير هذه الآية قوله ( فَوَرَبّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) الحِجر/ 92 ".
ثم قال :
"الآية تدل على أنه تعالى يحاسِب كل عباده لأنهم لا يخرجون عن أن يكونوا رسلاً أو مرسَلاً إليهم ، ويبطل قول من يزعم أنه لا حساب على الأنبياء والكفار" .انتهى من" تفسير الرازي " ( 14 / 20 ، 21 ) .
وقد ذهب جماهير العلماء إلى أن الأنبياء والمرسلين لا يُحاسبون يوم القيامة ، وأنهم إذا كانوا لا يُسألون في قبورهم فهو يعني أنه لا حساب عليهم ، وأنهم أولى ممن يدخل الجنة من غير حساب ، من المسلمين .
وأما ما ورد من عمومات فهي إما للكفار ، أو أنهم سيُسألون عن أقوامهم هل بلغوهم رسالة الله تعالى أم لا ، وليس هذا سؤال توبيخ وتقريع ، بل هو لإقامة الحجة على من خالفهم .
1. قال القرطبي – رحمه الله - :
"قوله تعالى ( فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ ) دليل على أن الكفار يحاسَبون ، وفي التنزيل ( ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ) الغاشية/ 26 ، وفي سورة القصص ( وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ) القصص/ 78 يعني : إذا استقروا في العذاب ، والآخرة مواطن : موطن يُسألون فيه للحساب ، وموطن لا يُسألون فيه ، وسؤالهم تقرير وتوبيخ وإفضاح ، وسؤال الرسل سؤال استشهاد بهم وإفصاح ، أي : عن جواب القوم لهم ، وهو معنى قوله ( لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ ) الأحزاب/ 8 ".انتهى من" تفسير القرطبي " ( 7 / 164 ) .
2. وقال ابن كثير – رحمه الله - :
"وقوله ( فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ ) الآية ، كقوله تعالى ( وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ ) القصص/ 65 ، وقوله ( يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ ) المائدة/ 109 ، فالرَّبُّ تبارك وتعالى يوم القيامة يسأل الأمم عما أجابوا رسله فيما أرسلهم به ، ويسأل الرسل أيضا عن إبلاغ رسالاته ، ولهذا قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسير هذه الآية ( فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ) قال : يسأل الله الناس عما أجابوا المرسلين ، ويسأل المرسَلين عمَّا بلَّغوا" .انتهى من" تفسير ابن كثير " ( 3 / 388 ) .

ثانياً:
صحَّ في الأخبار أن رسول الله كان يستغفر الله كثيراً ، ومن ذلك :
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : ( وَاللَّهِ إِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً ) . رواه البخاري ( 6307 ) .
وعَنِ الأَغَرِّ الْمُزَنِىِّ - وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ ( إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِى وَإِنِّى لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِى الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ ) . رواه مسلم ( 2702 ) .

ومن المعلوم المتفق عليه : أن الله تعالى قد غفر للنبي صلى الله عليه وسلم ما تقدم من ذنوبه وما تأخر ، قال تعالى ( لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ) الفتح/ 2 .
غير أن وعد ضمان الله لنبيه مغفرة ذنوبه جميعا ، ما تقدم منها وما تأخر، لا يمنع أن يعمل النبي صلى الله عليه وسلم من العبادات ما يكون في نفسه سببا لهذه المغفرة التي قدرها الله له ، ووعده بها ، فإن الله تعالى إذا قدر الشي قدر له أسبابه الموصلة إليه ، والاستغفار من أعظم أسباب المغفرة .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
" فصل
فِي قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الحَدِيث الصَّحِيح الَّذِي قَالَ فِي آخِره عَن الله تَعَالَى {قد غفر لعبدي فليعمل مَا شَاءَ}
هَذَا الحَدِيث لم يَجعله النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَاما فِي كل دنب ، من كل من أذْنب وَتَابَ وَعَاد ، وَإِنَّمَا ذكره حِكَايَة حَالٍ عَن عبد كَانَ مِنْهُ ذَلِك ، فَأفَاد أَن العَبْد قد يعْمل من الْحَسَنَات الْعَظِيمَة مَا يُوجب غفران مَا تَأَخّر من ذنُوبه ، وَإِن غفر لَهُ بِأَسْبَاب أخر .
وَهَذَا مثل حَدِيث حَاطِب بن أبي بلتعة رَضِي الله عَنهُ الَّذِي قَالَ فِيهِ لعمر : ( وَمَا يدْريك أَن الله اطلع على أهل بدر فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُم فقد غفرت لكم ) وَمَا جَاءَ من أَن غُلَام حَاطِب شكاه فَقَالَ : وَالله يَا رَسُول الله ليدخلن حَاطِب النَّار !! فَقَالَ : ( كذبت ، إِنَّه قد شهد بَدْرًا وَالْحُدَيْبِيَة ) ؛ فَفِي هَذِه الْأَحَادِيث بَيَان أَن الْمُؤمن قد يعْمل من الْحَسَنَات مَا يغْفر لَهُ بهَا مَا تَأَخّر من ذَنبه ، وَإِن غفر بِأَسْبَاب غَيرهَا ، وَيدل عَلى أَنه يَمُوت مُؤمنا ، وَيكون من أهل الْجنَّة ، وَإِذا وَقع مِنْهُ ذَنْب يَتُوب الله عَلَيْهِ ، كَمَا تَابَ على بعض الْبَدْرِيِّينَ كقدامة بن عبد الله رَضِي الله عَنهُ لما شرب الْخمر متأولا واستتابه عمر وَأَصْحَابه رَضِي الله عَنهُ وجلدوه ، وطهر بِالْحَدِّ وَالتَّوْبَة ، وَإِن كَانَ مِمَّن قيل لَهُ : ( اعْمَلُوا مَا شِئْتُم ) .
ومغفرة الله لعَبْدِهِ لاتنافى أَن تكون الْمَغْفِرَة بأسبابها، وَلَا تمنع أَن تصدر مِنْهُ تَوْبَة ، إِذ مغْفرَة الله لعَبْدِهِ مقتضاها أَن لَا يعذبه بعد الْمَوْت ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ يعلم الْأَشْيَاء على مَا هِيَ عَلَيْهِ ، فَإِذا علم من العَبْد أَنه يَتُوب أَو يعْمل حَسَنَات ماحية غفر لَهُ فِي نفس الْأَمر ، إِذْ لَا فرق بَين من يحكم لَهُ بالمغفرة أَو بِدُخُول الْجنَّة ؛ وَمَعْلُوم أَن بشارته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالْجنَّةِ إِنَّمَا هِيَ لعلمه بِمَا يَمُوت عليه المبشر ، وَلَا يمْنَع أَن يعْمل سَببهَا .
وَعلم الله بالأشياء وآثارها لَا ينافى مَا علقها عَلَيْهِ من الْأَسْبَاب ، كَمَا أخبر أَن : ( مَا مِنْكُم من أحد إِلَّا وَقد كتب مَقْعَده من الْجنَّة أَو النَّار ) ، وَمَعَ ذَلِك قَالَ : ( اعْمَلُوا فَكل ميسر لما خلق لَهُ ) .
وَلَا من أخبرهُ أَنه ينتصر على عدوه لَا يمْنَع أَن يَأْخُذ أَسبَابه ، وَلَا من أخبرهُ أَنه يكون لَهُ ولد لَا يمْنَع أَن يتَزَوَّج أَو يتسرى ، وَكَذَا من أخبرهُ بالمغفرة أَو الْجنَّة لَا يمْنَع أَن يَأْخُذ بِسَبَب ذَلِك مرِيدا للآخرة وساعيا لَهَا سعيها .
وَمن ذَلِك الدُّعَاء الْمَذْكُور فِي آخر سُورَة الْبَقَرَة فقد ثَبت أَن الله تَعَالَى قَالَ قد فعلت وَمَعَ ذَلِك فَمن الْمَشْرُوع لنا أَن نَدْعُوهُ .
وَمِنْه قَول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم : ( سلوا الله لي الْوَسِيلَة ) ؛ فحصول الْمَوْعُود لَا ينافى السَّبَب الْمَشْرُوع .
وَمِنْه قَوْله تَعَالَى لنَبيه سنة سِتّ من الْهِجْرَة : { ليغفر لَك الله مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر} ، وَمَعَ هَذَا فَمَا زَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يسْتَغْفر ربه بَقِيَّة عمره ، وَأنزل عَلَيْهِ فِي آخر عمره سُورَة النَّصْر : { فسبح بِحَمْد رَبك وَاسْتَغْفرهُ إِنَّه كَانَ تَوَّابًا } ، وَكَانَ يتَأَوَّل ذَلِك فِي رُكُوعه وَسُجُوده ، أى : يمتثل مَا أمره ربه ... " انتهى من "مختصر الفتاوى المصرية" (322-324) ، وينظر : "الفوائد" ، لابن القيم رحمه الله (14-17) .

والله أعلم

عبقور2011
02-26-2011, 11:44 AM
الزواج السري أو العرفي

هيثم جواد الحداد


ملخص الخطبة

1- تحريم الزواج العرفي (بلا إذن ولي ولا إشهار). 2- أهمية عقد النكاح ودوره في بناء الأسرة السعيدة المتكاملة. 3- شروط النكاح الصحيح. 4- الزواج العرفي وبعض مآسيه. 5- انتشار الزواج العرفي. 6- مناقشة رأي الحنفية بصحة النكاح بغير ولي.


الخطبة الأولى





أما بعد:

فسنتحدث في هذه الخطبة عن مشكلة اجتماعية خطيرة، يصطلي بنارها شرائح عديدة من المجتمع، ويمتد أذاها ليشمل غالب أفراد الأمة، حتى إذا استشرى ضررها، واستطال لهيبها، آذنت للمجتمع بهلاك، ونادت على الأمة بنذر شؤم وشقاء.

هذه المشكلة ـ أيها الإخوة ـ هي ما يسميه البعض بالزواج العرفي، وما يسميه آخرون بالزواج السري، وإن سألتني عن اسمه فإني أتساءل، أهو زواج؟ فأقول: بل هو زنى.

أيها المؤمنون، إن الإسلام بتشريعاته المتكاملة، تكفل بحياة يحفها الأمن، وترعاها القدرة الإلهية، وترفرف في عليائها سعادة الإخلاد إلى التوحيد.

وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ ءامَنُواْ وَٱتَّقَوْاْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَـٰتٍ مّنَ ٱلسَّمَاء وَٱلأرْضِ وَلَـٰكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَـٰهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ [الأعراف:96].

أيها المؤمنون، إن من أشد نوازع الفطرة البشرية، الميول إلى الجنس الآخر، هذا الميول الذي أودعه الله في جذر القلوب، فلا ينفك عنه رجل أو امرأة، حتى نبينا المعصوم .

وحتى لا تكلف الشريعة البشر ما لا يطيقون، وقد جاءت بسعادتهم في الدنيا والآخرة، فقد شرعت لهم النكاح، وجعل الله الزواج والنكاح ديناً ورضيه حكماً وأنزله وحياً فقال جل من قائل: وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَزْوٰجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مّنَ ٱلطَّيّبَاتِ أَفَبِٱلْبَـٰطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ ٱللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ [النحل:72].

أيها المؤمنون، عقد الزواج لعله أخطر العقود التي تتم بين طرفين، ولذا فهو العقد الوحيد الذي سماه الله عز وجل عقداً غليظاً، قال جل وعلا سورة النساء: وَإِنْ أَرَدْتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَءاتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَـٰناً وَإِثْماً مُّبِيناً وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مّيثَـٰقاً غَلِيظا [النساء:20، 21].

الزواج لقاء بين رجل أجنبي، وامرأة غريبة عنه ربما لم تره يوماً ما من الأيام، هذا العقد يبيح لكل من الزوجين من الخصوصيات ما يختصان به عن سائر الناس، بهذا العقد يقدر الله جل وعلا بين هذه الرجل وتلك المرأة مخلوقاً جديداً يجمع بين لحم هذا ودم هذه، لا هو خالص من الرجل، ولا هو خالص من المرأة، بهذا العقد يرث كل من الطرفين الآخر.

عباد الله، بهذا العقد يقوم بيت جديد، وتبدأ معالم مجتمع صغير في التشكل، هذا العقد ينشئ الأسرة التي هي اللبنة الأساس في بنيان هذه الأمة، حيث تنكشف جاذبية الفطرة بين الجنسين، لا لتجمع بين مطلق الذكران ومطلق الإناث، ولكن لتتجه إلى إقامة الأسر والبيوت: وقال جل من قائل: وَمِنْ ءايَـٰتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوٰجاً لّتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِى ذَلِكَ لايَـٰتٍ لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الروم:21].

إن الزواج في روحه نظام اجتماعي يرقى بالإنسان من الدائرة الحيوانية والشهوات المادية إلى العلاقة الروحية، ويرتفع به من عزلة الوحدة والانفراد إلى أحضان السعادة وأنس الاجتماع، وهو عقد ارتباط مقدس بين رجل وامرأة يمضيه الشرع ويباركه الله تعالى.

لقد أمر الله سبحانه في النكاح بأن يميز عن السفاح والبغاء، فقال تعالى: فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَءاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ مُحْصَنَـٰت غَيْرَ مُسَـٰفِحَـٰتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ [النساء:25]، وقال جل شأنه: وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا ءاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِى أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإيمَـٰنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِى ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ [المائدة:5]، فأمر بالولي والشهود والمهر والعقد، والإعلان، وشرع فيه الضرب بالدف والوليمة الموجبة لشهرته.

إنها استجابة للفطرة تعمل، وهي الأسرة تلبي هذه الفطرة العميقة في أصل الكون وفي بنية الإنسان، ومن ثم كان نظام الأسرة في الإسلام هو النظام الطبيعي الفطري المنبثق من أصل التكوين الإنساني. بل من أصل تكوين الأشياء كلها في الكون. على طريقة الإسلام في ربط النظام الذي يقيمه للإنسان بالنظام الذي أقامه الله للكون كله. ومن بينه هذا الإنسان.

عباد الله، الأسرة هي المحضن الطبيعي الذي يتولى حماية الفراخ الناشئة ورعايتها؛ وتنمية أجسادها وعقولها وأرواحها؛ وفي ظله تتلقى مشاعر الحب والرحمة والتكافل، وتنطبع بالطابع الذي يلازمها مدى الحياة.

عباد الله، لما كان الزواج بهذه الخطورة، وتلك الأهمية، فقد أحاطه الله بقيود وشروط وضوابط، حتى تضفي عليه من المهابة والإجلال ما يجعله أهلاً لما يترتب عليه من آثار ونتائج، ولهذا فإننا نجد أن الشريعة الإسلامية اشترطت لهذا العقد أنواعاً من الشروط لم تشترطها في عقد غيره.

يقول ابن القيم رحمه الله: "وشَرَط في النكاح شروطـًا زائدة على مجرد العقد، فقطع عنه شبه بعض أنواع السفاح بها، كاشتراط إعلانه، إما بالشهادة، أو بترك الكتمان، أو بهما معـًا، واشترط الولي، ومنع المرأة أن تليه، وندب إلى إظهاره، حتى استحب فيه الدف والصوت والوليمة، وأوجب فيه المهر، ومنع هبة المرأة نفسها لغير النبي ، وسر ذلك: أن في ضد ذلك والإخلال به ذريعة إلى وقوع السفاح بصورة النكاح، كما في الأثر: "المرأة لا تزوج نفسها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها"، فإنه لا تشاء زانية أن تقول: زوجتك نفسي بكذا سراً من وليها، بغير شهود ولا إعلان، ولا وليمة، ولا دف، ولا صوت.

ومعلوم قطعـًا أن مفسدة الزنى لا تنتفي بقولها: أنكحتك نفسي، أو زوجتك نفسي، أو أبحتك مني كذا وكذا، فلو انتفت مفسدة الزنى بذلك لكان هذا من أيسر الأمور عليها وعلى الرجل، فعظم الشارع أمر هذا العقد، وسد الذريعة إلى مشابهة الزنى بكل طريق"ا.هـ. إغاثة اللهفان.

أيها الإخوة، الزواج العرفي أو السري، هو الذي يتم الاتفاق فيه بين رجل وامرأة على لقاء يسمونه زواجاً، دون أن يكون للمرأة ولي مع إمكانية ذلك لها، ودون أن يكون هناك شهود عدول، أو إشهار لهذا الزواج، وإنما يتم في الخفاء بعيداً عن أعين الناس، وهذا هو السر الذي جعلنا نسميه زنا ولا نسميه زواجاً، ففي هذا الزواج لا توجد ألفة بين أسرتين، ولا إذن لولي، ولا مهر ولا نفقة، ولا مسكن ولا متاع، ولا أسرة ولا أولاد، ولا حياة مشتركة ولا قوامة للرجل، ولا طاعة من المرأة، ولا علم بين الناس، ولا يجري التوارث بين الخليلين... مما يجعلنا نجزم بأن هذا لا يعد زواجـًا عرفيـًا كما يدعون، ولا شرعيـًا كما يريد الله تعالى.

أيها الإخوة، سأقف وقفة عجلى عند شرطين من شروط النكاح الشرعي، ألا وهما الإعلان، والولي.

إن الشريعة حينما شرعت إعلان النكاح، إنما شرعته لأنها تهدف من ورائه لحكم غاية في السمو، وأهداف لا يمكن لتشريع من التشريعات بلوغها، فمنها مثلاً أن هذا الإعلان يبعث رسالة مباشرة للفتاة التي سيدخل بها في تلك الليلة، ولكل فتاة تأمل في النكاح: إنك أيتها الفتاة حينما تسلمين عرضك لرجل أجنبي عنك، فإنما تسلمينه وسط هالة من المهابة، والإجلال، توازي فقدانك عذريتك بعد تلك الليلة، ثم إنه يقول لها: واحذري أن تمنحي عرضك وجسدك، وأغلى ما تملكين بعد دينك لأحد إلا في عقد شرعي يباركه وليك، وذووك، ويشهد عليه هذا الجمع المبارك.

ولهذا ورد في حديث حسن عن رسول الله : ((فصل ما بين الحلال والحرام ضرب الدف والصوت في النكاح)‌)[1].

أما اشتراط الولي، ففيه حكم يصعب جمعها في هذه الخطبة، ولعل أسمى هذه الحكم، هو قصد الشارع في جعل هذا القرار، قرار النكاح مشتركاً بين طرفين، كل منهما مكمل للآخر، فالولي، وهو الرجل البالغ الرشيد، الذي يغلب عليه العقل عند اتخاذ القرارات، لا بد أن يستأمر ابنته، بكراً كانت أو ثيباً، لا بد أن يستأمر الأنثى، التي تغلب العاطفة على قرارتها، فتكون النتيجة بعد هذه الاستشارة منبثقة من دراسة عاطفية عقلانية، وبهذا تكون أقرب إلى الصواب، أما إذا انفرد الولي الرجل العقلاني بالقرار، أو انفردت به المرأة العاطفية، فإن القرار سيكون ضعيف الأسس، متهاوي الرشاد، مصبوغاً بإحدى الصبغتين، فيكون أحرى بالخطأ منه بالصواب.

إن إعلان النكاح، وإحاطته بهذه المهابة من الشروط والشهود، يؤكد كل التأكيد مقدار ما أولته الشريعة لصيانة الأعراض، ويري كل صاحب عقل المكانة التي يعطيها الإنسان للمرأة، فليست المرأة مجرد محل لنزوة حيوانية، ينـزوها فحل على أنثى في لحظة ثوران الشهوة، وانعدام العقل.

هذا هو النكاح الشرعي، فبالله عليكم يا عباد الله، أين هذا الزواج الذي يسمى عرفياً أو سرياً، أو أين ذلك العقد الذي لم تكتمل فيه الشروط المطلوبة من هذا.

لماذا يحرص كل من الطرفين على إخفائه حتى عن أهلهما، لماذا يحرص كل من الطرفين على أن لا ينتج بينهما ولد، فبالله عليكم أهو زواج أم زنا.

لينظر كل عاقل متأملاً: ما الفرق بينه وبين الزنا المقنن، يمكن للرجل أن يتفق مع امرأة على أن يزني بها، وحتى يحتال على الشرع، يقول لها: لنسميه زواجاً، ونحضر بعض الناس يشهدون هذه الجريمة، ونسميهم شهوداً، أو أن العاهر الذي جلبك لي، أو الذي يشتغل بمهنة الدعارة أحد الشهود، أو هو وليك، ثم يدخل الرجل بها، ويستمتع بها، ويتجنبان إنجاب الولد، ويكتمان هذا اللقاء المحرم، حتى إذا أشبع ذلك الذئب نهمته منها، وسلب كل ما لديها من معاني العفة والحياء، ركلها بقدمه، وداس على كرامتها بأوحال نجاسته، وتركها تتجرع غصص القهر، ومرارة الأسى، ليتلقفها شياطين الجن بخطوات أخرى لتصبح بغياً من البغايا، أما ذلك الوغد فإنه سيبحث عن أخرى لينقض عليها، ويفترس عفافها، ويلتهم أنوثتها، ويشبع نفسه الدنيئة، وهكذا تنتشر الرذيلة في المجتمع ويتناقل الأبناء هذا المرض من آبائهم.

عفوا تعف نساؤكم في المحرم وتجنبوا ما لا يليق بمســلم

إن الزنا دين فــإن أقرضته كان الوفا من أهل بيتك فاعلم

يا هاتكاً حرم الرجـال وقاطعاً سبل المودة عشت غير مكرم

لو كنت حراً من سـلالة ماجد ما كنت هتاكاً لحرمة مسـلم

من يزنِ يُزن به ولو بجـداره إن كنت يا هــذا لبيباً فافهم

لقد تفاقمت هذه المشكلة وأصبحت ظاهرة، بعد أن كانت مجرد حالات فردية، فلقد صرحت, وزيرة الشؤون الاجتماعية في جمهورية مصر العربية، في ندوة خاصة لمناقشة هذا الطاعون الفتاك تقيم ندوة خاصة لمناقشتها صرحت بأن عدد الزيجات العرفية بين طالبات الجامعات فقط وصل إلى 17، ويقال: إن عدد الطالبات في الجامعات المصرية حوالي مليون طالبة.. فهذا يعني أن هناك حوالي "170" ألف طالبة تزوجن من وراء ظهور أهلهن وعلى علاقة بطلبة زملاء لهن في الجامعة.

هذا أيها الإخوة ما تم إحصاؤه بين طلبة الجامعات، فكيف إذا عم الإحصاء جميع طبقات المجتمع.

وهكذا امتدت هذه الظاهرة، لتشمل الأردن، وبدأت تأخذ منحى في دولة الكويت، وغيرها من بلاد المسلمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

إذا كان هذا هو حال بلاد المسلمين، فبالله عليكم كيف يكون الحال في هذه البلاد، التي تشجع على الرذيلة، وتشيع الفاحشة، وتدعو الناس إلى مهاوي الردى.

حسبي الله ونعم الوكيل، حسبي الله ونعم الوكيل، حسبي الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.






[1] (حم ت ن هـ ك) عن محمد بن حاطب. تحقيق الألباني (حسن) انظر حديث رقم (4206) في صحيح الجامع.‌



الخطبة الثانية



الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

وبعد:

أيها الإخوة، حتى يتكامل طرح هذا الموضوع لا بد من الإشارة إلى شبهة تعرض على كثير من المسلمين لاسيما في هذه البلاد، ألا وهي رأي الأحناف في النكاح بغير ولي، فنقول والعلم عند الله تعالى:

أولاً: إن هذا الرأي مرجوح، لا نرى العمل به، لمخالفته للأدلة الصحيحة التي تشترط الولي لصحة النكاح، فمنها:

حديث أبي موسى الْأَشْعَرِيِّ أن رسول الله قال: ((لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ))[1]، وهو حديث صحيح صححه غير واحد من أهل العلم.

قَالَ السُّيُوطِيُّ: حَمَلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى نَفْيِ الصِّحَّةِ, وَأَبُو حَنِيفَةَ عَلَى نَفْيِ الْكَمَالِ. انتهى.

قُلْت: الرَّاجِحُ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى نَفْيِ الصِّحَّةِ , بَلْ هُوَ الْمُتَعَيِّنُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ عن رسول الله قالت: قَالَ: ((أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا، فَإِنْ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ)) قَالَ الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ[2].

ومنها حديث َابْنِ عَبَّاسٍ عن رسول الله : ((لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ. وَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ))[3].

ومنها حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : ((لَا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ, وَلَا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةَ نَفْسَهَا))[4].

فهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة تدل على وجوب اشتراط الولي في النكاح المعتبر، وأن رأي الأحناف مع جلالة قدرهم غير صحيح في هذه المسألة.

ومن طريف ما يذكر أن أحد علماء الشافعية كان يقول لبعض علماء الحنفية: النكاح بغير ولي مسألة خلاف بين أبي حنيفة وبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((إيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل)) وقال أبو حنيفة: بل نكاحها صحيح. [طبقات الحنفية (1/358)].

قال البخاري في صحيحه: بَاب مَنْ قَالَ: لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ [النساء:19]، فَدَخَلَ فِيهِ الثَّيِّبُ وَكَذَلِكَ الْبِكْرُ وَقَالَ: وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَـٰتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ [البقرة:221]، وَقَالَ: وَأَنْكِحُواْ ٱلايَـٰمَىٰ مِنْكُمْ [النور:32]، ولاحظوا أيها الإخوة أن الله عز وجل أسند النكاح في هذه الآيات لغير المرأة، فدل على أن المرأة لا تزوج نفسها.

ثانياً: من الملاحظات على الآخذين برأي الحنفية هذا: أنه حتى لو لم يكن رأي الأحناف هذا ضعيفاً، فلماذا يختار الناس هذا الرأي، ويتركون رأي الجمهور الذي تسنده الأدلة، والذي يسنده الواقع، وهو أحوط وأسلم لدين المسلمين وأعراضهم، أم أنه مجرد الهوى والشهوة التي قال الله عز وجل فيها: أَرَءيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً [الفرقان:43].

وقال تعالى: فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ ٱتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مّنَ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ [القصص:50].

ثالثاً: قال الترمذي: وَقَدْ احْتَجَّ بَعْضُ النَّاسِ فِي إِجَازَةِ النِّكَاحِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ بحديث ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: ((الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا))، وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا احْتَجُّوا بِهِ، لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ : ((لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ))، وَهَكَذَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ عَبَّاسٍ بَعْدَ النَّبِيِّ فَقَالَ: ((لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ))، وَإِنَّمَا مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ : ((الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا)) عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْوَلِيَّ لَا يُزَوِّجُهَا إِلَّا بِرِضَاهَا وَأَمْرِهَا، فَإِنْ زَوَّجَهَا فَالنِّكَاحُ مَفْسُوخٌ.



[1] الترمذي، وابن ماجه، والإمام أحمد وأبو داود.

[2] أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَصَحَّحَهُ أَبُو عَوَانَةَ, وَابْنُ خُزَيْمَةَ, وَابْنُ حِبَّانَ, وَالْحَاكِمُ كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي.

[3] أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَفِي إِسْنَادِهِ الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ وَفِيهِ مَقَالٌ.

[4] أَخْرَجَهُ اِبْنُ مَاجَهْ, وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ. قَالَ اِبْنُ كَثِيرٍ: الصَّحِيحُ وَقْفُهُ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ. وَقَالَ الْحَافِظُ: رِجَالُهُ ثِقَاتٌ كَذَا فِي النَّيْلِ، وأما زيادة, فَإِنَّ الزَّانِيَةَ هِيَ الَّتِي تُزَوِّجُ نَفْسَهَا فإن الألباني يضعفها.

عبقور2011
02-26-2011, 11:46 AM
يسأل : لماذا أغلب أهل الأرض كفار ولماذا يرضى الله لهم بدخول جهنم ؟!
السؤال: إني أتساءل : لماذا أغلب أهل الأرض غير مسلمين ؟ فعلى حد علمي أن حبَّ الله لخلقه يزيد على حب الوالدة لولدها بسبعين مرة ، فلماذا الأغلبية غير مسلمين ؟ وهل صحيح أنه لن يدخل الجنة إلا المسلمون ، وأهل السنَّة على وجه التحديد ؟ إذا كان هذا صحيحاً فإن معنى ذلك أنه لن يدخل الجنة إلا نسبة قليلة مقارنة بتعداد أهل الأرض كلهم ، فلماذا إذاً يرضى الله لأغلب خلقه أن يدخلوا النار ؟ .

الجواب :
الحمد لله
أولاً:
ننبه في بداية الجواب إلى أن ما ذكره السائل مِن " أن حبَّ الله لخلقه يزيد على حب الوالدة لولدها بسبعين مرة " : لا أصل له في القرآن ولا في السنَّة ، والله تعالى لا يحب الظالمين ، ولا يحب الفاسقين ، ولا يحب الكافرين ، فكيف يُثبَت حبُّ الله تعالى لعموم خلقه والكثرة الكاثرة هم من تلك الأصناف ؟! بل إنَّ الله تعالى يحب المحسنين ، ويحب المتقين ، ويحب التوابين ، ويحب المتطهرين ، ويحب الصابرين ، ويحب المتوكلين ، ويحب المقسطين – العادلين - ، فهذه الأصناف مِن خلقه هم الذين أثبت الله تعالى حبَّه لهم ، ولن يكون هؤلاء – بطبيعة الحال – إلا موحِّدين له غير مشركين به .
لكن مع ذلك كله ، فمن أسماء الله سبحانه : الرحمن الرحيم ، ورحمته سبقت غضبه ، وعفوه سبق عقابه ، وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها :
عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبْيٍ ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنْ السَّبْيِ تَبْتَغِي ، إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ ، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَتَرَوْنَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ ؟ قُلْنَا : لَا وَاللَّهِ ، وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا .
رواه البخاري (5999) ومسلم (2754) .
وهناك فرق بين الرحمة والمحبة ، فقد أنزل الله جل جلاله من رحمته قسطا يتراحم به الخلق ، ويرزق به عباده ، ويمهلهم ، ويحلم عليهم ، ويصبر على كفرهم وأذاهم سبحانه ، وذلك كله في الدنيا ، وأما في الآخرة فرحمته خاصة بمن آمن به ، وأسلم وجهه إليه .

ثانياً:
أما السؤال : " لماذا أغلب أهل الأرض غير مسلمين ؟ " : فالجواب عليه : لأنهم هم الذين اختاروا الكفر على الإسلام ، ودعنا هنا من المعذورين ممن لم تبلغهم الرسالة ، ولنسأل : ما بال من قرأوا عن الإسلام وبلغتهم الدعوة ورأوا الآلاف من أهل دينهم قد سبقوهم إلى الإسلام ، ورأوا الملايين تدين بهذا الدين العظيم ، ورأوا الآيات البينات تدل على صدق النبي صلى الله عليه وسلم وصدق دعوته وصدق القرآن وإعجازه ، وسمعوا المناظرات التي ألجمت خصوم الإسلام ودحرت شبهاتهم ، ومع هذا كله – ومعه غيره كثير – لم يؤمنوا بالإسلام ولم يرضوه لأنفسهم دِيناً ، بل رضي مليارات منهم بعبادة صليب صنعوه ، أو صنم نحتوه ، أو قبرٍ شيدوه ، أو بقرة يعبدونها من دون الله ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .

إن الحقَّ واضح بيِّن ، وإن الآيات الدالات على عظمة الإسلام أكثر من أن تُحصر ، وإن الأدلة على بطلان ما يفعله أولئك الكفار لا يُجادل بها عاقل ، وإن الفطرة السليمة والعقل الصريح ليرفضان تلك العبادات واتخاذ أولئك الآلهةَ أرباباً من دون الله الواحد الأحد ، فها قد بيَّن الله تعالى الحجة وأقام عليهم المحجة ، ومع ذلك أبى أكثر الناس إلا كفوراً ، ولا تجد أكثر الناس شاكرين موحدين بل كافرين مشركين .

ثالثاً:
أما جواب السؤال : " فلماذا إذاً يرضى الله لأغلب خلقه أن يدخلوا النار ؟ " : فهو أن الله تعالى لم يرض كفرَ أولئك ، ولا يحبه منهم ، ولكنهم رضوه لأنفسهم ، وأما الرب الجليل عز وجل فقد نصَّ في كتابه الكريم على عدم رضاه عن كفر الكافرين فقال تعالى ( إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ) الزمر/ 7 ، فهذا نصٌّ جلي أن الله تعالى لا يرضى لعباده الكفر ، بل يرضى لهم التوحيد والإسلام ، لكنَّهم هم الذين ارتضوا الكفر دينا لأنفسهم ، وأبوا الدخول في سلك الموحدين ، والله تعالى لا يجبر أحداً على إسلام ولا على كفر ، بل هو عز وجل قد بيَّن طريقي الحق والباطل ، والصواب والخطأ ، والإسلام والكفر ، ثم جعل للخلْق أن يختاروا ، مع وعده للمسلمين بالثواب ، ووعيده للكفار بالنار ، قال تعالى ( وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا . إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً . أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِّن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا ) الكهف/ 29 – 31 ، وقال تعالى ( إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا . إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا . إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاسِلا وَأَغْلالاً وَسَعِيرًا . إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا . عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا ) الإنسان/ 2 – 6 .
وهاك مثالاً على بيان هداية الله تعالى لقومٍ هداية دلالة وإرشاد بإرسال الرسول مع الآيات البينات واختيارهم للكفر على الإسلام ، وهم قوم ثمود ، قال تعالى ( وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ . وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ) فصِّلت/ 17 ، 18 ، وهؤلاء مثال ، ومثلهم كل قوم كفروا بربهم وكذبوا رسولهم ، فرضوا بالكفر في الدنيا والخلود في النار في الآخرة ، ولهؤلاء الكفار المعاصرين سلف ، فقد جاءتهم رسل ربهم بالحق ، وجعل الله تعالى رسول كل قوم منهم ، يعرفونه بصدقه وأمانته ، وجعل الله تعالى مع كل واحد منهم آية على مثلها يؤمنها البشر ، ومع ذلك فإنهم قالوا عن رسلهم ساحر أو مجنون ! وقد طلب كفار قريش من النبي صلى الله عليه وسلم آية ليؤمنوا فأراهم انشقاق القمر فقالوا " سحر " فصدق فيهم قول الله تعالى ( وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا ) الأنعام/ 25 ، ولم تكتف تلك الأقوام بتكذيب رسل ربهم بل تآمروا عليهم لقتلهم أو نفيهم من ديارهم ، قال تعالى ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ ) إبراهيم/ 13 ، وقال تعالى – على لسان قوم إبراهيم عليه السلام – ( فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) العنكبوت/ 24 ، وقال تعالى – عن نبينا عليه السلام - ( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ) الأنفال/ 30 ، فإذا كان هذا هو حال من جاءه الرسول من ربه ممن يعرفه ، ورأى الآيات بعيني رأسه : فكيف سيكون حال هؤلاء الهنود والصينيين والأوربيين لو أنه جاءهم النبي العربي محمد صلى الله عليه وسلم بشيراً ونذيراً ؟! .
ولما زعم بعض المشركين أن الله تعالى يرضى منهم الكفر ، وأنه لو لم يكن كذلك لصرفهم عنه : كذَّبهم ربنا تبارك وتعالى وبيَّن أنهم إنما يتبعون أهواءهم وآباءهم الضالين ، قال تعالى ( وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا ) النحل/ 35 ، فردَّ الله تعالى عليهم بقوله ( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ ) النحل/ 36 .
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله - :
"فأوضح في هذه الآية الكريمة أنه لم يكن راضياً بكفرهم ، وأنه بعث في كل أمَّة رسولاً ، وأمرهم على لسانه أن يعبدوا الله وحده ويجتنبوا الطاغوت ، أي : يتباعدوا عن عبادة كل معبود سواه ، وأن الله هدى بعضهم إلى عبادته وحده ، وأن بعضهم حقَّت عليه الضلالة ، أي : ثبت عليه الكفر والشقاء .
وقال تعالى في آية الأنعام ( قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ) الأنعام/ 149 ، فملكُه تعالى وحده للتوفيق والهداية هو الحجة البالغة على خلقه ، يعني : فمن هديناه وتفضلنا عليه بالتوفيق : فهو فضل منَّا ورحمة ، ومَن لم نفعل له ذلك : فهو عدل منَّا وحكمة ؛ لأنه لم يكن له ذلك ديْناً علينا ولا واجباً مستَحقّاً يستحقه علينا ، بل إن أعطينا ذلك ففضل ، وإن لم نعطه فعدل " انتهى من " أضواء البيان " ( 7 / 95 ، 96 ) .

رابعاً:
قول السائل : " وهل صحيح أنه لن يدخل الجنة إلا المسلمون ، وأهل السنَّة على وجه التحديد ؟ " : ففيه تفصيل :
أما بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم : فنعم ، لن يدخل الجنة إلا مسلم ؛ لأن الإسلام نسخ الأديان السابقة كلها ، وأوجب الله تعالى على خلْقه كلهم الدخول في هذا الدِّين ، وأخبر أنه لن يقبل من أحدٍ دِيناً غيره ، وأنه مَن لقيه منهم بدين آخر غيره فهو من الخاسرين ، قال تعالى ( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) آل عمران/ 85 .
ولأجل ذلك : أَمَرَ الني صلى الله عليه وسلم بِلاَلًا فَنَادَى بِالنَّاسِ : ( إِنَّهُ لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ ) . رواه البخاري (3062) ومسلم (178) .
وأمَّا مِن الأمم السابقة : فإن الجنة يدخلها كل من آمن بنبيِّه وصدَّق رسوله ، وهؤلاء هم المسلمون في زمانهم . قال تعالى ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) البقرة/ 62 .
وأما أن الجنة هي لأهل السنَّة على وجه التحديد : فهو قول غير صحيح ، ومثل ذلك لا يقول به أحد من أهل العلم ؛ بل إن أمة محمد صلى الله عليه وسلم التي أجابت دعوته كلهم سيدخلون الجنة ، ولا يُحرم منها إلا من ارتد على عقبيه ، ونقض إسلامه بما يخرجه منه بالكلية ، وأهل البدع الذين خالفوا الشرع ، وخاصموا أهل السنة ، هم كغيرهم من عصاة الموحدين : في مشيئة الله جل جلاله ؛ إن شاء عذبهم ، وإن شاء غفر لهم ، ثم إن مآل الواحد منهم إلى الجنة حتما ، إذا كان قد مات على التوحيد .
وهكذا من تلبس بشيء من المعاصي ، أو وقع في بدعة ، وكان من أهل السنة ، على وجه العموم ، هو أيضا في مشيئة الله جل جلاله ، إن شاء عذبه ، وإن شاء غفر له ، وإن كان القيام بالسنة ، والذب عنها ، والتحلي بها علما وعملا ، أرجى لصاحبه ، وأنجى له من عذاب الله وسخطه .
خامسا :
من فهم مِن حديث الافتراق ومن قوله صلى الله عليه وسلم في الفرَق الثنتين وسبعين المختلفة المخالفة لأهل السنَّة ( كُلُّها في النَّار ) أنهم مخلَّدون في نار جهنم : فقد أخطأ ، وخالف إجماع المسلمين ، فضلال هذه الفرَق وتوعدها بالنار لا يعني خلودها فيها .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله - :
"ومَن قال إن الثنتين والسبعين فِرقة كل واحد منهم يكفر كفراً ينقل عن الملة : فقد خالف الكتاب والسنَّة وإجماع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ، بل وإجماع الأئمة الأربعة وغير الأربعة ؛ فليس فيهم مَن كفَّر كلَّ واحد من الثنتين وسبعين فرقة".انتهى من" مجموع الفتاوى " ( 7 / 218 ) .
والتكفير للمخالفين هو من منهج أهل البدع والضلال ، لا من منهج أهل السنَّة والجماعة .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله - :
"والخوارج هم أول من كفَّر المسلمين ، يكفرون بالذنوب ، ويكفرون مَن خالفهم في بدعتهم ويستحلون دمه وماله ، وهذه حال أهل البدع ، يبتدعون بدعة ويكفرون مَن خالفهم فيها .
وأهل السنَّة والجماعة يتبعون الكتاب والسنَّة ، ويطيعون الله ورسوله ، فيتبعون الحق ويرحمون الخلق" .انتهى من " مجموع الفتاوى " ( 3 / 279 ) .
وقال – عن الفرق الثنتين والسبعين - :
"وإنما يكفِّر بعضُهم بعضاً ببعض المقالات" .انتهى من" مجموع الفتاوى " ( 7 / 218 ) .
وانظر روايات حديث الافتراق وشيئاً من فقهه في جواب السؤال رقم ( 90112 ) .
وانظر في صفات أهل السنة والفرقة الناجية جوابي السؤالين ( 10777 ) و ( 206 ) .

سادساً:
من رحمة الله تعالى بعباده أنه لا يعذِّب بالنار من لم تصله دعوة الإسلام ، فالذين يعيشون في زماننا أو قبله ولم يصل لهم خبر الإسلام : فإنهم يختبرون يوم القيامة ، وقد بينَّا هذه المسألة في جوابي السؤالين ( 1244 ) و ( 130271 ) فليُنظرا .

والله أعلم

عبقور2011
02-26-2011, 11:47 AM
عمل الدنيا لا ينافي عمل الآخرة

الشيخ محمد بن صالح المنجد



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين أما بعد :
عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَآخَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلمبَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الأَنْصَارِيِّ فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ أَيْ أَخِي أَنَا أَكْثَرُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَالا فَانْظُرْ شَطْرَ مَالِي فَخُذْهُ وَتَحْتِي امْرَأَتَانِ فَانْظُرْ أَيُّهُمَا أَعْجَبُ إِلَيْكَ حَتَّى أُطَلِّقَهَا فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ دُلُّونِي عَلَى السُّوقِ فَدَلُّوهُ عَلَى السُّوقِ فَذَهَبَ فَاشْتَرَى وَبَاعَ وَرَبِحَ فَجَاءَ بِشَيْءٍ مِنْ أَقِطٍ وَسَمْنٍ [ وفي رواية : ثُمَّ تَابَعَ الْغُدُوَّ ( أي داوم الذّهاب إلى السوق للتجارة ) ] ثُمَّ لَبِثَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَلْبَثَ فَجَاءَ وَعَلَيْهِ رَدْعُ ( أي أثر ) زَعْفَرَانٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَهْيَمْ ( أي ما شأنك ) فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً فَقَالَ مَا أَصْدَقْتَهَا قَالَ وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ قَالَ أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي وَلَوْ رَفَعْتُ حَجَرًا لَرَجَوْتُ أَنْ أُصِيبَ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً . رواه الإمام أحمد 13360 وهو في صحيح البخاري 1907
في هذا الحديث اشتغال بعض الصحابة بالتجارة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وتقريره على ذلك، وفيه أن الكسب من التجارة ونحوها أولى من الكسب من الهبة ونحوها .
وترجيح الاكتساب بنفسه بتجارة أو صناعة. وفيه مباشرة الكبار التجارة بأنفسهم مع وجود من يكفيهم ذلك من وكيل وغيره .
عدد من المسلمين المخلصين إذا نظروا في أمر الإسلام والدين ثم التفتوا إلى أمر دنياهم وأعمالهم ووظائفهم وتجارتهم ودراستهم وجدوا تناقضا وأحسّوا بالإثم ورأوا تعارضا بين ما هم فيه من أمور الدنيا وبين القرآن والسنة .
وهذا الشّعور قد يكون نتيجة لتصوّر خاطئ وقد يكون نتيجة لممارسة خاطئة وعمل محرّم فالذين يعملون في المحرّمات وظيفة وتجارة ودراسة شعورهم بالتعارض حقيقي وصحيح ويجب أن يحصل لأنّهم يعملون في مجال محرّم مناف للدين وتصير أمور دنياهم مخالفة لأحكام دينهم فيجب على هؤلاء ترك المحرّمات التي هم فيها واقعون .
ومن المسلمين من يشعر بالتعارض لأنّه غلّب جانب الدنيا على جانب الدّين في الاهتمام والعمل فغبن نفسه وفوّت عليها حسنات كثيرة لو حصّلها لارتفع عند الله في الآخرة .
ومن المسلمين من يرون التعارض لخطأ في التصوّر لقضية طريق الدنيا وطريق الدين فهؤلاء ينبغي أن يُبصروا ويفقهوا ليزول اللبس فلا يتعذّبون ويعملون وهم في راحة
ويصرّ البعض على زعم أنّ العبادة تتعارض مع الاكتساب والعمل في الصناعة والتجارة والزراعة وأنّ من أراد الآخرة فلا بدّ أن يطلّق الدنيا طلاقا باتّا حتى يَصْلُح قلبه وأنّ الصحابة لم يفتحوا البلدان إلا بعد أن تركوا الدنيا وتفرّغوا تماما للجهاد .
وهذا الكلام فيه تعسّف بالغ ومنافاة لمصلحة الإنسان وفطرته التي فطره الله عليها وبعيد عن الحكمة والعقل السليم والواقع ، وهو مغاير قبل ذلك كله لحال الصّحابة رضي الله عنهم ولتبيّن الموقف سننظر فيما جاءت به الشريعة من الأحكام في العمل الدنيوي والكسب أولا ، وكيف طبّق الصحابة ذلك في حياتهم ثانيا.

أولا: حكم الشريعة في العمل الدنيوي

قال الله تعالى : [ وَابْتَغِ فِيمَا ءاتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ](77) سورة القصص
وقوله: "وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا" أي استعمل ما وهبك الله من هذا المال الجزيل والنعمة الطائلة في طاعة ربك والتقرب إليه بأنواع القربات التي يحصل لك بها الثواب في الدنيا والآخرة "ولا تنس نصيبك من الدنيا" أي مما أباح الله فيها من المآكل والمشارب والملابس والمساكن والمناكح فإن لربك عليك حقا ولنفسك عليك حقا ولأهلك عليك حقا ولزورك عليك حقا فآت كل ذي حق حقه "
وقال الحسن وقتادة: معناه لا تضيع حظك من دنياك في تمتعك بالحلال وطلبك إياه ، ونظرك لعاقبة دنياك فالكلام على هذا التأويل فيه بعض الرفق به وإصلاح الأمر الذي يشتهيه .
قال مالك : هو الأكل والشرب بلا سرف .
قال ابن العربي : وأبدع ما فيه عندي قول قتادة : ولا تنس نصيبك الحلال ، فهو نصيبك من الدنيا ويا ما أحسن هذا .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الخارج من بيته: إن كان خرج يسعى على ولده صغارا فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين، فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله ، وإن كان خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان . صحيح الجامع 1428
و عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ إِلا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ . رواه البخاري 2152
بل حتى في مواسم الحجّ وهو الرّكن العظيم من أركان الإسلام أباح الشارع الحكيم التجارة فيه لعلمه بحاجات العباد وما يُصلحهم .
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ كَانَتْ عُكَاظٌ وَمَجَنَّةُ وَذُو الْمَجَازِ أَسْوَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَلَمَّا كَانَ الإِسْلامُ تَأَثَّمُوا مِنْ التِّجَارَةِ فِيهَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ ( أي : فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ ) .. رواه البخاري 1956

ثانيا : الامتزاج بين الدنيا والآخرة في حياة الصحابة

* الزراعة وطلب العلم
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ .. ثُمَّ اسْتَقْبَلَ عُمَرُ الْحَدِيثَ يَسُوقُهُ قَالَ كُنْتُ أَنَا وَجَارٌ لِي مِنْ الأَنْصَارِ فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ وَهُمْ مِنْ عَوَالِي الْمَدِينَةِ وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَيَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ بِمَا حَدَثَ مِنْ خَبَرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ الْوَحْيِ أَوْ غَيْرِهِ وَإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ .. رواه البخاري
وفيه أن طالب العلم يجعل لنفسه وقتا يتفرغ فيه لأمر معاشه وحال أهله .
أَنَسٌ رضي الله عنه كَانَ لَهُ بُسْتَانٌ يَحْمِلُ فِي السَّنَةِ الْفَاكِهَةَ مَرَّتَيْنِ وَكَانَ فِيهَا رَيْحَانٌ كَانَ يَجِيءُ مِنْهُ رِيحُ الْمِسْكِ . روه الترمذي وحسنه : سنن الترمذي 3768

* رعي الغنم
عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ يَعْجَبُ رَبُّكَ مِنْ رَاعِي غَنَمٍ فِي رَأْسِ شَظِيَّةِ الْجَبَلِ يُؤَذِّنُ بِالصَّلاةِ وَيُصَلِّي فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي هَذَا يُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ الصَّلاةَ يَخَافُ مِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي وَأَدْخَلْتُهُ الْجَنَّة رواه النسائي 660

* التجارة
قال الله تعالى : [ وأحلّ الله البيع ]
وقال عن التجارة الدّولية والنقل البحري : [ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ الآية لآيات لقوم يتفكّرون ] البقرة 164
وقال تعالى : [ وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(12)]
وقال البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه : بَاب الْخُرُوجِ فِي التِّجَارَةِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فَانْتَشِرُوا فِي الأرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ : كتاب البيوع : باب الخروج في التجارة
قال ابن المنيِّر : غرض البخاري إجازة الحركات في التجارة ولو كانت بعيدة خلافا لمن يتنطع ولا يحضر السوق .. فتح الباري
وسُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَفْضَلِ الْكَسْبِ فَقَالَ بَيْعٌ مَبْرُورٌ وَعَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ . رواه الإمام أحمد 15276
ونقل ابن حجر رحمه الله عن الزبير بن بكار في " الموفقيات " من حديث أم سلمة قالت " خرج أبو بكر الصديق رضي الله عنه تاجرا إلى بصرى في عهد النبي صلى الله عليه وسلم , ما منع أبا بكر حبه لملازمة النبي صلى الله عليه وسلم , ولا منع النبي صلى الله عليه وسلم حبه لقرب أبي بكر عن ذلك لمحبتهم في التجارة " هذا أو معناه .
وعَنْ صَخْرٍ الْغَامِدِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُمَّ بَارِكْ لأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا قَالَ وَكَانَ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً أَوْ جَيْشًا بَعَثَهُمْ أَوَّلَ النَّهَارِ وَكَانَ صَخْرٌ رَجُلا تَاجِرًا وَكَانَ إِذَا بَعَثَ تِجَارَةً بَعَثَهُمْ أَوَّلَ النَّهَارِ فَأَثْرَى وَكَثُرَ مَالُهُ .. قَالَ أَبُو عِيسَى حَدِيثُ صَخْرٍ الْغَامِدِيِّ حَدِيثٌ حَسَنٌ سنن الترمذي 1133
وعن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأَنْ يَحْتَطِبَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةً عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ أَحَدًا فَيُعْطِيَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ . رواه البخاري 1932
فهذه الشّريعة الإسلامية المباركة بمبادئها المبثوثة في القرآن والسنّة وبالتطبيق العملي لها من قِبَل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه تحثّ على العمل للدنيا والآخرة وتذمّ البطالة والكسل ومدّ اليد إلى الناس .
إنّ قضية الفصام بين طريق الدنيا وطريق الآخرة جعلت عامل الاحتساب يغيب عند الكثيرين الذين ضاقت عقولهم عن استيعاب أن ينوي الإنسان بعمله الدنيوي وجه الله ففقدوا أجرا عظيما كان يمكنهم تحصيله لو احتسبوا الأجر في أعمال دنيوية وأرادوا بطعامهم ونومهم وإتيانهم اللذات المباحة أرادوا الدار الآخرة : إني لأحتسب نومتي كما احتسب قومتي .
ولكن هاهنا مسألة مهمة وهي ما هي الضوابط الشرعية للأعمال الدنيوية حتى لا تكون وبالا على صاحبها وحتى لا تنفلت الأمور وينصرف الناس عن الآخرة إلى الدنيا ؟
عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلامٌ فَنَظَرَ إِلَى أَعْلامِهَا نَظْرَةً فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هَذِهِ إِلَى أَبِي جَهْمٍ وَأْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمٍ فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي آنِفًا عَنْ صَلاتِي .
وفي رواية عَنْ عَائِشَةَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُنْتُ أَنْظُرُ إِلَى عَلَمِهَا وَأَنَا فِي الصَّلاةِ فَأَخَافُ أَنْ تَفْتِنَنِي رواه البخاري 373
خَمِيصَةٍ ( كساء مربّع ) لَهَا أَعْلامٌ
الأَنْبِجَانِيَّة ( كساء غليظ ليس له أعلام )
الدنيا تُشغل شغلا لابدّ منه والتفرّغ للعلم أو العبادة عزيز ونادر وكثيرا ما يكون شاقّا حتى في العهد الأول .
يحدّثنا عن ذلك أبو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه فيقول : إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَلَوْلا آيَتَانِ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا حَدَّثْتُ حَدِيثًا ثُمَّ يَتْلُو إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى إِلَى قَوْلِهِ الرَّحِيمُ ، إِنَّ إِخْوَانَنَا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمْ الصَّفْقُ بِالأسْوَاقِ وَإِنَّ إِخْوَانَنَا مِنْ الأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمْ الْعَمَلُ فِي أَمْوَالِهِمْ وَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشِبَعِ بَطْنِهِ وَيَحْضُرُ مَا لا يَحْضُرُونَ وَيَحْفَظُ مَا لا يَحْفَظُونَ
حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ إِنَّكُمْ تَقُولُونَ إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَقُولُونَ مَا بَالُ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ لا يُحَدِّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَإِنَّ إِخْوَتِي مِنْ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمْ صَفْقٌ بِالأَسْوَاقِ وَكُنْتُ أَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مِلْءِ بَطْنِي فَأَشْهَدُ إِذَا غَابُوا وَأَحْفَظُ إِذَا نَسُوا وَكَانَ يَشْغَلُ إِخْوَتِي مِنْ الأَنْصَارِ عَمَلُ أَمْوَالِهِمْ وَكُنْتُ امْرَأً مِسْكِينًا مِنْ مَسَاكِينِ الصُّفَّةِ أَعِي حِينَ يَنْسَوْنَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثٍ يُحَدِّثُهُ إِنَّهُ لَنْ يَبْسُطَ أَحَدٌ ثَوْبَهُ حَتَّى أَقْضِيَ مَقَالَتِي هَذِهِ ثُمَّ يَجْمَعَ إِلَيْهِ ثَوْبَهُ إِلا وَعَى مَا أَقُولُ فَبَسَطْتُ نَمِرَةً عَلَيَّ حَتَّى إِذَا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَقَالَتَهُ جَمَعْتُهَا إِلَى صَدْرِي فَمَا نَسِيتُ مِنْ مَقَالَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِلْكَ مِنْ شَيْءٍ رواه البخاري 2047
فمسألة التفرّغ هذه قد لا يُطيقها في عصرنا إلا من كان لديه إرث كبير أو عقار دارّ لا يحتاج إلى مزيد متابعة أو قريب ينفق أو جهة خيرية تدعم وتَمدّ وهذا مهمّ للتفوّق والنبوغ في العلم مثلا لأنّه كثير لو أعطيته كلّك أعطاك بعضه ثمّ ليس كلّ النّاس ولا أكثرهم عندهم الأهلية للنبوغ في العلم ولنرجع لكلام على الأعمّ الأغلب من الناس
هل يُمكن أن يُمارس الإنسان أعمالا أخروية من خلال عمل دنيوي : إليكم هذه القصّة :
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ بَيْنَا رَجُلٌ بِفَلاةٍ مِنْ الأَرْضِ فَسَمِعَ صَوْتًا فِي سَحَابَةٍ اسْقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ فَتَنَحَّى ذَلِكَ السَّحَابُ ( أي توجّه وقصد ) فَأَفْرَغَ مَاءهُ فِي حَرَّةٍ ( الأرض الصلبة ذات الحجارة السوداء ) فَإِذَا شَرْجَةٌ مِنْ تِلْكَ الشِّرَاجِ ( والشّراج مسايل الماء ) قَدْ اسْتَوْعَبَتْ ذَلِكَ الْمَاءَ كُلَّهُ فَتَتَبَّعَ الْمَاءَ فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ فِي حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ الْمَاءَ بِمِسْحَاتِهِ فَقَالَ لَهُ يَا عَبْدَ اللَّهِ مَا اسْمُكَ قَالَ فُلانٌ لِلاسْمِ الَّذِي سَمِعَ فِي السَّحَابَةِ فَقَالَ لَهُ يَا عَبْدَ اللَّهِ لِمَ تَسْأَلُنِي عَنْ اسْمِي فَقَالَ إِنِّي سَمِعْتُ صَوْتًا فِي السَّحَابِ الَّذِي هَذَا مَاؤُهُ يَقُولُ اسْقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ لاسْمِكَ فَمَا تَصْنَعُ فِيهَا قَالَ أَمَّا إِذْ قُلْتَ هَذَا فَإِنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَا يَخْرُجُ مِنْهَا فَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ وَآكُلُ أَنَا وَعِيَالِي ثُلُثًا وَأَرُدُّ فِيهَا ثُلُثَهُ وفي رواية : وَأَجْعَلُ ثُلُثَهُ فِي الْمَسَاكِينِ وَالسَّائِلِينَ وَابْنِ السَّبِيلِ صحيح مسلم 5299
في هذا الحديث فضل الصدقة والإحسان إلى المساكين وأبناء السبيل , وفضل أكل الإنسان من كسبه , والإنفاق على العيال .
إذن من الخطأ أن نتصوّر أن العمل الدنيوي منفصل تماما عن عمل الآخرة وأنّه لا يُمكن احتساب شيءٍ أُخْروي من خلال العمل الدنيوي، ولكن الأعمال الدنيوية إذا لم تنضبط بضوابط الشّرع كانت وبالا على صاحبها، فما هي يا تُرى التوجيهات التي وردت في الشريعة بشأن هذا الموضوع ، إليكَ أخي ، إليكِ أختي بعضُها

* الإيمان بحقارة الدنيا وتفاهتها
عن أبي هُرَيْرَةَ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ أَلا إِنَّ الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إِلا ذِكْرُ اللَّهِ وَمَا وَالاهُ وَعَالِمٌ أَوْ مُتَعَلِّمٌ قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ سنن الترمذي 2244
قوله : ( إن الدنيا ملعونة ) أي مبغوضة من الله لكونها مبعدة عن الله (ملعون ما فيها ) أي مما يشغل عن الله ( إلا ذكرُ الله ) بالرفع . . . (وما والاه ) أي أحبه الله من أعمال البر وأفعال القرب ,

* الزهد في الدنيا وعدم تعلّق القلب بها
كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ازهد في الدنيا
فإذا كانت الأموال بمثابة الحمار الذي يركبه والكنيف الذي يدخل لقضاء حاجته فهذا ليس متعلقا بالدنيا مع متاجرته وعمله
وسئل الإمام أحمد أيكون الرجل زاهدا وعنده مائة ألف قال نعم بشرط أن لا يفرح إذا زادت ولا يحزن إذا نقصت

* عدم الانشغال بها عن الآخرة
قال تعالى : "رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله" كقوله تعالى "يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله" الآية وقوله تعالى "يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع" الآية ، يقول تعالى لا تشغلهم الدنيا وزخرفها وزينتها وملاذ بيعها وربحها عن ذكر ربهم الذي هو خالقهم ورازقهم والذين يعلمون أن الذي عنده هو خير لهم وأنفع مما بأيديهم لأن ما عندهم ينفذ وما عند الله باق .
عن ابن مسعود أنه رأى قوما من أهل السوق حيث نودي للصلاة المكتوبة تركوا بياعتهم ونهضوا إلى الصلاة فقال عبد الله بن مسعود هؤلاء من الذين ذكر الله في كتابه "رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله" الآية وهكذا روى عمرو بن دينار القهرماني عن سالم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أنه كان في السوق فأقيمت الصلاة فأغلقوا حوانيتهم ودخلوا المسجد فقال ابن عمر فيهم نزلت "رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله"
وقال عمرو بن دينار الأعور كنت مع سالم بن عبد الله ونحن نريد المسجد فمررنا بسوق المدينة وقد قاموا إلى الصلاة وخمروا متاعهم فنظر سالم إلى أمتعتهم ليس معها أحد فتلا سالم هذه الآية "رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله" ثم قال هم هؤلاء
وقال مطر الوراق كانوا يبيعون ويشترون ولكن كان أحدهم إذا سمع النداء وميزانه في يده خفضه وأقبل إلى الصلاة

* القناعة
نصيبك مما تجمع الدهرَ كلَّه رداءان تُلوى فيهما وحَنوطُ
وقال آخر:
هي القناعة لا تبغي بها بدلا فيها النعيم وفيها راحة البدن
انظر لمن ملك الدنيا بأجمعها هل راح منها بغير القطن والكفن

* ترك محرّماتها وعدم الافتتان بزخرفها
قال تعالى : [لا تمدّن عينيك إلى ما متّعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربّك خير وأبقى ]

* إخراج حقوق الله من ممتلكاتها :
تسليم حقّ المال زكاة المال ، والزّرع وآتوا حقّه يوم حصاده ، النفقات الواجبة على الزوجة والأولاد والوالدين المحتاجين والصدقات :[ من ذا الذي يُقرض الله قرضا حسنا ]

* الالتزام بالأحكام الشرعية في الاكتساب والإنفاق
وهي لما أباحت أنواع المكاسب الطيّبة جعلت ضوابط وحدّت حدودا من تعدّاها في عمله الدنيوي وقع في المحظور ودخل في الذمّ والوعيد فمن ذلك أن لا يعمل محرّما ولا يبيعه كخمر وخنزير ولا يغشّ ولا يحتكر .
وجاءت الشّريعة كذلك بتحريم المضارة بالآخرين وتحريم الدّخول في الوظائف المحرمة وتحريم بيع المحرمات ومنع تأجيرها واستيفاء الشروط الشرعية في البيع كالتراضي وتحديد الثمن وأن لا يبيع ما لا يملك وهكذا وعدم مخالفة ذلك وعدم الإنفاق في المحرمات لا شراء ولا استئجارا .

* وحسن القصد والنيّة الحسنة
بأن يقصد بتجارته وجه الله لا الأشر ولا البطر ولا التفاخر ولا التكاثر وأن يقصد اعفاف نفسه عن سؤال الناس والاستغناء عن الخلق والإنفاق على نفسه وأهله وكلّ من تلزمه نفقتهم من الأقارب ، وصلة الرحم وأداء حقّ المال من الزكاة والصّدقة والإنفاق في كلّ ما يحبّه الربّ .

نقلاً عن مجلة الملتقى

عبقور2011
02-26-2011, 11:49 AM
الكلام عن اعتقاد الإمام أبي حنيفة النعمان رحمه الله
السؤال : هل هناك كلام حول عقيدة الإمام أبي حنيفة؟ لأني سمعت بعض الناس يقدحون في عقيدته، فأرجو التوضيح.


الجواب :
الحمد لله
الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي إمام من أئمة المسلمين بلا مدافعة ، اتفق أهل العلم على إمامته وجلالة قدره .
قال علي بن عاصم : لو وزن علم أبي حنيفة بعلم أهل زمانه ، لرجح عليهم .
وقال ابن المبارك : أبو حنيفة أفقه الناس .
وقال الشافعي : الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة .
وقال الخريبي : ما يقع في أبي حنيفة إلا حاسد أو جاهل .
قال الذهبي رحمه الله : " الإمامة في الفقه ودقائقه مسلمة إلى هذا الإمام ، وهذا أمر لا شك فيه.
وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل
وسيرته تحتمل أن تفرد في مجلدين ، رضي الله عنه ، ورحمه . توفي شهيدا مسقيا في سنة خمسين ومئة " انتهى .
راجع : "سير أعلام النبلاء" (6 /390-403)

واعتقاد الإمام أبي حنيفة رحمه الله في التوحيد وفي إثبات الصفات والرد على الجهمية وفي القدر واعتقاده في الصحابة رضي الله عنهم وسائر مسائل الإيمان الكبرى موافق لمنهج السلف ولمنهج إخوانه أئمة المذاهب ، سوى أحرف يسيرة مخالفة نقلت عنه ، كقوله في عدم زيادة الإيمان ونقصانه ، وقوله في مسمى الإيمان أنه تصديق بالجنان وإقرار باللسان ، وأن العمل خارج عن حقيقة الإيمان .
وقد ذكر ابن عبد البر وابن أبي العز ما يشعر أن أبا حنيفة رجع عن ذلك .
راجع : "التمهيد" (9/247) , "شرح العقيدة الطحاوية" (ص395)
وراجع كتاب "اعتقاد الأئمة الأربعة" (ص3-8) للدكتور محمد بن عبد الرحمن الخميس
قال شيخ الإسلام رحمه الله :
" إن الأئمة المشهورين كلهم يثبتون الصفات لله تعالى ويقولون إن القرآن كلام الله ليس بمخلوق ويقولون إن الله يرى في الآخرة ، هذا مذهب الصحابة والتابعين لهم بإحسان من أهل البيت وغيرهم ، وهذا مذهب الأئمة المتبوعين مثل مالك بن أنس والثوري والليث بن سعد والأوزاعي وأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق ... " انتهى من "منهاج السنة النبوية" (2 /54)

وتعتبر العقيدة الطحاوية التي ألفها أبو جعفر الطحاوي الحنفي رحمه الله ، على منهج أهل السنة والجماعة , سوى أحرف يسيرة منها ، ولذلك كان لها شيوع كبير بين علماء المسلمين وطلابهم ، حتى أصبحت تدرس في كثير من الجامعات والمساجد ودور العلم .
قال الطحاوي في مقدمتها (ص 1) :
" هذا ذكر بيان عقيدة أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة : أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي وأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري وأبي عبد الله محمد بن الحسن الشيباني رضوان الله عليهم أجمعين وما يعتقدون من أصول الدين ويدينون به رب العالمين " انتهى .

ولما كان كثير من أتباع أبي حنيفة على مذهب الأشاعرة والماتريدية دخل المذهب كثير مما يخالف اعتقاد السلف ، بل ويخالف اعتقاد الإمام نفسه ، ولذلك فإن كثيرا مما ينسب إلى أبي حنيفة من ذلك لا يثبت عنه ، وإنما هو من كلام بعض اتباعه ممن ينتسب إلى مذهبه .
قال ابن أبي العز الحنفي رحمه الله :
" وَالظَّاهِرُ أَنَّ هذه الْمُعَارَضَاتِ لَمْ تَثْبُتْ عَنْ أبي حنيفة رحمه الله ، وَإِنَّمَا هي مِنَ الْأَصْحَابِ ، فَإِنَّ غَالِبَهَا سَاقِطٌ لَا يَرْتَضِيه أَبُو حنيفة " انتهى من "شرح العقيدة الطحاوية" (ص 226)
وقال الشيخ ابن جبرين رحمه الله :
" الرسالة التي كتبت عن الإمام أبي حنيفة ، يمكن أنه أملى بعضها ، وأخذها بعض تلامذته وتسمى ( الفقه الأكبر ) ، نقل منها شيخ الإسلام بعض النقول في الحموية ، وكذلك ابن أبي العز في شرح الطحاوية .
ولكن يظهر أنه قد دخلها التغيير من بعض المتأخرين الذين انحرفوا في بعض الاعتقاد ؛ فأدخلوا فيها كثيراً من التأويلات ، وشرحها كثير ممن هو على مذهب الأشاعرة أو مذهب منكري الصفات ، وأنكروا ما كان عليه السلف رحمهم الله ، ولا شك أن سبب ذلك كثرة ما تلقوه عن مشايخهم الذين كانوا على هذا المذهب الذي هو تأويل وتحريف الصفات وما أشبهها " انتهى .
"فتاوى الشيخ ابن جبرين" (63 /14)
وقال الشيخ الألباني رحمه الله :
" أبو حنيفة ، والأئمة الأربعة ، هم على الخط السلفي ، إلا أنه لا بد كل واحد له زلة ، لكن الأتباع في واد ، والأئمة أنفسهم في واد " انتهى .

والواجب الكف عن الكلام في أئمة المسلمين المتفق على عدالتهم وجلالتهم وإمامتهم في الدين بما يوجب القدح فيهم ؛ فإن لحوم العلماء مسمومة ، وما من أحد إلا ويؤخذ من قوله ويرد عليه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم . ويكفي المسلم معرفة العقيدة الصحيحة فيتبعها وينبذ ما يخالفها دون أن يعرج على ما عساه أن يكون غمزا أو طعنا في أحد من فضلاء الأمة وصلحائها وعلمائها .
ولما ترجم الذهبي وابن كثير وغيرهما من مؤرخي أهل السنة للإمام أبي حنيفة رحمه الله لم يعرجوا على شيء مما يوجب القدح فيه ، وهذا من تمام العلم والورع ، وهو الواجب علينا تجاه علمائنا رحمهم الله تعالى ، وهو أقل ما يبذل رعايةً لحقهم وحرمتهم .
وأما ما روي في بعض كتب التاريخ مما يخالف ذلك ، من روايات متعارضة تتعلق بمشكلة خلق القرآن ، فقد ذهب الإمام أحمد وغيره إلى أن ذلك لم يثبت عن أبي حنيفة رحمه الله ، ثم طويت هذه الصفحة ، واستقر الأمر على تقديم الإمام أبي حنيفة رحمه الله ، واشتهاره بالإمامة في الدين .
قال الشيخ عبد الرحمن المعلمي رحمه الله في شأن من يثير مثل ذلك :
" وكان مقتضى الحكمة اتباع ما مضى عليه أهل العلم منذ سبعمائة سنة تقريباً من سدل الستار على تلك الأحوال وتقارض الثناء " انتهى من "التنكيل" (1/101) .
وعلى ذلك : فلا يجوز لأحد أن يقدح في عقيدة إمام من أئمة المسلمين المشهود لهم بالعلم والفضل كالإمام أبي حنيفة رحمه الله ، ومن فعل ذلك فقد استوجب العقوبة التي تردعه وأمثاله عن هذا الفعل المشين .
وينظر بتوسع كتاب : "أصول الدين عند الإمام أبي حنيفة" ، للدكتور الخميس حفظه الله .
وراجع لمعرفة المزيد عن مذهب الإمام أبي حنيفة جواب السؤال رقم : (46992)

والله تعالى أعلم .

عبقور2011
02-26-2011, 11:50 AM
أريد أن أتوب ولكن

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله ، أما بعد :

فإن الله أمر المؤمنين جميعاً بالتوبة : ( وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون ) النور /31 .

وقسم العباد إلى تائب وظالم ، وليس ثم قسم ثالث البتة ، فقال عز وجل : ( ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون ) الحجرات /11 وهذا أوان بعد فيه كثير من الناس عن دين الله فعمت المعاصي وانتشر الفساد، حتى ما بقي أحد لم يتلوث بشيء من الخبائث إلا من عصم الله .

ولكن يأبى الله إلا أن يتم نوره فانبعث الكثيرون من غفلتهم ورقادهم، وأحسوا بالتقصير في حق الله ، وندموا على التفريط والعصيان ، فتوجهت ركائبهم ميممة شطر منار التوبة ، وآخرون سئموا حياة الشقاء وضنك العيش ، وهاهم يتلمسون طريقهم للخروج من الظلمات إلى النور .

لكن تعترض طريق ثلة من هذا الموكب عوائق يظنونها تحول بينهم وبين التوبة ، منها ما هو في النفس ، ومنها ما هو في الواقع المحيط .

ولأجل ذلك كتبت هذه الرسالة آملاً أن يكون فيها توضيح للبس وكشف لشبهة أو بيان لحكم ودحر للشيطان .

وتحتوي هذه الرسالة على مقدمة عن خطورة الاستهانة بالذنوب فشرحاً لشروط التوبة ، ثم علاجات نفسية ، وفتاوى للتائبين مدعمة بالأدلة من القرآن الكريم والسنة ، وكلام أهل العلم وخاتمة .

والله أسأل أن ينفعني وأخواني المسلمين بهذه الكلمات ، وحسبي منهم دعوة صالحة أو نصيحة صادقة ، والله يتوب علينا أجمعين .

مقدمة في خطر الاستهانة بالذنوب

اعلم رحمني الله وإياك أن الله عز وجل أمر العباد بإخلاص التوبة وجوباً فقال سبحانه : ( يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحاً ) التحريم /8

ومنحنا مهلة للتوبة قبل أن يقوم الكرام الكاتبون بالتدوين فقال صلى الله عليه وسلم : ( إن صاحب الشمال ليرفع القلم ست ساعات - محتمل أن تكون الساعة الفلكية المعروفة ، أو هي المدة اليسيرة من الليل أو النهار ، من لسان العرب - عن العبد المسلم المخطئ ، فإن ندم واستغفر الله منها ألقاها ، وإلا كتبت واحدة ) رواه الطبراني في الكبير والبيهقي في شعب الإيمان وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة 1209 . ومهلة أخرى بعد الكتابة وقبل حضور الأجل .

ومصيبة كثير من الناس اليوم أنهم لا يرجون لله وقاراً ، فيعصونه بأنواع الذنوب ليلاً ونهاراً ، ومنهم طائفة ابتلوا باستصغار الذنوب ، فترى أحدهم يحتقر في نفسه بعض الصغائر ، فيقول مثلاً : وماذا تضر نظرة أو مصافحة أجنبية . الأجانب هم ما سوى المحارم .

ويتسلون بالنظر إلى المحرمات في المجلات والمسلسلات ، حتى أن بعضهم يسأل باستخفاف إذا علم بحرمة مسألة كم سيئة فيها ؟ أهي كبيرة أم صغيرة ؟ فإذا علمت هذا الواقع الحاصل فقارن بينه وبين الأثرين التاليين من صحيح الإمام البخاري رحمه الله :

- عن أنس رضي الله عنه قال : ( إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر ، كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات ) والموبقات هي المهلكات .

- عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : " إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه ، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه فقال به هكذا – أي بيده – فذبه عنه "

وهل يقدر هؤلاء الآن خطورة الأمر إذا قرأوا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إياكم ومحقرات الذنوب ، فإنما مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطن واد ، فجاء ذا بعود ، وجاء ذا بعود ، حتى حملوا ما أنضجوا به خبزهم ، وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه ( وفي رواية ) إياكم ومحقرات الذنوب فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه ) رواه أحمد ، صحيح الجامع 2686-2687 .

وقد ذكر أهل العلم أن الصغيرة قد يقترن بها من قلة الحياء وعدم المبالاة وترك الخوف من الله مع الاستهانة بها ما يلحقها بالكبائر بل يجعلها في رتبتها ، ولأجل ذلك لا صغيرة مع الإصرار ، ولا كبيرة مع الاستغفار .

ونقول لمن هذه حاله : لا تنظر إلى صغر المعصية ولكن انظر إلى من عصيت .

وهذه كلمات سينتفع بها إن شاء الله الصادقون ، الذين أحسوا بالذنب والتقصير وليس السادرون في غيهم ولا المصرون على باطلهم .

إنها لمن يؤمن بقوله تعالى : ( نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم ) الحجر /49 ، كما يؤمن بقوله : ( وأن عذابي هو العذاب الأليم ) الحجر /50 .

شروط التوبة ومكملاتها

كلمة التوبة كلمة عظيمة ، لها مدلولات عميقة ، لا كما يظنها الكثيرون ، ألفاظ باللسان ثم الاستمرار على الذنب ، وتأمل قوله تعالى : ( وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه ) هود /3 تجد أن التوبة هي أمر زائد على الاستغفار .

ولأن الأمر العظيم لابد له من شروط ، فقد ذكر العلماء شروطاً للتوبة مأخوذة من الآيات والأحاديث ، وهذا ذكر بعضها :

الأول : الإقلاع عن الذنب فوراً .

الثاني : الندم على ما فات .

الثالث : العزم على عدم العودة .

الرابع : إرجاع حقوق من ظلمهم ، أو طلب البراءة منهم .

وذكر بعض أهل العلم تفصيلات أخرى لشروط التوبة النصوح ، نسوقها مع بعض الأمثلة :

الأول : أن يكون ترك الذنب لله لا لشيء آخر ، كعدم القدرة عليه أو على معاودته ، أو خوف كلام الناس مثلاً .

فلا يسمى تائباً من ترك الذنوب لأنها تؤثر على جاهه وسمعته بين الناس ، أو ربما طرد من وظيفته .

ولا يسمى تائباً من ترك الذنوب لحفظ صحته وقوته ، كمن ترك الزنا أو الفاحشة خشية الأمراض الفتاكة المعدية ، أو أنها تضعف جسمه وذاكرته .

ولا يسمى تائباً من ترك أخذ الرشوة لأنه خشي أن يكون معطيها من هيئة مكافحة الرشوة مثلاً .

ولا يسمى تائباً من ترك شرب الخمر وتعاطي المخدرات لإفلاسه .

وكذلك لا يسمى تائباً من عجز عن فعل معصية لأمر خارج عن إرادته ، كالكاذب إذا أصيب بشلل أفقده النطق ، أو الزاني إذا فقد القدرة على الوقاع ، أو السارق إذا أصيب بحادث أفقده أطرافه ، بل لابد لمثل هذا من الندم والإقلاع عن تمني المعصية أو التأسف على فواتها ولمثل هذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( الندم توبة ) رواه أحمد وابن ماجه ، صحيح الجامع 6802 .

والله نزّل العاجز المتمني بالقول منزلة الفاعل ، ألا تراه صلى الله عليه وسلم قال : ( إنما الدنيا لأربعة نفر ، عبد رزقه الله مالاً وعلماً فهو يتقي فيه ربه ، ويصل فيه رحمه ، ويعلم لله فيه حقاً ، فهذا بأفضل المنازل ، وعبد رزقه الله علماً ، ولم يرزقه مالاً ، فهو صادق النية ، يقول : لو أن لي مالاً لعملت بعمل فلان ، فهو بنيته ، فأجرهما سواء ، وعبد رزقه الله مالاً ولم يرزقه علماً يخبط في ماله بغير علم ولا يتقي فيه ربه ، ولا يصل فيه رحمه ، ولا يعلم لله فيه حقاً ، فهذا بأخبث المنازل ، وعبد لم يرزقه الله مالاً ولا علماً فهو يقول : لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان ، فهو بنيته ، فوزرهما سواء ) رواه أحمد والترمذي وصححه صحيح الترغيب والترهيب 1/9 .

الثاني : أن يستشعر قبح الذنب وضرره .

وهذا يعني أن التوبة الصحيحة لا يمكن معها الشعور باللذة والسرور حين يتذكر الذنوب الماضية ، أو أن يتمنى العودة لذلك في المستقبل .

وقد ساق ابن القيم رحمه الله في كتابه الداء والدواء والفوائد أضراراً كثيرة للذنوب منها :

حرمان العلم – والوحشة في القلب – وتعسير الأمور – ووهن البدن – وحرمان الطاعة – ومحق البركة – وقلة التوفيق – وضيق الصدر – وتولد السيئات – واعتياد الذنوب – وهوان المذنب على الله – وهوانه على الناس – ولعنة البهائم له – ولباس الذل – والطبع على القلب والدخول تحت اللعنة – ومنع إجابة الدعاء – والفساد في البر والبحر- وانعدام الغيرة – وذهاب الحياء – وزوال النعم – ونزول النقم – والرعب في قلب العاصي – والوقوع في أسر الشيطان – وسوء الخاتمة – وعذاب الآخرة .

وهذه المعرفة لأضرار الذنوب تجعله يبتعد عن الذنوب بالكلية ، فإن بعض الناس قد يعدل عن معصية إلى معصية أخرى لأسباب منها :

أن يعتقد أن وزنها أخف .

لأن النفس تميل إليها أكثر ، والشهوة فيها أقوى .

لأن ظروف هذه المعصية متيسرة أكثر من غيرها ، بخلاف المعصية التي تحتاج إلى إعداد وتجهيز ، أسبابها حاضرة متوافرة .

لأن قرناءه وخلطاؤه مقيمون على هذه المعصية ويصعب عليه أن يفارقهم .

لأن الشخص قد تجعل له المعصية المعينة جاهاً ومكانة بين أصحابه فيعز عليه أن يفقد هذه المكانة فيستمر في المعصية ، كما يقع لبعض رؤساء عصابات الشر والفساد ، وكذلك ما وقع لأبي نواس الشاعر الماجن لما نصحه أبو العتاهية الشاعر الواعظ ولامه على تهتكه في المعاصي ، فأنشد أبو نواس :

أتراني يا عتاهي تاركاً تلك الملاهي

أتراني مفسداً بالنسك عند القوم جاهي

الثالث : أن يبادر العبد إلى التوبة ، ولذلك فإن تأخير التوبة هو في حد ذاته ذنب يحتاج إلى توبة .

الرابع : أن يخشى على توبته من النقص ، ولا يجزم بأنها قد قبلت، فيركن إلى نفسه ويأمن مكر الله .

الخامس : استدراك ما فات من حق الله إن كان ممكناً ، كإخراج الزكاة التي منعت في الماضي ولما فيها من حق الفقير كذلك .

السادس : أن يفارق موضع المعصية إذا كان وجوده فيه قد يوقعه في المعصية مرة أخرى .

السابع : أن يفارق من أعانه على المعصية وهذا والذي قبله من فوائد حديث قاتل المائة وسيأتي سياقه .

والله يقول : ( الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين ) الزخرف /67 . وقرناء السوء سيلعن بعضهم بعضاً يوم القيامة ، ولذلك عليك أيها التائب بمفارقتهم ونبذهم ومقاطعتهم والتحذير منهم إن عجزت عن دعوتهم ولا يستجرينك الشيطان فيزين لك العودة إليهم من باب دعوتهم وأنت تعلم أنك ضعيف لا تقاوم .

وهناك حالات كثيرة رجع فيها أشخاص إلى المعصية بإعادة العلاقات مع قرناء الماضي .

الثامن : إتلاف المحرمات الموجودة عنده مثل المسكرات وآلات اللهو كالعود والمزمار ، أو الصور والأفلام المحرمة والقصص الماجنة والتماثيل ، وهكذا فينبغي تكسيرها وإتلافها أو إحراقها .

ومسألة خلع التائب على عتبة الاستقامة جميع ملابس الجاهلية لابد من حصولها ، وكم من قصة كان فيها إبقاء هذه المحرمات عند التائبين سبباً في نكوصهم ورجوعهم عن التوبة وضلالهم بعد الهدى، نسأل الله الثبات .

التاسع : أن يختار من الرفقاء الصالحين من يعينه على نفسه ويكون بديلاً عن رفقاء السوء وأن يحرص على حلق الذكر ومجالس العلم ويملأ وقته بما يفيد حتى لا يجد الشيطان لديه فراغاً ليذكره بالماضي .

العاشر : أن يعمد إلى البدن الذي رباه بالسحت فيصرف طاقته في طاعة الله ويتحرى الحلال حتى ينبت له لحم طيب .

الحادي عشر : أن تكون التوبة قبل الغرغرة ، وقبل طلوع الشمس من مغربها : والغرغرة الصوت الذي يخرج من الحلق عند سحب الروح والمقصود أن تكون التوبة قبل القيامة الصغرى والكبرى لقوله صلى الله عليه وسلم : ( من تاب إلى الله قبل أن يغرغر قبل الله منه ) رواه أحمد والترمذي ، صحيح الجامع 6132 . وقوله صلى الله عليه وسلم : ( من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه ) رواه مسلم .

توبة عظيمة

ونذكر هنا نموذجاً لتوبة الرعيل الأول من هذه الأمة ، صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم :

عن بريدة رضي الله عنه : أن ماعز بن مالك الأسلمي أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( يا رسول الله إني ظلمت نفسي وزنيت ، وإني أريد أن تطهرني فرده ، فلما كان من الغد أتاه ، فقال : يا رسول الله إني زنيت فرده الثانية ، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قومه ، فقال : ( أتعلمون بعقله بأساً ؟ أتنكرون منه شيئاً ؟ ) قالوا : ما نعلمه إلا وفيّ العقل ، من صالحينا فيما نرى ، فأتاه الثالثة ، فأرسل إليهم أيضاً ، فسأل عنه فأخبره أنه لا بأس به ولا بعقله ، فلما كان الرابعة حفر له حفرة ، ثم أمر به فرجم ، قال : فجاءت الغامدية ، فقالت : يا رسول الله إني زنيت فطهرني ، وإنه ردها ، فلما كان الغد ، قالت : يا رسول الله لم تردني ؟ لعلك أن تردني كما رددت ماعزاً ، فوالله إني لحبلى ، قال : ( أما لا ، فاذهبي حتى تلدي ) ، قال : فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة ، قالت : هذا قد ولدته ، قال : ( اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه ) ، فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز ، فقالت : هذا يا رسول الله قد فطمته ، وقد أكل الطعام ، فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين ، ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها ، وأمر الناس فرجموها ، فيقبل خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها فتنضخ الدم على وجه خالد فسبها ، فسمع نبي الله سبه إياها ، فقال: ( مهلاً يا خالد ! فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس {وهو الذي يأخذ الضرائب } لغفر له ) رواه مسلم . ثم أمر بها فصلى عليها ، ودفنت .

وفي رواية فقال عمر يا رسول الله رجمتها ثم تصلي عليها ! فقال : ) لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة وسعتهم ، وهل وجدت شيئاً أفضل من أن جادت بنفسها لله عز وجل . رواه عبد الرزاق في مصنفه 7/325 .

التوبة تمحو ما قبلها

وقد يقول قائل : أريد أن أتوب ولكن من يضمن لي مغفرة الله إذا تبت وأنا راغب في سلوك طريق الاستقامة ولكن يداخلني شعور بالتردد ولو أني أعلم أن الله يغفر لي لتبت ؟

فأقول له ما داخلك من المشاعر داخل نفوس أناس قبلك من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ولو تأملت في هاتين الروايتين بيقين لزال ما في نفسك إن شاء الله .

الأولى : روى الإمام مسلم رحمه الله قصة إسلام عمرو بن العاص رضي الله عنه وفيها : " فلما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : ابسط يمينك فلأبايعك ، فبسط يمينه فقبضت يديّ قال : مالك يا عمرو ؟ قال : قلت أردت أن أشترط ، قال ( تشترط بماذا؟) قلت : أن يغفر لي . قال : ( أما علمت يا عمرو أن الإسلام يهدم ما كان قبله وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها ، وأن الحج يهدم ما كان قبله ؟ ) .

والثانية : وروى الإمام مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن أناساً من أهل الشرك قتلوا فأكثروا ، وزنوا فأكثروا ثم أتوا محمداً صلى الله عليه وسلم فقالوا : " إن الذي تقول وتدعوا إليه لحسن ، ولو تخبرنا أن لما عملنا كفارة ، فنزل قول الله تعالى : ( والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ، ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ، ومن يفعل ذلك يلق أثاماً ) الفرقان /68 . ونزل : ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ) .

هل يغفر الله لي

وقد تقول أريد أن أتوب ولكن ذنوبي كثيرة جداً ولم أترك نوعاً من الفواحش إلا واقترفته ، ولا ذنباً تتخيله أو لا تتخيله إلا ارتكبته لدرجة أني لا أدري هل يمكن أن يغفر الله لي ما فعلته في تلك السنوات الطويلة .

وأقول لك أيها الأخ الكريم : هذه ليست مشكلة خاصة بل هي مشكلة كثير ممن يريدون التوبة وأذكر مثالاً عن شاب وجه سؤالاً مرة بأنه قد بدأ في عمل المعاصي من سن مبكرة وبلغ السابعة عشرة من عمره فقط وله سجل طويل من الفواحش كبيرها وصغيرها بأنواعها المختلفة مارسها مع أشخاص مختلفين صغاراً وكباراً حتى اعتدى على بنت صغيرة ، وسرق عدة سرقات ثم يقول : تبت إلى الله عز وجل ، أقوم وأتهجد بعض الليالي وأصوم الاثنين والخميس ، وأقرأ القرآن الكريم بعد صلاة الفجر فهل لي من توبة ؟

والمبدأ عندنا أهل الإسلام أن نرجع إلى الكتاب والسنة في طلب الأحكام والحلول والعلاجات ، فلما عدنا إلى الكتاب وجدنا قول الله عز وجل : ( قل يا عبادي الذي أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً أنه هو الغفور الرحيم وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له ) الزمر الآيتان 53،54

فهذا الجواب الدقيق للمشكلة المذكورة وهو واضح لا يحتاج إلى بيان .

أما الإحساس بأن الذنوب أكثر من أن يغفرها الله فهو ناشيء عن عدم يقين العبد بسعة رحمة ربه أولاً .

ونقص في الإيمان بقدرة الله على مغفرة جميع الذنوب ثانياً .

وضعف عمل مهم من أعمال القلوب هو الرجاء ثالثاً .

وعدم تقدير مفعول التوبة في محو الذنوب رابعاً .

ونجيب عن كل منها .

فأما الأول : فيكفي في تبيانه قول الله تعالى : ( ورحمتي وسعت كل شيء ) الأعراف /56 .

وأما الثاني : فيكفي فيه الحديث القدسي الصحيح : ( قال تعالى من علم أني ذو قدرة على مغفرة الذنوب غفرت له ولا أبالي ، ما لم يشرك بي شيئاً ) رواه الطبراني في الكبير والحاكم ، صحيح الجامع 4330 . وذلك إذا لقي العبد ربه في الآخرة .

وأما الثالث : فيعالجه هذا الحديث القدسي العظيم : ( يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي ، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم لو أنك أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة ) رواه الترمذي ، صحيح الجامع 4338 .

وأما الرابع : فيكفي فيه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( التائب من الذنب كمن لا ذنب له ) رواه ابن ماجه ، صحيح الجامع 3008 .

وإلى كل من يستصعب أن يغفر الله له فواحشه المتكاثرة نسوق هذا الحديث :

توبة قاتل المائة

عن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال : ( كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفساً فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على راهب ، فأتاه فقال : إنه قتل تسعة وتسعين نفساً فهل له من توبة ؟ فقال : لا ، فقتله فكمّل به مائة ، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدّل على رجل عالم ، فقال : إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة ؟ فقال : نعم ، ومن يحول بينه وبين التوبة ، انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناساً يعبدون الله تعالى فاعبد معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء ، فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه ملك الموت ، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ، فقالت ملائكة الرحمة : جاء تائباً مقبلاً بقلبه إلى الله تعالى ، وقالت ملائكة العذاب : إنه لم يعمل خيراً قط , فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم – أي حكماً - فقال : قيسوا ما بين الأرضيين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له ، فقاسوا فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد ، فقبضته ملائكة الرحمة ) متفق عليه . وفي رواية في الصحيح ( فكان إلى القرية الصالحة أقرب بشبر فجعل من أهلها ) وفي رواية في الصحيح ( فأوحى الله تعالى إلى هذه أن تباعدي وإلى هذه أن تقربي وقال : قيسوا ما بينهما ، فوجدوه إلى هذه أقرب بشبر فغفر له ) .

نعم ومن يحول بينه وبين التوبة ! فهل ترى الآن يا من تريد التوبة أن ذنوبك أعظم من هذا الرجل الذي تاب الله عليه ، فلم اليأس ؟

بل إن الأمر أيها الأخ المسلم أعظم من ذلك ، تأمل قول الله تعالى : ( والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ، ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ، ومن يفعل ذلك يلق أثاماً ، يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً ، إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيماً ) الفرقان /68 – 70 .

ووقفة عند قوله : ( فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ) الفرقان /70 تبين لك فضل الله العظيم ، قال العلماء التبديل هنا نوعان :

الأول : تبديل الصفات السيئة بصفات حسنة كإبدالهم بالشرك إيماناً وبالزنا عفة وإحصاناً وبالكذب صدقاً وبالخيانة أمانة وهكذا .

والثاني : تبديل السيئات التي عملوها بحسنات يوم القيامة ، وتأمل قوله تعالى : ( يبدل الله سيئاتهم حسنات ) ولم يقل مكان كل سيئة حسنة فقد يكون أقل أو مساوياً أو أكثر في العدد أو الكيفية ، وذلك بحسب صدق التائب وكمال توبته ، فهل ترى فضلاً أعظم من هذا الفضل ؟ وانظر إلى شرح هذا الكرم الإلهي في الحديث الجميل :

عن عبد الرحمن بين جبير عن أبي طويل شطب الممدود أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم - وفي طرق أخرى – " جاء شيخ هرم قد سقط حاجباه على عينيه وهو يدّعم على عصا حتى قام بين يديّ النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أرأيت رجلاً عمل الذنوب كلها فلم يترك منها شيئاً وهو في ذلك لم يترك حاجة ولا داجة أي صغيرة ولا كبيرة إلا أتاها ، وفي رواية ، إلا اقتطعها بيمينه لو قسمت خطيئته بين أهل الأرض لأوبقتهم أي أهلكتهم فهل لذلك من توبة ؟ قال : ( فهل أسلمت ) قال : أما أنا فأشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله . قال : ( تفعل الخيرات وتترك السيئات فيجعلهن الله لك خيرات كلهن ) قال : وغدراتي وفجراتني ، قال : ( نعم ) قال : الله أكبر فما زال يكبر حتى توارى. قال الهيثمي رواه الطبراني والبزار بنحوه ورجال البزار رجال الصحيح غير محمد بن هارون أبي نشيطة وهو ثقة ، المجمع 1/36 وقال المنذري في الترغيب إسناده جيد قوي 4/113 وقال ابن حجر في الإصابة هو على شرط الصحيح 4/149.

وهنا قد يسأل تائب ، فيقول : إني لما كنت ضالاً لا أصلي خارجاً عن ملة الإسلام قمت ببعض الأعمال الصالحة فهل تحسب لي بعد التوبة أو تكون ذهبت أدراج الرياح .

وإليك الجواب : عن عروة بن الزبير أن حكيم بن حزام أخبره أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أي رسول الله أرأيت أموراً كنت أتحنث بها في الجاهلية من صدقة أو عتِاقة أو صلة رحم أفيها أجر ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أسلمت على ما أسلفت من خير ) رواه البخاري .

فهذه الذنوب تغفر ، وهذه السيئات تبدل حسنات ، وهذه الحسنات أيام الجاهلية تثبت لصاحبها بعد التوبة ، فماذا بقي !

كيف أفعل إذا أذنبت

وقد تقول إذا وقعت في ذنب فكيف أتوب منه مباشرة وهل هناك فعل أقوم به بعد الذنب فوراً ؟ .

فالجواب : ما ينبغي أن يحصل بعد الإقلاع عملان .

الأول : عمل القلب بالندم والعزم على عدم العودة ، وهذه تكون نتيجة الخوف من الله .

الثاني : عمل الجوارح بفعل الحسنات المختلفة ومنها صلاة التوبة وهذا نصها :

عن أبي بكرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( ما من رجل يذنب ذنباً ثم يقوم فيتطهر ثم يصلي ركعتين ثم يستغفر الله إلا غفر الله له ) رواه أصحاب السنن ، صحيح الترغيب والترهيب 1/284 . ثم قرأ هذه الآية : ( والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون ) آل عمران /135 .

وقد ورد في روايات أخرى صحيحة صفات أخرى لركعتين تكفران الذنوب وهذا ملخصها :

- ما من أحد يتوضأ فيحسن الوضوء ( لأن الخطايا تخرج من الأعضاء المغسولة مع الماء أو مع آخر قطر الماء )

ومن إحسان الوضوء قول بسم الله قبله والأذكار بعده وهي : أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله – اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين – سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك وأتوب إليك . وهذه أذكار ما بعد الوضوء لكل منها أجر عظيم .

- يقوم فيصلي ركعتين .

- لا يسهو فيهما .

- لا يحدث فيهما نفسه .

- يحسن فيهن الذكر والخشوع .

- ثم استغفر الله .

والنتيجة :

غفر له ما تقدم من ذنبه .

إلا وجبت له الجنة . صحيح الترغيب 1/ 94 ، 95

ثم الإكثار من الحسنات والطاعات ، ألا ترى أن عمر رضي الله عنه لما أحس بخطئه في المناقشة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة الحديبية ، قال بعدها فعلمت لذلك أعمالاً أي صالحات لتكفير الذنب.

وتأمل في المثل الوارد في هذا الحديث الصحيح قال صلى الله عليه وسلم : ( إن مثل الذي يعمل السيئات ثم يعمل الحسنات كمثل رجل كانت عليه درع أي لباس من حديد يرتديه المقاتل ضيقة ، قد خنقته ، ثم عمل حسنة فانفكت حلقة ، ثم عمل أخرى فانفكت الأخرى حتى يخرج إلى الأرض ) رواه الطبراني في الكبير ، صحيح الجامع 2192 . فالحسنات تحرر المذنب من سجن المعصية ، وتخرجه إلى عالم الطاعة الفسيح ، ويلخص لك يا أخي ما تقدم هذه القصة المعبرة .

عن ابن مسعود قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إني وجدت امرأة في بستان ففعلت بها كل شيء غير أني لم أجامعها، قبلتها ولزمتها ، ولم أفعل غير ذلك فافعل بي ما شئت ، فلم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم شيئاً فذهب الرجل ، فقال عمر : لقد ستر الله عليه لو ستر نفسه ، فأتبعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بصره ، ثم قال : ( ردوه علي ) ، فردوه عليه فقرأ عليه : ( أقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين ) .

فقال معاذ – وفي رواية عمر – يا رسول الله أله وحده ، أم للناس كافة ؟ فقال : ( بل للناس كافة ) رواه مسلم .

أهل السوء يطاردونني

وقد تقول أريد أن أتوب ولكن أهل السوء من أصحابي يطاردونني في كل مكان وما أن علموا بشيء من التغير عندي حتى شنوا عليّ حملة شعواء وأنا أشعر بالضعف فماذا أفعل ؟!

ونقول لك اصبر فهذه سنة الله في ابتلاء المخلصين من عباده ليعلم الصادقين من الكاذبين وليميز الله الخبيث من الطيب .

وما دمت وضعت قدميك على بداية الطريق فاثبت ، وهؤلاء شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض لكي يردوك على عقبيك فلا تطعهم ، إنهم سيقولون لك في البداية هذا هوس لا يلبث أن يزول عنك ، وهذه أزمة عارضة ، والعجب أن بعضهم قال لصاحب له في بداية توبته عسى ما شر !!

والعجب أن إحداهن لما أغلق صاحبها الهاتف في وجهها لأنه تاب ولا يريد مزيداً من الآثام اتصلت به بعد فترة وقالت عسى أن يكون زال عنك الوسواس ؟

والله يقول : ( قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس ، من شر الوسواس الخناس ، الذي يوسوس في صدور الناس ، من الجنة والناس ) الناس /1-6 .

فهل ربك أولى بالطاعة أم ندماء السوء ؟!

وعليك أن تعلم أنهم سيطاردونك في كل مكان وسيسعون لردك إلى طريق الغواية بكل وسيلة ولقد حدثني بعضهم بعد توبته أنه كانت له قرينة سوء تأمر سائق سيارتها أن يمشي وراءه وهو في طريقه إلى المسجد وتخاطبه من النافذة .

هنالك : ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) إبراهيم /27 .

سيسعون إلى تذكيرك بالماضي وتزيين المعاصي السابقة لك بكل طريقة ، ذكريات .. توسلات .. صور .. ورسائل .. فلا تطعهم واحذرهم أن يفتنوك وتذكر هنا قصة كعب بن مالك الصحابي الجليل ، لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحابة جميعاً بمقاطعته لتخلفه عن غزوة تبوك حتى يأذن الله ، أرسل إليه ملك غسان الكافر رسالة يقول فيها : " أما بعد فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك ، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة ، فالحق بنا نواسك " يريد الكافر استمالة المسلم حتى يخرج من المدينة ويضيع هناك في ديار الكفر .

ما هو موقف الصحابي الجليل قال كعب : " فقلت حين قرأتها وهذه أيضاً من البلاء فتيممت بها التنور أي الفرن فسجرتها أي أحرقتها .

وهكذا اعمد أنت أيها المسلم من ذكر أو أنثى إلى كل ما يرسل إليك من أهل السوء فاحرقه حتى يصير رماداً وتذكر وأنت تحرقه نار الآخرة . ( فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذي لا يوقنون )

إنهم يهددونني

أريد أن أتوب ولكن أصدقائي القدامى يهددونني بإعلان فضائحي بين الناس ، ونشر أسراري على الملأ ، إن عندهم صوراً ووثائق ، وأنا أخشى على سمعتي ، إني خائف !!

ونقول : جاهد أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفاً ، فهذه ضغوط أعوان إبليس تجتمع عليك كلها ، ثم لا تلبث أن تتفرق وتتهاوى أمام صبر المؤمن وثباته .

واعلم أنك إن سايرتهم ورضخت لهم فسيأخذون عليك مزيداً من الإثباتات ، فأنت الخاسر أولاً وأخيراً ، لكن لا تطعهم واستعن بالله عليهم ، وقل حسبي الله ونعم الوكيل ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خاف قوماً قال : ( اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم ) رواه أحمد وأبو داود ، صحيح الجامع 4582 .

صحيح أن الموقف صعب وأن تلك المسكينة التائبة التي اتصل بها قرين السوء يقول مهدداً : لقد سجلت مكالمتك ولديّ صورتك ولو رفضت الخروج معي لأفضحنك عند أهلك !! صحيح أنها في موقف لا تحسد عليه .

وانظر إلى حرب أولياء الشياطين لمن تاب من المغنين والمغنيات والممثلين والممثلات فإنهم يطرحون أسوأ إنتاجهم السابق في الأسواق للضغط والحرب النفسية ، ولكن الله مع المتقين ، ومع التائبين ، وهو ولي المؤمنين ، لا يخذلهم ولا يتخلى عنهم ، وما لجأ عبد إليه فخاب أبداً ، واعلم أن مع العسر يسراً ، وأن بعد الضيق فرجاً .

وإليك أيها الأخ التائب هذه القصة المؤثرة شاهداً واضحاً على ما نقول .

إنها قصة الصحابي الجليل مرثد بن أبي مرثد الغنويّ الفدائي الذي كان يهرب المستضعفين من المسلمين من مكة إلى المدينة سراً . " كان رجل يقال له : مرثد بن أبي مرثد ، وكان رجلاً يحمل الأسرى من مكة ، حتى يأتي بهم المدينة ، قال : وكانت امرأة بمكة بغي يقال لها عناق وكانت صديقة له ، وأنه كان وعد رجلاً من أسارى مكة يحتمله ، قال : فجئت حتى انتهيت إلى ظل حائط من حوائط مكة في ليلة مقمرة ، قال : فجاءت عناق فأبصرت سواد ظلي بجانب الحائط ، فلما انتهت إليّ عرفت ، فقالت : مرثد ؟ فقلت: مرثد ، قالت : مرحباً وأهلاً ، هلم فبت عندنا الليلة ، قلت : يا عناق حرم الله الزنا ، قالت : يا أهل الخيام هذا الرجل يحمل أسراكم قال فتبعني ثمانية ، وسلكت الخندمة ( وهو جبل معروف عند أحد مداخل مكة ) فانتهيت إلى غار أو كهف ، فدخلت فجاءوا حتى قاموا على رأسي وعماهم الله عني قال : ثم رجعوا ، ورجعت إلى صاحبي فحملته ، وكان رجلاً ثقيلاً ، حتى انتهيت إلى الأذخر ففككت عنه أكبله ( أي قيوده ) فجعلت أحمله ويُعييني ( أي يرهقني) حتى قدمت المدينة ، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله أنكح عناقاً ؟ مرتين ، فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يرد عليّ شيئاً ، حتى نزلت ( الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة ، والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك ) النور /3 فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا مرثد الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة ، والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك فلا تنكحها ) صحيح سنن الترمذي 3/80 .

هل رأيت كيف يدافع الله عن الذين آمنوا وكيف يكون مع المحسنين؟.

وعلى أسوأ الحالات لو حصل ما تخشاه أو انكشفت بعض الأشياء واحتاج الأمر إلى بيان فوضح موقفك للآخرين وصارحهم ، وقل نعم كنت مذنباً فتبت إلى الله فماذا تريدون ؟

ولنتذكر جميعاً أن الفضيحة الحقيقة هي التي تكون بين يدي الله يوم القيامة ، يوم الخزي الأكبر ، ليست أمام مائة أو مائتين ولا ألف أو ألفين ، ولكنها على رؤوس الأشهاد ، أما الخلق كلهم من الملائكة والجن والإنس ، من آدم وحتى آخر رجل .

فهلم إلى دعاء إبراهيم :

( ولا تخزني يوم يبعثون ، يوم لا ينفع مال ولا بنون ، إلا من أتى الله بقلب سليم ) الشعراء /87-89

وتحصن في اللحظات الحرجة بالأدعية النبوية : اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا ، اللهم اجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من بغى علينا ، اللهم لا تشمت بنا الأعداء ولا الحاسدين .

ذنوبي تنغص معيشتي

وقد تقول : إني ارتكبت من الذنوب الكثير وتبت إلى الله ، ولكن ذنوبي تطاردني ، وتذكري لما عملته ينغص عليّ حياتي ، ويقض مضجعي ، ويؤرق ليلي ويقلق راحتي ، فما السبيل إلى إراحتي .

فأقول لك أيها الأخ المسلم ، إن هذه المشاعر هي دلائل التوبة الصادقة ، وهذا هو الندم بعينه ، والندم توبة فالتفت إلى ما سبق بعين الرجاء ، رجاء أن يغفر الله لك ، ولا تيأس من روح الله ، ولا تقنط من رحمة الله ، والله يقول : ( ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون ) الحجر /56 .

قال ابن مسعود رضي الله عنه : ( أكبر الكبائر الإشراك بالله ، والأمن من مكر الله ، والقنوط من رحمة الله ، واليأس من روح الله) رواه عبد الرزاق وصححه الهيثمي وابن كثير .

والمؤمن يسير إلى الله بين الخوف والرجاء ، وقد يُغلِّب أحدهما في بعض الأوقات لحاجة ، فإذا عصى غلَّب جانب الخوف ليتوب ، وإذا تاب غلَّب جانب الرجاء يطلب عفو الله .

هل اعترف ؟

وسأل سائل بصوت حزين يقول : أريد أن أتوب ولكن هل يجب عليّ أن أذهب وأعترف بما فعلت من ذنوب ؟

وهل من شروط توبتي أن أقر أمام القاضي في المحكمة بكل ما اقترفت وأطلب إقامة الحد عليّ ؟

وماذا تعني تلك القصة التي قرأتها قبل قليل عن توبة ماعز ، والمرأة ، والرجل الذي قبّل امرأة في بستان .

فأقول لك أيها الأخ المسلم : اتصال العبد بربه دون وسائط من مزايا هذا التوحيد العظيم ، الذي ارتضاه الله ( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان ) البقرة /186 . وإذا آمنا أن التوبة لله فإن الاعتراف هو لله أيضاً ، وفي دعاء سيد الاستغفار: ( أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي ) أي أعترف لك يا الله .

ولسنا ولله الحمد مثل النصارى ، قسيس وكرسي اعتراف وصك غفران .. إلى آخر أركان المهزلة .

بل إن الله يقول : ( ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ) التوبة /104 أي عن عباده دون وسيط .

أما بالنسبة لإقامة الحدود فإن الحد إذا لم يصل إلى الإمام أو الحاكم أو القاضي فإنه لا يلزم الإنسان أن يأتي ويعترف ، ومن ستر الله عليه لا بأس أن يستر نفسه ، وتكفيه توبته فيما بينه وبين الله ، ومن أسمائه سبحانه الستِّير وهو يحب الستر على عباده ، أما أولئك الصحابة مثل ماعز والمرأة اللذان زنيا والرجل الذي قبل امرأة في بستان فإنهم رضي الله عنهم فعلوا أمراً لا يجب عليهم وذلك من شدة حرصهم على تطهير أنفسهم بدليل أنه صلى الله عليه وسلم لما جاءه ماعز أعرض عنه وعن المرأة في البداية وكذلك قول عمر للرجل الذي قبّل امرأة في بستان لقد ستر الله عليه لو ستر نفسه ، وسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم إقراراً .

وعلى هذا فلا يلزم الذهاب للمحكمة لتسجيل الاعترافات رسمياً إذا أصبح العبد وقد ستره ربه ، ولا يلزم كذلك الذهاب إلى إمام المسجد وطلب إقامة الحد ، ولا الاستعانة بصديق في الجلد داخل البيت ، كما يخطر في أذهان البعض .

وعند ذلك تُعلم بشاعة موقف بعض الجهال من بعض التائبين في مثل القصة الآتي ملخصها :

ذهب مذنب إلى إمام مسجد جاهل ، واعترف لديه بما ارتكب من ذنوب وطلب منه الحل ، فقال هذا الإمام لابد أولاً أن تذهب إلى المحكمة وتصدق اعترافاتك شرعاً ، وتقام عليك الحدود ، ثم ينظر في أمرك ، فلما رأى المسكين أنه لا يطيق تطبيق هذا الكلام ، عدل عن التوبة ورجع إلى ما كان فيه .

وأنتهز هذه الفرصة لتعليق مهم فأقول : أيها المسلمون إن معرفة أحكام الدين أمانة ، وطلبها من مصادرها الصحيحة أمانة ، والله يقول : ( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) النحل /43 وقال : ( الرحمن فاسأل به خبيراً ) الفرقان /59 .

فليس كل واعظ يصلح أن يُفتي ، ولا كل إمام مسجد أو مؤذن يصلح أن يُخبر بالأحكام الشرعية في قضايا الناس ، ولا كل أديب أو قاصّ يصلح ناقلاً للفتاوى ، والمسلم مسئول عمن يأخذ الفتوى ، وهذه مسألة تعبدية ، وقد خشي صلى الله عليه وسلم على الأمة من الأئمة المضلين، قال أحد السلف : إن هذا العلم دين فانظروا عمّن تأخذون دينكم ، فاحذروا عباد الله من هذه المزالق والتمسوا أهل العلم فيما أشكل عليكم . والله المستعان .

فتاوى مهمة للتائبين

وقد تقول : أريد أن أتوب ولكني أجهل أحكام التوبة ، وتدور في ذهني أسئلة كثيرة عن صحة التوبة من بعض الذنوب ، وكيفية قضاء حقوق الله التي فرطت فيها ، وطريقة إرجاع حقوق العباد التي أخذتها ، فهل من إجابات على هذه التساؤلات ؟

وإليك أيها العائد إلى الله ما علّه يشفي الغليل .

س1 : إنني أقع في الذنب فأتوب منه ، ثم تغلبني نفسي الأمارة بالسوء فأعود إليه ! فهل تبطل توبتي الأولى ويبقى عليّ إثم الذنب الأول وما بعده ؟

جـ1 : ذكر أكثر العلماء على أنه لا يشترط في صحة التوبة ألا يعود إلى الذنب ، وإنما صحة التوبة تتوقف على الإقلاع عن الذنب، والندم عليه ، والعزم الجازم على ترك معاودته ، فإن عاوده يصبح حينئذ كمن عمل معصية جديدة تلزمه توبة جديدة منها وتوبته الأولى صحيحة .

س2 : هل تصح التوبة من ذنب وأنا مصر على ذنب آخر ؟

جـ2 : تصح التوبة من ذنب ولو أصر على ذنب آخر ، إذا لم يكن من النوع نفسه ، ولا يتعلق بالذنب الأول ، فمثلاً لو تاب من الربا ولم يتب من شرب الخمر فتوبته من الربا صحيحة ، والعكس صحيح ، أما إذا تاب من ربا الفضل وأصر على ربا النسيئة فلا تقبل توبته حينئذ ، وكذلك من تاب من تناول الحشيشة وأصر على شرب الخمر أو العكس ، وكذلك من تاب عن الزنا بامرأة وهو مصر على الزنا بغيرها فهؤلاء توبتهم غير صحيحة ، وغاية ما فعلوه أنهم عدلوا عن نوع من الذنب إلى نوع آخر منه . راجع المدارج.

س3 : تركت حقوقاً لله في الماضي من صلوات لم أؤدها وصيام تركته وزكاة منعتها ، فماذا أفعل الآن ؟

جـ3 : أما تارك الصلاة فالراجح أنه لا يلزمه القضاء لأنه قد فات وقتها ، ولا يمكن استدراكه ويعوضه بكثرة التوبة والاستغفار ، والإكثار من النوافل لعل الله أن يتجاوز عنه .

وأما تارك الصيام فإن كان مسلماً وقت تركه للصيام ، فإنه يجب عليه القضاء مع إطعام مسكين عن كل يوم أخره من رمضان حتى دخل رمضان الذي بعده ، من غير عذر وهذه كفارة التأخير ، وهي واحدة لا تتضاعف ولو توالت أشهر رمضان .

مثال : رجل ترك 3 أيام من رمضان سنة 1400 هـ و 5 أيام من رمضان سنة 1401 هـ تهاوناً ، وبعد سنين تاب إلى الله ، فإنه يلزمه قضاء الصيام ثمانية أيام ، وإطعام مسكين عن كل يوم من الأيام الثمانية .

مثال آخر : امرأة بلغت عام 1400 هـ وخجلت من إخبار أهلها ، فصامت أيام عادتها الثمانية مثلاً ولم تقضها ، ثم تابت إلى الله الآن فعليها الحكم السابق نفسه ، وينبغي أن يعلم أن هناك فروقاً بين ترك الصلاة وترك الصيام ، ذكره أهل العلم على أن هناك في العلماء من يرى عدم القضاء على من ترك الصيام متعمداً دون عذر .

وأما تارك الزكاة فيجب عليه إخراجها وهي حق لله من جهة ، وحق للفقير من جهة أخرى . للمزيد راجع مدارج السالكين 1/383 .

س4 : إذا كانت السيئة في حق آدميّ فكيف تكون التوبة ؟

جـ4 : الأصل في هذا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من كانت لأخيه عنده مظلمة ، من عرض أو مال ، فليتحلله اليوم قبل أن يؤخذ منه يوم لا دينار ولا درهم ، فإن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته ، وإن لم يكن له عمل أخذ من سيئات صاحبه فجعلت عليه) رواه البخاري فيخرج التائب من هذه المظالم إما بأدائها إلى أصحابها وإما باستحلالها منهم وطلب مسامحتهم ، فإن سامحوه وإلا ردها .

س5 : وقعت في غيبة شخص أو أشخاص ، وقذفت آخرين بأمورٍ هم بريئون منها فهل يشترط إخبارهم بذلك مع طلب المسامحة وإذا كان لا يشترط فكيف أتوب ؟!

جـ5 : المسألة هنا تعتمد على تقدير المصالح والمفاسد .

فإن كان إذا أخبرهم بم اغتابهم أو قذفهم لا يغضبون منه ولا يزدادون عليه حنقاً وغماً صارحهم وطلب منهم المسامحة ولو بعبارات عامة ، كأن يقول إني أخطأت في حقك في الماضي ، أو ظلمتك بكلام ، وإني تبت إلى الله فسامحني ، دون أن يفصل فلا بأس بهذا .

وإن كان إذا أخبرهم بما اغتابهم أو قذفهم حنقوا عليه وازدادوا غماً وغيظاً – وربما يكون هذا هو الغالب – أو أنه إذا أخبرهم بعبارات عامة لم يرضوا إلا بالتفاصيل التي إذا سمعوها زادوا كراهية له ، فإنه حينئذ لا يجب عليه إخبارهم أصلاً لأن الشريعة لا تأمر بزيادة المفاسد ، وإخبار شخص بأمور كان مستريحاً قبل سماعها على وجه يسبب البغضاء وينافي مقصد الشريعة في تأليف القلوب والتحاب بين المسلمين ، وربما يكون الإخبار سبباً لعداوة لا يصفو بعدها قلب المغتاب أبداً لمن اغتابه ، وفي هذه الحالة يكفي التوبة أمور منها :

1- الندم وطلب المغفرة من الله والتأمل في شناعة هذه الجريمة واعتقاد تحريمها .

2- أن يكذب نفسه عند من سمع الغيبة ، أو القذف ويبرئ المقذوف.

3- أن يثني بالخير على من اغتابه في المجالس التي ظلمته فيها ، ويذكر محاسنه .

4- أن يدافع عمن اغتابه ، ويرد عنه إذا أراد أحد أن يسيء إليه .

5- أن يستغفر له بظهر الغيب المدارج 1/291 ، والمغني مع الشرح 12/78

ولاحظ أيها الأخ المسلم الفرق بين الحقوق المالية وجنايات الأبدان ، وبين الغيبة والنميمة ، فالحقوق المالية يستفيد أهلها إذا أخبروا بها ، وردت إليهم ، ويسرون بذلك ، ولذلك لا يجوز كتمها بخلاف الحقوق التي في جانب العِرض ، والتي لا تزيد من يُخبر بها إلا ضرراً وتهييجاً .

س6 : كيف يتوب القاتل المتعمد ؟

جـ6 : القاتل المتعمد عليه ثلاثة حقوق :

حق الله ، وحق القتيل ، وحق الورثة .

فحق الله لا يُقضى إلا بالتوبة .

حق الورثة أن يسلم نفسه إليهم ليأخذوا حقهم ، إما بالقصاص أو بالدية أو العفو .

ويبقى حق القتيل الذي لا يمكن الوفاء به في الدنيا ، وهنا قال أهل العم إذا حسنت توبة القاتل ، فإن الله يرفع عنه حق القتيل ويعوض القتيل يوم القيامة خيراً من عنده عز وجل ، وهذا أحسن الأقوال . المدارج 1/299 .

س7 : كيف يتوب السارق ؟

جـ7 : إذا كان الشيء عنده الآن رده إلى أصحابه .

وإن تلف أو نقصت قيمته بالاستعمال أو الزمن وجب عليه أن يعوضهم عن ذلك ، إلا إذا سامحوه فالحمد لله .

س8 : أشعر بالحرج الشديد إذا واجهت من سرقت منهم ، ولا أستطيع أن أصارحهم ، ولا أن أطلب منهم المسامحة فكيف أفعل ؟

جـ8 : لا حرج عليك في البحث عن طريق تتفادى فيه هذا الإحراج الذي لا تستطيع مواجهته ، كأن ترسل حقوقهم مع شخص آخر ، وتطلب عدم ذكر اسمك ، أو بالبريد ، أو تضعها خفية عندهم، أو تستخدم التورية وتقول هذه حقوق لكم عند شخص ، وهو لا يريد ذكر اسمه ، والمهم رجوع الحق إلى أصحابه .

س9 : كنت أسرق من جيب أبي خفية ، وأريد الآن أن أتوب ولا أعلم كم سرقت بالضبط ، وأنا محرج من مواجهته ؟

جـ9 : عليك أن تقدر ما سرقته بما يغلب على ظنك أنه هو أو أكثر منه ، ولا بأس أن تعيده إلى أبيك خفية كما أخذته خفية .

س10 : سرقت أموالاً من أناس وتبت إلى الله ، ولا أعرف عناوينهم ؟

وآخر يقول أخذت من شركة أموالاً خلسة ، وقد أنهت عملها وغادرت البلد ؟

وثالث يقول سرقت من محل تجاري سلعاً ، وتغير مكانه ولا أعرف صاحبه ؟

جـ10 : عليك بالبحث عنهم على قدر طاقتك ووسعك ، فإذا وجدتهم فادفعها إليهم والحمد لله ، وإذا مات صاحب المال فتعطى لورثته ، وإن لم تجدهم على الرغم من البحث الجاد فتصدق بهذه الأموال بالنيابة عنهم ، وانوها لهم ولو كانوا كفاراً لأن الله يعطيهم في الدنيا ولا يعطيهم في الآخرة .

ويشبه هذه المسألة ما ذكره ابن القيم رحمه الله في المدراج 1/388 أن رجلاً في جيش المسلمين غل ( أي سرق ) من الغنيمة ، ثم تاب بعد زمن ، فجاء بما غله إلى أمير الجيش فأبى أن يقبله منه ، وقال كيف لي بإيصاله إلى الجيش وقد تفرقوا ؟ فأتى هذا التائب حجاج بن الشاعر يستفتيه فقال له حجاج : يا هذا إن الله يعلم الجيش وأسماءهم وأنسابهم فادفع خمسه إلى صاحب الخمس وتصدق بالباقي عنهم ، فإن الله يوصل ذلك إليهم ففعل فلما أخبر معاوية قال لأن أكون أفتيتك بذلك أحب إليّ من نصف ملكي ، وهناك فتوى مشابهة لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قريبة من هذه قصة مذكورة في المدارج .

س11 : غصبت مالاً لأيتام وتاجرت به وربحت ، ونما المال أضعافاً وخفت من الله فكيف أتوب ؟

جـ11 : للعلماء في هذه المسألة أقوال أوسطها وأعدلها أنك ترد رأس المال الأصلي للأيتام ، زائداً نصف الأرباح ، فتكون كأنك وإياهم شركاء في الربح مع إعادة الأصل إليهم .

وهذه رواية عن الإمام أحمد ، وهو رأي شيخ الإسلام ابن تيمية وترجيح تلميذه ابن القيم رحمه الله ( المدراج 1/392 )

وكذلك لو غصب سائمة من إبل أو غنم فنتجت أولاداً فهي ونصف أولادها للمالك الأصلي ، فإن ماتت أعطى قيمتها مع نصف النتاج إلى مالكها .

س12 : رجل يعمل في الشحن الجوي وتتخلف عندهم بضائع أخذ منها مسجلاً خلسة وبعد سنوات تاب فهل يُرجع المسجل نفسه أو قيمته أو شبيهاً به ، علماً بأن هذا النوع قد انتهى من السوق ؟

جـ12 : يرجع المسجل نفسه زائداً عليه ما نقص من قيمته لقاء الاستعمال أو تقادم الزمن ، وذلك بطريقة مناسبة دون أن يؤذي نفسه ، فإن تعذر ، تصدق بقيمته نيابة عن صاحبه الأصلي .

س13 : كان عندي أموال من الربا ولكني أنفقتها كلها ، ولم يبق عندي منها شيء ، وأنا الآن تائب فماذا يلزمني ؟

جـ13 : لا يلزمك إلا التوبة إلى الله عز وجل توبة نصوحاً والربا خطير ، ولم يؤذن بحرب أحد في القرآن الكريم إلا أهل الربا وما دامت الأموال الربوية قد ذهبت كلها ، فليس عليك من جهتها شيء الآن .

س14 : اشتريت سيارة بمال بعضه حلال وبعضه حرام ، وهي موجودة عندي الآن فكيف أفعل ؟

جـ14 : من اشترى شيئاً لا يتجزأ كالبيت أو السيارة بمال بعضه حلال وبعضه حرام فيكفيه أن يخرج ما يقابل الحرام من ماله الآخر ويتصدق به تطييباً لتلك الممتلكات ، فإن كان هذا الجزء من المال الحرام هو حق للآخرين وجب ردّ مثله إليهم على التفصيل السابق .

س15 : ماذا يفعل بالمال الذي ربحه من تجارة الدخان ، وكذلك إذا احتفظ بأمواله الأخرى الحلال ؟

جـ15 : من تاجر بالمحرمات كبيع آلات اللهو والأشرطة المحرمة والدخان وهو يعلم حكمها ثم تاب يصرف أرباح هذه التجارة المحرمة في وجوه الخير تخلصاً لا صدقة ، لأن الله طيب لا يقبل إلا طيباً .

وإذا اختلط هذا المال الحرام بأموال أخرى حلال كصاحب البقالة الذي يبيع الدخان مع السلع المباحة ، فإنه يقدر هذا المال الحرام تقديراً باجتهاده ، ويخرجه بحيث يغلب على ظنه أنه نقى أمواله من الكسب الحرام ، والله يعوضه خيراً وهو الواسع الكريم .

وعلى وجه العموم فإن من لديه أموالاً من كسب حرام ، وأراد أن يتوب فإن كان :

1- كافراً عند كسبها فلا يُلزم عند التوبة بإخراجها لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يُلزم الصحابة بإخراج ما لديهم من الأموال المحرمة لما أسلموا .

2- وأما إن كان عند كسبه للحرام مسلماً عالماً بالتحريم فإنه يُخرج ما لديه من الحرام إذا تاب .

س16 : شخص يأخذ الرشاوي ، ثم هداه الله إلى الاستقامة ، فماذا يفعل بالأموال التي أخذها من الرشوة ؟

جـ16 : هذا الشخص لا يخلو من حالتين :

1- إما أن يكون أخذ الرشوة من صاحب حق مظلوم اضطر أن يدفع الرشوة ليحصل على حقه لأنه لم يكن له سبيل للوصول إلى حقه إلا بالرشوة ، فهنا يجب على هذا التائب أن يرد المال إلى الراشي صاحب الحق لأنه في حكم المال المغصوب ولأنه ألجأه إلى دفعه بالإكراه .

2- أن يكون أخذ الرشوة من راش ظالم مثله تحصل عن طريق الرشوة على أشياء ليست من حقه ، فهذا لا يُرجع إليه ما أخذه منه ، وإنما يتخلص التائب من هذا المال الحرام في وجوه الخير كإعطائه للفقراء مثلاً ، كما يتوب مما تسبب فيه من صرف الحق عن أهله .

س17 : عملت أعمالاً محرمة وأخذت مقابلها أموالاً فهل يجب عليّ وقد تبت إرجاع هذه الأموال لمن دفعها إليّ ؟

جـ17 : الشخص الذي يعمل في أعمال محرمة ، أو يقدم خدمات محرمة ، ويأخذ مقابلاً أو أجرة على ذلك إذا تاب إلى الله وعنده هذا المال الحرام فإنه يتخلص منه ولا يعيده إلى من أخذه منه .

فالزانية التي أخذت مالاً على الزنا لا تعيده إلى الزاني إذا تابت ، والمغني الذي أخذ أموالاً على الغناء المحرم لا يعيده إلى أصحاب الحفلة إذا تاب ، وبائع الخمر أو المخدارت لا يعيدها إلى من اشتروها منه إذا تاب ، وشاهد الزور الذي أخذ مقابلاً لا يعيد المال من استخدمه لشهادة الزور وهكذا ، والسبب أنه إذا أرجع المال للعاصي الذي دفعه فإنه يكون قد جمع له بين العِوض الحرام والمُعوَّض بالتخلص منه ، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وترجيح تلميذه ابن القيم . كما في المدارج 1/390 .

س18 : هناك أمر يقلقني ويسبب لي إرهاقاً وأرقاً ، وهو أني وقعت في الفاحشة مع امرأة فكيف أتوب ، وهل يجوز لي أن الزواج منها لستر القضية ؟

وآخر يسأل أنه وقع في الفاحشة في الخارج ، وأن المرأة حملت منه فهل يكون هذا ولده ، وهل يجب عليه إرسال نفقة الولد .

جـ18 : لقد كثرت الأسئلة عن الموضوعات المتعلقة بالفواحش كثرة تجعل من الواجب على المسلمين جميعاً إعادة النظر في أوضاعهم وإصلاحها على هدي الكتاب والسنة وخصوصاً في مسائل غض البصر وتحريم الخلوة ، وعدم مصافحة المرأة الأجنبية والالتزام بالحجاب الشرعي الكامل وخطورة الاختلاط ، وعدم السفر إلى بلاد الكفار والاعتناء بالبيت المسلم والأسرة المسلمة والزواج المبكر وتذليل صعوباته .

أما بالنسبة إلى السؤال فمن فعل الفاحشة فلا يخلو من حالتين :

1- إما أنه زنى بالمرأة اغتصاباً وإكراهاً فهذا عليه أن يدفع لها مهر مثلها ، عوضاً عما ألحق بها من الضرر ، مع توبته إلى الله توبة نصوحاً ، وإقامة الحد عليه إذا وصل أمره إلى الإمام ، أو من ينوب عنه كالقاضي ونحوه . انظر المدارج 1/366

2- أن يكون قد زنى بها برضاها ، فهذا لا يجب عليه إلا التوبة ، ولا يُلحق به الولد مطلقاً ولا تجب عليه النفقة لأن الولد جاء من سفاح ومثل هذا ينسب لأمه ، ولا يجوز إلحاقه بنسب الزاني .

ولا يجوز للتائب الزواج منها لستر القضية والله يقول : ( الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك ) التوبة /3 .

ولا يجوز العقد على امرأة في بطنها جنين من الزنا ، ولو كان منه، كما لا يجوز العقد على امرأة لا يدرى أهي حامل أم لا .

أما إذا تاب هو وتابت المرأة توبة صادقة وتبين براءة رحمها ، فإنه يجوز له حينئذ أن يتزوج منها ، ويبدأ معها حياة جديدة يحبها الله .

س19 : لقد حصل والعياذ بالله أني ارتكبت الفاحشة وعقدت على المرأة الزانية ، وقد صار لنا سنوات وقد تبنا أنا وهي إلى الله توبة صادقة فماذا يجب عليّ ؟

جـ19 : ما دامت التوبة قد صحت من الطرفين فعليكما إعادة العقد بشروطه الشرعية من الولي والشاهدين ، ولا يلزم أن يكون ذلك في المحكمة بل لو حصل في البيت لكان كافياً .

س20 : امرأة تقول إنها تزوجت من رجل صالح وقد فعلت أموراً لا ترضي الله قبل زواجها ، وضميرها يؤنبها الآن ، وتسأل هل يجب عليها إخبار زوجها بما حصل منها في الماضي ؟

جـ20 : لا يجب على أيٍّ من الزوجين إخبار الآخر بما فعل في الماضي من المنكرات ، ومن ابتلي بشيء من هذه القاذورات فليستتر بستر الله وتكفيه التوبة النصوح .

وأما من تزوج بكراً ثم تبين له عند الدخول بها أنها ليست كذلك لفاحشة ارتكبتها في الماضي ، فإنه يحق له أخذ المهر الذي أعطاها ويفارقها ، وإن رأى أنها تابت فستر الله عليها وأبقاها فله الأجر والمثوبة من الله .

س21 : ماذا يجب على التائب من فاحشة اللواط ؟

جـ21 : الواجب على الفاعل والمفعول به التوبة إلى الله توبة عظيمة ، فإنه لا يُعلم أن الله أنزل أنواعاً من العذاب بأمة كما أنزله بقوم لوط لشناعة جريمتهم فإنه :

1- أخذ أبصارهم فصاروا عمياناً ، يتخبطون كما قال تعالى : ( فطمسنا أعينهم )

2- أرسل عليهم الصيحة .

3- قلب ديارهم ، فجعل عاليها سافلها .

4- أمطرهم بحجارة من سجيل منضود ، فأهلكهم عن بكرة أبيهم .

ولذلك كان الحد الذي يقام على مرتكب هذه الفاحشة القتل محصناً أو غير محصن ، كما قال صلى الله عليه وسلم : ( من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به ) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وصححه الألباني في إرواء الغليل .

س22 : تبت إلى الله ولديّ أشياء محرمة كأدوات موسيقية وأشرطة وأفلام ، فهل يجوز لي بيعها خصوصاً وأنها تساوي مبلغاً كبيراً ؟

جـ22 : لا يجوز بيع المحرمات وثمن بيعها حرام ، قال صلى الله عليه وسلم : ( إن الله إذا حرم شيئاً حرك ثمنه ) رواه أبو داود وهو حديث صحيح . وكل ما تعلم أن غيرك سيستخدمه في الحرام فلا يجوز لك بيعه إياه، لأن الله نهى عن ذلك فقال : ( ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) ومهما خسرت من مال الدنيا فما عند الله خير وأبقى ، وهو يعوضك بمنه وفضله وكرمه .

س23 : كنت إنساناً ضالاً أنشر الأفكار العلمانية ، وأكتب القصص والمقالات الإلحادية ، وأستخدم شعري في نشر الإباحية والفسوق ، وقد تداركني الله برحمته ، فأخرجني من الظلمات إلى النور وهداني فكيف أتوب ؟

جـ23 : هذه والله النعمة الكبرى والمنة العظمى ، وهي الهداية فاحمد الله عليها ، واسأل الله الثبات والمزيد من فضله .

أما من كان يستخدم لسانه وقلمه في حرب الإسلام ونشر العقائد المنحرفة أو البدع المضلة والفجور والفسق فإنه يجب عليه الآتي :

أولاً : أن يعلن توبته منها جميعاً ، ويُظهر تراجعه على الملأ بكل وسيلة وسبيل يستطيعه حتى يُعذر فيمن أضلهم ، ويبين الباطل الذي كان لئلا يغتر من تأثر به من قبل ، ويتتبع الشبهات التي أثارها والأخطاء التي وقع فيها فيرد عليها ، ويتبرأ مما قال وهذا التبيين واجب من واجبات التوبة ، قال تعالى : ( إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم ، وأنا التواب الرحيم ) البقرة /160 .

ثانياً : أن يسخر قلمه ولسانه في نشر الإسلام ، ويوظف طاقته وقدراته في نصر دين الله ، وتعليم الناس الحق والدعوة إليه .

ثالثاً : أن يستخدم هذه الطاقات في الرد على أعداء وفضحهم وفضح مخططاتهم ، كما كان يناصرهم من قبل ويفند مزاعم أعداء الإسلام، ويكون سيفاً لأهل الحق على أهل الباطل ، وكذلك كل من اقنع شخصاً ولو في مجلس خاص بأمر محرم كجواز الربا ، وأنه فوائد مباحة ، فإنه ينبغي عليه أن يعود ويبين له كما أضله حتى يكفّر عن خطيئته والله الهادي .

وختاماً :

يا عبد الله فتح الله باب التوبة فهلا ولجت ( إن للتوبة باباً عرض ما بين مصراعيه ما بين المشرق والمغرب ، وفي رواية عرضه مسيرة سبعين عاماً ، لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها ) . رواه الطبراني في الكبير ، صحيح الجامع 2177 .

ونادى الله ( يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم ) رواه مسلم . فهلا استغفرت .

والله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل ، والله يحب الإعتذار فهلا أقبلت .

فلله ما أحلى قول التائب ، أسألك بعزك وذلي إلا رحمتني .

أسألك بقوتك وضعفي ، وبغناك وفقري إليك هذه ناصيتي الكاذبة الخاطئة بين يديك ، عبيدك سواي كثير وليس لي سيد سواك لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك ، أسألك مسألة المسكين وابتهل إليك ابتهال الخاضع الذليل ، وأدعوك دعاء الخائف الضرير سؤال من خضعت لك رقبته ورغم لك أنفه وفاضت لك عيناه وذل لك قلبه .

وتأمل هذه القصة ودلالتها في موضع التوبة :

روي أن أحد الصالحين كان يسير في بعض الطرقات فرأى باباً قد فتح وخرج منه صبي يستغيث ويبكي وأمه خلفه تطرده حتى خرج، فأغلقت الباب في وجهه ، ودخلت فذهب الصبي غير بعيد ثم وقف مفكراً فلم يجد له مأوى غير البيت الذي أخرج منه ولا من يؤويه غير والدته ، فرجع مكسور القلب حزيناً فوجد الباب مغلقاً فتوسده ووضع خده على عتبة الباب ، ونام ودموعه على خديه ، فخرجت أمه بعد حين ، فلما رأته على تلك الحال لم تملك أن رمت نفسها عليه والتزمته تقبله وتبكي ، وتقول : يا ولدي أين ذهبت عني ومن يؤويك سواي ، ألم أقل لك لا تخالفني ولا تحملني على عقوبتك بخلاف ما جبلني الله عليه من الرحمة بك والشفقة عليك ثم أخذته ودخلت !!

ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الله أرحم بعباده من هذه بولدها ) رواه مسلم.

وأين تقع رحمة الوالدة من رحمة الله التي وسعت كل شيء ؟

والله يفرح إذا تاب العبد إليه ، ولن نعدم خيراً من رب يفرح ( لله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من رجل كان في سفر في فلاة من الأرض ، نزل منزلاً وبه مهلكة ومعه راحلته عليها طعامه وشرابه ، فأوى إلى ظل شجرة ، فوضع رأسه فنام نومة تحتها ، فاستيقظ وقد ذهبت راحلته فطلبها ، فأتى شرفاً فصعد عليه فلم ير شيئاً ، ثم أتى آخر فأشرف فلم ير شيئاً ، حتى إذا اشتد عليه الحر والعطش قال : أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه فأنام حتى أموت ، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته ، فينما هو كذلك ، رفع رأسه فإذا راحلته قائمة عنده ، تجر خطامها ، عليها زاده طعامه وشرابه ، فأخذ بخطامها ، فالله أشد فرحاً بتوبة المؤمن من هذا براحلته وزاده ) السياق مجموع من روايات صحيحة ، انظر ترتيب صحيح الجامع 4/368 .

واعلم يا أخي ، أن الذنب يُحدث للتائب الصادق انكساراً وذلة بين يدي الله ، وأنين التائبين محبوب عند رب العالمين .

ولا يزال العبد المؤمن واضعاً ذنوبه نُصب عينيه فتُحدث له انكساراً وندماً ، فيعقب الذنب طاعات وحسنات كثيرة حتى أن الشيطان ربما يقول : يا ليتني لم أوقعه في هذا الذنب ، ولذلك فإن بعض التائبين قد يرجع بعد الذنب أحس مما كان قبله بحسب توبته .

والله لا يتخلى عن عبده أبداً إذا جاء مقبلاً عليه تائباً إليه .

أرأيت لو أن ولداً كان يعيش في كنف أبيه يغذيه بأطيب الطعام والشراب ، ويلبسه أحسن الثياب ، ويربيه أحسن التربية ، ويعطيه النفقة ، وهو القائم بمصالحه كلها ، فبعثه أبوه يوماً في حاجة ، فخرج عليه عدو في الطريق فأسره وكتفه وشد وثاقه ، ثم ذهب إلى بلاد الأعداء ، وصار يعامله بعكس ما كان يعامله به أبوه ، فكان كلما تذكر تربية أبيه وإحسانه إليه المرة بعد المرة تهيجت من قلبه لواعج الحسرات ، وتذكر ما كان عليه وكل ما كان فيه من النعيم .

فينما هو في أسر عدوه يسومه سوء العذاب ، ويريد ذبحه في نهاية المطاف ، إذ حانت منه التفاتة نحو ديار أبيه فرأى أباه منه قريباً ، فسعى إليه وألقى بنفسه عليه وانطرح بين يديه يستغيث يا أبتاه يا أبتاه يا أبتاه ، أنظر إلى ولدك وما هو فيه والدموع تسيل على خديه، وهو قد اعتنق أباه والتزمه وعدوه يشتد في طلبه حتى وقف على رأسه وهو ملتزم لوالده ممسك به .

فهل تقول إن والده سيسلمه في هذه الحال إلى عدوه ويخلي بينه وبينه فما الظن بمن هو أرحم بعبده من الوالد بولده ومن الوالدة بولدها . إذا فر عبد إليه وهرب من عدوه إليه ، وألقى بنفسه طريحاً ببابه يمرغ خده في ثرى أعتابه باكياً بين يديه ، يقول : يا رب ارحم من لا راحم له سواك ، ولا ناصر له سواك ، ولا مؤوي له سواك ، ولا معين له سواك ، مسكينك وفقيرك وسائلك ، أنت معاذه، وبك ملاذه ، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك ، فهيا إلى فعل الخيرات ، وكسب الحسنات ، ورفقة الصالحين ، وحذار من الزيغ بعد الرشاد ، والضلالة بعد الهداية والله معك .

عبقور2011
02-26-2011, 11:51 AM
منتظرين تفاعلكم مع تحــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاتي

عبقور2011
02-26-2011, 11:52 AM
أحكام السفر المباح

ناصر محمد الأحمد


ملخص الخطبة

1- فوائد السفر المباح 2- ما الذي ينبغي للمسلم أن يفعله إذا أراد السفر 3- بعض أحكام السفر 4- آداب المسافر المتعلقة برجوعه من سفره

الخطبة الأولى





أما بعد:

إن الحديث عن السفر والسياحة هو حديث الساعة، وقد تحدثنا في الجمعة الماضية عن السفر والسياحة المحرمة، ثم تعرضنا للسياحة الجائزة وذكرنا بعض المحاذير في ذلك. ولوع الناس بالسفر في الإجازات، حتى كأن الإجازة من غير سفر لا تكون. صار لزاماً ذكر بعض الأحكام والآداب المتعلقة بالسفر المباح والسياحة الجائزة. اعلموا رحمني الله وإياكم بأن السفر له فوائد كثيرة أشار إليها الشافعي رحمه الله في قوله:

تغرب عن الأوطان تكتسب العلا وسافر ففي الأسفار خمس فوائد

تفريج هـمٍّ واكتسـاب معيشـة وعلـم وآداب وصحبـة مـاجد

فان قيل فـي الأسفار ذل وشدة وقطع الفيافي وارتكاب الشدائـد

فموت الفتى خير له من حيـاته بدار هوان بين واش وحـاسـد

فالشافعي رحمه الله عدّ من فوائد السفر خمس فوائد: وهي: انفراج الهم، واكتساب المعيشة، وحصول العلم، والآداب، وصحبة الأخيار والأمجاد. وقال الثعالبي: من فضائل السفر، أن صاحبه يرى من عجائب الأمصار، ومن بدائع الأقطار ومحاسن الآثار ما يزيده علماً بقدرة الله تعالى، وقال أبو الحسن القيرواني: كتب إلى بعض أخواني: مثل الرجل القاعد كمثل الماء الراكد، إن ترك تغير، وإن تحرك تكدر، وفي هذا يقول الشافعي:

سافر تجد عوضا عمن تفارقه وانصب فإن لذيذ العيش في النصب

إني وجدت وقوف الماء يفسده والعود في أرضه نوع من الحطب

وعن فوائد الأسفار العزيزة، إنه يرفع الذل عن الإنسان إذا كان بين قوم لئام، وإذا عاش في وسط يكيدون به، ويتربصون به، وكان هذا الإنسان ذا شأن فليبحث له عن أرض يعرفون قيمته، وقد ورد عن الشافعي أيضا حول هذا المعنى: أنه قال:

ارحل بنفسك من =رض تضام بها ولا تكن من فراق الأهل في حرق

فالعنبر الخام روث في مواطنه وفي التغرب محمول على العنـق

والكحل نوع من الأحجار تنظره وفي أرضه وهو مرمي على الطرق

لما تغرب حاز الفضـل أجمعه فصار يحمل بين الجفـن والحـدق

أيها الأحبة في الله :

من عزم على السفر فليبدأ بالتوبة من المعاصي ويخرج من مظالم الخلق ويقضي ما أمكنه من ديونهم، ويرد الودائع ثم يستحل ممن كان بينه وبينه مماطلة في شيء أو مصاحبة. ويكتب وصيته ويوكل من يقضي دينه ما لم يتمكن من قضائه ويترك لأهله ما يلزمهم من نفقة ونحوها. ويستحب له أن يطلب رفيقاً موافقا راغبا بالخير عارفاً في الشر، إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه. ويستحب السفر يوم الخميس، لحديث كعب بن مالك رضي الله عنه قال: قلما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج في سفر إلا في يوم الخميس. رواه أبو داود. والسنة أن يخرج باكراً، لحديث صخر بن وداعة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((اللهم بارك لأمتي في بكورها، وكان إذا بعث سرية أو جيشا بعثهم من أول النهار))، وكان صخر تاجرا فكان يبعث تجارته أول النهار، فأثرى وكثر ماله، أخرجه أبو داود والترمذي. ونهى عن سفر الإنسان لوحده، لحديث عبد الله بن عمر رضي عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لو أن الناس يعلمون من الوحدة ما أعلم ما سار راكب بليل وحده)) رواه البخاري. وعن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب)) رواه أبو داود والترمذي. والسنة أن يؤمروا أحدهم، لما رواه أبو داود عن أبى هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا كان ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم)) قال نافع: فقلت لأبى سلمة، فأنت أميرنا.

ومن أحكام السفر، أن المسافر قد يحتاج إلى الراحة بعض الوقت أثناء الطريق، خصوصا آخر الليل، فعليه أن يجتنب الطريق، لما أخرج مالك في الموطأ حديث خالد بن معدان يرفعه ((ثم قال: وعليكم بسير الليل فإن الأرض تطوى بالليل ما لا تطوى بالنهار، وإياكم والتعريس على الطرق – والتعريس نزول المسافر آخر الليل ساعة للاستراحة - فإنها طرق الدواب ومأوى الحيات)).

ولا ينسى في أول سفره دعاء السفر: ((اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا سفرنا هذا واطو عنا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم إنا نعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب في المال والأهل)).

ومن فضل الله أن الأعمال التي كان يعملها العبد من الأعمال الصالحة والتي تفوته بسبب سفره، فإنها تكتب له وإن لم يعملها، روى البخاري في صحيحه عن أبى موسى رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمله مقيما صحيحا)) وأيضا المسافر مستجاب الدعوة فعن أبى هريرة يرفعه ((ثلاث دعوات مستجابات، لاشك فيهن، دعوة المظلوم، ودعوة الوالد، ودعوة المسافر)) رواه أبو داود والترمذي. والرسول صلى الله عليه وسلم كان في سفره إذا علا على شرف كبر، وإذا هبط واديا سبح، فيشرع للمسافر التكبير إذا ارتفعت به الأرض، والتسبيح إذا انخفضت به الأرض. عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: (كنا إذا صعدنا كبرنا، وإذا نزلنا سبحنا) رواه البخاري. قال أهل العلم: التكبير عند إشراف الجبال استشعار لكبرياء الله عندما تقع عليه العين من عظم خلق الله، إنه أكبر من كل شيء، وأما تسبيحه في بطون الأودية فقيل انه مستنبط من قصة يونس عليه السلام وتسبيحه في بطن الحوت قال تعالى: فلولا انه كان من المسبحين وقيل معنى التسبيح عند الهبوط: استشعار تنزيه الله تعالى عن صفات الانخفاض والضعة والنقص. وإذا خاف المسافر من قوم أثناء سفره دعا بما رواه أبو داود عن أبى موسى رضي الله تعالى عنه: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خاف قوما قال: ((اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم)). ومن أحكام السفر: المسح على الخفين، فعن صفوان بن عسال قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنا مسافرين أن لا ننزع خفافنا ثلاثة ايام ولياليهن، رواه الترمذي وغيره، فيجوز للمسافر أن يمسح على الجوارب وهو مسافر ثلاثة ايام بلياليهن يبتدأ المسح، من أول مسحة يمسحها. ومن الأحكام: التيمم، فإن الله جعل التراب بدلا عن الماء عند انعدامه أو تعذره، فالمسافر قد ينقطع به الماء فلا يجوز له تأخير الصلاة، بل يتيمم بالتراب ويصلي، فيضرب الصعيد ضربة واحدة يمسح بهما كفيه ووجهه، والتراب يرفع الحدث الأصغر والأكبر.

اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا إنك أنت العزيز الحكيم.






الخطبة الثانية





أما بعد:

ومن أحكام السفر أيضا: جواز الفطر في رمضان قال الله تعالى: ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام آخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر وعن ابن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ((خرج إلى مكة في رمضان فصام حتى بلغ الكديد أفطر فافطر الناس)) متفق عليه. والإنسان مخير بين الصيام والفطر بحسب مقدرته فعن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن حمزة بن عمر الأسلمي قال للنبي صلى الله عليه وسلم والسلام أأصوم في السفر؟ وكان كثير الصيام، فقال: ((إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر)) متفق عليه. وعن أنس بن مالك قال: ((كنا نسافر مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم يُعِب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم)) متفق عليه.

ومن أحكام السفر وهذا من رخص الله عز وجل علينا قصر الصلاة وجمعها، فإن المسافر يجوز له أن يقصر الصلاة ويجمع أيضا مادام أنه مسافراحتى يرجع إلى بلده، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((كنا نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين مكة والمدينة لا نخاف إلا الله عز وجل نصلي ركعتين)) رواه النسائي بسند صحيح، وعن موسى بن سلمة الهذلي قال: سألت ابن عباس كيف أصلي إذا كنت بمكة إذا لم اصلي مع الأمام؟ فقال: ((ركعتين، سنة أبى القاسم صلى الله عليه وسلم)) رواه مسلم.

فالمسافر يجوز له قصر الرباعية ركعتين، وله الجمع أيضا سواء جد به السير أم لم يجد به السير مادام أنه مسافر لما رواه مسلم في صحيحه عن عامر بن وائله أن معاذ بن جبل أخبره: أنهم خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام تبوك، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء قال: فأخر الصلاة يوما ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعاًًً ثم دخل، ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعاً.

ويسقط عن المسافر السنن الرواتب التي كان يصليها مقيما وهي راتبة الظهر والمغرب والعشاء، وباقي السنن التي كان يحافظ عليها حال إقامته يفعلها في السفر أيضا. أما راتبة الفجر والوتر فما كان يدعهما رسول الله صلى الله عليه وسلم حضرا ولا سفرا.

ومن أحكام السفر، جواز أداء النوافل وكذلك الوتر على الدابة أو السيارة وهي تسير، وإن لم تكن إلى جهة القبلة عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ((كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلى السفر على راحلته حيث توجهت به، يومئ إيماءً صلاة الليل إلا الفرائض، ويوتر على راحلته)) متفق عليه. وعن جابر بن عبد الله ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي على راحلته نحو المشرق فإذا أراد إن يصلي المكتوبة نزل فاستقبل القبلة)) رواه البخاري.

ومن أحكام السفر، أن المصلي حال الجمع يصلى بأذان واحد وإقامتين. وإذا صلى المسافر خلف إمام مقيم فإنه يتم الصلاة معه.

ثم هاهنا بعض الأحكام والآداب المتعلقة برجوع المسافر من سفره: ينبغي للمسافر سرعة العودة إلى أهله إذا قضى حاجته من سفره، عن أبى هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((السفر قطعة من العذاب يمنع أحدكم طعامه وشرابه ونومه، فإذا قضى أحدكم نهمته فليعجل إلى أهله)) رواه البخاري. وجاء النهي من طرق الرجل أهله ليلاً عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا أطال أحدكم الغيبة فلا يطرقن أهله ليلاً))، وفي رواية: ((نهى أن يطرق أهله ليلا))، زاد في رواية: ((لئلا يتخونهم أو يطلب عثراتهم)). وفي رواية: ((حتى تستحد المغيبة وتمتشط الشعثة)). وهذه كلها روايات البخاري ومسلم. وفي رواية أبى داود قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فلما ذهبنا لندخل قال: ((أمهلوا حتى لا ندخل ليلا، لكي تمتشط الشعثة، وتستحد المغيبة)). وفي رواية له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن أحسن ما دخل الرجل على أهله إذا قدم من سفر أول الليل)).

ولا بأس بالخروج لتلقى المسافر، يقول السائب بن يزيد رضي الله عنه: (أذكر أني خرجت مع الصبيان، نتلقى النبي صلى الله عليه وسلم إلى ثنية الوداع عند مقدمه من تبوك) أخرجه البخاري. ويسن للمسافر أن يدعو بما كان يدعو به رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رجع من سفر، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: أقبلنا مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا بظهر المدينة قال: ((آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون))، فلم يزل يقول ذلك حتى قدمنا المدينة. رواه مسلم.

ومن السنة، أن يبدأ المسافر عند رجوعه بالمسجد فيركع فيه ركعتين، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أقبل من حجته دخل المدينة، فأناخ على باب مسجده، ثم دخله فركع فيه ركعتين، ثم انصرف إلى بيته قال نافع: فكان ابن عمر كذلك يصنع)) أخرجه أبو داود بسند صحيح. وله عن كعب بن مالك رضى الله عنهما قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس)).

عبقور2011
02-26-2011, 11:54 AM
ثمرات الطهارة
دار الوطن


الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ .. أما بعد:


لما كانت الطهارة فيها فوائد عظيمة وثمرات جلية وحِكَم ومنافع للقلوب والأبدان، أحببنا أن نقف على بعض ثمرات الطهارة، فليس الأمر فقط غسل هذه الأطراف للنظافة والطهارة، بل إن هناك حِكماً وفوائد عظيمة في الوضوء ومصالح لا تخطر على بال كثير من الناس، من أجل هذا وغيره من الأسباب جمعنا هذه الثمرات والفوائد، وهي كثيرة نقتصر على بعض منها.



فإليكم ثمرات الطهارة وفوائدها:






1- لما كانت هذه الأطراف هي محل الكسب والعمل، وكانت هذه الأطراف أبواب المعاصي والذنوب كلها، منها ما يكون في الوجه كالسمع والبصر، واللسان والشم والذوق، وكذا الأمر في سائر الأعضاء، كان الطهور مكفراً للذنوب كلها، أخرج الإمام أحمد والنسائي عن عبدالله الصنابحي أنه قال: { إذا توضّأ العبد المؤمن خرجت خطاياه من فيهِ، وإذا استنثر خرجت الخطايا من أنفه، وإذا غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه حتى تخرج من تحت أشفار عينيه، وإذا غسل يديه خرجت الخطايا حتى تخرج من تحت أظفار يديه، فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه، فإذا غسل رجليه خرجت الخطايا من رجليه حتى تخرج من أظافر رجليه } وعند الترمذي: { خرجت ذنوبه مع الماء أو مع آخر قطر الماء }.


فكره بعض العلماء مسح فضل الوضوء من أجل أن تطول مدة خروج الذنوب، ولأنه فضلة عبادة، وقد جاءت إحدى زوجات النبي بمنديل للنبي لمّا انتهى من وضوئه فرده وأخذ ينفض بيديه.


فالطهور إذاً مكفّر للذنوب بشرط الإسباغ. وقد استنبط محمد بن كعب القرظي في آخر آية الوضوء في سورة المائدة عند قوله تعالى: وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ قال: النعمة منها تكفير السيئات.


2- أن من ثمار هذا الوضوء، أنه سيما هذه الأمة وعلامتهم في وجوههم وأطرافهم يوم القيامة بين الأمم، وليست لأحد غيرهم. والمراد بالحلية الإكثار من الوضوء وليست الزيادة على أعضاء الوضوء.


أخرج الإمام البخاري عن أبي هريرة أنه قال: سمعت النبي يقول: { أن أمتي يأتون يوم القيامة غرلاً محجلين من أثر الوضوء } وفي رواية لأحمد: كيف تعرف أمتك يا رسول الله من بين الأمم فيما بين نوح إلى امتك... فذكر الحديث.


3- ومن ثمرات الطهور تنشيطه للجوارح وزيادة في ذهاب الأخلاف التي على البدن، فيقف العبد في طهارة ونشاط، وهذا مجرّب لأن الماء يعيد إليه نشاطه وقوته وحيويته، والأبلغ منه الغسل، وقد قال رسول الله لمن أتى أهله ثم أراد أن يعود أنه يتوضأ. وبيّن في رواية للحاكم، أنه أنشط للعود، ومن هنا من أسباب انتشار الأمراض عدم الطهارة والاغتسال. وإذا بات العبد جُنباً لم يؤذن لروحه بالسجود تحت العرش كما في الحديث المشهور الذي ذكره ابن القيم في الروح.


4- ومن ثمرات الطهارة أن الوضوء سلاح المؤمن، قال عمر رضي الله عنه: إن الوضوء الصالح يطرد عنك الشيطان، ولذا استحب النوم على طهارة، فإن العبد إذا نام على طهارة بات الملك في شعاره، ومن المعلوم أنه إذا حضرت الملائكة خرجت الشياطين. وكذا يستحب لمن شرع في علاج من مسّه الجن أن يتوضأ قبل العلاج؛ لأنه حصن من الشيطان.


5- ومن ثمرات الوضوء أنه من خصال الإيمان الخفية التي لا يحافظ عليها إلا المؤمن كما أخرج الإمام أحمد من حديث ثوبان عن النبي أنه قال: { لا يحافظ على الوضوء إلا المؤمن } فمن ثمرات المحافظة على الطهارة الشهادة له بالإيمان.


6- أن من ثمرات الطهارة أنه إذا انتهى العبد من الوضوء وختمه بالشهادتين كان موجباً لفتح أبواب الجنة، أخرج الإمام مسلم عن عمر وعقبة رضي الله عنهما عن النبي أنه قال: { ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو يسبغ ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله إلا فتحت له ابواب الجنه الثمانية يدخل من أيها شاء } وفي رواية للإمام الترمذي: { اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين }.


7- ومن ثمرات الطهارة وخصوصاً إذا نام العبد وهو طاهر دعا الملك له بالمغفرة كلماً انقلب في أي ساعة، فقد ثبت عند الإمام البزار - وقال الهيثمي: إسناده حسن - عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي أنه قال: { من بات طاهراً بات في شعاره ملك - وهو الملاصق للجسم من الملابس - فلا يستيقض من الليل إلا قال الملك: اللهم اغفر لعبدك كما بات طاهراً }، فيحصل العبد إذا نام على طهارة على ثلاث خصال، أنه يبات الملك في شعاره، ودعاء الملك له بالمغفره، وأنه إذا مات مات على طهارة مع أن النوم موتة صغرى.


8- ومن ثمرات الطهارة أن الله يرفع صاحبها بها الدرجات، أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : { ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات، قالوا: بلى، قال: إسباغ الوضوء على المكاره }، فإسباغ الوضوء في البرد ولاسيما في الليل رفعة في الدرجات، ويباهي الله به الملائكة، وينظر الله إلى صاحبه.


9- ومن ثمرات الطهارة أن الوضوء في البيت ثم الخروج إلى المسجد على الطهارة يكون ممشاه نافلة حيث إن الله كفر ذنوبه بالوضوء، ويكون صاحبه زائراً لله، أخرج الإمام الطبراني - وسنده جيد - عن سلمان مرفوعاً: { من توضأ في بيته فأحسن الوضوء ثم أتى المسجد فهو زائر لله وحقاً على المزور أن يكرم الزائر }. أما قوله: وكان ممشاه نافلة، فذكره الإمام مسلم.


10- ومن ثمرات الطهارة العظيمة حب الله للمتطهرين، قال تعالى: إنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة:222]، فالطهر طهر بالماء من الحدث، وطهر بالتوبة من الشرك والمعاصي.


فانظروا رحمكم الله كم في الطهارة من ثمار، وكم تيسر للعبد من أسباب تكفير الخطايا؛ لعلّه يتطهر قبل الموت فيلقى ربه طاهراً؛ فيصلح لمجاورة ربّه في دار السلام، ولكن مع الأسف رغم هذه الفضائل إلا أننا نشاهد بعض المصلين من لا يحسن الوضوء كما ينبغي، فمنهم من ترى في وجهه بعض الأماكن لا يصلها الماء وخصوصاً طلبة المدارس كالجبهة وبجوار الأذنين، وبعضهم يغسل نصف يديه، أو ترى بعص البقع لا يصلها الماء في الكعبين إلى غير ذلك من الأخطاء والمخالفات، والحاصل أنه ينبغي للمسلم أن يتعلم صفة الوضوء الكامل ويحرص عليه.



الوضوء الكامل






1- النية قبله فيتوضأ وينوي بذلك الوضوء استحلال الصلاة لحديث { إنما الأعمال بالنيات } بخلاف لو غسل أعضاء الوضوء من أجل إزالة غبار أو وسخ، أو يتبرد به من شدة الحر فلا يعتبر وضوءًا.


2- التسمية كما ورد عنه أنه قال: { لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه }. وقد رواه تسعة من الصحابة، وقد حسّنها ابن كثير والمنذري وابن القيم وابن حجر والشوكاني؛ لأن الضعف كان من جهة الحفظ فتظافرت بمجموعها فكان درجة الحديث الحسن لغيره، لأنه لو كان الضعف من جهة كون الراوي متهمًا بالكذب فلا يعتضد بعضها ببعض.


وحكم التسمية: الصحيح من أقوال أهل العلم أنها مستحبة. وهذا قول الجمهور، وذلك لظاهر الكتاب كما في آية المائدة في صفة الوضوء فلم يأمر الله يالتسمية، وحديث الأعرابي لمّا سأل النبي عن الوضوء فقال له: { توضأ كما أمرك الله } وحُمل النفي على أنه لا وضوء كامل، والأفضل والأكمل ذكر التسمية؛ لأن من ذكر الله على وضوئه ليس كمن لم يذكر. وأما إذا كان في الحمام فيسمي بقلبه لحديث { إذا ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي }.


3- غسل يديه ثلاثاً وهذا مستحب إلا أثناء القيام من النوم فغسل اليدين قبل الوضوء واجب؛ لحديث عنه : { إذا استيقظ أحدكم من النوم فليغسل يديه ثلاثاً، فإنه لا يدري أين باتت يده }، سواء كان يصب الماء على يديه، أو كان يغرف بيده، فيلزمه غسل اليدين بعد القيام من النوم. أما إذا لم يكن نائماً فيكون الغسل مستحباً؛ لأن اليدين هي الناقل لأعضاء الوضوء فيستحب غسلها قبل إدخالها في الإناء.


4- المضمضة والاستنشاق من كفّه اليمنى بغرفة واحدة للفم والأنف ثلاث مرات، لحديث عنه : { فمضمض واستنشق ثلاثاً بثلاث } والسنة الكاملة في المضمضة إدخال الماء في الفم ثم تحريكه ثم مجه.


وحكم المضمضة والاستنشاق في أصح أقوال أهل العلم أنها سنة وليست بواجبة؛ وذلك لظاهر الكتاب كما في آية المائدة. فلم يأمر الله بالمضمضة والاستنشاق، وحديث الأعرابي لمّا سأل عن الوضوء قال: { توضأ كما أمر الله... } لكن الأفضل والأكمل فعلهما لمحافظته كما في صفة وضوئه ، وقيل في حكمة المضمضة والاستنشاق أن العبد إذا تمضمض أدرك الضرر إذا كان في الماء ضرر، كمن يتوضأ في ظلام فيدرك الضرر قبل غسل وجهه إلى غير ذلك من الحكم.


5- غسل الوجه ثلاث مرات.


6- غسل اليدين ثلاث مرات، ويجب غسل اليدين من رؤوس أطراف الأصابع إلى المرفقين، ويدخل في ذلك المرفقين لفعله ، أما الزيادة بعد ذلك، فلا تشرع لأنه لم يفعله ، أما حلية المؤمن فتحصل بالإكثار من الوضوء والمداومة عليه لا بالزيادة، فلا يشرع لأحد أن يزيد على وضوئه ، لأنه أخشى الناس وأتقاهم لله جل وعلا.


7- مسح الرأس ومنه الأذنان، ويمسح مرة واحدة من مقدمة الرأس إلى القفا، ثم العودة مرة أخرى إلى الناصية كما ورد عنه : { ثم مسح رأسه فاقبل بهما وأدبر مرة واحدة }، أما بالنسبة للمرأة فالسنة تمسح مرة واحدة إقبالاً بلا إدبار.


8- غسل الرجلين إلى الكعبين ثلاث مرات ويدخل في ذلك أيضاً الكعبين.


تنبيه: اعلم أنه يجوز للمتوضئ أن يغسل بعض الأعضاء ثلاث مرات وبعضها مرتين وبعضها مرة. فالمتوضئ مُخيّر فأعلى الكمال ثلاث مرات، وأوسطه مرتين، وأدناه مرة واحدة، ويجوز غسل بعض الأعضاء ثلاث وبعضها مرتين وبعضها مرة.


9- المحافظة على السنة القولية التي تقال بعد الانتهاء من الوضوء.


هذه هي صفة الوضوء الكامل، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

عبقور2011
02-26-2011, 03:18 PM
أنواع الشركات المساهمة ، وحكم التعامل بأسهمها

مشبب القحطاني

أما بعد أيها المسلمون : في الفترة الأخيرة طفحت على سطح المجتمع ظاهرة تداول أسهم الشركات ، هذه الظاهرة الاجتماعية الخطيرة ، سببت مشاكل متعددة سواء على المستوى الاقتصادي للإفراد أو المستوى الاجتماعي للأسر أو المستوى التربوي والديني والنفسي للمشاركين في سوق الأسهم .
وبدأنا نسمع بقصص عجيبة وغريبة أصبحت ، مثار سخرية وتندر بين الناس ، فمن ذلك على سبيل المثال جلوس بعض كبار السن أمام شاشات تداول الأسهم ، وهم شاردون عن العالم ، فبدل أن يتفرغوا للعبادة في آخر حياتهم ، نراهم مركزون على الشاشات التي أمامهم ، يتابعون بكل دقة حركة الأرقام ، سحابة السجائر فوق الرؤوس في بعض البنوك ، يؤذن المؤذن لصلاة الظهر والمغرب والعشاء وتقام الصلاة ، والقلوب معلقة بأرقام الشاشات ، والقليل من يتحرك من مكانه لأداء صلاة الله اعلم بحالها ..

بعض الموظفين تركوا أعمالهم الرسمية ، التي يأخذون عليها اجر ماديا ، وانشغلوا بمتابعة الأسهم والصناديق الاستثمارية ، بل إن من الطرائف التي تقال أن الموظفين في بعض الدوائر ارتاحوا من متابعة رؤسائهم لانشغال الرؤساء بمتابعة الأسهم . ومن القصص أن بعضهم سقط مغشيا عليه لما خسر في سوق الأسهم ، وبعضهم أصيب بجلطات دماغية ، وربما أصيب بعضهم بسكتة قلبية، وبعضهم باع منزله أو اقترض أسهما أو سيارات ، وبعضهم اقترض قروضا ربوية والعياذ بالله للمشاركة في سوق الأسهم .. قصص غريبة وعجيبة أفرزتها لنا سوق الأسهم .. أناس أعماهم الطمع عن النظر في مصالحهم الحقيقة ، نسال الله تعالى السلامة للجميع .

إخواني في الله وأمام هذه الظاهرة الخطيرة ، وحرصا على مصلحة الجميع ، فان الخطبة في هذا اليوم ستدور حول حكم تداول الأسهم بوضعها الحالي ، بعد معرفتنا عن أنواع الشركات المساهمة ، مع بعض الوصايا للمشاركين في سوق الأسهم العالمية والمحلية .

عباد الله : إن الشركات المساهمة في الأسواق العالمية والمحلية تنقسم من حيث إباحتها وحرمتها إلى ثلاثة أقسام :

القسم الأول : وهي الشركات التي تقع كل عملياتها في دائرة الحلال ، ويطلق عليها اسم (الشركات النقية ) ؛ وتتميز هذه الشركات بأن رأسَ مالها حلال، و جميعَ أنشطتها التجارية مباحة، وينص نظامُها وعقدُها التأسيسي ، على أنها تتعامل في حدود الحلال ، ولا تتعامل بالربا إقراضـاً أو اقتراضاً، ولا تتضمن امتيازاً خاصاً أو ضماناً ماليـاً لبعض دون بعض. فهذا النوع من أسهم الشركات ـ مهما كانت تجارية أو صناعية أو زراعية ـ لا خلاف في جواز إنشائها والاكتتاب بها وبيع أسهمها وشرائها. وفي هذه الخطبة لن يذكر أسماء تلك الشركات ، حتى لا يكون دعاية لها ، ثم إنها في أي لحظة يمكن تغير من سياستها المالية فنتقل الى مجموعة الشركات المحرمة أو المشبوهة .. ولكن الحريص يسال ،وسيجد من يجيبه عليها .

القسم الثاني من الشركات المساهمة : ما كان عملها محرما بالكامل أو في الأغلب ، وهذه مثل البنوك الربوية ، و الشركات التي تتاجر بالخمور أو المخدرات أو القمار. و المصارف الربوية بشتى أنواعها؛ وشركات التأمين التجاري. وشركات الإعلام الهابط، أو الإعلام المحارب للعقائد والمبادئ الإسلامية ، وغيرها مما يكون نشاطها أو كله في الأمور المحرمة شرعا. أيها الإخوة : وهذه الشركات لا خلاف في حرمة المساهمة فيها تأسيسا أو بيعا أو شراء. كما لا يجوز العمل فيها موظفا أو عضو مجلس إدارة أو نحو ذلك ً، وذلك لما فيها من الإعانة على الإثم والعدوان ، ومعصية الواحد الديان .

إخواني الكرام القسم الثالث من الشركات المساهمة : فهي ما يكون أصل نشاطها مباحاً، ولكنها تتعامل ببعض الأنشطة المحرمة . فتلك الشركات لا يغلب على استثماراتها أنها في أمور محرمة، وإنما تنتج سلعاً وخدمات مشروعة ، مثل إنتاج وبيع الحديد ، أو إنتاج وبيع الأسمدة ، أو إنتاج وبيع بعض الأغذية أو الملابس ونحو ذلك ، فاصل إنشاءها من اجل إنتاج سلع مسموح بها شرعا ، ولكن وجودها في بيئة رأسمالية ، أو وجود بعض أعضاء مجلس الإدارة الذين هم من كبار المرابين أصلا ، قد يؤدي إلى أن تمول عملياتها عن طريق الاقتراض الربوي من البنوك الربوية ، أو توظف سيولتها الفائضة توظيفاً ربوياً قصير الأجل ، وتأخذ على نسبة معينة من الربا ، وتدخله في أموال المساهمين. وهذه هي المشكلة الحقيقية .

وهذه الشركات إخواني الأعزاء انقسم طلاب العلم المعاصرين تجاهها إلى قسمين القسم الأول يقول بجواز المساهمة في هذه الشركات ، وتداول أسهمها ، وحجتهم في هذا القول ، أن هذه الأسهم تلبي حاجة عامة للأمة أفرادا ودولا ، فتنزل منزلة الضرورة الخاصة ، واشترطوا ألا تزيد نسبة الإيراد الناتج عن محرم عن 5 % ، وبعضهم أوصلها إلى 30% واتفق المجيزون على أنه يجب على المساهم في هذه الحال ، أن يتحرى مقدار ما دخل على عائدات أسهمه من الإيرادات المحرمة، من واقع القوائم المالية للشركة، فيتخلص من تلك النسبة بتوزيعها على أوجه البر، دون أن ينتفع بها أي منفعة، ولا أن يحتسبها من زكاته، ولا يعتبرها صدقة من حُرّ ماله، ولا أن يدفع بها ضريبة حكومية، ولو كانت من الضرائب الظالمة؛ لأن كل ذلك انتفاع بذلك العنصر الحرام من عائدات أسهمه .

القسم الثاني : يقولون بتحريم المساهمة وتداول أسهم تلك الشركات ، ويخالفون أصحاب القول الأول ، وحجتهم في ذلك ما يلي انه لا فرق بين قليل الربا أو كثيره ، لأنه يدخل ضمن النهي عن أكل الربا الوارد في قوله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ، فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله ..} فالإذن بالحرب من الله ورسوله على معصية الربا ، دليل على خطرها وعظم شأنها ، ولم يفصل بين القليل والكثير ، وتحديد نسبة معينة ليس عليه دليل ، ثم إن المجيزين له اختلفوا في تحديد النسبة المحرمة . ويردون على قول المجيزين ( بان على المساهم أن يقدر نسبة الحرام ويخرجه ،) إن هذا الكلام غير صحيح ، لأن قليلا من الناس من ينتبه لهذا الأمر ، ومن انتبه له قد لا يحرص على إخراجه ، ومن أخرجه فانه لا يستطيع اخرج النسبة المحرمة على بالدقة ، لان هذا يصعب معرفته . وإذا كان قصدهم أن إخراج نسبة الحرام من باب التوبة وتطهير المال من الحرام ، قياسا على من يتوب من الربا ، فهذا ليس صحيحا ، لأن من شروط التوبة الإقلاع عن الذنب ، والعزم على عدم العودة ، و الندم على ما فات ، والذي دأبه أخذ الحرام ثم إخراجه ، هذا لا يعد نادماً ولا عازماً على الإقلاع . أما قول المجيزين بان المساهمة في تلك الشركات المختلطة من باب حاجة الأمة لها ، فلا يسلم لقائله على إطلاقه ، لأن هذه الشركات المساهمة ليست هي الطريق الوحيد للكسب ، بل توجد طرق أخرى كثيرة ولله الحمد ، فهناك شركات مباحة أخرى ، ونحن في بلد مسلم ، ويمكن أن تقوم شركاتنا على أساس التعامل المباح . وكذلك فإن دعوى الحاجة يجب ألا تصادم النص الشرعي ، والنصوص الموجودة بين أيدينا تدل على تحريم الربا قليله و كثيره . ثم إن تلبية الحاجة يستلزم منه أن ترتفع الحاجة عن المساهمين والأمة ، والدخول في هذه الشركات قد لا يرفع الحاجة ، فقد تخسر الشركة وتزداد الحاجة ، أو لا تربح فتبقى الحاجة . ودعوى الحاجة قد يفتح الباب على مصراعيه ، فيدخل الناس في التعامل بالسندات وبعض المعاملات المحرمة الأخرى ، بل قد يصبح محل استغلال عند المتفقهين المسايرين للتيارات المعاصرة ، وطريق لإتباع الهوى وإرضاء للنفوس المريضة وانقياد مع نزوات النفوس وشهواتها.

أيها وفي ختام هذه الخطبة وبعد أن سمعتم أنواع الشركات المساهمة وحكم الاشتراك فيها ..فالأسلم لدين المرء ولعرضه ، أن يترك المساهمة في الشركات المحرمة أو الشركات المختلطة ، حتى لا يقع في الربا الذي يغضب الله تعالى ، والذي يؤدي في النهاية إلى فساد المجتمع ..ففي الشركات المباحة غنية عنها . وليستحضر المسلم دائما وابدأ ، تلك النصوص الواردة في تحريم الربا بجميع أشكاله ، لعلها تكون رادعا له من الدخول في متاهات الربا أعاذنا الله منه .. تلك النصوص التي جاءت في الكتاب والسنة والتي منها قوله تعالى ـ: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْـمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) ومنها قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث صحيح. ( درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم ، أشد من ستة وثلاثين زنية ) . رواه أحمد والدار قطني. ومنها قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح أيضا ( الربا ثلاثة وسبعون بابا ، أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه ، وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم ) رواه الحاكم ثم إن عاقبة المرابي الخسارة في الدنيا والآخرة ، ففي الآخرة نهايته معروفة والعياذ بالله ، وأما في الدنيا فقد وعد رسوله الله صلى الله عليه وسلم المرابي بالخسارة في أمواله في نهاية المطاف وذلك في قوله ( الربا و إن كثر ، فان عاقبته تصير إلى قل ) . لذلك فليحذر المسلم من الوقوف مع صف المحاربين لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين ، فيخسر خسارة لا يفلح بعدها أبدا ..

أيها الإخوة في الله وبعد أن استعرضنا سويا أنواع الشركات المساهمة وحكم المساهمة فيها ، فان المن المناسب أن نحذر كل الحذر من مما يعرف بـ"الصناديق الاستثمارية الشرعية" بالأسهم المحلية التي تديرها البنوك ، فالواقع أن هذه الصناديق يدخل في استثماراتها شركات من النوع الأول المحرمة والنوع الثاني المختلطة ، وهذه الشركات كما نعلم نسبة الربا نسبة الربا فيها متحققة ، وأحيانا تكون مرتفعة جدا ، فالدخول فيها ، مشاركة للمرابين في تعاملاتهم ، وليس المجال هنا للتفصيل وذكر الأسماء ، وإنما المجال هنا للتذكير والتحذير ، وعدم الاغترار بإطلاق لفظ كلمة الشرعية على بعض المعاملات ..ومن أراد الاستزادة فعليه بالرجوع إلى ما نشر في الصحف والانترنت عن تلك الصناديق والشركات ، أو الحضور للمحاضرة التي ستقام في الأسبوع القادم حول أسهم الشركات للدكتور يوسف الشبيلي في جامع الخفرة بالدمام .. والاعلان موجود عند الأبواب . اسأل الله تعالى أن يجعلني وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، كما اسأله عز وجل أن يكفينا بحلاله عن حرامه وان يغنينا بفضله عمن سواه . أقول قولي هذا واستغفر الله لي لكم من كل ذنب ، فاستغفروه جل وعلا انه هو الغفور الرحيم

الخطبة الثانية الحمد لله ، الحمد لله الذي سخر الكون للناس ليكتفوا بالحلال عن الحرام ، وأمرهم بأكل الحلال الطيب حين قال ({يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِين ) واشهد ألا اله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ، واشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله أصحابه أجمعين أما بعد أيها المسلمون : وبعد أن استعرضنا بشيء من الاختصار الشديد واقع الشركات المساهمة ، فانه ينبغي للعقلاء من امتنا أن يفكروا جديا في خطر الانخراط في سوق الأسهم ، حتى لو كان في الشركات المباحة ، فالأمر إخواني خطير ، وخطير جدا خصوصا في ظل دخولنا في منظمة التجارة العالمية . والخطر يمكن في تكدس الأموال في البنوك ، وفي أيدي عدد محدود من أصحاب الأموال ، وعدم تداولها بين الناس ، وبالتالي فان حركة الشراء والبيع ستقل وستنحصر في سوق الأسهم ، وستقف المشاريع التجارية ، وستتعطل كثير من الأعمال ، كما هو حاصل الآن ، وهذا احد أسباب تحريم الربا ، أن السيولة النقدية ، تصبح حكرا على عدد محدود من الناس .

وهذا أيضا سيؤدي إلى قلة الشركات والمؤسسات والمشاريع في البلد ، مما يزيد من نسبة البطالة في المجتمع ، و يمهد إلى سيطرة الشركات العالمية لبلدنا عند السماح لها بممارسة أعمالها داخل الحدود ، وستجد الأرض خصبة ، فلا مصانع منتجة بمعنى الكلمة ، ولا شركات منافسة ، والتالي سيخلو لها الجو لتسويق بضائعها ، ثم السيطرة على مقدرات الأمة . أيها الإخوة : إن التعامل في سوق الأسهم ، يخرج لنا أناس أنانيون ، لا يهمهم إلا كسبهم ، ولو على حساب الآخرين ، وهذا هو الحاصل ، فكسب احدهم هو خسارة الآخرين ، وهولاء لا يهمهم خدمة المجتمع بقدر ما يهمهم رفع رصيدهم في البنوك .

كما أن العمل في سوق الأسهم ، سيؤخر عجلة تقدم الأمة ، فالواقع يشهد بان بعض الآباء تركوا واجبهم انصرفوا إلى الشاشات ، والموظفين تركوا أعمالهم الرسمية وتوجهوا إلى متابعة الأسهم ، والفقراء استدانوا للمنافسة أصحاب الملايين ، وأصحاب الملايين انصرفوا عن نفع الأمة إلى رفع أرصدتهم ، وسحق صغار المستثمرين ، ورميهم في السجون والمستشفيات . وهذه هي بعض مظاهر النظام الرأسمالي البغيض ، الذي بدأ يسيطر على العالم الإسلامي فترة وجيزة .

لذا لابد من أن ننتبه لهذا الخطر ، ولابد لأصحاب الأموال من تشغيل أموالهم وتحريكها في داخل البلد ، وفتح المشاريع النافعة ، ليستفيد منها اكبر قد ممكن من الناس ، ولو اجتمع أكثر من شخص وكونوا شركة مباحة لكان أفضل ، فالزمن القادم هو زمن التكتلات واندماج الشركات ، لكي يقفوا في وجه الشركات العالمية الكبرى.

وختاما لهذه الخطبة فان هناك وصايا تقال للإخوة المستثمرين أو المتاجرين في أسهم الشركات سواء أمام الشاشات أو في البيوت ..ومن تلك الوصايا :

أولا : الحذر من أن يكون شغل الأسهم ومتابعاتها سببا في الصد عن ذكر الله وعن الصلاة ، ومخالطة الفجرة والفاسقين وحبهم والتقرب إليهم .

ثانيا إذا قررت أخي الدخول في شركات الأسهم فلتبحث عن شركات الأسهم التي خلت عن أي نوع من أنواع الحرام في أنشطتها ، وهي موجودة بحمد الله تعالى ، ولتحرص على التعاون مع إخوانك على مقاطعة الربا والمرابين ، فمن المعلوم أن الشركات تقوم على أموال المساهمين ، فإذا ابتعد المساهمون عن الدخول فيها بسبب ما فيها من الربا ، فإنها لن تلجأ إلى الربا ولو كان يسيرا لأن حاجتها للمساهمين أكبر . ثم إذا شاركت في هذه الأسهم وإن كانت مباحة فأعط كلا قدره وحظه ، لا تفرط في واجباتك ، ولا تهمل في بيتك ، ولا تترك أولادك ، فإنهم ربما كانوا ضحية انهماكك بالدنيا ، فتندم أشد الندم ، وقد تخسر المال كما تخسر الأولاد .

أخي في الله وفي نهاية يومك سل نفسك وحاسبها : أين المكاسب الأخروية ، أين التنافس على جمع الحسنات ، أين الباقيات الصالحات ، أين الأجور المضاعفة التي لا تدخلها الخسارة ولا تتطرق إلها شبهة ، هل حرصت على الحسنات ، ونافست المحسنين كما حرصت على الأسهم ومنافسة المساهمين ؟؟ اسأل نفسك أخي الحبيب واجب على أسئلتك بكل تجرد وصراحة ، واعلم أخي أننا لم نخلق لأجل الدنيا ، ولم نخلق لأجل عبادة المال إنما خلقنا لعبادة الله جل وعلا ، والمال وطلب الدنيا وسيلة وليست غاية ، والوسيلة لا تصد ولا تشغل عن الغاية ، وإنما هي طريق إليها ، فمن استعان بدنياه على آخرته فهو السعيد ومن ألهته دنياه عن آخرته فهو المحروم (( خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين )) .

وقبل هذا وبعده على الجميع أن يحذروا من فتنة المال ، فقد حذرنا منها المصطفى صلى الله عليه وسلم بقوله (، والله ما الفقر أخشى عليكم ، و لكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا ، كما بسطت على من كان قبلكم ، فتنافسوها كما تنافسوها ، فتهلككم كما أهلكتهم ) ولنحذر أيضا من أكل الحرام فقد حذر منه الحبيب صلى الله عليه وسلم بقوله ( كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به ) . أسال الله تعالى أن يلهمنا رشدنا ، وأن يقينا من شرور أنفسنا ، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ، ولا مبلغ علمنا ، ولا إلى النار مصيرنا ، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا ، واجعل الجنة هي دارنا وقرارنا . اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغني . الله إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة وكلمة الحق في الغضب والرضا ، والقصد في الفقر والغني ،انك على كل شيء قدير وبالإجابة جدير وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين ,

عبقور2011
02-26-2011, 03:21 PM
النظافة

أساليب وقائيه سبق إليها الإسلام من خلال تشريع النظافة

مقدمة:
قد يتساءل المرء عن الإسلام الذي جاء به محمد r النبي الأمي إلى البشرية كافة وإلى الأمم قاطبة قبل أكثر من أربعة عشر قرناً من الزمان حيث التخلف والتردي الحضاري والحياة البدوية التي لا تعرف إلا العيش مع الكلاب والهوام في الكهوف وشعاف الجبال حتى قال قائلهم:
فقل للحواريات(1) يبكين غيرنا ولا تبكنا إلا الكلاب النوابح
وقال آخر يتغزل في محبوبته:
أحب لحبها السودان حتى حببت لحبها سود الكلاب
كيف جاء الإسلام ليحدث أولاء البدو عن أسس النظافة وقواعدها ووسائلها وأسبابها ويحذر أشد التحذير من النجاسة والقذى فيقرن التوحيد بالطهارة الشرك بالنجاسة في أوائل ما نزل من القرآن حيث قال عز وجل ﴿وربك فكبر وثيابك فطهر﴾ المدثر. 3: 4 .
وقال عز وجل ﴿إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ التوبة.

لقد جعل الإسلام من النظافة والطهارة ركناً ركيناً وأصلاً من الشريعة والدين قال r "الطهور شطر الإيمان"(2) ومن العجب أن هذا لم يكن مألوفاً في حياة العرب ولا غيرهم أليس هذا إعجازاً دالاً على أن القرآن ليس من عند بشر بل هو من لدن حكيم حميد.
وفي هذا البحث نتناول هذا الموضوع من خلال الفصول التالية:
النظافة عند العرب وغيرهم من اليهود والنصارى والبراهمة والمجوس قبل الإسلام وأثناءه.
موقف الإسلام من النظافة.
الكشف العلمي عن ضرورة النظافة للوقاية من الأمراض. وجه الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في هذه القضية.
أولاً: النظافة عند العرب وغيرهم:
النظافة عند العرب: "كان الغالب من أهل باديتهم لا يعاف شيئاً من المأكل لقلتها عندهم ومنهم من كان يعاف العذر ويتجنب عن أكل كل ما دب ودرج"(3) وقد كانت العرب قبل الإسلام تأكل الميتة والدم ولحم الخنزير والمنخنقة(4) والموقوذة(5) والمتردية(6) وبقايا ما تأكله السباع والطيور والهوام وربما أكلو دون تذكية وذبح. ولا يعافونها. وقد ذكر الإمام ابن كثير في تفسيره "قال ابن أبي حاتم عن أبي أمامة وهو صدي بن عجلان قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قومي أدعوهم إلى الإسلام وأعرض عليهم شرائع الإسلام فأتيتهم فبينما نحن كذلك إذ جاؤا بقصعة من دم فاجتمعوا عليها يأكلونها فاقلوا هلم يا صدي فكل قال قلت ويحكم إنما أتيتكم من عند من يحرم هذا عليكم فأقبلوا عليه وما ذاك؟ فتلوث عليهم هذه الآية.. حرمت عليكم الميتة والدم.. الآية.وكان العرب الجاهليه كثيراً من مظاهر الوساخة والنجاسة مما لا يخفى على أحد حتى جاء الإسلام فهذبها وحرم بعضها وكره بعضها فلله الحمد والمنة.
النظافة عند المجوس: يعتقد المجوس وهم عباد النار أن أقرب القربات إلى ربهم أن يغتسلوا ببول البقر وألا يمسوا ماءً ولا طهوراً أبداً وكانت تأخذ طابع التعبد للإله المزعوم عندهم. يقول ابن الجوزي في كتابه تلبيس إبليس ص74 ذكر تلبيس إبليس على المجوس(7) وكانوا لا يدفنون موتاهم في الأرض تعظيماً لها ويقولون أنها نشوء الحيوانات فلا نقذرها وكانوا لا يغتسلون بالماء تعظيماً له وقولهم لأن به حياة كل شيء إلا أن يستعملوا قبله أو بعده بول البقر ونحوه ولا يبزقون فيه ولا يرون قتل الحيوانات ولا ذبحها وكانوا يغسلون وجوههم ببول البقر تبركاً به وإذا كان عتيقاً كان أكثر بركة... وإذا أرادت الحائض أن تغتسل دفعت ديناراً إلى الموبذ.. إلى أن قال ابن الجوزي رحمه الله "ومن أقوال المجوس أن الرعد إنما هو ...... العفاريت المحبوسة في الأفلاك المأسورة وأن الجبال من عظامهم والبحر من أبوالهم ودمائهم" ا.هـ قلت ولعل هذا سبب عدم استعمالهم الماء واغتسالهم به.
النظافة عند البراهمة: يقول ابن الجوزي في كتابه تلبيس إبليس(8) وهو يبين صور عباداتهم وقربهم "ومنهم من يقف في أخثاء البقر إلى ساقه ويشعل النار فيحترق"(9)
النظافة عند النصارى: والأمة النصرانية كذلك لم تعرف النظافة في كتابها المقدس "الإنجيل. العهد الجديد" الذي حرفه الأحبار والرهبان وغيروا فيه وبدلوا فقد جاء في الاصحاح السابع من انجيل مرتس "ثم سأله الفريسيون والكتبة لماذا لا يسلك تلاميذك حسب تقليد الشيوخ بل يأكلون خبزاً بأيد غير مغسوله فأجاب وقال لهم حسناً تنبأ عنكم أشعيا أنتم المرائين كما هو مكتوب. كما ورد في إنجيل مرقس الإصحاح السادس. وأوصاهم ألا يحملوا شيئاً للطريق غير عصى فقط ولا مزود أولا نحاساً في المنطقة بل يكونوا مشدودين بنعال ولا يلبسوا ثوبين.
النظافة عند اليهود: أما اليهود فهم أمة القذى والنجاسات عبر التاريخ كله وغلى يومنا هذا وإلى الأبد وكما قال عنهم r في الحديث الذي رواه الترمذي والبزار والطبراني في الأوسط وحسنه الألباني من حديث سعد بن أبي وقاص عن النبي r "نظفوا ....... ولا تشبهوا باليهود" قال في تحفة الأحوذي الغناء سامة البيت وقبالته وقيل عتبته وسدته وقوله ولا تشبهوا باليهود أي في عدم النظافة والطهارة وقلة التطيب وكثرة البخل والخسة والدثاءة" أ.هـ.
النظافة والتوراة:وردت نصوص في التوراة تدعوا إلى النظافة والطهارة حرامة لكن بعض النصوص تخالف هذا كما أن فعال وأعمال اليهود تخالف هذا فمثال النصوص التي تحث على النظافة والطهارة في التوراة "العهد القديم" إذا كان فيكم رجلاً ليس بطاهر من عارض الليل فليخرج إلى خارج المحلة. ولا يدخل داخلها وعند إقبال الليل يغتسل بالماء وعند غروب الشمس يدخل داخل المحلة(10) كما ورد في التوراة الأمر بالطهارة صراحة قبل مباشرة الأعمال التعبدية من ذلك "وكلم الرب موسى قائلاً اصنع مغتسلاً من نحاس مقعده من نحاس للغسل واجعله بين خباء المحضر والمذبح واجعل فيه ماءً فيغسل هارون وبنوه منه أيديهم وأرجلهم...الخ"(11). لكن مع هذه النصوص نجد بعض التشريعات اليهودية تحبذ النجاسات وتعتبر مزاولتها نوعاً من أنواع القرب إلى الرب فمثلاً: "الدم يحمل طابعاً قدسياً عند يهود ولذلك عد من أعمال التكفير الهامة ومن أساليب تقديم القرابين من الذبائح أن يراق دم الذبيحة فيصب قسم منه على المذبح والقسم الآخر يرش على الشعب بقصد البركه"(12) كذلك يعتقد اليهود كما في كتابهم المقدس التلمود أنه يستحسن ترك بقايا الطعام على المائدة فلا يؤكل فقد ورد ما نصه "إن الذي لا يترك شيئاً من طعامه على مائدته لا يرى الخير في حياته"
ثانياً: موقف الإسلام من النظافة: إهتم الدين الإسلامي بالنظافة إهتماماً كبيراً والأدلة على ذلك واضحة وكثيرة لعل من أبرزها أن جعل النظافة مفتاحاً وطريقاً لركن من أهم أركانه فالصلاة هذه العبادة والفريضة الجليلة لا تقبل من العبد إلا إذا تطهر لها وأزال عن جسمه وثوبه ومكانه النجاسات التي تعتبر المصدر الأول للجراثيم والسبيل المهد لأمراض والأوبئة فالوضوء شرط في صحة الصلاة وبه تتم النظافة للأعضاء التي تتعرض للغبار والأوساخ أكثر من غيراه. وطهارة الثياب مطلوبة كذلك وواجبة. كما أن طهارة المكان أمر لا بد منه فإذا توفرت هذه الشروط فالصلاة صحيحة وبتوفرها تتم النظافة وتحقيق الهدف منها والذي منه حفظ الصحة والوقاية من الأمراض ولعل نظرة خاطفة لنصوص القرآن والسنة تبين لك ذلك ومنها:
﴿يا أيها المدثر ثم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر﴾. من أوائل ما نزل.
﴿ يا بني ءادم خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾... الأعراف31
﴿ فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله﴾.
﴿ إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾. إلى عشرات الآيات الدالة على موضوعنا. أما الأحاديث فأكثر من أن تحصر ومنها : عن عائشة قالت قال r "ما على أحدكم إن وجد سعة أن يتخذ ثوبين ليوم الجمعة غير ثوبي مهنته" أخرجه أبو داود ومالك وأحمد.
وفي الصحيح "الطهور شطر الإيمان"(13)
بعض وسائل الإسلام لتحقيق النظافة والمجتمع والبيئة:
1. أمر الإسلام بنظافة الملابس وهذا جلي جداً فقد كان من أوائل ما نزل من القرآن إن لم يكن أول ما نزل كما قال تعالى: ﴿وثيابك فطهر﴾ بعد أن قال وربك فكبر فقرن التوحيد بنظافة الثوب ولا صارف للفظ عن ظاهره. وفي الحديث الصحيح عن عائشة قالت قال رسول الله r ما على أحدكم إن وجد سعة أن يتخذ ثوبين ليوم الجمعة غير ثوبي مهنته. أخرجه أبو داود ومالك واحمد. ولقد عد الإسلام الثوب نجساً بمجرد وصول شيء من النجاسة إليه كالبول والغائط وال تصح الصلاة فيه إلا أن يكون طاهراً وإلا لم تقبل صلاة وإن كانت النجاسة قليلة أو كثيرة قال أبو داود سمعت أحمد يقول في البول والغائط يصيب الثوب قال يعيد الصلاة من قليله وكثيره"(14) كما أجمع العلماء على أن الماء القليل والكثير إذا وقعت فيه نجاسة فغيرت لونه أو طعمه أو ريحه فهو نجس(15) وبالتالي فالمسلم دوماً ينزه ملابسه أن تقع عليها نجاسة ولذا في الحديث المتفق عليه إن المؤمن لا ينجس..
2. نظافة الطرقات والأماكن العامة: ففي الحديث: وتميط الأذى عن الطريق صدقه"(16)
وفي الحديث أيضاً: البزاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها" متفق عليه.
وفي الحديث أيضاً: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه"(17) ولمسلم "لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب"
3. أمر الإسلام بالاغتسال والتطهر: "شرع لنا رسول الله r أكثر من سبعة عشر غسلاً كغسل الجنابة الحيض والجمعة والعيدين وغيرها كل ذلك من شأنه أن يجعل المسلم متميزاً في نظافته ومما ورد في ذلك قوله r "حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يغسل رأسه وجسده" رواه الشيخان واللفظ لمسلم.
وأيضاً قوله r "غسل يوم الجمعة على كل محتلم وسواك ويمس من الطيب ما قدر عليه" رواه مسلم(18) دعا الإسلام إلى طهارة الفم وفي المتفق عليه "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال لقد كنا نؤمر بالسواك حتى ظننا أنه سينزل به قرآناً" دعا الإسلام إلى طهارة البدن لا سيما مواضع التعفن منه نقد علمياً رسول الله r سنن الفطره "قص الشارب وتقليم الأظافر والاستحداد والختان ونتف الإبط لنستكمل أسباب النظافة الجسدية فقد قال r" خمس من الفطرة الختان والإستحداد وقص الشارب ونتف الإبط وتقليم الأظافر" رواه الجماعة واللفظ للترمذي وأحمد.
كما يدعونا r إلى التنزه عن البول والغائط كما في المتفق عليه إنما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان لا يستبرئ من بوله وأما الآخر فكان يمشي بين الناس بالنميمة".
نظافة الجلد فقد شرع الإسلام الوضوء والاغتسال لنظافة الجلد.
إلى غير ذلك من الوسائل المختلفة يعجز القلم عن حصرها وإنما اكتفينا بالإشارة إليها وبالله التوفيق.
ثالثاً: الكشف العلمي عن ضرورة النظافة للوقاية من الأمراض: لم يكن معلوماً لدى أحد وجود الجراثيم الميكروبات حتى تمكن الإنسان من اكتشاف المجاهر والميكروسكوبات وذلك في القرن الثامن عشر. فماذا وجد الإنسان: أثبت علماء الجراثيم وجود أعداد هائلة من الجراثيم على السنتيمتر المربع من الجلد الطبيعي وفي المناطق المكشوفة يتراوح العدد بين 1-5 مليون جرثومه وفي كل سنتميتر مربع واحد(19) وتتكاثر هذه الجراثيم بصورة مستمرة وللتخلص منها لا بد من غسل الجلد باستمرار ويتم ذلك بالوضوء الذي أمرنا الله تعالى به وحثنا عليه رسولنا الكريم لأنه يتكرر يومياً عدة مرات بصورة دائمة. جلد الإنسان عليه أعداد من الجراثيم لا يمكن حصرها(20) وخير تشبيه لها ما ذكره الدكتور كقمان في كتابه الخاص بجراثيم الجلد(21) حيث شبه الجلد بما عليه من أنواع الجراثيم البكترية والفيروسية والفطرية والطفيلية التي لا يعلم عددها إلا الذي خلفها وما بينها من عداوات وحروب وما لها من أشكال ومتطلبات شبهه بالكرة الأرضية بما عليها من مخلوقات حية وما بينها من اختلافات شتى وربما يفوق عدد الجراثيم المختلفة على الجلد الطبيعي عدد سكان الأرض قاطبة وقد أثبت البروفيسور فانيدوف في دراسته أن الاستحمام الواحد يزيل من جلد الإنسان أكثر مائتي مليون جرثومة.(22)
وبما أن الجراثيم لا تقف لحظة عن التكاثر فلا بد من إزالتها بشكل دوري ومستمر لتبقى أعدادها قليلة بحيث يستطيع الجسم مجابهتها وقد شرع لنا رسول الله أكثر من سبعة عشر غسلاً.كما سبق بيانه. تمرد تستقر في الفم أعداد وأنواع كثيرة من الجراثيم تزيد على مائة نوع يتراوح عددها ما بين خمسمائة إلى خمسة ألف مليون جرثومة في المليمتر الواحد من اللعاب وهي تتغذى على بقايا الطعام بين الأسنان وعليها وينتج عن نموها وتكاثرها وأحماض وإفرازات كثيرة تؤثر على الفم ورائحته وعلى لون الأسنان وأدائها فإذا لم تتم إزالة هذه الجراثيم عدة مرات في اليوم فإنها تسبب التسوس وأمراض اللثة.(23) وقد أثبت العلم الحديث أن التسوس يحدث نتيجة عدة عوامل منها فضلات الطعام ووجود الجراثيم وتخرش سطح السن كما أثبت أن للسواك أثراً فعالاً في الحفاظ على الأسنان فإنه يزيل الجراثيم على أليافه ويقتل بعضها كيميائياً"(24) كشفت لنا البحوث الطبية الأهمية الصحية البالغة لتطبيق هذه الخصال وما يترتب على إهمالها من أضرار فترك الأظافر مجلبة للمرض حيث تتجمع تحتها ملايين الخلايا الجرثومية التي تؤدي دوراً مهماً في نقل الأمراض وقد فصل ذلك الدكتور سامان في كتابه الأظافر ودورها في نقل الأمراض عام 1978م أما ترك شعر العانة فقد أصبح مسؤولاً عن انتشار مرض تقمل العانة الذي ينتشر بشكل كبير في أوربا(25) البول عبارة عن مجموعة من المواد السامة يتخلص منها الجسم عن طريق البول وإضافة لذلك فإنه البول ملوث جرثومياً لذا فالتنزه منه أمر صحي بالغ الأهمية والعلم الحديث يقول أن الغرام الواحد من براز الإنسان فيه أكثر من مائة ألف مليون جرثومه وله دور كبير في نشر الأوبئة إن ترك هنا وهناك.(26).
رابعاً: وجه الإعجاز العلمي في القرآن والسنة من خلال تشريع النظافة:
يمكن تلخيص أوجه الإعجاز في القرآن والسنة في هذه القضية فيما يلي:
سبق الإسلام سائر الشرائع والديانات السابقة والفلاسفة والأطباء والمخترعين بهذه التشريعات الوقائية العجيبة والفريدة. "وإن من أسرار الطب الوقائي في الإسلام أنه جعل النظافة أمراً تعبدياً مما جعل فيها روحاً وديمومة لا يستطيعها أي قانون آخر"(27). "البساطة في التكليف واليسر في التنفيذ بحيث لا يستلزم كلفة مادية ولا جهداً مرهقاً يقعد الهمم"(28) "الذاتية في التنفيذ أي أن المسلم يقوم بالتطبيق تعبداً لله فهو لا يحتاج إلى مدير يراقبه فواعظ المؤمن ينبع من أعماق نفسه لذا فالمجتمع الإسلامي في غنى عن الرقابة الحكومية في تنفيذ هذه القواعد الصحية"(29) الديمومة إذ الالتزام بالأوامر الإسلامية الصحيحة ليس مرهوناً بمدة أو بسن معينة بل تبقى وتطبق ما دام الإنسان قادراً على العبادة"(30) من رزق تضلعاً في القرآن الكريم والسنة النبوية يعلم أن الإسلام لم يترك شيئاً من الطب الوقائي إلا وأشار إليه بعموميات فوضع بذلك الخطوة الأولى وترك لعقل الإنسان ومختبراته أن يبحث على هداها"(31). وهذا وجه آخر من وجوه إعجازه. أنّى لنبي أمي لا يقرأ ولا يكتب أن يعرف هذه الأسرار العجيبة وأن يحدد الوسائل المناسبة لتحقيق النظافة وإبادة الجراثيم والميكروبات ولم يكن لديه أي وسيلة علمية من المجاهر والميكروسكوبات والتي لم تكتشف إلا في القرن الثامن عشر.. ومع ذلك يسن كثيراً من السنن والشرائع لم يصل إليها العلم الحديث حتى بعد أن تمكن من اكتشاف المجاهر الإلكترونية ووجود مئات المعامل والمختبرات إلا أن يكون هذا وحي أوحاه الله إليه كما قال تعالى "وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذاً لارتاب المبطلون بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتو العلم.

(1) الحواريات النساء الشديد بياضهن.(2) رواه مسلم عن أبي مالك الأشعري.(3) بلوغ الأدب في معرفة أحوال العرب. (4) التي ماتت بالخنق.
(5) التي ماتت بالضرب. (6) التي ماتت متردية من شاهق (7) صـ74 (8) ص68 (9) الأخثاء الأبوال أنظر القاموس المحيط لليفروز أبادي.
(10) سفر التثنية الاصحاح 23 فقرة -21 (11) سفر الخروج الاصحاح 30 فقره 17- 21 أنظر من اليهديه إلى الصهيونية ص131-132.
(12) سفر الأحبار الاصحاح 17 من "اليهودية إلى الصهيونية ص137 (13) رواه مسلم عن ابي مالك الأشعري. (14) أنظر مسائل الإمام أحمد ص41 . وهذا رأي غيره أيضاً من العلماء والفقهاء. (15) أنظر نيل الأوطار 1/28 (16) متفق عليه من حديث أبي هريرة. (17) متفق عليه عن أبي هريرة. (18) انظر تأصيل الإعجاز العلمي في القرآن والسنة ص9 (19) مجلة المجتمع العدد 98 عام 1972م (20) المرجع السابق.
(21) Noble and Somerville 1974 microbiology of nymmen. Skiing.
(22) Kligman 1965 skin becteria and their role in in ections.
(23) السواك والعناية بالأسنان للمؤلف عبدالله عبدالرزاق مسعود.(24) باسم المنساوي دراسته بعنوان السواك واستنباطات صيدلية جديدة - مؤتمر الطب الإسلامي الأول- القاهرة 1987. (25) الأمراض الجنسية عقوبة إلهية 1984م د. عبدالحامد القضاه.
(26) Learll and clarle 1980 preventive mograw hill نقلت كافة هذه الأبحاث من كتاب العدوى الطب الوقائي من أبحاث هيئة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة. ص8-11. (27) أنظر العدوى والطب الوقائي من منشورات هيئة الإعجاز العلمي ص9 (28) المصدر السابق ص16 (29) المصدر السابق ص17 (30) المصدر السابق ص17 (31) المصدر السابق ص8

موقع الإيمان

عبقور2011
02-26-2011, 03:51 PM
الحــرام

هاشم محمدعلي المشهداني


ملخص الخطبة

1- معنى الحرام. 2- التحليل والتحريم من خصائص ألوهية الله وربوبيته. 3- مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب. 4- الورع عن الشبهات. 5- آثار الحرام على الفرد. 6- أنواع المحرمات. 7- أسباب الوقوع في الحرام. 8- موقف المسلم من الحرام.

الخطبة الأولى







يقول رب العزة سبحانه: قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون [الأعراف:33].

اعلم أن الله ما أحل إلا طيبا وما حرم إلا خبيثا.

سئل أعرابي لماذا أسلمت؟ قال: لم أر شيئا من قول أو فعل يستحسنه العقل وتستطيبه الفطرة إلا وحث عليه الإسلام وأمر به وأحله رب العزة سبحانه، ولم أجد شيئا يستقبحه العقل وتستقذره الفطرة إلا ونهى الله عنه وحرمه على عباده.

فما الحرام؟ وما هي آثاره؟ وما هي أنواعه؟ ولماذا الوقوع في الحرام؟ وما موقف المسلم من الحرام؟

أما الحرام لغة: فكما عرفه الإمام الرازي في كتابه مختار الصحاح فقال: الحرام هو ضد الحلال وهو ما لا يحل انتهاكه.

وأما اصطلاحا فكما عرّفه علماء الأصول، فقالوا: هو ما طلب الشارع تركه على سبيل الإلزام والجزم بحيث يتعرض من خالف أمر الترك إلى عقوبة أخروية أي في الآخرة، أو إلى عقوبة دنيوية إن كان شرع الله مطبقا في الأرض.

وينبغي أن تعلم:

أولا: أن التحليل والتحريم من حق الله عز وجل وحده فلا يحل لأحد أبدا أن يحلل أو أن يحرم، فذلك من خصائص الربوبية لله عز وجل.

دخل عدي بن حاتم وكان نصرانيا على النبي عليه الصلاة والسلام، وسمعه يقرأ قول الله تعالى: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله .

قال: يا رسول الله ما اتخذناهم أربابا، لم نسجد لهم، قال: ((ألم يحلوا لكم الحرام ويحرموا عليكم الحلال فأطعتموهم؟ قال: بلى، قال: فذلك عبادتكم إياهم))([1]).

فكل من أطعت في أمر فيه معصية لله عز و جل فقد جعلته ربا وإلها من دون الله عز وجل.

ثانيا: وينبغي أن تعلم أن السنة النبوية هي المتممة لكتاب الله عز وجل والشارحة لكتاب الله سبحانه ولا يمكن الاستغناء بالكتاب عن السنة كما يدعي من لا دين عنده، فالسنة متممة لكتاب الله عز وجل وشارحة له، وكلاهما من وحي الله عز وجل.

الكتاب: اللفظ والمعنى من الله تعالى.

والسنة: المعنى من الله واللفظ من رسول الله عليه الصلاة والسلام، وصدق الله العظيم: وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى [النجم:3-4]. بل إن في السنة من الأحكام ما لم ترد في كتاب الله عز وجل، لذا قال تعالى: وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا [الحشر:7].

ثالثا: وينبغي أن تعلم أيضا أن ما أدى إلى الحرام فهو حرام، الزنى حرام، ورب العزة يقول: ولا تقربوا الزنى [الإسراء:32]. ولم يقل: ولا تفعلوا الزنى، أي ينبغي أن تبتعد عن السبل التي تؤدي إلى الزنى، النظرة الخائنة حرام، الخلوة الآثمة حرام، الصورة العارية حرام، اللمسة الآثمة حرام، فكل ما أدى إلى الحرام فهو حرام.

رابعا: وينبغي أن تعلم أيضا أن الحلال بيّن لا لبس فيه وأن الحرام واضح لا لبس فيه، وما اشتبه عليك أمره أهو من الحلال أم من الحرام فعليك أن تتقيه خشية الوقوع في الحرام.

يقول النبي عليه الصلاة والسلام: ((الحلال بيّن، الحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات، فمن اتقى الشبهات، فقد استبرأ لدينه وعرضه؟ ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام))([2]).

لذا يقول أحد السلف: كنا ندع تسعة أعشار الحلال مخافة أن نقع في الحرام.

خامسا: وينبغي أن تعلم أيضا أن المحرم لا يجوز بيعه لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ((إن الله إذا حرّم شيئا حرم ثمنه))([3]) فلا يجوز بيع الخنزير ولا بيع الخمر ولا بيع أوراق اليانصيب فكلها حرام لا يجوز للمسلم أن يبيعه ولا يجوز إهداؤه.

جاء رجل إلى النبي وذكر للنبي عليه الصلاة والسلام أن عنده خمرا، وأنه يعلم بتحريم الله عز وجل له فقال: يا رسول الله أفلا أكارم بها اليهود (أي أهديها إلى اليهود) فاليهود يشربون الخمر، فقال عليه الصلاة السلام: ((إن الذي حرمها حرم إهداءها))([4]).

وأما ما هو أثر الحرام؟ فإن للحرام آثارا:

أن العبد لا تقبل منه طاعة لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ((وأعلم أن اللقمة الحرام إذا وقعت في جوف أحدكم لا يتقبل عمله أربعين ليلة))([5]).

ويقول النبي عليه الصلاة والسلام: ((وإذا خرج الحاج حاجا بنفقة خبيثة (أي حرام) ووضع رجله في الغرز ونادى: لبيك اللهم لبيك، ناداه مناد من السماء: لا لبيك ولا سعديك زادك حرام وراحلتك حرام وحجتك مأزور غير مبرور))([6]). وترجع بالإثم ولا أجر لك.

من أثر الحرام أيضا أن المتصدق من الحرام لا أجر له بل يأثم على صدقته لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ((من جمع ما لا ثم تصدق منه فلا أجر له وإصره عليه))([7]). إصره عليه: أي إثمه عليه.

من أثر الحرام أيضا أن آكل الحرام لا يستجاب له دعاء.

سأل سعيد بن أبي وقاص النبي عليه الصلاة والسلام فقال: يا رسول الله ادعُ الله أن أكون مستجاب الدعوة، فقال عليه الصلاة والسلام: ((يا سعد أطب مطعمك تستجب دعوتك))([8]).

ومن أثر الحرام أيضا أن العبد لا يقوى على طاعة، يقول أحد السلف: من أكل الحرام عصت جوارحه شاء أم أبى علم أم لم يعلم.

ومن أثر الحرام أيضا أن مآل هذا الجسد إلى النار.

لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ((كل لحم نبت من حرام فالنار أولى به))([9]).

ذكر أن جنيد البغدادي رحمه الله جاء يوما إلى داره فرأى جارية جاره ترضع ولده، فانتزع ولده منها، وأدخل أصبعه في فيه (أي في فمه) وجعله يتقيأ كل الذي شربه، فلما سئل، قال: جاري يأكل الربا، يأكل الحرام، وجارية جاري تعمل عنده فهي تأكل الحرام، وجارية جاري ترضع ولدي فهي ترضع ولدي الحرام، ورسول الله عليه الصلاة والسلام يقول: ((كل لحم نبت من حرام فالنار أولى به))([10]).

وأما ما هي أنواع المحرمات؟

أولا: فمن المحرمات ما يتعلق بالمطعم، قال رب العزة سبحانه: حرمت عليكم الميتة وهو: ما مات حتف أنفه، والدم وهو: الدم المسفوح ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به ما ذكر عليه اسم غير الله عز وجل ثم ذكر أنواع الميتة فقال: والمنخنفة وهي: التي تموت خنقا والموقوذة وهي: التي تموت بسبب الضرب أي تُضرب حتى تموت والمتردية وهي: التي تسقط من شاهق فتموت، والنطيحة وهي: التي تنطحها غيرها فتموت ثم استثنى فقال: إلا ما ذكيتم [المائدة:3].

يقول علي بن أبي طالب : (فما أدركته من المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وفيه حركة من رجل أو عين أو جسد، فذبحته فقد حل لك أكله. واستثنى النبي عليه الصلاة والسلام من الميتة ميتتان ومن الدم دمان، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: ((أحلت لنا ميتتان ودمان أما الميتتان فالسمك والجراد، وأما الدمان فالكبد الطحال))([11]).

من حديث النبي عليه الصلاة والسلام: ((أنه نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع)) كالقطة والكلب والأسد والنمر والسبع فكلها من ذوات الأنياب فلا يجوز أكلها ((وكل ذي مخلب من الطير))([12])، كالنسر والصقر والحدأة وما إلى ذلك فكلها محرمة في إسلامنا.

ثانيا: وأما من الأشربة فأولها الخمر وتلحق بها البيرة أيضا لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ((ما أسكر كثيره فقليله حرام))([13])، ولعن النبي عليه الصلاة والسلام، كل من له صلة بالخمر لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ((لعن الله الخمر وشاربها وساقيها ومبتاعها وحاملها والمحمولة إليه وآكل ثمنها))([14]). فكل من له صلة بالخمر ملعون عن لسان النبي عليه الصلاة والسلام، ومن المشروبات أيضا المخدرات كالحبوب والحشيش والأفيون والكوكايين والهيروين.

ابن تيميه رحمه الله تعالى يقول: هذه الحشيشة يتناولها الفجار لطلب النشوة والطرب وفيها ذهول عن الواقع وخدر في الجسد وإتلاف للمال والبدن وعقوبتها عقوبة شارب الخمر (عقوبة شارب الخمر في إسلامنا أربعون جلدة).

ابن تيميه رحمه الله تعالى يذكر أن كل ما يخامر العقل فعقوبته عقوبة شارب الخمر، لأن عمر بن الخطاب وقف على منبر رسول الله عليه الصلاة والسلام، فعرف الخمرة فقال: هو كل ما خامر العقل هو كل ما أذهل العقل عن الواقع.

ثالثا: ومن المحرمات أيضا ما يتعلق بالملبس والزينة، رفع النبي عليه الصلاة والسلام الذهب والحرير وقال: ((هذان حرام على ذكور أمتي حل لإناثها))([15]). واستثنى النبي عليه الصلاة والسلام ما كان تحكمه الضرورة.

فقد أذن الرسول عليه الصلاة والسلام للزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف أن يلبسا الحرير لحكة أصابتهما وأذن لصحابي أن يتخذ أنفا من ذهب لأنه قد ذهب أنفه في إحدى المعارك.

رابعا: من الزينة المحرمة على النساء:

((لعن النبي عليه الصلاة والسلام الواشمة (والوشم معروف وهو غرز الإبرة في الجسد أو البدن أو اليد أو الوجه ووضع الكحل في مكانه) والمستوشمة (وهي التي تطلب ذلك) والواشرة (وهي التي تقصر أسنانها وتحد فيما بينها حتى تبدوا صغيرة السن، والمستوشرة (وهي التي تطلب ذلك)، والنامصة (وهي التي ترقق حاجبها) والمتنمصة (وهي التي تطلب ذلك) )).

واستثنى العلماء إزالة الشعر الذي يكون في الوجه أو اليدين أو الرجلين لأن النص قيد الأمر في الحاجب فقط، والواصلة (وهي التي تصل شعرها بشعر غيرها سواء كان شعرا حقيقيا أو مستعارا كباروكة) والمستوصلة وهي التي تطلب ذلك))([16]).

ومن الحرام على النساء هو أن تتعطر لغير زوجها، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ((أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم فوجدوا ريحها فهي زانية))([17]).

خامسا: ومن المحرم أيضا فما يتعلق بالكسب:

الرشوة حرام لعن النبي عليه الصلاة والسلام: ((الراشي والمرتشي والرائش))، وهو الوسيط بين آخذ الرشوة ومعطيها، والمال المأخوذ مقابل إخراج الإقامة حرام.

وأفتت لجنة الأوقاف بأن ما يأخذ من مال على عمل إقامة حرام لأنها من العقود التعاونية فلا ينبغي أخذ المال عليها.

وخلو الرجل حرام، أو القفلية، والقفلية ما يدفعه المستأجر الجديد للمستأجر القديم لقاء إخلاء العين حرام وهذا مما استحدثناه من المعاملات المحرمة في واقعنا.

وأخيرا من المحرم ما يتعلق بمجال الغريزة، والمتعة حرام. سئل الإمام جعفر الصادق، ، عن المتعة، فقال: هي الزنا بعينه، لأنه لا طلاق فيها ولا عدة ولا ميراث ولا نسب، فهي الزنا بعينه، ولقول النبي عليه الصلاة والسلام: ((والله أعلمن أن رجلا تمتع وهو محصن إلا رجمته))([18]).

التبني حرام، وإذا كان بقصد الرعاية والاهتمام فالأجر عظيم: ((أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة))([19]). أما أن تلحق نسبه بنسبك فقد لعن النبي عليه الصلاة والسلام، من نسب إلى غير والديه.

وأما لماذا الوقوع في الحرام؟ فإن لذلك أسباب منها:

أولا: هو أن يفتقد العبد الحياء من الله تعالى بضعف إيمانه، وبضعف يقينه وبوجود النار يقول النبي عليه الصلاة والسلام: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمرة حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن))([20]).

ثانيا: من أسباب الوقوع في الحرام: التقليد، والتقليد داء يصيب الأفراد كما يصيب الأمم، قول النبي عليه الصلاة والسلام: ((لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو كان فيهم من أتى أمه لكان في أمتي من يفعل ذلك))([21]).

ثالثا: من أسباب الوقوع في الحرام هو الرغبة في الربح العاجل فلقد أصبحت أعراض الأمة وأخلاقها ودينها في مهب ريح التجار، والمجال فيها فسيح من أراد أن يتاجر بالحبوب أو الخمرة أو المخدرات فليفعل، بالأسلوب المشروع أو غير المشروع رغم الأنوف تدخل، وهذا مشاهد واضح موجود.

رابعا: من أسباب الوقوع في الحرام أيضا هو انعدام الرقابة في الأسرة.

وحادثة جرت في بلد مجاور لها الأثر العظيم على أهلها:

بيت من بيوت المترفين وفي بيوت المترفين لابد من كمال الترف أن يكون لكل غرفة تلفاز ولكل غرفة جهاز فيديو ويأتي الولد بشريط جنسي ويجلس في غرفته يشاهده، تطرق الباب عليه أخته فلا يمانع من دخولها فتدخل فيجلسان يشاهدان الفيلم الجنسي وتحضر الشياطين ويتبادلان النظرات ثم لابد من التطبيق فيقع على أخته فيزني بها ثم تحمل منه وإتماما للجريمة وبعد أن ولدت يتبنى الوالد بنت بنته، حرام في حرام ثم يفضح الأمر بعد ذلك.

انعدام الرقابة في الأسرة فالوالد مشغول ولابد من رفع الرصيد والأم مشغولة ولابد من تحضير لزيارة فلانة وعلانة وأن تحضر المجالس النسائية الفارغة، وأما تربية الولد فهي موكولة إلى البوذية أو النصرانية.

وأما ما هو موقف المسلم من الحرام ؟

أولا: فعلى الأمة أن تتربى وتربي على مخافة الله عز وجل: ألم يعلم بأن الله يرى [العلق:14]. ذكر أن عمر بن الخطاب مر على غلام يرعى غنمه قال: يا غلام بعني واحدة، فقال الغلام: هي ليست ملكي إنما هي لسيدي وأنا الوكيل عنها فقال له عمر بن الخطاب مختبرا: يا غلام بعني واحدة وخذ ثمنها وقل لسيدك الذئب أكلها. (يرسم له طريق الحرام مختبرا له) فقال الغلام: فأين الله (أين أكون من الله إن قلت هذا)؟ ويهتز عمر بن الخطاب للكلمة ويشتري العبد من سيده ويعتقه ويقول له: هذه كلمة أعتقتك في الدنيا أسأل الله تعالى أن يعتق بها رقبتك يوم القيامة.

ثانيا: ثم ينبغي أن تعلم أن الله تعالى قد جعل في الحلال ما يغني عن الحرام، النكاح بدل الزنى، التجارة بدل الربا، المشروبات اللذيذة التي لها الفائدة للبدن والروح بدل الخمرة.

ثالثا: ولابد أن تعلم أيضا كيف يكون حال صاحب المعصية يوم القيامة المتمتع بالحرام يقول النبي عليه الصلاة والسلام: ((يؤتي بأنعم أهل الدنيا من أهل النار (أمضى حياته في حرام) فيُغمس غمسة في النار فيقال له: هل رأيت خيرا قط؟ هل مر بك خير قط؟ فيقول: لا والله ما رأيت خيرا قط ولا مر بي خير قط))([22]).

ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة [الروم:55].

ثم اعلم أن الحرام تذهب لذته ولكن تبقى تبعاته ويبقى سواد الوجه عند الله يوم القيامة، وهذا أبو نواس عندما أمضى شطرا من حياته في ضياع ثم تاب وهو يقول:

ولقد نهزت مع الغوات بدلوهم وأسمت سرح اللهو حيث أساموا

وبلغت ما بلغ امرئ بشبـابه فـإذا عصـارة كـل ذا آثـام

([1])مختصر ابن كثير مجلد 2 ص 137.

([2])رواه البخاري ومسلم.

([3])رواه أحمد وأبو داود.

([4])رواه الحميدي في مسنده.

([5])رواه الطبراني.

([6])رواه الطبراني والاصبهاني.

([7])رواه ابن خزيمة وابن حبان.

([8])رواه الطبراني.

([9])رواه الترمذي.

([10])رواه الترمذي.

([11])رواه أحمد.

([12])رواه الشيخان.

([13])رواه أحمد.

([14])رواه أبو داود والترمذي.

([15])رواه أحمد وابن ماجة.

([16])رواه مسلم.

([17])رواه حاكم.

([18])ابن ماجة بإسناد صحيح.

([19])البخاري.

([20])رواه البخاري ومسلم.

([21])أحمد وأبو داود.

([22])رواه مسلم.

عبقور2011
02-26-2011, 03:54 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

( من أين نبدأ ؟)
نحو منهج عملى في طلب العلوم الشرعية


قد آذن الركب بالرحيل ومازلت أراك حائرًا ، تتعثر خطاك ، تقول : كيف السبيل ؟ كيف أطلب العلم ؟ من أين أبدأ ؟
وإنْ كان مضى طرفٌ من ذلك عارضًا فيما مرَّ فذا أوان بيانه ، فامضِ بإذن الله موفقًا ، والله أسأل أن يرزقنا الصدق والإخلاص في القول والعمل ، وأنْ يكتب لنا الصواب ، ويجنبنا الزلل إنَّه ولي ذلك والقادر عليه .
أيها المتفقه ..
لابد لك من منهجين يمضيان معًا ، لا ينفك أحدهما عن الآخر ، منهج في تلقي العلوم الشرعية ، ومنهج في التربية ، فأنت تعلم أنَّ أصول المنهج ثلاثة : التوحيد والاتباع والتزكية .
قال الله تعالى : " رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ " [ البقرة/129 ]
وقوله تعالى : " لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِين " [آل عمران/164]
وقال جل وعلا : " هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ " [ الجمعة/2 ]
فرسالة الأنبياء وورثتهم من بعدهم تتناول تلك الجوانب الثلاثة ، فلابد من علم وعمل ودعوة ، لابد من تزكية للنفوس وشحذ للعقول ، والمنهج الذي لا يراعي هذه الجوانب الثلاثة منهج يجانب الصواب.

المنهج في طلب العلوم الشرعية

أيها المتفقه ..
كثير من طلبة العلم يخبط خبط عشواء بسبب افتقاده للمنهجية في التعلم ، فهو لا يعرف ماذا يدرس ؟ بماذا يبدأ ؟ ما هي الكتب التي عليه أن يقتنيها ؟
والأمر سهل ميسور ـ بإذن الله تعالى ـ فإنَّ سلفنا الصالح قد قيدوا في ترتيب العلوم مصنفات لبيان هذه المسالة .
ولابد أن تعرف قواعد السير حتى لا يتعثر جوادك :
أولا : العلم كثير ، والعمر قصير ، فلا تشتغل بمفضول عن فاضل ، ولا تتعدَّ .
ثانيًا : خذ من كل علم بطرفه بادئ الأمر ثمَّ ترقَّ في الدرجات .
ثالثًا : علومنا كلٌ واحد فلا تركن لجانب دون الآخر .
رابعًا : علومنا منها علوم وسائل ، ومنها علوم ثمرات ، فابدأ بالبذر ، واصبر في زمان السقي ، وارتقب حصول الثمرة لتحصدها .
خامسًا : لابد من المنهجية والمرحلية ، فلكل علم ثلاث مراتب : اقتصار ، واقتصاد ، واستقصاء .
فهن ثلاث : للمبتدئ ، والمتوسط ، والمنتهي .
ولا يجوز بحال أنْ تأخذ ما جُعل لمن هو أرقى منك درجة ، وإلا بنيت من غير أسس صحيحة ، وتلك آفة التَّسرع والعجلة ، فلا تعجلْ .
سادسًا : قدِّم فروض الأعيان على فروض الكفايات على المندوبات ، وإياك ومكروه ناهيك عن حرام [1].
سابعًا : لابد من متابعٍ دليل يأخذ بيدك ، يبصِّرك بمفاتيح العلوم ، ومداخل الكتب ، لتنأى عن شبهة " تصحيف " أو " تحريف " ، ولابد أنْ يكون دليلك سلفي المنهج لتتربى بعيدًا عن التأويلات الباطلة والآراء الشاذة المنكرة .
ثامنًا : لكل علم وفن مصطلحاته ، ولا مشاحة في الاصطلاح ، فاحرص على اقتناء معاجم المصطلحات ، واجعل لكل علم دفترًا عندك ، ودوِّن فيه كل مصطلح جديد .
تاسعًا : لا يمر بك يوم دون تحصيل ، فوقتك رأس مالك ، والعلماء أبخل النَّاس بزمانهم
الوقت أنفس ما عنيت بحفظه وأراه أسهل ما عليك يضيع
عاشرًا : الكتاب خير جليس ، وأفضل أنيس ، فلا تقرا قراءة الغافل ، بل حادثه وحاوره ، لا تكن كالإسفنجة تتشرب كل شيء ، بل كن كالقارورة المصمتة ، تبصر من وراء حجاب .

الجدول العلمي في كل فن

تبيهات :
1) ما يذكر من الكتب ليس ملزمًا فقد يكون هناك كتابًا آخر على نفس المستوى والشاكلة ، فاستنصح من خبير بالفن ليدلك .
2) عليك باقتناء الطبعات المحققة لاسيما لأئمة المحققين كالشيخ / أحمد شاكر ، والشيخ / الألباني ، والشيخ/ محمود شاكر ـ رحمهما الله ـ والأستاذ / عبد السلام هارون ، ومحمد أبو الفضل إبراهيم وغيرهم فاستبصر .

أولاً : القرآن الكريم .
• حفظه .
قال أهل العلم : أول العلم حفظ القرآن . فلابد أن يبدأ طالب العلم بحفظ القرآن الكريم كاملاً ، نعم حفظ القرآن فرض كفاية على الجملة ، لكنَّا نقول بتعينه على طلبة العلم الملتزمين في عصرنا ، فإذا تقاعس هؤلاء فمن يسد الثغرة ويكفَّ عن الأمة ؟
1) ومن أقرب الوسائل لذلك إدمان التلاوة ، واستغلال الأوقات المباركة كالسحر والبكور ، والتزام طبعة واحدة من المصحف لترتسم في مخيلتك صورة تتابع الآيات في الصفحة ، ودوام المراجعة في أداء نوافل الصلاة والقيام والسير في الطرقات ، وغض البصر فإنَّه من أكثر المعينات لحفظ العلوم كافة .
2) تأدب بآداب حفظ القرآن ، واقتنِ في ذلك ، " التبيان في آداب حملة القرآن " للإمام النووي ـ رحمه الله ـ
3) استثمر سني الحفظ الذهبية ( حتى الثالثة والعشرين من عمرك ) ، ومن فاتته فلا ييأس ، فالموفق من وفقه الله تعالى ، واستعن بالله ولا تعجز

تنبيه
من الكتب النافعة في مسألة حفظ القرآن .
القواعد الذهبية في حفظ القرآن الكريم للشيخ /عبد الرحمن عبد الخالق .
عون الرحمن في حفظ القرآن للشيخ / أبو ذر القلموني .
• أحكام التلاوة والتجويد .
لابد من المشافهة في تعلم هذا العلم .
اتقن قراءة من القراءات كحفص عن عاصم ،
ابدأ : بمتن تحفة الأطفال فاحفظها
ومن شروحه :
فتح الأقفال شرح متن تحفة الأطفال للناظم سليمان الجمزوري [2].
بغية الكمال شرح تحفة الأطفال الشيخ / أسامة عبد الوهاب .
ثنِّ : بحفظ متن الجزرية .
ومن شروحه
" فتح المريد في علم التجويد " عبد الحميد يوسف منصور .
وانتهِ : بهداية القاري إلى تجويد كلام الباري للشيخ عبد الفتاح السيد عجمي المرصفي
• علوم القرآن
ابدأ بـ : لمحات في علوم القرآن . محمد الصباغ .
مباحث في علوم القرآن صبحي الصالح أو مناع القطان .
ثنَّ بـ : التبيان لبعض المباحث المتعلقة بالقرآن طاهر الجزائري .
ثمَّ : الإتقان في علوم القرآن السيوطي .
وانته بـ : البرهان في علو القرآن الزركشي .
• أصول التفسير
ابدأ بـ : رسالة في أصول التفسير لشيخ الإسلام ابن تيمية .
ثنِ بـ : بحوث في أصول التفسير محمد الصباغ .
وأخيرًا : قواعد التفسير جمعًا ودراسة خالد بن عثمان السبت فإنَّه جيد في هذا الباب .
• كتب التفسير
من الكتب التي أرخت تأريخًا طيبًا لحركة التفسير " كتاب التفسير والمفسرون " للشيخ / محمد حسين الذهبي ، وهو كتاب جيد على الحقيقة .
أما كتب التفسير ذاتها
فابدأ بـ : تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان عبد الرحمن السعدي ثمَّ : تيسير العلي القدير مختصر تفسير ابن كثير نسيب الرفاعي
أو عمدة التفسير (لكنه لم يكتمل ) أحمد شاكر
ثنِ بـ : محاسن التأويل القاسمي
انتهِ : جامع البيان لابن جرير الطبري

ثانيًا : علوم السنة
1) لا تشتغل بالحديث قبل حفظ القرآن وأخذ نصيبك منه .
2) لا تعمد إلى الاشتغال بفروع تخصصية قد سدَّها غيرك ، فتشتغل بمفضول عن فاضل .
3) الحديث بحر لا ساحل له فالنَّهل من السنة تفنى الأعمار دون الإتيان على آخره .
4) لابد أن تكون لك حصيلة ضخمة من الأحاديث النبوية تتكاثر مع الوقت ، فالسنة لواؤك ، وبها يقوم منهجك .
دواوين السنة
ابدأ بـ : الأربعين النووية فاحفظها
واستأنس بشرحها المبارك " جامع العلوم والحكم " لابن رجب الحنبلي وقد زاد عليها .
ثمَّ : عليك بـ " رياض الصالحين " فإنَّه كتاب مبارك ، كتاب منهج ، سلفي محض .
واستأنس بشرحه " نزهة المتقين شرح رياض الصالحين " في مجلدين لمجموعة من العلماء ، ولشيخنا ابن عثيمين شرح حديث عليه فاقتنه .
ثمَّ : " الترغيب والترهيب " للمنذري ، وقد خرج تحقيق الشيخ الألباني لجزء منه .
ثمَّ : عليك بالكتب الستة :
قال بعض شيوخنا : لا يجاوز طال العلم الخامسة والعشرين إلا وقد أتى على الكتب الستة قراءة وفهمًا ، فعليك بـ :
صحيح البخاري مع شرحه الماتع " فتح الباري " .
صحيح مسلم مع شرح الإمام النووي له .
جامع الترمذي وشرحه " تحفة الأحوذي " للمباركفوري .
سنن أبي داود وشرحه " عون المعبود " لشمس الدين آبادي .
سنن النسائي وشرح السيوطي عليه .
وسنن ابن ماجه وشرح السيوطب عليه أيضًا .
واستأنس في السنن الأربعة بجهود العلامة الألباني ـ رحمه الله ـ في تصحيحها وتضعيفها .
ثمَّ تنتهي بمرحلة " المعاجم والمسانيد والمصنفات " كمعاجم الطبراني الثلاثة ، ومسند الإمام أحمد ، ومسند البزار ، ومسند أبي يعلى ، ومصنف عبد الرزاق ومصنف ابن أبي شيبة .
ولا يفوتك " الجامع الصغير وزياداته " للسيوطي ، مع تحقيق الشيخ الألباني في " صحيح الجامع الصغير " و " ضعيف الجامع " فإنَّه كتاب لا يخلو منه بيت داعية ولا طالب علم فضلاً عن عالم ، ويمتاز بسهولة وقصر أحاديثه فيمكنك حفظ طائفة هائلة من " صحيح الجامع " تكوِّن حصيلة جيدة لك .
والكتاب مرتب على حروف الهجاء ، وقد رتبه الأخ / عوني نعيم الشريف على الموضوعات ، وخرج في أربعة مجلدات باسم " ترتيب احاديث الجامع الصغير وزياداته " .
• مصطلح الحديث
ابدأ بـ : تيسير مصطلح الحديث محمود الطحان .
واحفظ : البيقونية ، واقتنِ شرح الشيخ ابن عثيمين عليها .
ثمَّ : نخبة الفكر وشرحها نزهة النظر لابن حجر العسقلاني .
ثمَّ : الباعث الحثيث لابن كثير ، أو قواعد التحديث للقاسمي .
ثمَّ : متن التقريب للإمام النووي ، وشرحه الجامع " تدريب الراوي " للسيوطي .
وأخيرًا : ألفية العراقي . وشرحه " فتح المغيث " للسخاوي .
وإن شئت ألفية السيوطي فلا بأس .
وفي علوم الحديث بشكل عام اقتنِ " مباحث في علوم الحديث " للشيخ/ مناع القطان .

تنبيه
لا بأس أن تتدرب على تخريج الأحاديث بالطريقة المثلى ، بتتبع الطرق والحكم على الأسانيد ، فقط على سبيل الدربة ، ففيها فوائد عظيمة تمكنك من الاحتكاك بكتب السنة ومعرفة مناهجها .
ولا شك أنَّك ستحتاج في بحثك عن معرفة أصول هذا الفن ، فاقتنِ :
أصول التخريج محمود الطحان .
التأصيل بكر أبو زيد ( خرج منه مجلد واحد فقط ) .

ثالثًا : علم التوحيد أو العقيدة .
ابدأ بـ : وأرشح لك ـ أيها المتفقه ـ بعض الكتب التي تدلك على العقيدة الصحيحة السلفية " عقيدة أهل السنة والجماعة."
ابدأ بـ : 200 سؤال وجواب في العقيدة .
ثمَّ : رسالة " العقيدة الصحيحة " للشيخ ابن باز ـ رحمه الله ـ
ثم َّ : شرح العقيدة الواسطية لخليل هراس .
وللشيخ ابن عثيمين مجموعة في (33 شريطًا ) في شرح الوسطية فاقتنه مع الكتاب .
ثمَّ : احفظ " كتاب التوحيد " لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ، وشروحه كـ " فتح المجيد " ، " وتيسير العزيز الحميد "
ثمَّ : معارج القبول للحافظ أحمد حكمي .
ثمَّ : شرح العقيدة الطحاوية. لأبى العز الحنفي.

إلى أن تنتهي بكتب سلفنا الرائعة مثل :
السنة . لابن أبي عاصم .
الإبانة . لابن بطة .
شرح أصول أهل السنة والجماعة للالكائي.
وفي بعض المباحث المهمة :
في الولاء والبراء : اقتضاء الصراط المستقيم لشيخ الإسلام ابن تيمية .
في الاسماء والصفات القواعد المثلى في الاسماء الحسنى للشيخ ابن عثيمين .
العذر بالجهل للشيخ / أحمد فريد .
القضاء والقدر شفاء العليل لابن قيم الجوزية .
مسألة العلو اجتماع الجيوش الإسلامية لابن قيم الجوزية ، وكتاب " العلو للعلى الغفار " للحافظ الذهبي ، مع مختصره للشيخ الألباني .
وبالجملة ليكن لك من كتب ورسائل شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وأئمتنا منهلاً عذبًا ليصفو اعتقادك وفق عقيدة السلف الصالح .

رابعًا : الفقه .
تقدم معك رأينا في مسألة تعلم الفقه ، ولذلك فالاختيار أن يبدأ بمتن من المتون الفقهية على مذهب من المذاهب الأربعة المعتبرة
فابدأ بـ :
ففي الفقه الحنفي : " مختصر القدوري " المسمى بـ " الكتاب " مع شرحه " اللباب في شرح الكتاب " للشيخ عبد الغني الغنيمي الميداني .
ثمَّ " بداية المبتدي " وشرحه " الهداية شرح بداية المبتدي " للمرغيناني ، وشرحها " العناية " للبابرتي .
ثمَّ " بدائع الصنائع " للكاساني .
وينتهي بموسوعة الفقه الحنفي " المبسوط " للسرخسي ، و" حاشية ابن عابدين " المسماه بـ " حاشية رد المحتار على الدر المختار "
وفي الفقه الشافعي : " متن أبي شجاع " أو يحفظ " متن المهذب " للشيرازي .
ثم عليه ب " الروضة " ، و " منهاج الطالبين" للإمام النووى –رحمه الله- .
فأما " الروضة" ، فهو مختصرُ من كتاب " فتح العزيز شرح الوجيز" للرافعىِّ .
وأمَّا " المنهاج " ، فإنه من الكتب المعتمدة عند المتأخرين من فقهاء الشافعية وهو مختصر لكتاب " المحرر " للرافعى كذلك .
ثم عليه ب " المجموع شرح المهذب " للإمام النووى أيضاً وهو أصلُ عظيمُ فى المذهب كله.
قال النووى –رحمه الله- : .............
وفي الفقه المالكي : " رسالة ابن أبي زيد القيرواني " المسماه بـ ( باكورة السعد ) أو ( مختصر خليل ) .
ثم عليه ب :
" مواهب الجليل شرح مختصر الخليل " للحطَّاب، وهو من أشهر شروح "مختصر الخليل" .
ثم عليه ب :
" الشرح الكبير على مختصر الخليل " لأحمد بن محمد بن محمد بن احمد العدوى المالكى الشهير بالدردير ( ت 1201 ه ) ، وهو من الشروح المعتمدة فى المذهب.
ثم " حاشية الدسوقى على الشرح الكبير" لابن عرفة الدسوقى ( ت 1230 ه ) .
ومن الكتب الحديثة :
" مواهب الجليل من أدلة الخليل " للشيخ أحمد بن أحمد المختار الشنقيطى –وهو ابن عام صاحب " أضواء البيان" ، وطبعته إدارة إحياء التراث الإسلامى بقطر .
وفي الفقه الحنبلي : متن " عمدة الأحكام " لابن قدامة المقدسي ، وشرحه " العدة "
ثمَّ " المقنع " لابن قدامة وشرحه " الروض المربع " .
ثمَّ " الكافي " لابن قدامة أيضًا .
وينتهي بـ " المغني " لابن قدامة ، الذي يعد مرجعًا مهم في الفقه المقارن ، وأنت ترى أنَّه في آخر الطريق ، وللأسف الشديد يبدأ به الكثيرون .

لا بأس في مرحلة متقدمة من الاستئناس بـ
" فقه السنة " للشيخ / سيد سابق ، مع تعليقات الشيخ / الألباني في " تمام المنة "
" سبل السلام " للصنعاني .
وعلى طالب الفقه المتقدم متابعة المجلات الفقهية المتخصصة ، وإصدارات المجامع الفقهية العالمية ، كالمجمع الفقهي بمكة ، وفتاوى اللجنة الدائمة بالمملكة العربية السعودية ، وفتاوى دار الإفتاء المصرية ، والقراءة في الأبحاث العصرية للاطلاع على رأي فقهاء العصر فيما يجد .

خامسًا : أصول الفقه .
1) لا يتعلم الأصول إلا بعد الانتهاء من المرحلة الأولى في الفقه ليتصور طالب العلم الفروع الفقهية في البداية ، ثمَّ يتعلم كيفية تأصيل الأصول ، وتخريج الفروع من الأصول .
2) قد يحتاج طالب العلم إلى دراسة منطقية أو كلامية ليحسن التعامل مع كتب الأصول التي استقت من المنطق والكلام ، فلا ينبغي أن يتعدى طالب العلم ذلك بمعنى ألا يستفيض في دراسة هذه العلوم التي كرهها سلفنا وحذروا منها كما تدري ، وبحمد الله ثمَّ جهود مباركة في تخليص علم أصول الفقه من الكلاميات ، والتركيز على جانب الثمثيل من النصوص الشرعية .
كيف تطلب علم الأصول ؟
ابدأ بـ : " أصول الفقه " لعبد الوهاب خلاف أو لأبي زهرة ، أو لأحمد إبراهيم ، ثمَّ للخضري .
ثمَّ : " أصول الفقه " لأبي النور زهير .
ثمَّ : " معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة " لمحمد حسين الجيزاني .
والحنفي المذهب :
عليه بحاشية " التلويح على التوضيح " للتفتازاني .
" والتقرير والتحبير " للكمال بن الهمام .
ومن عداه عليه بـ : " نهاية السول " للإسنوي الشافعي ، " وجمع الجوامع " لتاج الدين السبكي .
وتنتهي عند أفضل ما ألِّف في الأصول ومقاصد الشريعة " كتاب الموافقات " للإمام الشاطبي .
وفي قضية مقاصد الشريعة لا بأس بكتاب " مقاصد الشريعة " للطاهر بن عاشور أو لعلال الفاسي.
ومن هذا الباب كتاب " مقاصد المكلفين " للدكتور/ عمر الأشقر .
وهو بحثُ مفيدُ ماتعُ عليك به، ولو أن تسطره بيدك لكان أولى.

سادسًا : علوم اللغة .
1) علوم اللغة متشعبة ، والمجتهد في اللغة مجتهد في الشرع كما قال الشاطبي .
2) إنَّما سقمت الأفهام يوم صرنا أعاجم فلا تقل : علوم لغة ، وعلوم شرع ، فعلوم اللغة جزء خطير من علوم الشريعة ، فعليها مدار ضبط الأفهام فتنبه .
في علم النحو :
ابدأ بـ : " الأجرومية " فاحفظها ، واستأنس بشرح " التحفة السنية " عليها للشيخ / محمد محيي الدين عبد الحميد .
ثمَّ : " قطر الندى " لابن هشام .
ثمَّ : " شذور الذهب " له أيضًا .
وفي المرحلة الثانية
ابدأ بـ : حفظ الألفية وتدرج مع شروحها .
شرح ابن عقيل ، ثمَ شرح الأشموني ، ثمَّ حاشية الصبان
وفي المرحلة الثالثة
عليك بـ " مغني اللبيب " لابن هشام ، و " المفصل " لابن يعيش ، وأخيرًا " الكتاب " لسيبويه .
في علم الصرف
ابدأ بـ " شذا العرف في علم الصرف "
ثمَّ " لامية الأفعال " ، وكثير ممَّا مرَّ ذكره من الكتب النحوية تحوي مباحث علم الصرف المختلفة .
في علم البلاغة
ابدأ بـ " البلاغة الواضحة " لعلي الجارم
ثمَّ " مقدمة تفسير ابن النقيب " تحقيق د/ زكريا سعيد علي .
ثمَّ " أسرار البلاغة " و " دلائل الإعجاز " كلاهما لعبد القاهر الجرجاني بتحقيق الشيخ /محمود محمد شاكر .
في غريب الكتاب والسنة .
المفردات في غريب القرآن الراغب الأصفهاني .
النهاية في غريب الأثر لابن الأثير
في المعاجم
اقتنِ " مختار الصحاح " لا يفارقك جيبك .
ثمَّ ابدأ في التعامل مع المعاجم المختلفة بأنواعها :
كالوسيط والوجيز ، ولسان العرب لابن منظور ، والبحر المحيط للفيروز آبادي .
في الأدب
ابدأ بـ " حفظ المعلقات السبع " لتكوِّن حصيلة لغوية جيدة .
اقرأ في " خزانة الأدب " للبغدادي ، " صبح الأعشى " للقلقشندي ، ودواوين أبي الطيب المتنبي وأبي تمام والبحتري وأبي العتاهية وغيرهم من الشعراء ، تجنب الرديء المخالف ، والتمس من أشعار الحكمة ما ينفعك .

أيها المتفقه ..
قد آذن الركب بالرحيل ، وقد بلغت جهدي في نصحك ، فهلا شمرت عن ساعد الجد ،عساك أبصرت السبيل ، وقد بقى اليسير من العمل ، كي نبلغ فيك الأمل ، فبالله لا تركن فأمتك مقهورة ، والأيدي مقطوعة ، والآمال عليك معقودة.
أسأل الله تعالى أن يعلمنا ما ينفعنا ، وأن ينفعنا بما يعلمنا ، وأن يزيدنا علمًا .

------------------
[1] ممَّا يحرم تعلمه السحر والموسيقى ، وكذلك الفلسفة في قطر لم تفشُ فيه ، فإنْ فشت تعلمها المضطر لاستدفاع ضررها عن الناس ، وبيان خطرها ، ورد قالة السوء ، ومنها تعلم القوانين الوضعية للحكم بغير ما أنزل الله ، والقاعدة شهيرة : الوسائل تأخذ حكم المقاصد ، فكل ما أدى إلى حرام فهو حرام ، كمن يتعلم صناعة الخمور أو السجائر ، أو المعاملات الربوية الخبيثة في البنوك وشركات التأمين ، فكل ذلك حرام تعلمه فضلاً عن العمل به .
[2] طُبع بمكتبة محمد علي صبيح وأولاده بالأزهر الشريف .

وكتبه
محمد بن حسين يعقوب

عبقور2011
02-26-2011, 04:02 PM
صفة الحج والعمرة
محمد بن صالح العثيمين



الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:



أخي المسلم:






يامن عزمت على حج بيت الله الحرام، وأنفقت في سبيل ذلك المال والجهد والأوقات والأيام، وتركت وراءك الأهل والأولاد والأحباب والأرحام، ونزعت عنك لباس الترف والزينة ولبست لباس الاحرام، الذي هو أشبه ما يكون بالأكفان، كل ذلك سعياً لأداء هذه الفريضة العظيمة، وطلبا لرضى الخالق سبحانه وتعالى، لأنك تعلم أن { الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة } كما قال النبي في الحديث المتفق عليه، وقال النبي { من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه } [متفق عليه] وروى البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله نرى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد، قال: { لكن أفضل الجهاد حج مبرور }. والحج المبرور هو ما وافق هدي النبي في حجته، لأنه قال: { لتأخذوا عني مناسككم } [مسلم] لذا فقد أحببنا أن نذكر لك صفة الحج وفق سنة النبي وقد اخترنا ذلك من كلام فضيلة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله نسأل الله تعالى أن يكون حجك مبروراً، وذنبك مغفوراً، وسعيك مشكوراً.



صفة الحج والعمرة






قال الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله:


نذكر هنا صفة الحج على سبيل الإجمال والاختصار، وعلى صفة التمتع فنقول: إذا إراد الإنسان الحج والعمرة، فتوجه إلى مكة في أشهر الحج، فإن الأفضل أن يحرم بالعمرة، أولاً ليصير متمتعاً، فيحرم من الميقات بالعمرة، وعند الإحرام يغتسل كما يغتسل من الجنابه، والإغتسال سنه في حق الرجال والنساء حتى الحائض والنفساء، فيغتسل ويتطيب في رأسه ولحيته، ويلبس ثياب الإحرام، ويحرم عقب صلاة فريضه، إن كان وقتها حاضرا، أو نافله ينوي بها سنة الوضوء، لأنه ليس للاحرام نافله معينه، إذ لم يرد ذلك عن النبي . والحائض والنفساء لا تصلي، ثم يلبي الحاج، قيقول: لبيك اللهم عمره، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك. ولا يزال يلبي حتى يصل إلى مكه.


* وينبغي إذا قرب من مكة أن يغتسل لدخولها كما فعل النبي ويدخل المسجد الحرام مقدماً رجله اليمنى قائلاً: ( بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك، أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وبسلطانه القديم من الشيطان الرجيم ).


* فإذا شرع في الطواف، قطع التلبيه، فيبدأ بالحجر الأسود يستلمه ويقبله إن تيسر، وإلا أشار إليه، ويقول: ( بسم الله والله أكبر، اللهم إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك، ووفاءً بعهدك، واتباعاً لسنة نبيك محمد )، ثم يجعل البيت عن يساره ويطوف سبعة أشواط، يبتدئ بالحجر ويختتم به، ولا يستلم من البيت سوى الحجر الأسود والركن اليماني، لأن النبي لم يستلم سواهما، وفي هذا الطواف يسن للرجل أن يرمل في الثلاثة أشواط الأولى؛ بأن يسرع المشي ويقارب الخطى، وأن يضطبع في جميع الطواف، بأن يخرج كتفه الأيمن، ويجعل طرفي الرداء على الكتف الأيسر، وكلما حاذى الحجر الأسود كبّر، ويقول بينه وبين الركن اليماني: ( ربنا آتنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقنا عذاب النار ) ويقول في بقية طوافه ما شاء من ذكر ودعاء.


* وليس للطواف دعاء مخصوص لكل شوط، وعلى هذا فينبغي أن يحذر الإنسان من هذه الكتيبات التي بأيدي كثير من الحجّاج، والتي فيها لكل شوط دعاء مخصوص، فإن هذه بدعة لم ترد عن رسول الله وقد قال النبي : { كل بدعة ضلالة } [مسلم].


* ويجب أن ينتبه الطائف إلى أمر يخل به بعض الناس في وقت الزحام، فتجده يدخل من باب الحجر، ويخرج من الباب الثاني، فلا يطوف بالحجر مع الكعبة، وهذا خطأ، لأن الحجر أكثره من الكعبة، فمن دخل من باب الحجر وخرج من الباب الثاني، لم يكن قد طاف بالبيت، فلا يصح طوافه.


* وبعد الطواف يصلي ركعتين خلف مقام إبراهيم إن تيسر له، وإلا ففي أي مكان من المسجد، ثم يخرج إلى الصفا، فإذا دنا منه قرأ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ [البقرة:158]، ولا يعيد هذه الآيه بعد ذلك، ثم يصعد على الصفا، ويستقبل القبلة، ويرفع يديه، ويكبر الله ويحمده، ويقول: ( لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده ).
ثم يدعو بعد ذلك، ثم يعيد الذكر مرة ثانية، ثم يدعو، ثم يعيد الذكر مرة ثالثة.


* ثم ينزل متجهاً إلى المروة، فيمشي إلى العلم الأخضر إلى العمود الثاني سعياً شديداً، أي يركض ركضاً شديداً، إن تيسر له ولم يتأذّ أو يؤذ أحداً، ثم يمشي بعد العلم الثاني إلى المروة مشياً عادياً، فإذا وصل المروة، صعد عليها، واستقبل القبلة، ورفع يديه، وقال مثل ما قال على الصفا، فهذا شوط.


* ثم يرجع إلى الصفا من المروة، وهذا هو الشوط الثاني، ويقول فيه ويفعل كما قال في الشوط الأول وفعل، فإذا أتم سبعة أشواط، من الصفا للمروة شوط، ومن المروة للصفا شوط آخر، فإنه يقصّر شعر رأسه، ويكون التقصير شاملاً لجميع الرأس، بحيث يبدو واضحاً في الرأس، والمرأة تقصر من كل أطراف شعرها بقدر أنملة، ثم يحل من من إحرامه حلاً كاملاً، يتمتع بما أحل الله له من النساء والطيب واللباس وغير ذلك.


* فإذا كان يوم الثامن من ذي الحجة أحرم بالحج، فاغتسل، وتطيّب، ولبس ثياب الإحرام، وخرج إلى منى، فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، خمس صلوات، يصلي الرباعية ركعتين، وكل صلاة في وقتها، فلا جمع في منى، وإنما هو القصر فقط.


* فإذا طلعت الشمس يوم عرفه، سار إلى عرفه، فنزل بنمرة إن تيسّر له، وإلا استمر إلى عرفه فينزل بها، فإذا زالت الشمس، صلّى الظهر والعصر قصراً وجمع تقديم، ثم يشتغل بعد ذكر الله، ودعائه، وقراءة القرآن، وغير ذلك مما يقرب إلى الله تعالى. وليحرص على أن يكون آخر ذلك اليوم ملحاً في دعاء الله عز وجل، فإنه حري بالإجابة.


* ويسن أن يكون مستقبل القبلة، رافعاً يديه عند الدعاء، وكان أكثر دعاء النبي في ذلك الموقف العظيم: ( لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ). وليحرص كذلك على الأذكار والأدعيه النبوية فإنها من أجمع الأدعية وانفعها فيقول: ( اللهم لك الحمد كالذي نقول، وخيراً مما نقول، اللهم لك صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي، وإليك ربي مآبي، ولك ربي تراثي. اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ووسوسة الصدر، وشتات الأمر. اللهم إني أعوذ بك من شر ما تجيء به الريح ).
( اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي سمعي نوراً وفي بصري نوراً، اللهم إنك تسمع كلامي، وترى مكاني، وتعلم سري وعلانيتي، لا يخفى عليك شيء من أمري، أنا البائس الفقير، المستغيث المستجير، الوجل المشفق المقر، المعترف بذنوبي، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل، وأدعوك دعاء من خضعت لك رقبته، وفاضت لك عيناه، وذلّ لك جسده، ورغم لك أنفه. اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم ).


* فإذا غربت الشمس من يوم عرفه، انصرف إلى مزدلفة، فصلّى بها المغرب والعشاء جمعاً وقصراً، ثم يبقى هناك حتى يصلي الفجر، ثم يدعو الله عز وجل إلى أن يسفر جداً، ثم يدفع بعد ذلك إلى منى، ويجوز للإنسان الذي يشق عليه مزاحمة الناس أن ينصرف من مزدلفة قبل الفجر، لأن النبي رخّص لمثله.


* فإذا وصل إلى منى، بادر فرمى جمرة العقبة أولاً قبل كل شيء بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، ثم ينحر هديه، ثم يحلق رأسه، وهو أفضل من التقصير، وإن قصّره فلا حرج، والمرأة تقصّر من أطرافه بقدر أنملة، وحينئذ يحلّ التحلل الأول، فيباح له جميع محظورات الإحرام ما عدا النساء.


* فينزل بعد أن يتطيب ويلبس ثيابه المعتادة إلى مكة، فيطوف طواف الإفاضة سبعة أشواط. وهذا الطواف والسعي للحج، كما أن الطواف والسعي الذي حصل منه أول ما قدم للعمرة، وبهذا يحل من كل شيء حتى النساء.


* ولنقف هنا لننظر ماذا فعل الحاج يوم العيد؟ فالحاج يوم العيد: رمى جمرة العقية، ثم نحر هديه، ثم حلق أو قصر، ثم طاف، ثم سعى، فهذه خكسة أنساك يفعلها على هذا الترتيب، فإن قدم بعضها على بعض فلا حرج، إن النبي كان يُسأل يوم العيد عن التقديم والتأخير، فما سئل عن شيء قُدّم ولا أُخر يومئذ إلا قال: { افعل ولا حرج } [متفق عليه].
فإذا نزل من مزدلفه إلى مكة، وطاف وسعى، ثم رجع إلى منى ورمى فلا حرج، ولو رمى ثم حلق قبل أن ينحر، فلا حرج، ولو رمى، ثم نزل إلى مكة وطاف وسعى فلا حرج، ولو رمى ونحر وحلق، ثم نزل إلى مكة وسعى قبل أن يطوف فلا حرج. المهم أن تقديم هذه الأنساك الخمسة بعضها على بعض لا بأس به، لأن رسول الله ما سئل عن شيء قدم و لا أخر يومئذ إلا قال: { افعل ولا حرج } وهذا من تيسير الله سبحانه وتعالى ورحمته بعباده.


* ويبقى من أفعال الحج بعد ذلك: المبيت في منى ليلة الحادي عشر، وليلة الثاني عشر، وليلة الثالث عشر لمن تأخر، لقول الله تعالى: وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [البقرة:203] فيبيت الحاج بمنى ليلة الحادي عشر، وليلة الثاني عشر، ويجزيء أن يبيت في هاتين الليلتين معظم الليل.


* فإذا زالت الشمس من اليوم الحادي عشر، رمى الجمرات اللاث، يبدأ بالصغرى التي تعتبر شرقية بالنسبة للجمرات الثلاث، فيرميها بسبع حصيات متعاقبات، يكبر مع كل حصاة، ثم يتقدم عن الزحام قليلا، فيقف مستقبل القبلة، رافعاً يديه، يدعو الله تعالى دعاءً طويلاً، ثم يتجهإلى الوسطى فيرميها بسبع حصيات متعاقبات، يكبر مع كل حصاة، ثم يتقدم قليلاً عن الزحام، ويقف مستقبل القبلة، رافعاً يديه، يدعو الله تعالى دعاءً طويلاً، ثم يتقدم إلى جمرة العقبة، فيرميها بسبع حصيات متعاقبات، يكبر مع كل حصاة، ولا يقف عندها، إقتداءً برسول الله .


* وفي ليلة الثاني عشر، يرمي الجمرات الثلاث كذلك، فإذا أتم الحاج رمي الجمار في اليوم الثاني عشر، فإن شاء تعجّل ونزل من منى، وإن شاء تإخّر، فبات بها ليلة الثالث عشر، ورمى الجمار الثلاث بعد الزوال كما سبق، والتأخر أفضل، ولا يجب إلا بعد أن تغرب الشمس من اليوم الثاني عشر وهو بمنى، فإنه يلزمه التأخر حتى يرمي الجمار الثلاث بعد الزوال. لكن لو غربت عليه الشمس بمنى في اليوم الثاني عشر بغير إختياره، فإنه لا يلزمه التأخر، لأن تأخره إلى الغروب كان بغير اختياره.


* ولا يجوز للإنسان أن يرمي الجمرات الثلاث في اليوم الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر قبل الزوال،لأن النبي لم يرم إلا بعد الزوال، وقال: { خذوا عني مناسككم } [مسلم]، وكان الصحابه يتحينون الزوال، فإذا زالت الشمس رموا، ولو كان الرمي قبل الزوال جائزاً، لبينه النبي لأمته، إما بفعله، أو قوله، أو إقراره..


* ولكن يمكنه إذا كان يشق عليه الزحام، أو المضي إلى الجمرات في وسط النهار، أن يؤخر الرمي إلى الليل، فإن الليل وقت للرمي، إذ لا دليل على أن الرمي لا يصح ليلاً، فالنبي وقّت أول الرمي ولم يوقّت آخره، والأصل فيما جاء مطلقاً، أن يبقى على إطلاقه، حتى يقوم دليل على تقييده بسبب أو وقت.


* وليحذر الحاج من التهاون في رمي الجمرات، فإن من الناس من يتهاون فيها، فيوكّل من يرمي عنه، وهو قادر على الرمي بنفسه، وهذا لا يجوز ولا يجزيء، لأن الله تعالى يقول في كتابه: وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ [البقرة:196] والرمي من أفعال الحج، فلا يجوز الإخلال به، ولأن النبي لم يأذن لضعفة أهله أن يوكلوا من يرمي عنهم، بل أذن لهم بالذهاب من مزدلفة في آخر الليل، ليرموا بأنفسهم قبل زحمة الناس، ولكن عند الضرورة لا بأس بالتوكيل، كما لو كان الحاج مريضاً أو كبيراً لا يمكنه الوصول إلى الجمرات، أو كانت امرأة حاملاً تخشى على نفسها أو ولدها، ففي هذه الحال يجوز التوكيل.


* فيجب علينا أن نععظم شعائر الله، وألا نتهاون بها، وأن نفعل ما يمكننا فعلهبأنفسنا لأنه عبادة، كما قال النبي : { إنما جعل الطواف بالبيت وبالصفا والمروة، ورمي الجمرات لإقامة ذكر الله } [أبو داود والترمذي].


* وإذا أتم الحج رمي الجمرات، فإنه لا يخرج من مكة إلى بلده، حتى يطوف للوداع، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان الناس ينفرون من كل وجه فقال النبي : { لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت } [مسلم]، إلا إذا كانت المرأة حائضاً أو نفساء، وقد طافت طواف الإفاضة، فإن طواف الوداع يسقط عنها، لحديث ابن عباس: { أمر الناس أن يكونآخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خُفف عن الحائض } [متفق عليه]، ولأن النبي لما قيل له: إن صفية قد طافت طواف الإفاضة قال: { فلتنفر إذن } [متفق عليه] وكانت حائضاً.


* ويجب أن يكون هذا الطواف آخر شيء، وبه نعرف أن مايفعله بعض الناس، حين ينزلون إلى مكة، فيطوفون طواف الوداع، ثم يرجعون إلى منى، فيرمون الجمرات، ويسافرون من هناك، فهذا خطأ، ولا يجزئهم طواف الوداع، لأن هؤلاء لم يجعلوا آخر عهدهم بالبيت، وإنما جعلوا آخر عهدهم بالجمرات.



خلاصة أعمال العمرة






(1) الإغتسال كما يغتسل للجنابة والتطيب.


(2) لبس ثياب الإحرام، إزار ورداء للرجل وللمرأة ما شائت من الثياب المباحة.


(3) التلبية والإستمرار فيها إلى الطواف.


(4) الطواف بالبيت سبعة أشواط ابتداءً من الحجر الأسود وانتهاءً به.


(5) صلاة ركعتين خلف المقام.


(6) السعي بين الصفا والمروة سبعة أشواط ابتداءً بالصفا وانتهاءً بالمروة.


(7) الحلق أو التقصير للرجال، والتقصير للنساء.



مجمل أعمال الحج






عمل اليوم الأول وهو يوم الثامن:


1- يحرم بالحج من مكانه فيغتسل ويتطيب زيلبس ثياب الإحرام ويقول: ( لبيك اللهم حجاً لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك ).


2- يتوجه إلى منى فيبقى فيها إلى طلوع الشمس في اليوم التاسع،ويصلي فيها الظهر من اليوم الثامن، والعصر والمغرب والعشاء والفجر، كل صلاة في وقتها، ويقصر الرباعية.


عمل اليوم الثاني وهو اليوم التاسع:


1- يتوجه بعد طلوع الشمس إلى عرفه، ويصلي الظهر والعصر قصراً وجمع تقديم، وينزل قبل الزوال بنمرة إن تيسر له.


2- يتفرغ بعد الصلاة للذكر والدعاء مستقبل القبلة رافعاً يديه ويبقى بعرفه إلى غروب الشمس.


3- يتوجه بعد غروب الشمس إلى مزدلفة فيصلي فيها المغرب ثلاثاً والعشاء ركعتين، ويبيت فيها حتى يطلع الفجر.


4- يصلي الفجر بعد طلوع الفجر، ثم يتفرغ للذكر والدعاء حتى يسفر جداً.


5- يتوجه قبل طلوع الشمس إلى منى.


عمل اليوم الثالث وهو يوم العيد:


1- إذا وصل إلى منى، ذهب إلى جمرة العقبة، فرماها بسبع حصيات متعاقبات، واحدة بعد الأخرى، يكبر مع كل حصاة.


2- يذبح هديه إن كان عليه هدي.


3- يحلق رأسه أو يقصره، ويتحلل بذلك التحلل الأول، فيلبس ثيابه ويتطيب، وتحل له جميع محظورات الإحرام سةى النساء.


4- ينزل إلى مكة فيطوف بالبيت طواف الإفاضة، وهو طواف الحج، ويسعى بين الصفا والمروة للحج، إن كان متمتعاً، وكذلك إن كان غير متمتع ولم يكن سعى مع طواف القدوم.
وبهذا يحل التحلل الثاني، ويحل له جميع محظورات الإحرام حتى النساء.


5- يرجع إلى منى فيبيت فيها ليلة الحادي عشر.


عمل اليوم الرابع وهو الحادي عشر:


1- يرمي الجمرات الثلاث، الأولى ثم الوسطى ثم جمرة العقبة، كل واحدة بسبع حصيات متعاقبات يكبر مع كل حصاة،يرميهن بعد الزوال ولا يجوز قبلهز ويلاحظ الوقوف للدعاء بعد الجمرة الأولى والوسطى.


2- يبيت في منى ليلة الثاني عشر.


عمل اليوم الخانس وهو الثاني عشر:


1- يرمي الجمرات الثلاث كما رماهن في اليوم الرابع.


2- ينفر من منى قبل غروب الشمس إن أراد التعجل، أو يبيت فيها إن أراد التأخر.


عمل اليوم السادس وهو الثالث عشر:


هذا اليوم خاص بمن تأخر ويعمل فيه:


1- يرمي الجمرات الثلاث كما سبق في اليومين قبله.


2- ينفلا من منى بعد ذلك.


وآخر الأعمال طواف الوداع عند سفره، والله أعلم.



أنواع النسك






الأنساك ثلاثة: تمتع، إفراد، قران.


فالتمتع: أن يُحرم بالعمرة وحدها في أشهر الحج، فإذا وصل مكة طاف وسعى للعمرة وحلق أو قصر، فإذا كان يوم التروية وهو اليوم الثامن من ذي الحجة أحرم بالحج وحده وأتى بجميع أفعاله.


والإفراد: أن يحرم بالحج وحده، فإذا وصل مكة طاف للقدوم وسعى للحج ولا يحلق ولا يقصر ولا يحل من إحرامه،بل يبقى محرماً حتى يحل من بعد رمي جمرة العقبة يوم العيد، وإن أخر سعي الحج إلى ما بعد طواف الحج فلا بأس.


والقران: أن يحرم بالعمرة والحج جميعاً،أو يحرم بالعمرةأولاً ثم يدخل الحج عليهما قبل الشروع في طوافها. وعمل القارن كعمل المفرد سواء، إلا أن القارن عليه هدي، والمفرد لاهدي عليه.


مصادر الرسالة:


1- فقه العبادات.
2- مناسك الحج والعمرة.
3- المنهج لمريد الحج والعمرة.
4- صفة الحج والعمرة.
5- اللقاء الشهري رقم (10)


وكلها من مؤلفات فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى.

عبقور2011
02-26-2011, 04:08 PM
غض البصر

هيثم جواد الحداد




ملخص الخطبة

1- أهمية الحديث عن غض البصر. 2- فتنة النساء والتحذير منها. 3- مسوغات الإقامة في بلاد الكفر. 4- فوائد غض البصر عن الحرام. 5- وسائل معينة على غض البصر.



الخطبة الأولى





أما بعد:

فإن الفتن في هذه الدنيا متنوعة متعددة، وهي راجعة إلى نوعين اثنين: فتن الشبهات، وفتن الشبهات، وكل من هذين النوعين يتبدل ويتلون بأشكال مختلفة ويختلفة قوة وضعفاً من حين لآخر.

وفي هذه البلاد، ومع دخول هذا الفصل فصل الصيف، تهاجمنا فتنتة عمياء لا يكاد يسلم من أذاها، ولا ينجو من خطرها من ابتلي بالسكن هذه الديار.

أيها الإخوة، مع حلول فصل الصيف، وعندما تشتد حرارة هذه الشمس ولو بشيء يسير، يتحين أهل هذه البلاد هذه الفرصة بعد طول انتظار وعناء، فينسلخون من ملابسهم، ويتفنون في إظهار أجسادهم، ويتسابقون في تقصير ألبستهم، وصدق الله عز وجل إذ يقول: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مّنَ ٱلْجِنّ وَٱلإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءاذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَٱلانْعَـٰمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْغَـٰفِلُونَ [الأعراف:179].

أيها المؤمنون، لعلكم أدركتم هذه الفتنة وطبيعتها، إنها فتنة النظر المحرم إلى النساء.

أيها الإخوة، قد يسأل أحدكم قائلاً: لماذا نتكلم عن غض البصر؟

نتكلم عنه لأمور:

إن أكبر فتنة سيتعرض لها الإنسان في هذه الحياة الدنيا هي فتنة المسيح الدجال، لكن هذه قد لا تصيب الناس جميعهم، فمن مات قبل أن يتعرض لها، فقد أمن مصيبتها.

يتلو هذه الفتنة، فتنة الرجال بالنساء، في صحيح البخاري عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: ((مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ النِّسَاء)). وفي صحيح مسلم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: ((إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ، فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ)).

أيها الإخوة، وحتى لا نقع في فهم خاطئ لهذا الحديث، فنقصر الفتنة فيه على فتنة الشهوة الجنسية المحرمة، سواء عن طريق النظر، أو عن طريق الزنا، فإن المراد بالفتنة هنا عموم الفتنة من عموم النساء، سواء كانت زوجة أم أجنبية، وسواء كانت فتنتها الشهوة الجنسية، أم الصد عن ذكر الله والانشغال بها عن طاعة الله، كما قال الله عز وجل: يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِنَّ مِنْ أَزْوٰجِكُمْ وَأَوْلـٰدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَٱحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [التغابن:14].

أيها المؤمنون، وفتنة النساء هذه خطيرة جداً، حيث أوقعت في شباكها جماعة من العباد والصالحين، حتى صرفتهم عن زهدهم وتنسكهم، وعبادتهم لله عز وجل، بل إن بعضهم مرق من دين الإسلام بسبب امرأة، وما القصة التي اشتهر ذكرها عن جمع من أهل السير والتاريخ والتفسير، ببعيدة عنا عن جمع من الصحابة والتابعين، وذكرها ابن جرير في تفسيره من عدة أوجه أحدها عن علي بن أبي طالب قال: إن راهباً تعبد ستين سنة، وإن الشيطان أراده فأعياه فعمد إلى امرأة فأجنّها، ولها إخوة، فقال لإخوتها: عليكم بهذا القس فيداويها، قال فجاؤوا بها إليه فداواها، وكانت عنده فبينما هو يوماً عندها إذ أعجبته فأتاها، فحملت فعمد إليها فقتلها، فجاء إخوتها فقال الشيطان للراهب: أنا صاحبك، إنك أعييتني، أنا صنعت هذا بك فأطعني أنجك مما صنعت بك، اسجد لي سجدة، فسجد له، فقال: إني برىء منك إني أخاف الله رب العالمين فذلك قوله: كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَـٰنِ ٱكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنّى بَرِىء مّنكَ إِنّى أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ [الحشر:16].

عن طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما قال إنه لم يكن كفر من مضى إلا من قبل النساء، وهو كفر من بقي أيضاً.

وعن سعيد بن المسيب قال: ما أيس الشيطان من أحد قط إلا أتاه من قبل النساء.

أيها المؤمنون، هذه الفتنة المدلهمة، والخطر العظيم، له مداخل ووسائل يلج بها الشيطان على الإنسان، أول مداخل هذه الفتنة، هو النظر إلى النساء، وصورهن، وأشكالهن.

النظر إلى الصور الجميلة يا عباد الله، بلاء ابتلينا به، ومحنة أذهلت العقول، وصهرت أفئدة الرجال، وتلاشى معها إيمان كثير من المسلمين، وصرفت قلوب آخرين عن البر والتقوى.

النظر إلى النساء، فتنة ليس لها من دون الله حام ولا مانع، مصيبة كبيرة، ومفسدة ضخمة، وشر مستطير، وبلاء ومحنة، اللهم اعصمنا منها، واحفظنا عن الوقوع فيها، وارحمنا يا أرحم الراحمين، فإنه لا حول لنا ولا طول بها.

في الصحيحين من حديث أَبي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ : ((إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنْ الزِّنَا، أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَا اللِّسَانِ الْمَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيُكَذِّبُهُ)).

أيها الإخوة، النظر بريد الزنا، قال الشاعر:

كل الحــوادث مبداها من النظر ومعظم النار من مستصغر الشرر ‏

كم نظرة فتكت في قلب صاحبها فتك السهام بــلا قوس ولا وتر

والعبــد ما دام ذا عيـن يقلبها في أعين الغيد موقوف على خطر

يسر ناظـــره ما ضر خاطره لا مرحبا بسرور عاد بالضــرر

وقال الحجاوي:‏ فضول النظر أصل البلاء لأنه رسول الفرج‏,‏ أعني الآفة العظمى والبلية الكبرى‏,‏ والزنا إنما يكون سببه في الغالب النظر‏,‏ فإنه يدعو إلى الاستحسان ووقوع صورة المنظور إليه في القلب والفكرة‏,‏ فهذه الفتنة من فضول النظر‏,‏ وهو من الأبواب التي يفتحها الشيطان على ابن آدم.‏

قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَـٰرِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ذٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [النور:30].

وتأملوا أيها المؤمون ما في هذه الآية من البلاغة الغوية، وسمو التشريع، وفصاحة الخطاب، فقد قال الله عز وجل: يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَـٰرِهِمْ ولم يقل يغضوا أبصارهم، ومن هنا على رأي كثير من المفسرين للتبعيض، لأن أول نظرة لا يملكها الإنسان، وإنما يغض فيما بعد ذلك، فقد وقع التبعيض بخلاف الفروج، فلم يقل: يحفظوا فروجهم، وقال: وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ، إذ حفظ الفرج عام.

ثم تأمل كيف بدأ بالأمر بحفظ البصر ثم أتبعه بحفظ الفرج، وذلك لأنّ البصر الباب الأكبر إلى القلب، وبحسب ذلك كثر السقوط من جهته ووجب التحذير منه.

ولهذا قالوا: النواظر صوارم مشهورة، فأغمدها فى غمد الغض والحياء من نظر المولى، وإلا جرحك بها عدو الهوى[1].

‏وما أحسن قول الشاعر‏:‏

وغض عن المحارم منك طــرفا طموحا يفتن الرجل اللبيبا ‏

فخائنة العيـــون كأســد غاب إذا ما أهملت وثبت وثوبا ‏

ومن يغضض فضول الطرف عنها يجد في قلبه روحا وطيبا

أيها المؤمنون، في الديار الكافرة التي طغا أهلها في البلاد فأكثروا فيها الفساد، إذا نظرت أمامك فسيقع نظرك على محرم، وإذا صرفته إلى الجهة اليمنى، فستشاهد صورة قبيحة، وإذا التفت إلى يسارك فسيمر أمام ناظريك شيطان في صورة امرأة شبه عارية، وإذا نظرت أسفل منك فسترى مفاتن من نوع آخر، فأين تنظر، انظر إلى السماء لتدعو الله عز وجل أن يهدي أهل هذه البلاد، وأن يرحمنا وإياهم فلا ينزل عليهم حجارة من سجيل تحرق أجسادهم العارية، فإن لم يهدهم فندعوه أن يخرجنا من هذه البلاد سالمين في ديننا وأعراضنا، وأهلينا، وأن يهدي بلاد المسلمين فلا تحذو حذوهم في هذا العري والفجور، وأن تلتزم الإسلام نهجاً وتقرب أهل الخير بدل أن تضيق على أهل الخير حتى تضطرهم للقدوم إلى هذه الديار.

أيها الإخوة، مظاهر الفجور التي نشاهدها بأم أعيننا صباح مساء، تعيد علينا السؤال المهم والخطير، ما هو المسوغ الشرعي لبقائنا في هذه البلاد، هذا السؤال المحرج الذي كثيراً ما تسائلنا به في دواخل أنفسنا، وكثيراً ما تهربنا من الإجابة عنه، وكثيراً ما غالطنا عند الإجابة عنه حقائق شرعية، بل وواقعية.

أيها المؤمنون، وكما ذكرت قبل، فإن الحق مؤلم، والصراحة مزعجة، ومواجهة المشكلة تحتاج إلى شجاعة وإقدام، فلذا أريد أن ألخص لكم جواب هذا السؤال فيما يلي:

سكنى هذه الديار لا تجوز إلا بتحقق ثلاثة شروط:

الأول: الأمن على الدين، بحيث يكون لدى المقيم من العلم، والإيمان وقوة العزيمة ما يطمئنه من الثبات على دينه، والحذر من الزيغ والإنحراف، ومولاة الكافرين ومحبتهم.

الثاني: أن يتمكن من إظهار دينه بحيث يقوم بشعائر الإسلام بدون ممانع، فلا يمنع من إقامة الصلاة، والجمعة والجماعات إن كان معه من يصلى جماعة، وكذلك لا يمنع من الصيام والزكاة والحج وغيرها من شعائر الدين.

الثالث: المسوغ الشرعي. ولا نريد أن نفصل في هذه الشروط.

لكن ليسأل كل منا نفسه عن مدى تحقق هذه الشروط، وليتذكر قول الرسول : ((أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين)).

أيها الإخوة، ولما كان النظر المحرم بهذه الدرجة من الخطورة، وهذه المنزلة من الغواية، كان لغض البصر فوائد كثيرة، يسر الله لبيانها العالم الرباني طبيب القلوب الشيخ ابن قيم الجوزية، وها نحن نذكر نتفاً من تلك الفوائد التي صاغها يراعُه:
أحدها: تخليص القلب من ألم الحسرة:

فإن من أطلق نظره دامت حسرته، فأضر شيء على القلب إرسال البصر، فإنه يريه ما يشتد طلبه ولا صبر له عنه ولا وصول له إليه، وذلك غاية ألمه وعذابه.

قال الشاعر:

وكنت متى أرسلت طرفـك رائـداً لقلبك يومـــاً أتعبتك المناظر

رأيت الـذي لا كله أنت قادر عليـ ـه ولا عن بعضه أنت صابر

والنظرة تفعل في القلب ما يفعل السهم في الرمية، فإن لم تقتله جرحته، وهي بمنزلة الشرارة من النار ترمى في الحشيش اليابس، فإن لم يحرقه كله أحرقت بعضه، والناظر يرمي من نظره بسهام غرضها قلبه، وهو لا يشعر فهو إنما يرمي قلبه.

وقال الشاعر:

إذا أنت لم ترع البــروق اللوامحا ونمت جرى من تحتك السيل سائحا

غرست الهوى باللحـظ ثم احتقرته وأهملته مستأنسا متســـــامحا

ولم تدر حتى أينعت شجراته وهبت رياح الوجــد فيــــه لواقحا

فأمسيت تستدعي من الصبر عازبا عليك وتستدني من النــوم نازحا
الفائدة الثانية:

أنه يورث القلب نوراً وإشراقاً يظهر في العين وفي الوجه وفي الجوارح، كما أن إطلاق البصر يورثه ظلمة تظهر في وجهه وجوارحه، ولهذا ـ والله أعلم ـ ذكر الله سبحانه آية النور في قوله تعالى: ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأرْضِ [النور:35]، عقيب قوله: قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَـٰرِهِمْ [النور:30].
الفائدة الثالثة:

أنه يورث صحة الفراسة فإنها من النور وثمراته، وإذا استنار القلب صحت الفراسة لأنه يصير بمنزلة المرآة المجلوة، تظهر فيها المعلومات كما هي، والنظر بمنزلة التنفس فيها، فإذا أطلق العبد نظرة تنفست نفسه الصعداء في مرآة قلبه، فطمست نورها، كما قيل:

مرآة قلبك لا تريك صلاحه والنفس فيها دائماً تتنفس

وقال شجاع الكرماني: من عمر ظاهره باتباع السنة وباطنه بدوام المراقبة وغض بصره عن المحارم وكف نفسه عن الشهوات وأكل من الحلال لم تخطىء فراسته، وكان شجاع لا تخطىء له فراسة.

والله سبحانه وتعالى يجزى العبد على عمله بما هو من جنسه، فمن غض بصره عن المحارم عوضه الله سبحانه وتعالى إطلاق نور بصيرته، فلما حبس بصره لله أطلق الله نور بصيرته، ومن أطلق بصره في المحارم حبس الله عنه بصيرته.
الفائدة الرابعة:

أنه يورث قوة القلب وثباته وشجاعته فيجعل له سلطان البصير مع سلطان الحجة، ولهذا يوجد في المتبع لهواه من ذل القلب وضعفه ومهانة النفس وحقارتها ما جعله الله لمن آثر هواه على رضاه، قال الحسن: إنهم وإن هملجت بهم البغال وطقطقت بهم البراذين، إن ذل المعصية لفي قلوبهم أبى الله إلا أن يذل من عصاه.

أيها المؤمنون، إن فهم هذا وإداركه يبين لنا سبباً من أسباب الذل الذي ضرب على هذه الأمة في هذه العصور، لقد أذلتنا المعاصي، وأسرتنا الذنوب، وأوهن قوانا البعد عن الله، فخارت لنا كل قوة، ووهنت لنا كل عزيمة، وأصبحنا أهون الخلق، وانظر في حال قنواتنا الفضائية التابعة لدولنا الإسلامية تعلم أين نحن.

وبهذا المناسبة، فأقول عرضاً: هذا الكلام، أعني اتهام قنواتنا الإعلامية بنشر الرذيلة، وبث الفساد، يريح النفس، ويسلي القلب لأن فيه إلقاء للتعبة على الآخرين، وينسى الفرد منا مجابهة الحقيقة، ومواجهة الصراحة، إذا كان هؤلاء يصنعون الفساد في هذه القنوات الفضائية، فما الذي يدعونا لهذا الفساد بجلب هذه القنوات إلى منازلنا، ثم يجبرنا على مشاهدتها؟

يا راميا بسهام اللحــظ مجتهدا أنت القتيل بما ترمي فــلا تصب

وباعث الطرف يرتاد الشفاء لـه توقــه فإنه يأتيك بالعطــــب

ترجو الشفاء بأحداق بها مرض فهل سـمعت ببرء جاء من عطـب

وبائعا طيب عيش ما له خطـر بطيف عيش من الأيـــام منتهب

‏غبنت والله غـبنا فاحشا فلو اس ترجعـت ذا العقد لم تغبن ولم تخب ‏
الفائدة الخامسة:

أيها الإخوة، من فوائد غض البصر أنه يورث القلب سروراً وفرحة وانشراحاً أعظم من اللذة والسرور الحاصل بالنظر وذلك لقهره عدوه بمخالفته ومخالفة نفسه وهواه.

وأيضاً فإنه لما كفّ لذته وحبس شهوته لله وفيها مسرة نفسه الأمارة بالسوء أعاضه الله سبحانه مسرة ولذة أكمل منها كما قال بعضهم: والله للذة العفة أعظم من لذة الذنب.

ولا ريب أن النفس إذا خالفت هواها أعقبها ذلك فرحاً وسروراً ولذة أكمل من لذة موافقة الهوى بما لا نسبة بينهما، وهاهنا يمتاز العقل من الهوى.
الفائدة السادسة:

أنه يخلص القلب من أسر الشهوة، فإن الأسير هو أسير شهوته وهواه فهو كما قيل: طليق برأي العين وهو أسير، ومتى أسرت الشهوة والهوى القلب تمكن منه عدوه وسامه سوء العذاب وصار كما قال القائل:

كعصفـورة في كف طفل يسـومها حياض الردى والطفل يلهو ويلعب
الفائدة السابعة:

أنه يسد عنه باباً من أبواب جهنم، فإن النظر باب الشهوة الحاملة على مواقعة الفعل، وتحريم الرب تعالى وشرعه حجاب مانع من الوصول، فمتى هتك الحجاب وقع في المحظور ولم تقف نفسه منه عند غاية، فإن النفس في هذا الباب لا تقنع بغاية تقف عندها، وذلك أن لذتها في الشيء الجديد، فغض البصر يسد عنه هذا الباب.

أيها المؤمنون، وفوائد غض البصر وآفات إرساله أضعاف أضعاف ما ذكرنا وإنما نبهنا على بعضها.

أيها المؤمنون، والآن وبعد بيان خطورة هذا الآمر، وبيان أهمية غض البصر، يرد علينا سؤال هام جداً، ولعل قد خطر بخاطركم كلكم، ألا وهو ما هي الوسائل المعينة على غض البصر؟

أيها المؤمنون، نعم هو سؤال هام جدا، بل هو سؤال محير، لا سيما في هذه البلاد، ولا سيما في هذه الأجواء الصيفية.

أيها الأخ المبارك، إليك بعض الوسائل التي تعينني وتعينك على خوض هذه المعركة القاسية مع النفس، والهوى، والشيطان، فارع لي أذناً صاغية، وامنحني فؤادك الخير، وامنحني عقلك النير لأقول لك:
القاعدة الأولى: إذا نظرت نظر الفجأة فاصرف بصرك:

في صحيح مسلم عن جرير بن عبدالله البجلي قال سَأَلْت رَسُول اللَّه عَنْ نَظْرَة الْفَجْأَة, فَأَمَرَنِي أَنْ أَصْرِف بَصَرِي.

قال النووي في شرح مسلم وَمَعْنَى نَظَر الْفَجْأَة أَنْ يَقَع بَصَره عَلَى الْأَجْنَبِيَّة مِنْ غَيْر قَصْد فَلَا إِثْم عَلَيْهِ فِي أَوَّل ذَلِكَ , وَيَجِب عَلَيْهِ أَنْ يَصْرِف بَصَره فِي الْحَال , فَإِنْ صَرَفَ فِي الْحَال فَلَا إِثْم عَلَيْهِ , وَإِنْ اِسْتَدَامَ النَّظَر أَثِمَ لِهَذَا الْحَدِيث , فَإِنَّهُ أَمَرَهُ بِأَنْ يَصْرِف بَصَره مَعَ قَوْله تَعَالَى: قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَـٰرِهِمْ.

أيها المؤمنون، كما ذكرنا فإن بصر الإنسان في هذه البلاد معرض في كل دقيقة، بل في كل لحظة إلى الوقوع على صورة محرمة، فماذا يفعل؟

اصرف بصرك ولو أن تضطر لإغماض عينيك، واعلم يا عبدالله أنك إنما تتعامل مع الله، مع ربك ومولاك، من إذا غضب ألقى بك في نار وقودها الناس والحجارة، عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم.
القاعدة الثانية: (يا علي! لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى و ليست لك الآخرة)[2] رواه الإمام أحمد وأبوداود وهو حديث حسن.

وهذه قاعدة متصلة بالقاعدة السابقة، ومكملة لها، وهي قاعدة ذهبية في غض البصر وحفظه عن الحرام، لا سيما في هذه البلاد.

قال ابن الجوزي‏:‏ "وهذا لأن الأولى لم يحضرها القلب‏,‏ ولا يتأمل بها المحاسن,‏ ولا يقع الالتذاذ بها‏,‏ فمتى استدامها مقدار حضور الذهن كانت كالثانية في الإثم".‏
القاعدة الثالثة: تجنب الجلوس والتسكع في الطرقات:

في صحيح مسلم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: ((إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَنَا بُدٌّ مِنْ مَجَالِسِنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا الْمَجْلِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ قَالُوا: وَمَا حَقُّهُ؟ قَالَ: غَضُّ الْبَصَرِ وَكَفُّ الْأَذَى وَرَدُّ السَّلَامِ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ)).

قال النووي: "هَذَا الْحَدِيث كَثِير الْفَوَائِد, وَهُوَ مِنْ الْأَحَادِيث الْجَامِعَة, وَأَحْكَامه ظَاهِرَة, وَيَنْبَغِي أَنْ يُجْتَنَب الْجُلُوس فِي الطُّرُقَات لِهَذَا الْحَدِيث".

أيها الإخوة، نههاهم الرسول عن الجلوس في الطرقات لأنها مظنة التعرض للنظر المحرم، وارتكاب منهيات أخرى، فلذلك قال لهم النبي : ((فإن كان لابد))، فأعطوا الطريق حقه، وذكر من حق الطريق غض البصر.

أيها الإخوة، يشترك مع الطرقات هذه التي هي مظنة النظر المحرم، الأماكن العامة التي يكثر فيها التفسخ، كبعض الحدائق والأسواق، وللأسف إن كثيراً من المسلمين يتهاونون في هذا الأمر، فيخرجون للنزهة في مثل هذه الحدائق مع علمهم بأنها مليئة بمظاهر التفسخ والانحلال والعري، ثم بعد ذلك يطالبون بالحلول العملية المعنية على غض البصر.

فإن قال قائل: لكن لا يستطع الإنسان حبس نفسه بالبيت، فلا بد من الخروج لشراء الحوائج، والنزهة، فنقول أولا: لا بد أن يكون ذلك بقدر الحاجة، ولا يحدث فيه توسع، ثم ليتجنب الإنسان الأزمنة والأمكنة التي هي مظنة الفساد، وبعد ذلك نقول له كما قال الرسول لأصحابه: ((فإن كان ولا بُد فأعطوا الطريق حقه... غض البصر، وكف الأذى)).

أيها الإخوة، ما أشبه هذه البلاد في هذه الأيام، دور النظافة والاستحمام التي وجدت في بعض البلاد الإسلامية في عصور سابقة، دور النظافة هذه كانت تسمى بالحمامات، وليس المقصود بها أماكن قضاء الحاجة، بل هي أماكن عامة تتوفر فيها التدفئة والماء الساخن الذي لا يتوفر لكل أحد في تلك الأزمنة.

هذه الدور يدخلها عموم الناس من الرجال فقط، أو النساء فقط، ولا يراعون فيها حفظ عوراتهم وسترها عن أعين الناس، ومع أنها تخلو عن الاختلاط بين الرجال والنساء، إلا أن العلماء ذكروا لها أحكاماً خاصة، لأن فيها كشفاً للعورات، وهذه الأحكام التي ذكرها العلماء للتك الدور كأنما ذكروها لهذه البلاد.

قال العلماء: فإن استتر فليدخل بعشر شروط، نذكر منها ما يلي:

الأول: ألا يدخل إلا بنية التداوي أو بنية التطهر عن الرحضاء، ومعنى هذا أن الدخول لمجرد الترفه الذي لا حاجة له به.

الثاني: أن يتعمد أوقات الخلوة أو قلة الناس.

الثالث: أن يكون نظره إلى الأرض أو يستقبل الحائط لئلا يقع بصره على محظور، وغير ذلك.

فإن لم يمكنه ذلك كله فليستتر وليجتهد في غض البصر.







[1] بتصرف من تفسير الثعالبي (3/116).

[2] (حم د ت ك) عن بريدة. تحقيق الألباني. (حسن) انظر حديث رقم (7953) في صحيح الجامع.



الخطبة الثانية



وبعد: فمن القواعد المعينة على غض البصر: قوله تعالى.
القاعدة الرابعة: يَعْلَمُ خَائِنَةَ ٱلاْعْيُنِ وَمَا تُخْفِى ٱلصُّدُورُ [غافر:19].

قال ابن عباس: (هو الرجل يكون جالساً مع القوم فتمر المرأة فيسارقهم النظر إليها، وعنه: هو الرجل ينظر إلى المرأة فإذا نظر إليه أصحابه غضّ بصره, فإذا رأى منهم غفلة تدسس بالنظر, فإذا نظر إليه أصحابه غض بصره, وقد علم الله عز وجل منه أنه يود لو نظر إلى عورتها).

وقال مجاهد هي مسارقة نظر الأعين إلى ما نهى الله عنه[1].

وقال قتادة: هي الهمزة بعينه وإغماضه فيما لا يحب الله تعالى.

سئل الجنيد: بم يستعان على غض البصر؟ قال: بعلمك أن نظر الله إليك أسبق إلى ما تنظره. وكان الإمام أحمد ينشد:

إذا ما خلوت الدهر يوما فــلا تقل خلوت ولكن قل على رقيب

ولا تحسبن الله يغفل ســـاعة ولا أن ما يخفى عليـــه يغيب
القاعدة الخامسة: بَلِ ٱلإِنسَـٰنُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ [القيمامة:14، 15].

يكثر الإنسان من البحث عن الأعذار في عدم إمكانية غض البصر، وأنه أمر غير واقعي، ويبدأ الشيطان بحياكة صور متعددة من الأعذار، ويزين له الاتكال عليها من أجل أن يطلق بصره، ويسرح بنظره، فتارة يقول له مستهزئاً: الأحسن لك أن تكون أعمى، أو أن تصطدم بالناس، وتارة يقول له: سر كالأبله الذي لا يعرف شيئاً، وأخرى يقول له المهم نظافة القلب، ولو نظرت إلى النساء، وهكذا، إلى غير هذه من الأعذار، والجواب عن كل هذا: بل الإنسان على نفسه بصير، ولو أكثر من إلقاء المعاذير، وهذا معنى تلك الآية.
القاعدة السادسة: ((احفظ الله يحفظك)).

نعم احفظ الله باتباع أوامره واجتناب نواهيه، يحفظك من الإنزلاق في المعاصي، كما يحفظك إذا احتجت إليه في يوم شدة، ومن حفظ الله أن تلزم ذكره حتى تكون أقرب إليه، وأبعد عن الشيطان، فإذا مر عليك منظر، أو رأيت صورة فإنك تكون متصلاً بالله، مستمداً القوة منه، فيكون ذلك أقوى لأن تغض بصرك.

أيها الإخوة، من الغريب أن بعض الإخوة، مفرط في ذكر الله، بل هو مصاحب للشيطان، إما عن طريق الغناء الذي هو مزمار الشيطان كما قال غير واحد من السلف، وباعث على النشوة ومحرك للغرائز، وباعث على الخفة، مصاحب لكل ذلك، ثم بعد ذلك يقول: إن غض البصر غير ممكن في هذه الديار.

يا أخي أحطت نفسك بأسوار الشيطان، وتخندقت في حبائله، ثم بعد ذلك تطالب نفسك بما لا مقدرة عليه، وتتمنى أن تغض بصرك.

ترجو السلامة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تجري على اليبس

قال ابن تيمية: وتأمل كيف عصم الله عز وجل يوسف عليه السلام من فتنة امرأة العزيز، فقد كانت مشركة فوقعت مع تزوجها فيما وقعت فيه من السوء، ويوسف عليه السلام مع عزوبته ومراودتها له واستعانتها عليه بالنسوة وعقوبتها له بالحبس على العفة عصمه الله بإخلاصه لله تحقيقاً لقوله: وَلاغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ [الحجر:39، 40]، قال تعالى: إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌ إِلاَّ مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ [الحجر:42].
القاعدة الثامنة: ((وأتبع السيئة الحسنة تمحها)).

أيها الأخ المبارك، إن انزلاق عينيك في نظرة محرمة، واختلاسة طرفك لصورة نهيت عن النظر إليها، ينكت نكتة سوداء في قبلك، فاحذر أن تكثر هذه النقاط السود حتى يصبح قلبك أسود مرباداً كالكوز مجخياً أي منكوساً لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً إلا ما أشرب في هواه، فاحذر كل الحذر من هذا، وأتبع هذه السيئة بحسنة، حتى تجلو قلبك وتغسل فؤادك من ظلمة المعصية، وذلة المخالفة، وتضيق على شيطانك منافذه.

إن الشيطان يأتيك فيقول لك: ها قد وقعت، فانتهى أمرك، فلا تحمل نفسك ما لاطاقة لك به، فلا داعي لأن تعاهد نفسك بعدم النظر وتمنتع عن شيء تعلم يقيناً أنك ستعود إليه، وهكذا ينسج الشيطان الرجيم حولك خيوطاً من الوهم، والوهن، حتى تصبح أسيره، ولا تلبث أن يصدق عليك قول الله عزوجل: أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ [الجاثية:23].
القاعدة التاسعة: وَقَالَ رَبُّكُـمْ ٱدْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دٰخِرِينَ [غافر:60].

روى شعبة عن عبدالملك بن عمير قال سمعت مصعب بن سعد يقول: كان سعد يعلمنا هذا الدعاء عن النبي: ((اللهم إني أعوذ بك من فتنة النساء وأعوذ بك من عذاب القبر)).

الدعاء، خير سلاح، وأقوى وسيلة، وأنفع دواء، به استعانة برب الأرض والسماء، به النصر على الأعداء، فاستعن به يا أخي.

ادع الله دائماً أن يحفظ عليك إيمانك، وأن يقوي عزيمتك على غض البصر، وحفظ النظر، ادع الله في ليلك ونهارك، في أوقات الاستجابة، وفي كل وقت.

أيها الإخوة المؤمنون، ضيق الوقت يمنعني من بيان أمور أخرى متصلة بهذا الموضوع، منها ذكر بعض الحيل الشيطانية التي يحتال بها الشيطان لأجل أيقاعنا في هذه الفتنة، وكذا الحديث عن مشاهدة القنوات الفضائية، ثم الحديث عن شبكة الانترت والوسائل المعنية على السلامة من أخطارها، ولعل الله ييسر ذلك إن كان في العمر بقية.

أيها الإخوة، ما هي إلا كلمات سكبت فيها روحي، وأفرغت فيها مشاعري، أرجو أنها خرجت من قلب اعتصر من هول هذه المشكلة، والكلام يسير، لكن الفعل عسير.




[1] تفسير القرطبي.

عبقور2011
02-26-2011, 04:14 PM
هادم البيوت (الطلاق)

سعود الشريم


ملخص الخطبة

1- كلمة الطلاق وتعظيم شأنها وأثرها. 2- تكدر المعيشة بين الزوجين فرع عن الثأرة والأنانية. 3- الزواج من ذات يذلل سبل حل المشكلات والمنازعات. 4- تربية الإسلام للزوجة على محبة وطاعة زوجها. 5- الحياة الزوجية لن تخلوا بحال من كدر. 6- دور الإعلام في إفساد الحياة الاجتماعية. 7- قوامة الرجل وحقوق المرأة. 8- أسباب لكثرة الطلاق. 9- نماذج من نساء السلف اللاتي أحسن التبعل لأزواجهن. 10 وصية الله ورسوله بالنساء.

الخطبة الأولى



أما بعد:

فيا أيها الذين آمنوا اتقوا الله، اتقوه حق التقوى، واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى واحذروا المعاصي، فإن أقدامكم على النار لا تقوى، واعلموا أن ملك الموت قد تخطاكم إلى غيركم وسيتخطى غيركم إليكم فخذوا حذركم. الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من اتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني.

عباد الله، يحكي واقع كثير من الناس اليوم، صوراً شتى من اللامبالاة، بقيم الألفاظ ودلالات الكلام وثمراته، ترى الكلمة تخرج من فم المرء، لا يلقي لها بالا، ربما أهوت به في مسالك الضياع والرذيلة، استحقر بعضهم حجم الكلمات، واستنكف عن معانيها، وما علم أولئك،

أن النار بالعيدان تذكى وأن الحرب مبدأها كلام.

أيها الناس، أيستغرب أحدكم لو قيل له: إن كلمة من الكلمات تكون معولا صُلبا، يهدم به صرح أسر وبيوتات؟ أيستغرب أحدكم لو قيل له: إن كلمة من الكلمات تنقل صاحبها من سعادة وهناء، إلى محنة وشقاء؟ أيستغرب أحدكم لو قيل له: إن كلمة من الكلمات تحرك أفرادا وجماعات، وتنشئ تزلفا وشفاعات، لرأب ما صدعت وجمع ما فرقت؟ أتدرون أي كلمة هذه؟

إنها كلمة أبكت عيونا، وأجهشت قلوبا، وروعت أفئدة، إنها كلمة صغيرة الحجم، لكنها جليلة الخطب، إنها كلمة ترعد الفرائص بوقعها، وتقلب الفرح ترحا والبسمة غصة، إنها كلمة الطلاق، إنها كلمة الطلاق، وما أدراك ما الطلاق؟! كلمة الوداع والفراق، والنزاع والشقاق، فلله كم هدمت من بيوت للمسلمين! وكم قطعت من أواصر للأرحام والمحبين! يالها من ساعة رهيبة، ولحظة أسيفة، يوم تسمع المرأة طلاقها، فتكفكف دموعها، وتودع زوجها! يالها من لحظة تجف فيها المآقي، حين تقف المرأة على باب دارها، لتلقي النظرات الأخيرة، نظرات الوداع على عش الزوجية، المليء بالأيام والذكريات! يا لها من لحظة عصيبة، حين تقتلع السعادة أطنابها، من رحاب ذلك البيت المسلم المبارك!

عباد الله، العِشرة الزوجية ضرب خاص من المحبة في النفس، ليس له في أنواعه ضريب، فهو الذي يسكن به الزوجان، وهو الذي يلتقي به بشران، فيكون كل منهما متمما لوجود الآخر، ينتجان بالتقائهما بشرا مثلهما وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَزْوٰجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً [النحل:72].

إن اختلال العشرة بين الزوجين، يذكي نار الفرقة، وكثرة الخصام تضرم[1] أوارها[2]، ولو أحب الأزواج أنفسهم حبا صادقا، وسكن بعضهم إلى بعض، لود كل منها الآخر، وود لأجله أهله وعشيرته؛ لأن المودة بين الزوجين سبب من أسباب سعادة العشيرة، وسعادة العشيرة للأمة المؤلفة من العشائر، المؤلفة من الأزواج، فهذا التآلف والتأليف، هو الذي يتكون من مزاج الأمة، فما يكون عليه من اعتدال وكمال، يكون كمالا في بنية الأمة واعتدالا، وقرة عين لمجموعها، وما يطرأ عليه من فساد واعتلال، يكون مرضا للأمة، يوردها موارد الهلكة، فمن لا خير فيه لأهله لا خير فيه لأمته، قال رسول الله : ((خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي)) [أخرجه الترمذي بإسناد صحيح][3].

عباد الله، لقد قال المصطفى في الحديث المشهور: ((فاظفر بذات الدين تربت يداك)) [متفق عليه][4].

هذه هي الزوجة التي يحث الشارع على تحصيلها والرضا بها، ويدعو على من أراد غيرها، وزهد فيها ورغب عنها. ومن المعلوم بداهة؛ أنه لا يرغب في الظفر بذات الدين، إلا من كان قلبه معلقا بالدين، وكانت نفسه من النفوس الزكية، ومن هذه حاله، فلا غرو أن يرزق المودة بينه وبين زوجه؛ لأنها من ثمرات المشاكلة في السجايا والصفات الفاضلة، وعلى العكس من ذلك، المشاكلة في الصفات الرديئة، والسجايا الدنيئة، فهي لا تثمر محبة، ولا تورث توددا.

قال رسول الله : ((خير متاع الدنيا المرأة الصالحة)) [رواه مسلم][5].

إنه متى كان الدين بين كل زوج وزوجته، فمهما اختلفا وتدابرا، وتعقدت أنفسهما، فإن كل عقدة من العقد لا تجيء إلا ومعها طريقة حلها ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، وهو اليسر والمساهلة، والرحمة والمغفرة، وهو العهد والوفاء، وهو اتساع الذات، وارتفاعها فوق ما تكون به منحطة أو وضيعة.

ومن كانت هذه حاله، فلن يستنكف أن يكون ممتثلا لما خوطب به من قول المصطفى : ((لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها)) [أخرجه الترمذي وهو صحيح][6]. وقوله : ((استوصوا بالنساء خيرا)) [متفق عليه][7].

وثمرة الدين في المرأة يظهر في مثل قول عائشة ـ رضي الله عنها ـ: (يا معشر النساء لو تعلمن بحق أزواجكم عليكن، لجعلت المرأة منكن تمسح الغبار عن قدمي زوجها بحر وجهها).

فما أحمق الرجل يسيء معاشرة امرأته! وما أحمق المرأة تسيء معاملة بعلها.

أيها الناس، الطلاق كلمة، لا ينازع أحد في جدواها، وحاجة الزوجين إليها، حينما يتعذر العيش تحت ظل واحد، وإذا بلغ النفور بينهما مبلغا، يصعب معه التودد، فالواجب أن يتفرقا بالمعروف والإحسان، كما اجتمعا بهذا القصد وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ مّن سَعَتِهِ وَكَانَ ٱللَّهُ وٰسِعاً حَكِيماً [النساء:130].

إن الله ـ عز وجل ـ لم يخلق الزوجين بطباع واحدة، والزوجان اللذان يظنان، أنهما مخلوق واحد، يعيشان في أوهام؛ إذ كيف يريد منها زوجها أن تفكر برأسه، وكيف تريد هي منه، أن يحس بقلبها وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِى عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ وَلِلرّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ [البقرة:228].

إن النسيم لا يهب عليلا داخل البيت على الدوام، فقد يتعكر الجو، وقد تثور الزوابع، وإن ارتقاب الراحة الكاملة نوع وهم، ومن العقل توطين النفس على قبول بعض المضايقات، وترك التعليق المرير عليها. فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً [النساء:19]. وقال رسول الله : ((لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا رضي منها آخر)) [رواه مسلم][8].

ومن يتتبع جاهدا كل عثرة يجدها ولا يسلم له الدهرَ صاحبُ

بيد أن بيوتات كثيرة فقدت روح التدين، فهي تتنفس في جو من الشراسة والنكد، واكتنفتها أزمات عقلية وخلقية واجتماعية، فقد تطلق المرأة اليوم، في رطل لحم، علق الرجل به طلاقها إن قامت بشرائه، فيخبط هؤلاء خبط العشواء[9]، ويتصرفون تصرف الحمقى؛ فيقعون في الإثم والحيف[10].

عباد الله، لقد كثر الطلاق اليوم، لما فقدت قوامة الرجل في بعض المجتمعات، إبان غفلة تقهقر عن مصدر التلقي من كتاب وسنة، وركن فئام من الناس إلى مصادر مريضة، قلبت مفاهيم العشرة، وأفسدت الحياة الزوجية، من حيث يشعرون أو لا يشعرون، وتولى كِبْرَ[11] تلك المفاهيم الإعلام بشتى صوره، من خلال مشاهدات متكررة يقعِّد فيها مفاهيم خاطئة، ومبادئ مقلوبة في العشرة الزوجية، حتى وضع الزوجات تاريخهن.

ولرب منظر يشهده ألف امرأة بمرة واحدة، فإذا استقر في وعيهن، وطافت بهنّ الخواطر والأفكار، سلبهن القرار والوقار، فمثلنه ألف مرة، بألف طريقة، في ألف حادثة، فلا تعجبوا حينئذ إذا استأسد الحَمَل، واستنوق الجمل! والعجب كل العجب، أنه في ثنايا المناقشة يقرر الإعلاميون أن دور الإعلام مع المرأة، إنما هو كالتلقيح بمصل بعض الأدواء المعدية، والتسليم بميكروبها، بزعم أنها تكسب صاحبها مناعة، تقيه من أن يعي بوبائها.

وحقيقة الأمر أنهم بالذي وضعوا زادت العقد، وإن ما يذكره الإعلاميون، هو التعرض لعدوى الوباء في عنفوان شدته، وصدق من قال:

وكانت دوائي وهي دائي بعينه كما يتداوى شارب الخمر بالخمر

والواقع ـ أيها المسلمون ـ أن داخل البيت المسلم يتأثر بخارجه، وتيارات الميوعة والجهالة إذا عصفت في الخارج، تسللت إلى الداخل، فلم ينج من بلائها إلا من عصم الله.

الحياة الزوجية حياة اجتماعية، ولابد لكل اجتماع من رئيس يرجع إليه عند الاختلاف في الرأي والرغبة، والرجل أحق بالرياسة؛ لأنه أعلم بالمصلحة، وأقدر على التنفيذ، بما أودع الله فيه من ذلك. وإن ما تتلقنه المرأة من الأجواء المحيطة بها، على منازعة الرجل قوامته، لمن الانحراف الصَّرْف، والضلال المبين.

وإن قوامة الرجل في بيته لا تعني منحه حق الاستبداد والقهر، فعقد الزوجية، ليس عقد استرقاق، ولا عقد ارتفاق لجسد المرأة، إنه أزكى من ذلك وأجل.

وكل من الزوجين بشر تام، له عقل يتفكر به، وقلب يحب به ويكره، فوجب الحق للمرأة حتى مع قوامة الرجل وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِى عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ [البقرة:228]. كما أن قوامة الرجل، لا تعني استغناءه عن زوجه، فالله ـ عز وجل ـ يقول: هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ [البقرة:187].

عباد الله، لقد كثر الطلاق اليوم، لما صار المطلق أحد رجلين: إما رجل أعمل سلطته وأهمل عاطفته؛ فكان في بيته سيدا، ولكنه لم يذق طعم المحبة والسعادة، ولا عرف الصفاء والهناء. وإما رجل تبع عاطفته فأطاعها، وأهمل سلطته فأضاعها، فعاش في داره عبدا رقيقا.

لقد كثر الطلاق اليوم لما كثر الحسدة والواشون، فنكسوا الطباع، وعكسوا الأوضاع، وصيروا أسباب المودة والالتئام، عللا للتباغض والانقسام. ولربما كان لأهل الزوجين مواقف ظاهرة، بدت سببا مباشرا في كثير من الخلافات، فقد يتدخل الأب، وقد تتدخل الأم أو الأخ، أو الأخت، فيحار الزوج من يقدم؟ والديه، الذين عرفاه وليدا، وربياه صغيرا؟ أم زَوْجَهُ التي هجرت أهلها، وفارقت عشها من أجله؟ إن هذه لمُرتَقَيَاتٌ صعبة، أهونها أصعب الصعاب، وأحلاها أمرّ من المر.

إن مثل هذه التدخلات في الحياة الزوجية، لهي مكمن الخطر لدى كثير من الأسر، فما بال أولئك يهجمون على البيوت؟ فيأتونها من ظهورها، ويمزقون ستارها، ويهتكون حجابها، وينتزعون الجرائد من أكنافها، والفرائد من أصدافها، ويوقعون العداوة والبغضاء بين الأزواج. ماذا يكون أثر هؤلاء في البيوت التي تتكون منها الأمة، في الأمة المكونة من البيوتات؟! إنه لا يغيب عن فهم عاقل، أن شرهم مستطير، وأن ما يفعلونه فتنة في الأرض وفساد كبير.

عباد الله، إن العلاقات الزوجية، عميقة الجذور، بعيدة الآماد، فرحم الله رجلا محمود السيرة، طيب السريرة، سهلا رفيقا، لينا رؤوفا، رحيما بأهله، لا يكلف زوجته من الأمر شططا، وبارك الله في امرأة لا تطلب من زوجها غلطا، ولا تحدث عنده لغطا، قال رسول الله : ((إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشرها)) [رواه أبو داود][12].

وقال : ((إذا صلت المرأة خمسها، وحصنت فرجها، وأطاعت بعلها، دخلت من أي أبواب الجنة شاءت)) [رواه ابن حبان][13].

وبهذا كله، يفهم الرجل أن أفضل ما يستصحبه في حياته، ويستعين على واجباته، الزوجة اللطيفة العشرة، القويمة الخلق، وهي التي تسره إذا نظر، وتطيعه إذا أمر، ولا تخالفه في نفسها ولا مالها بما يكره، إن هذه الزوجة هي دعامة البيت السعيد، وركنه العتيد.

فَٱلصَّـٰلِحَـٰتُ قَـٰنِتَـٰتٌ حَـفِظَـٰتٌ لّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ [النساء:34].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم...


[1] تضرم: توقد (القاموس ، مادة ضرم).

[2] الأُوَار: حّر النار (القاموس ، مادة أور).

[3] صحيح ، سنن الترمذي ح (3895) وقال : حسن غريب صحيح ، وأخرجه ابن ماجه ح (1977).

[4] صحيح البخاري ح (5090) ، صحيح مسلم ح (1466).

[5] صحيح مسلم ح (1467).

[6] سنن الترمذي ح (1159) ، كما أخرجه أبو داود ح (2140) ، وابن ماجه ح (1852).

[7] صحيح البخاري ح (5186) ، صحيح مسلم : كتاب الرضاع ح (60).

[8] صحيح مسلم ح (1469).

[9] يقال: خطبه خبط عشواء أي : ركبه على غير بصيرة. والعشواء: الناقة لا تبصر أمامها (القاموس ، مادة عشو).

[10] الحيف: الجور والظلم (مختار الصحاح ، مادة حيف).

[11] كِبْر الشيء: معظمه (مختار الصحاح ، مادة كبر).

[12] سنن أبي داود ح (4870) ولفظه : ((إن من أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة ...)) وفي إسناده : عمر بن حمزة العمري. قال الذهبي في الميزان . 3/192) : وضعّفه يحيى بن معين والنسائي ، وقال أحمد : أحاديثه مناكير)). وانظر آداب الزفاف للألباني ص 142-143.

[13] صحيح ، صحيح ابن حبان (الإحسان ح 4163).



الخطبة الثانية



الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وصفيه وخليله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فيا أيها الناس، إن أحدنا لتمر عليه فترات، لا يرضى فيها عن نفسه، ولكنه يتحملها، يتعلل بما يحضره من المعاذير، وإذا كان الأمر كذلك، فليكن هذا هو الشأن بين الزوجين، يلتمس كل منهما لقرينه المعاذير فإن المؤمن يطلب المعاذير، والمنافق يطلب الزلات؛ ولابد من غض الطرف عن الهفوات والزلات، حتى تستقيم العشرة،

من ذا الذي ما ساء قط ومن له الحسـنى فقـط

ولا شيء يخفف أثقال الحياة، وأوزار المتاعب، عن كاهل الزوجين، كمثل أحدهما للآخر، ولا شيء يعزي الإنسان عن مصابه في نفسه وغيره مثل المرأة للرجل، والرجل للمرأة؛ فيشعر المصاب منهما بأن له نفسا أخرى، تمده بالقوة، وتشاطره مصيبته.

فهذه أم المؤمنين خديجة ـ رضي الله عنها ـ زوج النبي ، كانت له في المحنة قلبا عظيماً، وكانت لنفسه كقول: (نعم)، فكأنما لم تنطق قط (لا)، إلا في الشهادتين، وما زالت ـ رضي الله عنها ـ، تعطيه من معاني التأييد والتهوين، كأنما تلد له المسرات من عواطفها، كما تلد الذرية من أحشائها؛ بمالها تواسيه، وبكلامها تسليه (كلا والله لا يخزيك الله أبدا، إنك تصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق) [1].

وحدث أنس بن مالك ، عن أمه أم سليم، بنت ملحان الأنصارية ـ رضي الله عنهما ـ قال: مرض أخ لي من أبي طلحة، يدعى أبا عمير، فبينما أبو طلحة في المسجد، مات الصبي، فهيأت أم سليم أمره، وقالت: لا تخبروا أبا طلحة بموت ابنه، فرجع من المسجد، وقد تطيبت له وتصنعت، فقال: ما فعل ابني؟ قالت: هو أسكن مما كان، وقدمت له عشاءه، فتعشى هو وأصحابه، ثم أتما ليلتهما على أتم وأوفق ما يكون، فلما كان آخر الليل قالت: يا أبا طلحة، ألم تر إلى آل فلان، استعاروا عارية فتمتعوا بها، فلما طلبت إليهم شق عليهم، قال أبو طلحة: ما أنصفوا. قالت: فإن ابنك فلانا، كان عارية من الله فقبضه إليه، فاسترجع وحَمِد الله وقال: والله لا أدعك تغلبينني على الصبر. حتى إذا أصبح، غدا على رسول الله فلما رآه قال: ((بارك الله لكما في ليلتكما)) [متفق عليه][2].

الله أكبر! بمثل هذا فلتكن العشرة أيها الأزواج، بمثل هذا فلتكن الحياة الهانئة السعيدة، في النفس والولد والمال.

ثم اعلموا ـ رحمكم الله ـ أن لكلا الزوجين حقا على الآخر؛ فحقٌ على الزوج أن ينفق عليها، ولا يكلفها من الأمر مالا تطيق، وأن يسكنها في بيت يصلح لمثلها، وأن يعلمها، ويؤدبها، ويغار عليها، ويصونها، وألا يتخونها، ولا يلتمس عثراتها، وأن يعاشرها بالمعروف، قال رسول الله : ((استوصوا بالنساء خيرا)) [متفق عليه][3].

وسئل : ما حق امرأة أحدنا عليه؟ قال: ((تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه ولا تُقَبِّح، ولا تهجر إلا في البيت)) [رواه أبو داود][4].

ومن حق الزوج على زوجته، أن تطيعه في المعروف، وأن تتابعه في مسكنه، وألا تصوم تطوعا إلا بإذنه، وألا تأذن لأحد في بيته إلا بإذنه، وألا تخرج بغير إذنه، وأن تشكر له نعمته عليها ولا تكفرها، وأن تدبر منزله وتهيئ أسباب المعيشة به، وأن تحفظه في دينه وعرضه. قال رسول الله : ((أيما امرأة ماتت وزوجها عنها راض دخلت الجنة)) [رواه الترمذي والحاكم][5].

هذا وصلوا ـ رحمكم الله ـ على خير البرية وأفضل البشرية...

[1] أخرجه البخاري ح (3).

[2] صحيح البخاري ح (5470) ، صحيح مسلم ح (2144) ، وأخرجه أحمد (3/105-106) واللفظ له.

[3] تقدم تخريجه أول الخطبة.

[4] صحيح ، سنن أبي داود ح (2142). وأخرجه أيضاً أحمد (4/447) وابن ماجه ح (1850).

[5] سنن الترمذي ح (1161) وقال : حسن غريب ، ومستدرك الحاكم (4/173) وقال: صحيح الإسناد ، ووافقه الذهبي. ولكن الذهبي نفسه في ميزان الاعتدال (4/95) يقول عن مساور الحميري : ((مساور الحميري عن أمه عن أم سلمة ، فيه جهالة ، والخبر منكر)) . وقال ابن حجر في التقريب (6631) : مجهول. وانظر السلسلة الضعيفة للألباني (1426).

عبقور2011
02-26-2011, 04:18 PM
بسـم الله الرحمن الرحيم

السلف والعبادة

من هدي السلف في العبادة

قال الوليد بن مسلم : رأيت الأوزاعي يثبت في مصلاه ، يذكر الله حتى تطلع الشمس ، ويخبرنا عن السلف : أن ذلك كان هديهم ، فإذا طلعت الشمس ، قام بعضهم إلى بعض ، فأفاضوا في ذكر الله ، والتفقه في دينه .

معنى الخشوع :
سئل الأوزاعي عن الخشوع في الصلاة ، قال : غض البصر ، وخفض الجناح ، ولين القلب ، وهو الحزن ، الخوف .
من كان بالله أعرف كان منه أخوف
روى حماد بن زيد عن أيوب قال : قيل لعمر بن عبد العزيز : يا أمير المؤمنين لو أتيت المدينة ، فإن قضى الله موتا ، دفنت في موضع القبر الرابع مع رسول الله صلىالله عليه وسلم ، قال : والله لأن يعذبني الله بغير النار أحب إلي من أن يعلم من قلبي أني أراني لذلك أهلا .

التوازن عند السلف
قال بلال بن سعد : أدركتهم يشتدون بين الأغراض يضحك بعضهم إلى بعض ، فإذا كان الليل كانوا رهبانا .

تأثر السلف بالجنائز
قال ثابت البناني : كنا نتبع الجنازة فما نرى إلا متقنعا باكيا أو متقنعا متفكرا .

العابد الرباني وهيب بن الورد . قال ابن إدريس : مارأيت أعبد منه .

وقال ابن المبارك : قيل لوهيب : يجد طعم العبادة من يعصي ؟ قال : ولا من يهم بالمعصية .

وصفة في مكابدة الشيطان ومغالبته
قال الحارث بن قيس العابد الفقيه التابعي : إذا كنت في الصلاة ، فقال لك الشيطان : إنك ترائي ، فزدها طولا .

لم يكن أهل البيت من الغافلين
ابن أم عبد الصحابي الجليل رجله في الميزان أثقل من جبل أحد أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه

روى مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ غَدَوْنَا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ يَوْمًا بَعْدَ مَا صَلَّيْنَا الْغَدَاةَ فَسَلَّمْنَا بِالْبَابِ فَأَذِنَ لَنَا قَالَ فَمَكَثْنَا بِالْبَابِ هُنَيَّةً قَالَ فَخَرَجَتِ الْجَارِيَةُ فَقَالَتْ أَلا تَدْخُلُونَ فَدَخَلْنَا فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ يُسَبِّحُ فَقَالَ مَا مَنَعَكُمْ أَنْ تَدْخُلُوا وَقَدْ أُذِنَ لَكُمْ فَقُلْنَا لا إِلا أَنَّا ظَنَنَّا أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْبَيْتِ نَائِمٌ قَالَ ظَنَنْتُمْ بِآلِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ غَفْلَةً قَالَ ثُمَّ أَقْبَلَ يُسَبِّحُ حَتَّى ظَنَّ أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ طَلَعَتْ فَقَالَ يَا جَارِيَةُ انْظُرِي هَلْ طَلَعَتْ قَالَ فَنَظَرَتْ فَإِذَا هِيَ لَمْ تَطْلُعْ فَأَقْبَلَ يُسَبِّحُ حَتَّى إِذَا ظَنَّ أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ طَلَعَتْ قَالَ يَا جَارِيَةُ انْظُرِي هَلْ طَلَعَتْ فَنَظَرَتْ فَإِذَا هِيَ قَدْ طَلَعَتْ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَقَالَنَا يَوْمَنَا هَذَا فَقَالَ مَهْدِيٌّ وَأَحْسِبُهُ قَالَ وَلَمْ يُهْلِكْنَا بِذُنُوبِنَا قَالَ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ قَرَأْتُ الْمُفَصَّلَ الْبَارِحَةَ كُلَّهُ قَالَ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ هَذًّا كَهَذِّ الشِّعْرِ إِنَّا لَقَدْ سَمِعْنَا الْقَرَائِنَ وَإِنِّي لأَحْفَظُ الْقَرَائِنَ الَّتِي كَانَ يَقْرَؤُهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِنَ الْمُفَصَّلِ وَسُورَتَيْنِ مِنْ آلِ حم *

كثرة بكائه من خشية الله) ابن عمر(
بإسناد رجاله ثقات عن نافع: كان ابن عمر إذا قرأ: { ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله } بكى حتى يغلبه البكاء

بإسناد رجاله ثقات عن محمد بن زيد: أن ابن عمر كان له مهراس فيه ماء , فيصلي فيه ماقدر له , ثم يصير إلى الفراش يغفي إغفاءة الطائر , ثم يقوم , فيتوضأ ويصلي , يفعل ذلك في الليل أربع مرات أو خمسة

وعن نافع: كان ابن عمر لايصوم في السفر , ولايكاد يفطر في الحضر.

قال ابن المبارك :

بغض الحياة وخوف الله أخرجني وبيع نفسي بما ليس له ثمنا

إني وزنت الذي يبقى ليعدله ما ليس يبقى فلا والله ما اتزنا

سيد التابعين وزاهد العصر أبو مسلم الخولاني .

يؤدب ويروض نفسه بضربها
قال عثمان بن أبي العاتكة : علق أبو مسلم سوطا في المسجد ، فكان يقول : أنا أولى بالسوط من البهائم ، فإذا فتر ، مشق ساقيه سوطا أو سوطين ( أي ضرب بسرعة) . وكان يقول : لو رأيت الجنة عيانا أو النار عيانا ما كان عندي مستزاد .

كثرة صومه حتى في الجهاد
عن عطية بن قيس ، قال : دخل ناس من أهل دمشق على أبي مسلم وهو غاز في أرض الروم ، وقد احتفر جُورة في فسطاطه ، وجعل فيها نطعا وأفرغ فيه الماء وهو يتصلق فيه ( وهو التقلب على جنبيه) فقالوا : ما حملك على الصيام وأنت مسافر ؟ قال : لو حضر قتال لأفطرت ، ولتهيأت له وتقويت ؛ إن الخيل لا تجري الغايات وهن بُدًن ، إ،ما تجري وهن ضُمر ، ألا وإن أيامنا باقية جائية لها نعمل .

عامر بن عبد قيس القدوة الولي الزاهد أبو عبد الله التميمي البصري كان ثقة من عباد التابعين يشغل نفسه باقراء الناس .

قلبه معلق بالصلاة
عن الحسن أن عامرا كان يقول : من أُقرئ ؟ فيأتيه ناس ، فيقرئهم القرآن ثم يقوم فيصلي إلى الظهر ، ثم يصلي إلى العصر ، ثم يقرئ الناس إلى المغرب ، ثم يصلي مابين العشائين ، ثم ينصرف إلى منزله ، فيأكل رغيفا ، وينام نومة خفيفة ، ثم يقوم لصلاته ، ثم يتسحر رغيفا ويخرج .

تورمت قدماه من طول الصلاة
كان عامر لا يزال يصلي من طلوع الشمس إلى العصر ، فينصرف وقد انتفخت ساقاه فيقول : يا أمارة بالسوء ، إنما خلقت للعبادة .

خشيته وخشوعه بين يدي الجبار
عن أبي الحسن المجاشعي قال : قيل لعامر بن عبد قيس : أتحدث نفسك في الصلاة ؟ قال : أحدثها بالوقوف بين يدي الله ، ومنصرفي .

أنس بطاعة الله فبكى عند فقدها
قال قتادة : لما احتضر عامر بن عبد قيس بكى ، فقيل مايبكيك ؟ قال : ما أبيك جزعا من الموت ، ولا حرصا على الدنيا ، ولكن أبكي على ظمأ الهواجر وقيام الليل .

العابد التابعي هرم بن حيان العبدي ، قاد بعض الحروب في أيام عمر وعثمان ، قال ابن سعد : كان عاملا لعمر ، وكان ثقة ، له فضل وعبادة .

مناداته للصلاة في الليل
قال المعلى بن زياد : كان هرم يخرج في بعض الليل وينادي بأعلى صوته : عجبت من الجنة كيف نام طالبها ؟ وعجبت من النار كيف نام هاربها ؟ ثم يقول : { أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا}

أقبل على الله بقلبك يقبل الناس عليك
قال قتادة : كان هرم بن حيان يقول : ما أقبل عبد بقلبه إلى الله ، إلا أقبل الله بقلوب المؤمنين إليه ، حتى يرزقه ودهم .


الإمام القدوة أبو عمرو الأسود بن يزيد النخعي كان من رؤوس العلم والعمل .

يضرب بعبادته المثل
قال الذهبي : وهو نظير مسروق في الجلالة والعلم والثقة والسن يضرب بعبادهما المثل .

ملازته للعبادة ومداومته عليها
سئل الشعبي عن الأسود بن يزيد فقال : كان صواماً قواماً حجاجاً .

وقال أبو إسحاق : حج الأسود ثمانين ، من بين حجة وعمرة .

وكان يختم القرآن في رمضان في كل ليلتين ، وكان ينام بين المغرب والعشاء ، وكان يختم القرآن في غير رمضان في كل ست ليال .

حياؤه من الله جل وعلا
عن علقمة بن مرثد قال : كان الأسود يجتهد في العبادة ، ويصوم حتى يخضر ويصفر ، فلما احتضر بكى ، فقيل له : ما هذا الجزع ؟ فقال : مالي لا أجزع ، والله لو أتيت بالمغفرة من الله لأهمني الحياء منه مما قد صنعت ، إن الرجل ليكون بينه وبين آخر الذنب الصغير فيعفو عنه ، فلا يزال مستحيا منه .


التابعي الجليل ، فقيه الكوفة وعالمها ومقرئها ، الإمام ، الحافظ ، المجود ، المجتهد الكبير ، أبو شبل علقمة بن قيس بن عبد الله النخعي عم الأسود .

يختم القرآن في خمس
روى الأعمش عن إبراهيم قال : كان علقمة يقرأ القرآن في خمس ، والأسود في ست ، وعبد الرحمن بن يزيد في سبع .


التابعي الإمام ، القدوة ، العلم ، أبو عائشة مسروق بن الأجدع الوادعي الهمداني .

تورمت قدماه من طول القيام
روى أنس بن سيرين عن امرأة مسروق قالت : كان مسروق يصلي حتى تورم قدماه ، فربما جلست أبكي مما أراه يصنع بنفسه .

قال العجلي : تابعي ثقة ، كان أحد أصحاب عبد الله الذين يقرئون القرآن ويفتون . وكان يصلي حتى ترم قدماه .

حج فلم ينم إلا ساجدا
روى شعبة عن أبي إسحاق ، قال : حج مسروق فلم ينم إلا ساجداً على وجهه حتى رجع .

آنس نفسه في الصلاة فما يأسى إلا عليها
قال سيعد بن جبير ، قال لي مسروق : مابقي شيئ يرغب فيه إلا أن نعفر وجوهنا في التراب ، وما آسى على شيئ إلا السجود لله تعالى .

العلم الخشية
الأعمش عن مسلم عن مسروق قال : كفى بالمرء علما أن يخشى الله تعالى ، وكفى بالمرء جهلا أن يعجب بعمله .

مرة الطيب ، ويقال له أيضا : مرة الخير لعبادته وخيره وعلمه ، وهو مرة بن شراحيل الهمداني الكوفي، مخضرم كبير الشأن روى عن أبي بكر وعمر وابن مسعود .

أكل التراب جبهته
وثقه يحي بن معين . وبلغنا عنه أنه سجد لله حتى أكل التراب جبهته .

وقال عطاء بن السائب : رأيت مصلى مرة الهمداني مثل مبرك البعير .

قال الذهبي : ما كان هذا الولي يكاد يتفرغ لنشر العلم ، ولهذا لم تكثر روايته ، وهل يراد من العلم إلا ثمرته .

أشبه الناس هديا وصلاة وخشوعا برسول الله صلىالله عليه وسلم
عمرو بن الأسود العنسي الحمصي ، أدرك الجاهلية والأسلام ، كان من سادة التابعين دينا وورعا .

حج عمرو بن الأسود ، فلما انتهى إلى المدينة ، نظر إليه ابن عمر وهو يصلي فسأل عنه ، فقيل : شامي يقال له : عمرو بن الأسود ، فقال : ما رأيت أحدا أشبه صلاة ولا هديا ولا خشوعا ولا لبسة برسول الله صلىالله عليه وسلم من هذا الرجل .
ثم بعث إليه ابن عمر بقرى وعلف ونفقة ، فقبل ذلك ورد النفقة .
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : من سره أن ينظر إلى هدي رسول الله صلىالله عليه وسلم ، فلينظر إلى هدي عمرو بن الأسود .

الأمير الكبير ، العالم النبيل ، أبو بحر الأحنف بن قيس التميمي ، أحد من يضرب بحلمه وسؤدده المثل، وفد على عمر .

صيام مع الكبر إعداد للسفر الطويل
قيل للأحنف : إنك كبير ، ولاصوم يضعفك . قال إني أعده لسفر طويل . وقيل : كانت عامة صلاة الأحنف بالليل .

محاسبته لنفسه بالمصباح
كان الأحنف يضع أصبعه على المصباح ، ثم يقول : حس . ويقول : ما حملك يا أحنف على أن صنعت كذا يوم كذا .

ذهبت عينه منذ سنين فلم يشكو لأحد
قال مغيرة : ذهبت عين الأحنف فقال : ذهبت من أربعين سنة ما شكوتها إلى أحد .


الإمام القدوة شيخ الإسلام أبو محمد البناني ، مولاهم البصري .

معنى العبادة عنده
ولد في خلافة معاوية . وحدث عن ابن عمر ، وعبد الله بن مغفل المزني ، وأبي برزة الأسلمي ، وأنس بن مالك وغيرهم .

عن سليمان بن المغيرة قال : سمعت ثابتا البناني يقول : لا يسمى عابدا أبدا عابدا وإن كان فيه كل خصلة خير حتى تكون فيه هاتان الخصلتان : الصوم والصلاة ؛ لأنهما من لحمه ودمه .

قال بكر المزني : من أراد أن ينظر إلى أعبد أهل زمانه فلينظر إلى ثابت البناني ، فما أدركنا الذي هو أعبد منه .

قال شعبة : كان ثابت البناني يقرأ القرآن في كل يوم وليلة ، ويصوم الدهر .

تنعم بالصلاة بعد المكابدة
قال ثابت : كابدت الصلاة عشرين سنة ، وتنعمت بها عشرين سنة .

بكاؤه وخشوعه
قال حماد بن زيد : رأيت ثابتا يبكي حتى تختلف أضلاعه .

وقال جعفر بن سليمان : بكى ثابت حتى كادت عينه تذهب ، فجاؤوا برجل يعالجها ، فقال : أعالجها على أن تطيعني . قال : وأي شيئ ؟ قال : على أن لاتبكي . ، فقال : فما خيرهما إذا لم يبكيا ، وأبى أن يتعالج .

وقرأ ثابت : { تطلع على الأفئدة } قال تأكله إلى فؤاده وهو حي لقد تبلغ فيهم العذاب ثم بكى وأبكى من حوله .

وقال حماد بن سلمة : قرأ ثابت : { أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا } وهو يصلي صلاة الليل ينتحب ويرددها .

الربيع بن خثيم هو ابن عائذ أبويزيد الثوري الكوفي ، الإمام القدوة العابد ، أحد الآعلام ، وكان يعد من عقلاء الرجال , أدرك زمان الرسول صلىالله عليه وسلم وأرسل عنه .

اتهامه لنفسه :
عن بشير قال بت عند الربيع ذات ليلة فقام يصلي فمر بهذه الآية (( أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون )) قال فمكث ليلته حتى أصبح ما يجوز هذه الآية إلى غيرها ببكاء شديد ) .

الخشوع ، وسلامة القلوب وحب الخير للأمة لأن الدعوة همتهم
عن بكر بن ماعز قال أعطي الربيع فرساً أو اشترى فرساً بثلاثين ألفاً فغزا عليها قال ثم ارسل غلامه يحتش وقام يصلي وربط فرسه فجاء الغلام فقال يا ربيع أين فرسك قال سرقت يا يسار قال وأنت تنظر إليها قال : ( نعم يا يسار أني كنت أناجي ربي عز وجل فلم يشغلني عن مناجات ربي شيء اللهم انه سرقني ولم أكن لأسرقه اللهم إن كان غنياً فاهده وإن كان فقيراً فاغنه ) ، ثلاث مرات ) .

الإسرار بالعمل الصالح :
عن سفيان قال أخبرتني سرية الربيع بن خيثم قالت :( كان عمل الربيع كله سراً إن كان ليجيء الرجل وقد نشر المصحف فيغطيه بثوبه ) .

الحرص على العمل الصالح :
حدثنا عبدالله حدثني أبي حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا ابن حبان حدثني أبي قال كان الربيع بعد ما سقط شقه يهادى بين رجلين إلى مسجد قومه وكان أصحاب عبدالله يقولون يا أبا يزيد قد رُخص لك لو صليت في بيتك فيقول: إنه كما تقولون ولكني سمعته ينادي حي على الفلاح فمن سمعه منكم ينادي حي على الفلاح فيلجبه ولوزحفاً ولو حبواً ) .

زيارة المقابر من سبل تزكية النفس وترقيق القلب :
عن بن فروخ قال : ( كان الربيع بن خيثم إذا كان الليل ووجد غفلة الناس خرج إلى المقابر فيجول في المقابر يقول : ( يا أهل القبور كنتم وكنا ، فإذا أصبح كأنه نشر من أهل القبور ) .

بكاؤه :
عن نسير بن ذعلوق قال : ( كان الربيع بن خيثم يبكي حتى يبل لحيته من دموعه فيقول أدركنا قوماً كنا في جنوبهم لصوصاً )

الخشية و الخوف أقلقا مضجعه :
عن سفيان قال بلغنا عن أم الربيع بن خيثم كانت تنادي ابنها ربيع تقول يا ربيع ألا تنام فيقول يا أمه من جن عليه الليل وهو يخاف السيئات حق له ألا ينام قال فلما بلغ ورأت ما يلقى من البكاء والسهر نادته فقالت يا بني لعلك قتلت . قتيلا قال نعم يا والدة قد قتلت قتيلا ، فقالت ومن هذا القتيل يا بني حتى نتحمل إلى أهله فيغتفرك والله لو يعلمون ما تلقى من السهر والبكاء بعد لقد رحموك فقال يا والدة هو نفسي )

مسلم بن يسار الإمام ، القدوة الفقيه ، الزاهد ، كان خامس خمسة من فهاء البصرة .
روى عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم .

هكذا المناجاة لله تعالى والخشية والخشوع :
عن عبدالله بن مسلم بن يسار : إن أباه كان إذا صلى كأنه ودٌ لايميل لا هكذا ولاهكذا .

وقال غيلان بن جرير : " كان مسلم بن يسار إذا صلى كأنه ثوب ملقى"

عن ميمون بن حيان قال : ( ما رأيت مسلم بن يسار متلفتاً في صلاته قط خفيفة ولا طويلة ولقد انهدمت ناحية من المسجد ، فزع أهل السوق لهدته وأنه لفي المسجد في صلاته فما التفت ) .

حدثنا عبدالله حدثني أبي معتمر قال بلغني أن مسلماً كان يقول لاهله : ( إذا كانت لكم حاجة فتكلموا وأنا أصلي ) .

حدثنا عبدالله حدثنا أحمد بن إبراهيم حدثنا علي بن المبارك عن سليمان بن المغيرة عن صاحب عن ابن مسلم بي يسار أن أهل الشام لما دخلوا هزموا أهل البصرة زمن ابن الأشعث فصوت أهل دار مسلم بن يسار فقالت له أم ولده أما سمعت الصوت قال ما سمعته ) .

عن عبد الحميد بن عبدالله بن مسلم بن يسار عن أبيه قال:(كان مسلم إذا دخل المنزل سكت أهل البيت فلا يسمع لهم كلام وإذا قام يصلي تكلموا وضحكوا) .

عن زيد عن بعض البصرين أن مسلماً كان يصلي في المسجد قال فوقع بعض المسجد ففزع بعض أهل المسجد قال ومسلم في بعض المسجد ما تحرك )

وروي أنه : " وقع حريق في داره وأطفىء ، فلما ذكر ذلك له قال : ماشعرت "






الإمام الحافظ القدوى و شيخ الأسلام، محمد بن المكدرابن عبد الله التيمي القرشي
ولد سنة بضع وثلاثين .
قال الفسوي : هو غاية في الإتقان والحفظ والزهد ، حجة .

قال أبو حاتم البستي : كان من سادات القراء لايتمالك البكاء إذا قرأ حديث رسول الله صلىالله عليه وسلم .
مجاهدة النفس وترويضها على الطاعة

قال ابن المنكدر : كابدت نفسي أربعين سنة حتى استقامت .

بكاؤه من خشية الله
بينا ابن المنكدر ليلة قائم يصلي إذ استبكى و فكثر بكا,ه حتى فزع له أهله ، وسألوه ، فاستعجم عليهم ، وتمادى في البكاء ، فأرسلوا إلى أبي حازم فجاء إليه ، فقال : ما الذي أبكاك ؟ قال : مرت بي أية ، قال : وماهي ؟ قال : [ وبدالهم من الله مالم يكونوا يحتسبون ] فبكى أبوحازم معه فاشتد بكاؤهما .

وقد جزع ابن المنكدر عند الموت ، فقيل له : لم تجزع ؟ قال : أخشى آية من كتاب الله : [ وبدالهم من الله مالم يكونوا يحتسبون ] فأنا أخشى أن يبو لي من الله مالم أكن أحتسب .

تمتعه في قيام الليل
قال ابن المنكدر : إني لأدخل في الليل فيهولني ، فأصبح حين أصبح وما قضيت منه أربي .

عطاء بن أبي رباح هو الإمام شيخ الإسلام ، مفتي الحرم ، أبو محمد القرشي مولاهم

ولد في أثناء خلافة عثمان ، وحدث عن عائشة وأم سلمة ، وأم هاننئ ، وأبي هريرة ، وابن عباس ، وابن عمر وغيرهم من الصحابة .

وكان ثقة ، فقيها ، عالما ، كثير الحديث .

وكان بنو أمية يأمرون في الحج مناديا يصيح : لايفتي الناس إلا عطاء بن أبي رباح .

طول الصلاة مع كبر السن :
وعن ابن جريج صحبت عطاء ثماني عشرة سنة ، وكان بعد ماكبر وضعف يقوم إلى الصلاة فيقرأ مئتي آية من البقرة وهو قائم لايزول منه شيء ولايتحرك .

الإمام القدوة ربيعة بن يزيد لم يؤذن للصلاة إلا وهو في المسجد

: " ما أذن المؤذن لصلاة الظهر منذ أربعين سنة إلا وأنا في المسجد إلا أن أكون مريضا أو مسافرا .

الإمام الثقة صفوان بن سليم الزاهد العابد

يطرد النوم عن نفسه بالبرد وشدة الحر :
كان يصلي على السطح في الليلة الباردة لئلا يجيئه النوم .

وعن مالك بن أنس : كان صفوان بن سليم يصلي في الشتاء في السطح ، وفي الصيف في بطن البيت ، يتيقظ بالحر والبرد ، حتى يصبح ، ثم يقول : هذا الجهد من صفوان وأنت أعلم ، وإنه لترم رجلاه حتى يعود كالسقط من قيام الليل ، ويظهر فيه عروق خضر .

سليمان بن طرخان التيمي الإمام شيخ الإسلام ، أبو المعتمر التيمي البصري .
نزل في بني تيم فقيل التيمي .
قال الإمام أحمد : ثقة , وقال ابن معين والنسائي : ثقة ، وقال العجلي : ثقة من خيار أهل البصرة . وقال ابن سعد من العباد المجتهدين ، كثير الحديث ثقة .

قال سفيان حفاظ البصرة ثلاثة : سليمان التيمي ، وعاصم الأحول ، وداود بن أبي هند ، وعاصم أحفظهم . وعن ابن علية قال : سليما التيمي من حفاظ البصرة .

تقاسم قيام الليل مع أسرته

قال عبد الملك بن قريب الآصمعي : بلغني أن سليمان التيمي قال لأهله : هلموا حتى تجزئ الليل فإن شئتم كفيتكم أوله وإن شئتم كفيتكم آخره .

نشاط في العبادة لم يعرف الفتور
روى مثنى بن معاذ عن أبيه قال : ماكنت أشبه عبادة سليمان التيمي إلا بعبادة الشاب أول مايدخل في تلك الشدة والحِدة .

وقال : كنت إذا رأيت التيمي كأنه غلام حدث ، قد أخذ في العبادة . كانةا يرون أنه أخذ عبادته عن أبي عثمان النهدي .

لايحسن المعصية ، دائم العمل
قال حماد بن سلمة : ما أتينا سليمان التيمي في ساعة يطاع الله فيها إلا وجدناه مطيعا ، إن كان في ساعة صلاة وجدناه مصليا ، وإن لم تكن ساعة صلاة وجدناه إما متوضئا ، أو عائدا مريضا ، أو مشيعا لجنازة ، أو قاعدا في المسجد . وكنا نرى أنه لا يحسن يعصي الله .

ذكر جرير بن عبد الحميد أن سليمان التيمي : لم تمر ساعة قط عليه إلا تصدق بشيء ، فإن لم يكن شيء ، صلى ركعتين .

شدة خوفه من الله
قال يحي بن سعيد : ماجلست إلى أحد أخوف لله من سليمان التيمي .

نعم من كان بالله أعرف كان منه أخوف أولئك العلماء الربانين . فأين نحن منهم ؟ وما نصيبنا من هذا الخوف والخشية ؟

الأوزاعي عبد الرحمن بن عمرو بن يُحمد ، شيخ الإسلام ، وعالم أهل الشام ، أبوعمرو الأوزاعي .

جلده في العباده
قال الوليد بن مزيد : كان الأوزاعي من العبادة على شيء ما سمعنا بأحد قوي عليه ، ما أتى عليه زوال قط إلا وهو قائم يصلي .

وقال الوليد بن مسلم : ما رأيت أكثر اجتهادا في العبادة من الأوزاعي .

وقال ضمرة بن ربيعة : حججنا مع الأوزاعي سنة خمسين ومئة ، فما رأيته مضطجعا في المحمل في ليل ولا نهار قط ، كان يصلي ، فإذا غلبه النوم ، استند إلى القتب .

كأنه أعمى من الخشوع
قال إبراهيم بن سعيد الجوهري : حدثنا بشر بن المنذر قال : رأيت الأوزاعي كأنه أعمى من الخشوع.

مصلاه رطب من دموعه

وكان يحي الليل صلاة وقرآنا وبكاء . وكانت أمه تدخل منزله ، وتتفقد موضع مصلاه ، فتجده رطبا من دموعه في الليل .

العالم الفقيه شيخ الإسلام ابن أبي ذئب .

بلغ به من العبادة بما لامزيد عليها
كان يصلي الليل أجمع ، ويجتهد في العبادة ، ولو قيل له : إن القيامة تقوم غدا ، ماكان فيه مزيد من الاجتهاد .

الإمام الحجة الحافظ هشام الدستوائي .

شدة الخوف والخشية من الجبار
عن عبيد الله العيشي قال : كان هشام الدستوائي إذا فقد السراج من بيته ، يتململ على فراشه ، فكانت امرأته تأتيه بالسراج . فقالت له في ذلك ، فقال : إني إذا فقدت السراج ، ذكرت ظلمة القبر .

فسدت عينه من كثرة البكاء
وقال شاذ بن فياض : بكى هشام الدستوائي حتى فسدت عينه ، فكانت مفتوحة ، وهو لا يكاد يبصر بها .

وعن هشام قال : عجبت للعالم كيف يضحك . وكان يقول : ليتنا ننجو لا علينا ولا لنا .

الإمام الحافظ الثبت شيخ العراق مسعر بن كدام بن ظهير بن عبيدة .

طول السجود وقراءة نصف القرآن قبل النوم
عن خالد بن عمرو قال : رأيت مسعرا كأن جبهته ركبة عنز من السجود .

وقال محمد بن مسعر : كان أبي لا ينام حتى يقرأ نصف القرآن .

وقال محمد بن مسعر : كان أبي لا ينام حتى يقرأ نصف القرآن ، فإذا فرغ من ورده لف رداءه ثم هجع عليه هجعة خفيفة ، ثم يثب كالرجل الذي ضل منه شيء فهو يطلبه ، وإنما هو السواك والطهور ، ثم يستقبل المحراب ، فكذلك إلى الفجر ، ، وكان يجهد على إخفاء ذلك جدا .

وكان يقول :

نهارك يامغرور سهو وغفلة وليلك نوم ، والردى لك لازم

وتَتعب فيما سوف تكره غبه كذلك في الدنيا تعيش البهائم

عبد العزيز بن أبي رواد شيخ الحرم أحد الأئمة العباد .

أعبد الناس
قال ابن المبارك : كان من أعبد الناس .

وقال شقيق البلخي : ذهب بصر عبد العزيز عشرين سنة ولم يعلم به أهل ولا ولده .

أمير المؤمنين في الحديث الثبت الحجة شعبة بن الحجاج .

طول الصلاة
قال أبوقطن : ما رأيت شعبة ركع قط إلا ظننت أنه نسي ، ولا قعد بين السجدتين إلا ظننت أنه نسي.

جد وجلد لا يعرف الفتور أو الراحة
وقال أبو بحر البكراوي : ما رأيت أحدا أعبد لله من شعبة ، لقد عبد الله حتى جف جلده على عظمه واسود .

وقال عمر بن هارون : كان شعبة يصوم الدهر كله .

وقال عفان : كان شعبة من العباد .

المحدث الثقة بشر بن الحسن الصفّي :

يقال له : ( الصفي ) لأنه كان يلزم الصف الأول في مسجد البصرة خمسين سنة

ابراهيم بن ميمون المروزي

أحد الدعاة المحدثين الثقات من أصحاب عطاء بن أبي رباح ، وكانت مهنته الصياغة وطرق الذهب والفضة . قالوا : ( كان فقيها فاضلا . من الامّارين بالمعروف) .

لا يشغله عن الصلاة شيئ
وقال ابن معين : كان إذا رفع المطرقة فسمع النداء لم يردها ) .

كثير بن عبيد الحمصي

جمع الهم على الله في الصلاة
سئل عن سبب عدم سهوه في الصلاة قط وقد أم أهل حمص ستين سنة كاملة ، فقال : ( ما دخلت من باب المسجد قط وفي نفس غير الله ).

قاضي قضاة الشام سليمان بن حمزة المقدسي، وهو من ذرية ابن قدامة صاحب كتاب المغني :

لم يصل الفريضة منفردا
قال ( لم أصل الفريضة قط منفرداً إلا مرتين ، وكأني لم أصلهما قط ) مع أنه قارب التسعين .

يارجال الليل جدوا رب صوت لا يرد
ما يقوم الليل إلا من له عزم وجدٌّ
ويبصرني كيف الدنيا بالأمل الكاذب تغمسني
مثل الحرباء تلونها بالأثم تحاول تطمسني
فأبعدها وأعاندها وأرقبها تتهجسني
فأشد القلب بخالقه والذكر الدائم يحرسني

قيام الليل :
يحيون ليلهم بطاعة ربهم بتلاوة ، وتضرع ، وسؤال

وعيونهم تجري بفيض دموعهم مثل انهمال الوابل الهطال

في الليل رهبان ، وعند جهادهم لعدوهم من أشجع الأبطال

بوجوههم أثر السجود لربهم وبها أشعة نوره المتلالي

المسارعة إلى الصلاة
يمشون نحو بيوت الله إذا سمعوا الله أكبر في شوق وفي جذل

أرواحهم خشعت لله في أدب قلوبهم من جلال الله في وجل

نجواهم : ربنا جئناك طائعة نفوسنا ، وعصينا خادع الأمل

إذا سجى الليل قاموه وأعينهم من خشية الله مثل الجائد الهطل

هم الرجال فلا يلهيهم لعب عن الصلاة، ولا أكذوبة الكسل

قال ابن المبارك :

اغتنم ركعتين زلفى إلى الله إذا كنت فارغاً مستريحا

وإذا هممت بالنطق بالباطل فاجعل مكانه تسبيحا






قال الوليد بن مسلم : رأيت الأوزاعي يثبت في مصلاه ، يذكر الله حتى تطلع الشمس ، ويخبرنا عن السلف : أن ذلك كان هديهم ، فإذا طلعت الشمس ، قام بعضهم إلى بعض ، فأفاضوا في ذكر الله ، والتفقه في دينه .



تتكدر العبادة ويذهب صفاؤها بالهوى
قال أحد السلف : " الهوى لايترك العبودية تصفو ، وما لم يشتغل السالك بأضعاف هذا العدو الذي بين جنبيه لا يصح له قدم ، ولو أتى بأعمال تسد الخافقين . والرجل كل الرجل من داوى الأمراض من خارج ، وشرع في قلع أصولها من الباطن ، حتى يصفو وقته ، ويطيب ذكره ، ويدوم أنسه "

ولذلك كان السلف الصالح يجدون من لذة التعبد مالا يكافؤه لذة الدنيا بأسرها .

ضعف العبادة من العقوبات
وقال مالك : ( إن لله تبارك وتعالى عقوبات في القلوب والأبدان وضنكاً في المعيشية وسخطاً في الرزق ووهناً في العبادة ).

أعبد أهل مصر
أبوتميم الجَيشاني من أئمة التابعين بمصر ولد في حياة النبي صلىالله عليه وسلم وقدم المدينة في خلافة عمر.

قال يزيد بن أبي حبيب : كان من أعبد أهل مصر .

التوازن في شخصية المسلم وإعطاء كل ذي حق حقه

التوزن صمام أمان في جميع الأحوال ومنها :

1ـ وقت المحن والمصائب ، والشدائد العامة والخاصة .

2ـ وعندما تلوح الشهوات .

3ـ وحين ترد الشبهات .

4ـ وحين تأخر الثمار .

لتكن هممكم عالية :
عن مالك بن دينار قال : ( إن صدور المؤمنين تغلي بأعمال البر وإن صدور الفجار تغلي بأعمال الفجور والله تعالى يرى همومكم فانظروا ما همومكم رحمكم الله )

هكذا كان جدهم وتيقظهم :
عن إبراهيم التيمي قال حدثني من صحب الربيع بن خيثم عشرين سنة قال فما سمعت منه كلمة تعاب).

روى منصور بن إبراهيم قال : قال فلان : ما أرى الربيع بن خثيم تكلم بكلام منذ عشرين سنة إلا بكلمة تصعد . وعن بعضهم قال : صحبت الربيع عشرين عاما ماسمعت منه كلمة تعاب "

تلك الهمم العالية والدأب الذي لا يهدأ
قال إبراهيم الحربي عن الإمام أحمد :

قال إبراهيم الحربي : ( ولقد صحبته عشرين سنة صيفاً وشتاءً وحراً وبرداً وليلاً ونهاراً فما لقيته في يوم إلا وهو زائد عليه بالأمس )

الإمام أحمد يهتم بأهل الخير ويتفقدهم ويعقد الصلات معهم :
قالوا كان الإمام أحمد ( إذا بلغه عن شخص صلاح ، أو زهد ، أو قيام بحق أو اتباع للأمر : سأل عنه، وأحب أن يجري بينه وبينه معرفة ، وأحب أن يعرف أحواله )

سئل رجل ابن الجوزي : ( أيجوز أن أفسح لنفس في مباح الملاهي ) ؟

فقال : ( عند نفسك من الغفلة ما يكفيها )

قال ابن القيم رحمه الله : ( لا بد من سنة الغفلة ، ورقاد الغفلة ولكن كن خفيف النوم )

وانته من رقدة الغفلة فالعمر قليل واطرح سوف وحتى فهما داء دخيل

قال الإمام الشافعي : ( طلب الراحة في الدنيا لا يصلح لأهل المروءات فإن أحدهم لم يزل تعبان في كل زمان )

سئل أحد الزهاد عن سبيل المسلم ليكون من صفوة الله ، قال : ( إذا خلع الراحة ، وأعطى المجهود في الطاعة )

قيل للإمام أحمد : ( متى يجد العبد طعم الراحة ) ؟ قال ( عند أول قدم يضعها في الجنة )

أوقف نفسك على مصالح المسلمين
قالت فاطمة بنت عبد الملك تصف زوجها عمر بن عبد العزيز : ( كان قد فرغ للمسلمين نفسه ، ولأمورهم ذهنه ، فكان إذا أمسى مساءً لم يفرغ فيه من حوائج يومه : وصل يومه بليلته )

قال بعض أصحاب عمر القدامى لعمر : ( لو تفرغت لنا ) فقال : ( وأين الفراغ ؟ ذهب الفراغ فلا فراغ إلا عند الله )

استغرق أوقاته في الخير:
قالوا عن محمد بن أحمد الدباهي : ( لازم العبادة ، والعمل الدائم والجد ، واستغرق أوقاته في الخير . . صلب في الدين ، وينصح الإخوان ، وإذا رآه إنسان : عرف الجد في وجهه )

ولما تعجب غافل من باذل وقال له:( إلى كم تتعب نفسك ؟ ) .كان جواب الباذل سريعاً حاسماً :
( راحتها أريد )

ليس للفراغ عليهم سبيل
قال ابن عقيل : إني لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري ، حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرة ومناظرة ، وبصري عن مطالعة ، أعملت فكري في حال راحتي ، وأنا مستطرح ، فلا أنهض إلا وقد خطر لي ما أسطره . وإني لأجد من حرصي على العلم وأنا في عشر الثمانين أشد مما كنت أجده وأنا ابن عشرين سنة "

وقال : " أنا أقصر بغاية جهدي أوقات أكلي ، حتى أختار سف الكعك وتحسيه بالماء على الخبز ، لأجل ما بينهم من تفاوت المضغ ، توفرا على مطالعة ، أو تسطير فائدة لم أدركها فيه"

المبادرة لا التسويف :
قال يحيى بن معاذ : ( لا يزال العبد مقروناً بالتواني ، مادام مقيماً على وعد الأماني )

حفت الجنة بالمكاره :
( وأتعب الناس من جلّت مطالبه )

لا تنال الدعوة بالكسل والهمم الدنيئة
قال أحد السلف لرويم الزاهد أوصني فقال : " هو بذل الروح وإلا فلا تشتغل بالترهات "

وقال ابن الجوزي : " أول قدم في الطريق بذل الروح . . . هذه الجادة فأين السالك ؟ ?

وقال لسان الدين ابن الخطيب : " طريق القوم مبنية على الموت "

إن نفسا ترتضي الإسلام دينا ثم ترضى بعده أن تستكينا

أو ترى الإسلام في أرض مهينا ثم تهوى العيش نفس لن تكونا

في عداد المسلمين العظماء

نصر الدين ليس بالمجان
أعطوا ضريبتهم للدين من دمهم والناس تزعم نصر الدين مجانا

عاشوا على الحب أفواها وأفئدة باتوا على البؤس والنعماء إخوانا

الله يعرفهم أنصار دعوته والناس تعرفهم للخير أعوانا

أنت وقف في سبيل الله
" والنبي صلىالله عليه وسلم كانت ساعاته موقوفة على الجهاد بقلبه ولسانه ويده ، ولهذا كان أرفع العالمين ذكرا ، وأعظمهم عند الله قدرا "

( وطالب النفوذ إلى الله والدار الآخرة ، بل وإلى كل علم وصناعة ورئاسة ، بحيث يكون رأساً في ذلك مقتداً به فيه ، يحتاج أن كون شجاعاً مقداماً ، حاكماً على وهمه ، غير مقهور تحت سلطان تخيله ، زاهداً في كل ما سوى مطلوبه عاشقاً لما توجه إليه ، عارفاً بطريق الوصول إليه ، والطرق القواطع عنه ، مقدام الهمة ، ثابت الجأش ، لا يثنيه عن مطلوبه لوم لائم ولا عذل عاذل ، كثير السكون ، دائم الفكر ، غير مائل مع لذة المدح ولا ألم الذم ، قائماً بما يحتاج إليه من أسباب معونته ، لا تستفزه المعارضات ، شعاره الصبر وراحته التعب )

همان يتطاردان :

حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا سيار حثنا جعفر قال سمعت مالكاً يقول : ( بقدر ما تحزن للدنيا كذلك يخرج هم الآخرة من قلبك وبقدر ما تحزن للآخرة كذلك يخرج هم الدنيا من قلبك) .

جهل غيرك لايغلب علمك

قال خالد بن صفوان : ( إن أقواماً غرهم ستر الله ، وفتنهم حسن الثناء ، فلا يغلبن جهل غيرك بك علمك بنفسك ).

قال قتادة بن دعامة السدوسي :

( قد رأينا والله أقواماً يسرعون إلى الفتن وينزعون فيها ، وأمسك أقواماً عن ذلك هيبة لله ومخافة منه ، فلما انكشفت ، إذا الذين امسكوا أطيب نفساً ، وأثلج صدوراً ، وأخف ظهوراً من الذين أسرعوا إليها وينزعون فيها ، وصارت أعمال أولئك حزازات على قلوبهم كلما ذكروها . وأيم الله ! لو أن الناس كانوا يعرفون منها إذ أقبلت ما عرفوا منها إذ أدبرت لعقل فيها جيل من الناس كثير ).

صاحب القلب المريض ينكشف عند الغبرة
في وقت الرخاء والأمن تختلط الصفوف ، ويصعب التمييز ، فإذا وقعت الشدائد ونزلت الفتن اتضح الناس على حقيقتهم ، كمثل المصدور عند صغاء الجو يختلط مع الأصحاء ولا ينكشف أمره إلا عند الغبرة . قال تعالى [ ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله ما يشاء ] .

( تعرض الفتن على القلوب كالحصير ، عوداً عوداً ، فأي قلبٍ أشربها نكت فيه نكتت سوداء ، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكت بيضاء ، حتى تصير على قلبين ، على أبيض مثل الصفا، لا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض ، ولآخر أسود مرباداً ، كالكوز مجخياً ، لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً ، إلا ما أشرب من هواه ) .




http://www.taiba.org

عبقور2011
02-26-2011, 04:19 PM
شبهات حول المرأة

أولاً: الحجاب:

الشبهة الأولى: الحجاب تزمّت والدين يسر:

يدّعي بعض دعاة التبرج والسفور بأنّ الحجاب تزمّت في الدين، والدين يسر لا تزمّتَ فيه ولا تشدّد، وإباحة السفور مصلحةٌ تقتضيها مشقّة التزام الحجاب في عصرنا[1].

الجواب:

1- إن تعاليم الدين الإسلامي وتكاليفَه الشرعية جميعها يسر لا عسرَ فيها، قال تعالى: {يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ} [البقرة:185]، وقال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى ٱلدّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج:78]، وقال: {لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة:232]. فهذه الآيات صريحة في التزام مبدأ التخفيف والتيسير على الناس في أحكام الشرع.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن هذا الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسدّدوا وقاربوا وأبشروا))[2]، وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث أحدا من أصحابه في بعض أمره قال: ((بشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا))[3].

فالشارع لا يقصد أبدًا إعنات المكلَّفين أو تكليفهم بما لا تطيقه أنفسهم، فكلّ ما ثبت أنه تكليف من الله للعباد فهو داخلٌ في مقدورهم وطاقتهم[4].

2- ثم لا بد من معرفة أن للمصلحة الشرعية ضوابط يجب مراعاتها وهي:

أ- أن تكون هذه المصلحة مندرجة في مقاصد الشرع، وهي حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، فكلّ ما يحفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكلّ ما يفوّت هذه الأصول أو بعضها فهو مفسدة، ولا شك أن الحجاب مما يحفظ هذه الكليات وأن التبرج والسفور يؤدي بها إلى الفساد.

ب- أن لا تعارض هذه المصلحة النقل الصحيح، فلا تعارض القرآن الكريم؛ لأن معرفة المقاصد الشرعية إنما تمّ استنادًا إلى الأحكام الشرعية المنبثقة من أدلتها التفصيلية، والأدلة كلّها راجعة إلى الكتاب، فلو عارضت المصلحة كتابَ الله لاستلزم ذلك أن يعارض المدلولُ دليله، وهو باطل. وكذلك بالنسبة للسنة، فإن المصلحة المزعومة إذا عارضتها اعتُبرت رأيًا مذمومًا. ولا يخفى مناقضة هذه المصلحة المزعومة لنصوص الكتاب والسنة.

ج- أن لا تعارض هذه المصلحة القياس الصحيح.

د- أن لا تفوِّت هذه المصلحة مصلحة أهمّ منها أو مساوية لها.

3- قاعدة: "المشقّة تجلب التيسير" معناها: أنّ المشقة التي قد يجدها المكلف في تنفيذ الحكم الشرعي سبب شرعي صحيح للتخفيف فيه بوجه ما.

لكن ينبغي أن لا تفهم هذه القاعدة على وجهٍ يتناقض مع الضوابط السابقة للمصلحة، فلا بد للتخفيف أن لا يكون مخالفًا لكتابٍ ولا سنّة ولا قياس صحيح ولا مصلحة راجحة.

ومن المصالح ما نصّ على حُكمة الكتاب والسنة كالعبادات والعقود والمعاملات، وهذا القسم لم يقتصر نصّ الشارع فيه على العزائم فقط، بل ما من حكم من أحكام العبادات والمعاملات إلا وقد شرع إلى جانبه سبل التيسير فيه. فالصلاة مثلا شرِعت أركانها وأحكامها الأساسية، وشرع إلى جانبها أحكام ميسّرة لأدائها عند لحوق المشقة كالجمع والقصر والصلاة من جلوس. والصوم أيضا شرع إلى جانب أحكامه الأساسية رخصةُ الفطر بالسفر والمرض. والطهارة من النجاسات في الصلاة شرع معها رخصة العفو عما يشقّ الاحتراز منه. وأوجب الله سبحانه وتعالى الحجابَ على المرأة، ثم نهى عن النظر إلى الأجنبية، ورخّص في كشف الوجه والنظر إليه عند الخِطبة والعلاج، والتقاضي والإشهاد.

إذًا فليس في التيسير الذي شرعه الله سبحانه وتعالى في مقابلة عزائم أحكامه ما يخلّ بالوفاق مع ضوابط المصلحة، ومعلومٌ أنه لا يجوز الاستزادة في التخفيف على ما ورد به النص، كأن يقال: إنّ مشقة الحرب بالنسبة للجنود تقتضي وضعَ الصلاة عنهم، أو يقال: إن مشقة التحرّز عن الربا في هذا العصر تقتضي جوازَ التعامل به، أو يقال: إنّ مشقة التزام الحجاب في بعض المجتمعات تقتضي أن يباحَ للمرأة التبرّج بدعوى عموم البلوى به[5].

الشبهة الثانية: الحجاب من عادات الجاهلية فهو تخلف ورجعية:

قالوا: إن الحجاب كان من عادات العرب في الجاهلية، لأنّ العرب طبِعوا على حماية الشّرف، ووأدوا البنات خوفًا من العار، فألزموا النساء بالحجاب تعصبًا لعاداتهم القبلية التي جاء الإسلام بذمّها وإبطالها، حتى إنّه أبطل الحجاب[6]، فالالتزام بالحجاب رجعية وتخلّف عن ركب الحضارة والتقدم.

الجواب:

1- إن الحجاب الذي فرضه الإسلام على المرأة لم يعرفه العرب قبل الإسلام، بل لقد ذمّ الله تعالى تبرّج نساء الجاهلية، فوجه نساء المسلمين إلى عدم التبرج حتى لا يتشبهن بنساء الجاهلية، فقال جلّ شأنه: {وَقَرْنَ فِى بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ ٱلأولَىٰ} [الأحزاب:33].

كما أن الأحاديث الحافلة بذمّ تغيير خلق الله أوضحت أنّ وصلَ الشعر والتنمّص كان شائعًا في نساء اليهود قبل الإسلام، ومن المعروف أنه مما تستخدمه المتبرّجات.

صحيح أن الإسلام أتى فأبطل عادات ذميمة للعرب، ولكن بالإضافة إلى ذلك كانت لهم عادات جميلة أقرّها الإسلام فلم يبطلها، كإكرام الضيف والجود والشجاعة وغير ذلك.

وكان من ضمن عاداتهم الذميمة خروج النساء متبرّجات كاشفات الوجوه والأعناق، باديات الزينة، ففرض الله الحجاب على المرأة بعد الإسلام ليرتقي بها ويصونَ كرامتها، ويمنع عنها أذى الفسّاق والمغرضين[7].

2- إذا كانت النساء المسلمات راضياتٍ بلباسهن الذي لا يجعلهن في زمرة الرجيعات والمتخلفات فما الذي يضير التقدميين في ذلك؟! وإذا كنّ يلبسن الحجاب ولا يتأفّفن منه فما الذي حشر التقدميين في قضية فردية شخصية كهذه؟! ومن العجب أن تسمع منهم الدعوةَ إلى الحرية الشخصية وتقديسها، فلا يجوز أن يمسّها أحد، ثم هم يتدخّلون في حرية غيرهم في ارتداء ما شاؤوا من الثياب[8].

3- إنّ التخلف له أسبابه، والتقدم له أسبابه، وإقحام شريعة الستر والأخلاق في هذا الأمر خدعة مكشوفة، لا تنطلي إلا على متخلّف عن مستوى الفكر والنظر، ومنذ متى كان التقدّم والحضارة متعلّقَين بلباس الإنسان؟! إنّ الحضارة والتقدم والتطور كان نتيجةَ أبحاث توصَّل إليها الإنسان بعقله وإعمال فكره، ولم تكن بثوبه ومظهره[9].

الشبهة الثالثة: الحجاب وسيلة لإخفاء الشخصية:

يقول بعضهم: إنّ الحجابَ يسهّل عملية إخفاء الشخصية، فقد يتستّر وراءه بعض النساء اللواتي يقترفن الفواحش[10].

الجواب:

1- يشرع للمرأة في الإسلام أن تستر وجهها لأن ذلك أزكى وأطهر لقلوب المؤمنين والمؤمنات. وكل عاقل يفهم من سلوك المرأة التي تبالغ في ستر نفسها حتى أنها لا تبدي وجهًا ولا كفا ـ فضلاً عن سائر بدنها ـ أن هذا دليل الاستعفاف والصيانة، وكل عاقل يعلم أيضًا أن تبرج المرأة وإظهارها زينتها يشعر بوقاحتها وقلة حيائها وهوانها على نفسها، ومن ثم فهي الأَولى أن يُساء بها الظن بقرينة مسلكها الوخيم حيث تعرِض زينتها كالسلعة، فتجرّ على نفسها وصمة خُبث النية وفساد الطوية وطمع الذئاب البشرية[11].

2- إنّ من المتواتر لدى الكافة أن المسلمة التي تتحجب في هذا الزمان تذوق الويلات من الأجهزة الحكومية والإدارات الجامعية والحملات الإعلامية والسفاهات من المنافقين في كل مكان، ثم هي تصبر على هذا كله ابتغاء وجه الله تعالى، ولا يفعل هذا إلا مؤمنة صادقة رباها القرآن والسنة، فإذا حاولت فاسقة مستهترة ساقطة أن تتجلبب بجلباب الحياء وتواري عن الأعين بارتداء شعار العفاف ورمز الصيانة وتستر عن الناس آفاتها وفجورها بمظهر الحصان الرزان فما ذنب الحجاب إذًا؟!

إن الاستثناء يؤيد القاعدة ولا ينقضها كما هو معلوم لكلّ ذي عقل، مع أنّ نفس هذه المجتمعات التي يروَّج فيها هذه الأراجيف قد بلغت من الانحدار والتردّي في مهاوي التبرّج والفسوق والعصيان ما يغني الفاسقات عن التستّر، ولا يحوِجهنّ إلى التواري عن الأعين.

وإذا كان بعض المنافقين يتشدّقون بأنّ في هذا خطرًا على ما يسمّونه الأمن فليبينوا كيف يهتزّ الأمن ويختلّ بسبب المتحجبات المتسترات، مع أنه لم يتزلزل مرة واحدة بسبب السافرات والمتبرجات!![12].

3- لو أن رجلاً انتحل شخصية قائد عسكري كبير، وارتدى بزته، وتحايل بذلك واستغل هذا الثوب فيما لا يباح له كيف تكون عقوبته؟! وهل يصلح سلوكه مبررًا للمطالبة بإلغاء الزي المميّز للعسكريين مثلاً خشية أن يسيء أحد استعماله؟!

وما يقال عن البزة العسكرية يقال عن لباس الفتوّ، وزيّ الرياضة، فإذا وجد في المجتمع الجندي الذي يخون والفتى الذي يسيء والرياضي الذي يذنب هل يقول عاقل: إنّ على الأمة أن تحارب شعارَ العسكر ولباس الفتوّة وزيّ الرياضة لخيانات ظهرت وإساءات تكررت؟! فإذا كان الجواب: "لا" فلماذا يقف أعداء الإسلام من الحجاب هذا الموقف المعادي؟! ولماذا يثيرون حوله الشائعات الباطلة المغرضة؟![13].

4- إن الإسلام كما يأمر المرأة بالحجاب يأمرها أن تكون ذات خلق ودين، إنه يربي من تحت الحجاب قبل أن يسدل عليها الجلباب، ويقول لها: {وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذٰلِكَ خَيْرٌ} [الأعراف:26]، حتى تصل إلى قمة الطهر والكمال قبل أن تصل إلى قمة الستر والاحتجاب، فإذا اقتصرت امرأة على أحدهما دون الآخر تكون كمن يمشي على رجل واحدة أو يطير بجناح واحد.

إن التصدي لهؤلاء المستهترات ـ إذا وجدن ـ أن تصدر قوانين صارمة بتشديد العقوبة على كل من تسوّل له نفسه استغلال الحجاب لتسهيل الجرائم وإشباع الأهواء، فمثل هذا التشديد جائز شرعًا في شريعة الله الغراء التي حرصت على صيانة النفس ووقاية العرض، وجعلتهما فوق كل اعتبار، وإذا كان التخوف من سوء استغلال الحجاب مخطرة محتملة إلا أن المخطرة في التبرج والسفور بنشر الفاحشة وفتح ذرائعها مقطوع بها لدى كل عاقل[14].

الشبهة الرابعة: عفة المرأة في ذاتها لا في حجابها:

يقول البعض: إن عفة الفتاة حقيقة كامنة في ذاتها، وليست غطاء يلقى ويسدل على جسمها، وكم من فتاة محتجبة عن الرجال في ظاهرها وهي فاجرة في سلوكها، وكم من فتاة حاسرة الرأس كاشفة المفاتن لا يعرف السوء سبيلاً إلى نفسها ولا إلى سلوكها[15].

الجواب:

إن هذا صحيح، فما كان للثياب أن تنسج لصاحبها عفّة مفقودة، ولا أن تمنحه استقامة معدومة، وربَّ فاجرة سترت فجورها بمظهر سترها.

ولكن من هذا الذي زعم أن الله إنما شرع الحجاب لجسم المرأة ليخلق الطهارة في نفسها أو العفة في أخلاقها؟! ومن هذا الذي زعم أن الحجاب إنما شرعه الله ليكون إعلانًا بأن كل من لم تلتزمه فهي فاجرة تنحط في وادي الغواية مع الرجال؟!

إن الله عز وجل فرض الحجاب على المرأة محافظة على عفة الرجال الذين قد تقع أبصارهم عليها، وليس حفاظًا على عفتها من الأعين التي تراها فقط، ولئن كانت تشترك معهم هي الأخرى في هذه الفائدة في كثير من الأحيان إلا أن فائدتهم من ذلك أعظم وأخطر، وإلا فهل يقول عاقل تحت سلطان هذه الحجة المقلوبة: إن للفتاة أن تبرز عارية أمام الرجال كلهم ما دامت ليست في شك من قوة أخلاقها وصدق استقامتها؟!

إن بلاء الرجال بما تقع عليه أبصارهم من مغرياتِ النساء وفتنتهن هو المشكلة التي أحوجت المجتمعَ إلى حلّ، فكان في شرع الله ما تكفّل به على أفضل وجه، وبلاء الرجال إذا لم يجد في سبيله هذا الحلّ الإلهي ما من ريب سيتجاوز بالسوء إلى النساء أيضًا، ولا يغني عن الأمر شيئًا أن تعتصم المرأة المتبرجة عندئذ باستقامةٍ في سلوكها أو عفة في نفسها، فإن في ضرام ذلك البلاء الهائج في نفوس الرجال ما قد يتغلّب على كل استقامة أو عفة تتمتّع بها المرأة إذ تعرض من فنون إثارتها وفتنتها أمامهم[16].

الشبهة الخامسة: دعوى أن الحجاب من وضع الإسلام:

زعم آخرون أن حجاب النساء نظام وضعه الإسلام فلم يكن له وجود في الجزيرة العربية ولا في غيرها قبل الدعوة المحمدية[17].

الجواب:

1- إن من يقرأ كتب العهد القديم وكتب الأناجيل يعلم بغير عناء كبير في البحث أن حجاب المرأة كان معروفًا بين العبرانيين من عهد إبراهيم عليه السلام، وظل معروفًا بينهم في أيام أنبيائهم جميعًا، إلى ما بعد ظهور المسيحية، وتكررت الإشارة إلى البرقع في غير كتاب من كتب العهد القديم وكتب العهد الجديد.

ففي الإصحاح الرابع والعشرين من سفر التكوين عن (رفقة) أنها رفعت عينيها فرأت إسحاق، فنزلت عن الجمل وقالت للعبد: من هذا الرجل الماشي في الحقل للقائي، فقال العبد: هو سيدي، فأخذت البرقع وتغطت.

وفي النشيد الخامس من أناشيد سليمان تقول المرأة: أخبرني يا من تحبه نفسي، أين ترعى عند الظهيرة؟ ولماذا أكون كمقنعة عند قطعان أصحابك؟

وفي الإصحاح الثالث من سفر أشعيا: إن الله سيعاقب بنات صهيون على تبرجهن والمباهاة برنين خلاخيلهن بأن ينزع عنهن زينة الخلاخيل والضفائر والأهلة والحلق والأساور والبراقع والعصائب.

وفي الإصحاح الثامن والثلاثين من سفر التكوين أيضًا أن تامار مضت وقعدت في بيت أبيها، ولما طال الزمان خلعت عنها ثياب ترملها وتغطت ببرقع وتلففت.

ويقول بولس الرسول في رسالته كورنثوس الأولى: "إن النقاب شرف للمرأة، وكانت المرأة عندهم تضع البرقع على وجهها حين تلتقي بالغرباء وتخلعه حين تنزوي في الدار بلباس الحداد[18].

فالكتب الدينية التي يقرؤها غير المسلمين قد ذكرت عن البراقع والعصائب مالم يذكره القرآن الكريم.

2- وكان الرومان يسنون القوانين التي تحرم على المرأة الظهور بالزينة في الطرقات قبل الميلاد بمائتي سنة، ومنها قانون عرف باسم "قانون أوبيا" يحرم عليها المغالاة بالزينة حتى في البيوت[19].

3- وأما في الجاهلية فنجد أن الأخبار الواردة في تستّر المرأة العربية موفورة كوفرة أخبار سفورها، وانتهاكُ سترها كان سببًا في اليوم الثاني من أيام حروب الفجار الأول؛ إذ إن شبابًا من قريش وبني كنانة رأوا امرأة جميلة وسيمة من بني عامر في سوق عكاظ، وسألوها أن تسفر عن وجهها فأبت، فامتهنها أحدهم فاستغاثت بقومها.

وفي الشعر الجاهلي أشعار كثيرة تشير إلى حجاب المرأة العربية، يقول الربيع بن زياد العبسي بعد مقتل مالك بن زهير:

من كان مسرورًا بمقتل مالك فليـأت نسوتنا بوجه نهـار

يجد النسـاء حواسرًا يندبنه يلطمن أوجههن بالأسحـار

قد كن يخبأن الوجـوه تسترًا فاليوم حيـن برزن للنظـار

فالحالة العامّة لديهم أن النساء كن محجبات إلا في مثل هذه الحالة حيث فقدن صوابهن فكشفن الوجوه يلطمنها، لأن الفجيعة قد تنحرف بالمرأة عما اعتادت من تستر وقناع.

وقد ذكر الأصمعي أن المرأة كانت تلقي خمارها لحسنها وهي على عفة[20].

وكانت أغطية رؤوس النساء في الجاهلية متنوعة ولها أسماء شتى، منها:

الخمار: وهو ما تغطي به المرأة رأسها، يوضع على الرأس، ويلفّ على جزء من الوجه.

وقد ورد في شعر صخر يتحدث عن أخته الخنساء:

والله لا أمنحها شرارها ولو هلكت مزقت خمارها

وجعلت من شعر صدارها

ولم يكن الخمار مقصورًا على العرب، وإنما كان شائعًا لدى الأمم القديمة في بابل وأشور وفارس والروم والهند[21].

النقاب: قال أبو عبيد: "النقاب عند العرب هو الذي يبدو منه محجر العين، ومعناه أن إبداءهن المحاجر محدث، إنما كان النقاب لاصقًا بالعين، وكانت تبدو إحدى العينين والأخرى مستوره"[22].

الوصواص: وهو النقاب على مارِن الأنف لا تظهر منه إلا العينان، وهو البرقع الصغير، ويسمّى الخنق، قال الشاعر:

يا ليتها قد لبست وصواصًا

البرقع: فيه خرقان للعين، وهو لنساء العرب، قال الشاعر:

وكنت إذا ما جئت ليلى تبرقعت فقد رابني منها الغداة سفورها[23]

الشبهة السادسة: الاحتجاج بقاعدة: "تبدل الأحكام بتبدّل الزمان":

فهم أعداء الحجاب من قاعدة: "تبدل الأحكام بتبدل الزمان" وقاعدة: "العادة محكّمة" أنه ما دامت أعرافهم متطوّرة بتطوّر الأزمان فلا بدّ أن تكون الأحكام الشرعية كذلك[24].

الجواب:

لا ريب أن هذا الكلام لو كان مقبولاً على ظاهره لاقتضى أن يكون مصير شرعية الأحكام كلها رهنًا بيد عادات الناس وأعرافهم، وهذا لا يمكن أن يقول به مسلم، لكن تحقيق المراد من هذه القاعدة أن ما تعارف عليه الناس وأصبح عرفًا لهم لا يخلو من حالات:

1- إما أن يكون هو بعينه حكمًا شرعيًا أيضًا بأن أوجده الشرع، أو كان موجودًا فيهم فدعا إليه وأكّده، مثال ذلك: الطهارة من النجس والحدث عند القيام إلى الصلاة، وستر العورة فيها، وحجب المرأة زينتها عن الأجانب، والقصاص والحدود وما شابه ذلك، فهذه كلها أمور تعدّ من أعراف المسلمين وعاداتهم، وهي في نفس الوقت أحكام شرعية يستوجب فعلها الثواب وتركها العقاب، سواء منها ما كان متعارفًا عليه قبل الإسلام ثم جاء الحكم الشرعي مؤيّدًا ومحسّنًا له كحكم القسامة والديه والطواف بالبيت، وما كان غير معروف قبل ذلك، وإنما أوجده الإسلام نفسه كأحكام الطهارة والصلاة والزكاة وغيرها.

فهذه الصورة من الأعراف لا يجوز أن يدخلها التبديل والتغيير مهما تبدلت الأزمنة وتطورت العادات والأحوال؛ لأنها بحدّ ذاتها أحكام شرعية ثبتت بأدلة باقية ما بقيت الدنيا، وليست هذه الصورة هي المعنية بقول الفقهاء: "العادة محكَّمة".

2- وإما أن لا يكون حكمًا شرعيًا، ولكن تعلّق به الحكم الشرعي بأن كان مناطًا له، مثال ذلك: ما يتعارفه الناس من وسائل التعبير وأساليب الخطاب والكلام، وما يتواضعون عليه من الأعمال المخلّة بالمروءة والآداب، وما تفرضه سنة الخلق والحياة في الإنسان مما لا دخل للإرادة والكليف فيه كاختلاف عادات الأقطار في سن البلوغ وفترة الحيض والنفاس إلى غير ذلك.

فهذه الأمثلة أمور ليست بحد ذاتها أحكامًا شرعية ولكنها متعلَّق ومناط لها، وهذه الصورة من العرف هي المقصودة من قول الفقهاء: "العادة محكمة"، فالأحكام المبنيّة على العرف والعادة هي التي تتغيّر بتغيّر العادة، وهنا فقط يصحّ أن يقال: "لا ينكر تبدّل الأحكام بتبدل الزمان"، وهذا لا يعدّ نسخًا للشريعة، لأن الحكم باق، وإنما لم تتوافر له شروط التطبيق فطبِّق غيره. يوضّحه أنّ العادة إذا تغيرت فمعنى ذلك أن حالة جديدة قد طرأت تستلزم تطبيق حكم آخر، أو أن الحكم الأصلي باق، ولكن تغير العادة استلزم توافر شروط معينة لطبيقه[25].

الشبهة السابعة: نساء خيِّرات كنّ سافرات:

احتجّ أعداء الحجاب بأن في شهيرات النساء المسلمات على اختلاف طبقاتهن كثيرًا ممن لم يرتدين الحجاب ولم يتجنّبن الاختلاط بالرجال.

وعمد المروجون لهذه الشبهة إلى التاريخ وكتب التراجم، يفتشون في طولها وعرضها وينقبون فيها بحثًا عن مثل هؤلاء النساء حتى ظفروا بضالتهم المنشودة ودرتهم المفقودة، فالتقطوا أسماء عدد من النساء لم يكن يبالين ـ فيما نقلته الأخبار عنهن ـ أن يظهرن سافرات أمام الرجال، وأن يلتقين معهم في ندوات أدبية وعلمية دونما تحرز أو تحرج[26].

الجواب:

1- من المعلوم والمتقرر شرعا أن الأدلة الشرعية التي عليها تبنى الأحكام هي الكتاب والسنة والإجماع والقياس، فضمن أيّ مصدر من مصادر التشريع تندرج مثل هذه الأخبار، خاصة وأنّ أغلبها وقع بعد من التشريع وانقطاع الوحي؟![27].

2- وإذا علِم أن أحكام الإسلام إنما تؤخذ من نص ثابت في كتاب الله تعالى أو حديث صحيح من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قياس صحيح عليهما أو إجماع التقى عليه أئمة المسلمين وعلماؤهم لم يصحّ حينئذ الاستدلال بالتصرّفات الفردية من آحاد الناس أو ما يسمّيه الأصوليون بـ"وقائع الأحوال"، فإذا كانت هذه الوقائع الفردية من آحاد الناس لا تعتبر دليلاً شرعيًا لأيّ حكم شرعيّ حتى لو كان أصحابها من الصحابة رضوان الله عليهم أو التابعين من بعدهم فكيف بمن دونهم؟!

بل المقطوع به عند المسلمين جميعًا أن تصرفاتهم هي التي توزن ـ صحة وبطلانًا ـ بميزان الحكم الإسلامي، وليس الحكم الإسلامي هو الذي يوزن بتصرفاتهم ووقائع أحوالهم، وصدق القائل: لا تعرف الحقّ بالرجال، اعرف الحقّ تعرف أهله[28].

3- ولو كان لتصرفات آحاد الصحابة أو التابعين مثلاً قوة الدليل الشرعي دون حاجة إلى الاعتماد على دليل آخر لبطل أن يكونوا معرّضين للخطأ والعصيان، ولوجب أن يكونوا معصومين مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس هذا لأحد إلا للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أما من عداهم فحقَّ عليهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كل بني آدم خطاء))، وإلاّ فما بالنا لا نقول مثلاً: يحل شرب الخمر فقد وجِد فيمن سلف في القرون الخيِّرة من شربها؟![29].

4- وما بال هؤلاء الدعاة إلى السفور قد عمدوا إلى كتب التاريخ والتراجم فجمعوا أسماء مثل هؤلاء النسوة من شتى الطبقات والعصور، وقد علموا أنه كان إلى جانب كل واحدة منهن سواد عظيم وجمع غفير من النساء المتحجّبات الساترات لزينتهن عن الأجانب من الرجال؟! فلماذا لم يعتبر بهذه الجمهرة العظيمة ولم يجعلها حجة بدلاً من حال أولئك القلة الشاذة المستثناة؟!

يقول الغزالي: "لم تزل الرجال على مر الأزمان تكشف الوجوه، والنساء يخرجن منتقبات أو يمنعن من الخروج"[30]، ويقول ابن رسلان: "اتفق المسلمون على منع النساء من الخروج سافرات"[31].

ولماذا لم يحتج بمواقف نساء السلف من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان في تمسكهم بالحجاب الكامل واعتباره أصلاً راسخًا من أصول البنية الاجتماعية؟![32].

الشبهة الثامنة: الحجاب كبت للطاقة الجنسية:

قالوا: إنّ الطاقة الجنسية في الإنسان طاقة كبيرة وخطيرة، وخطورتها تكمن في كبتها، وزيادة الضغط يولّد الانفجار، وحجاب المرأة يغطّي جمالها، وبالتالي فإنّ الشباب يظلون في كتب جنسيّ يكاد أن ينفجر أو ينفجر أحيانًا على شكل حوادث الاغتصاب وغيرها، والعلاج لهذه المشكلة إنما يكمن في تحرير المرأة من هذا الحجاب لكي ينفس الشباب الكبت الذي فيهم، وبالتالي يحدث التشبع لهذه الحاجة، فيقلّ طبقًا لذلك خطورة الانفجار بسبب الكبت والاختناق[33].

الجواب:

1- لو كان هذا الكلام صحيحًا لكانت أمريكا والدول الأوربية وما شاكلها هي أقلّ الدول في العالم في حوادث الاغتصاب والتحرّش في النساء وما شاكلها من الجرائم الأخلاقية، ذلك لأن أمريكا والدول الأوربية قد أعطت هذا الجانب عناية كبيرة جدًا بحجة الحرية الشخصية، فماذا كانت النتائج التي ترتبت على الانفلات والإباحية؟ هل قلّت حوادث الاغتصاب؟ هل حدث التشبّع الذي يتحدّثون عنه؟ وهل حُميت المرأة من هذه الخطورة؟

جاء في كتاب "الجريمة في أمريكا": إنه تتم جريمة اغتصاب بالقوة كل ستة دقائق في أمريكا[34]. ويعني بالقوة: أي تحت تأثير السلاح.

وقد بلغ عدد حالات الاغتصاب في أمريكا عام 1978م إلى مائة وسبعة وأربعين ألف وثلاثمائة وتسع وثمانين حالة، لتصل في عام 1987م إلى مائتين وواحد وعشرين ألف وسبعمائة وأربع وستين حالة. فهذه الإحصائيات تكذّب هذه الدعوى[35].

2- إن الغريزة الجنسية موجودة في الرجال والنساء، وهي سرّ أودعه الله تعالى في الرجل والمرأة لحِكَم كثيرة، منها استمرار النسل. ولا يمكن لأحد أن ينكر وجود هذه الغريزة، ثم يطلب من الرجال أن يتصرفوا طبيعيًا أمام مناظر التكشف والتعرّي دونما اعتبار لوجود تلك الغريزة[36].

3- إن الذي يدّعي أنه يمكن معالجة الكبت الجنسي بإشاعة مناظر التبرّج والتعري ليحدث التشبع فإنه بذلك يصل إلى نتيجتين:

الأولى: أن هؤلاء الرجال الذين لا تثيرهم الشهوات والعورات البادية من فئة المخصيّين، فانقطعت شهوتهم، فما عادوا يشعرون بشيء من ذلك الأمر.

الثانية: أن هؤلاء الرجال الذين لا تثيرهم العورات الظاهرة من الذين أصابهم مرض البرود الجنسي.

فهل الذين يدعون صدقَ تلك الشبهة يريدون من رجال أمتنا أن يكونوا ضمن إحدى هاتين الطائفتين من الرجال؟![37].

الشبهة التاسعة: الحجاب يعطل نصف المجتمع:

قالوا: إن حجاب المرأة يعطل نصف المجتمع، إذ إن الإسلام يأمرها أن تبقى في بيتها[38].

الجواب:

1- إن الأصل في المرأة أن تبقى في بيتها، قال الله تعالى: {وَقَرْنَ فِى بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ ٱلأولَىٰ} [الأحزاب:33]. ولا يعني هذا الأمر إهانة المرأة وتعطيل طاقاتها، بل هو التوظيف الأمثل لطاقاتها[39].

2- وليس في حجاب المرأة ما يمنعها من القيام بما يتعلق بها من الواجبات، وما يُسمح لها به من الأعمال، ولا يحول بينها وبين اكتساب المعارف والعلوم، بل إنها تستطيع أن تقوم بكل ذلك مع المحافظة على حجابها وتجنبها الاختلاط المشين.

وكثير من طالبات الجامعات اللاتي ارتدين الثوب الساتر وابتعدن عن مخالطة الطلاب قد أحرزن قصب السبق في مضمار الامتحان، وكن في موضع تقدير واحترام من جميع المدرسين والطلاب[40].

3- بل إن خروج المرأة ومزاحمتها الرجل في أعماله وتركها الأعمال التي لا يمكن أن يقوم بها غيرها هو الذي يعطل نصف المجتمع، بل هو السبب في انهيار المجتمعات وفشو الفساد وانتشار الجرائم وانفكاك الأسَر، لأن مهمة رعاية النشء وتربيتهم والعناية بهم ـ وهي من أشرف المهام وأعظمها وأخطرها ـ أضحت بلا عائل ولا رقيب.

الشبهة العاشرة: التبرج أمر عادي لا يلفت النظر:

يدّعي أعداء الحجاب أن التبرج الذي تبدو به المرأة كاسية عارية لا يثير انتباه الرجال، بينما ينتبه الرجال عندما يرون امرأة متحجبة حجابًا كاملاً يستر جسدها كله، فيريدون التعرّف على شخصيتها ومتابعتها؛ لأنّ كلَّ ممنوع مرغوب[41].

الجواب:

1- ما دام التبرج أمر عادي لا يلفت الأنظار ولا يستهوي القلوب فلماذا تبرّجت؟! ولمن تبرجت؟! ولماذا تحمّلت أدوات التجميل وأجرة الكوافير ومتابعة الموضات؟![42].

2- وكيف يكون التبرج أمرًا عاديًا ونرى أن الأزواج ـ مثلاً ـ تزداد رغبتهم في زوجاتهم كلما تزينّ وتجمّلن، كما تزداد الشهوة إلى الطعام كلما كان منسقًا متنوعًا جميلاً في ترتيبه ولو لم يكن لذيذ الطعم؟![43].

3- إن الجاذبية بين الرجل والمرأة هي الجاذبية الفطرية، لا تتغير مدى الدهر، وهي شيء يجري في عروقهما، وينبه في كل من الجنسين ميوله وغرائزه الطبيعية، فإن الدم يحمل الإفرازات الهرمونية من الغدد الصماء المختلفة، فتؤثر على المخ والأعصاب وعلى غيرها، بل إن كل جزء من كل جسم يتميز عما يشبهه في الجنس الآخر؛ ولذلك تظهر صفات الأنوثة في المرأة في تركيب جسمها كله وفي شكلها وفي أخلاقها وأفكارها وميولها، كما تظهر مميزات الذكورة في الرجل في بدنه وهيئته وصوته وأعماله وميوله. وهذه قاعدة فطرية طبيعية لم تتغير من يوم خلق الله الإنسان، ولن تتغير حتى تقوم الساعة[44].

4- أودع الله الشبق الجنسي في النفس البشرية سرًّا من أسراره، وحكمة من روائع حكمه جلّ شأنه، وجعل الممارسة الجنسية من أعظم ما ينزع إليه العقل والنفس والروح، وهي مطلب روحي وحسي وبدني، ولو أن رجلاً مرت عليه امرأة حاسرة سافرة على جمال باهر وحسن ظاهر واستهواء بالغ ولم يلتفت إليها وينزع إلى جمالها يحكم عليه الطب بأنه غير سوي وتنقصه الرغبة الجنسية، ونقصان الرغبة الجنسية ـ في عرف الطب ـ مرض يستوجب العلاج والتداوي[45].

5- إن أعلى نسبة من الفجور والإباحية والشذوذ الجنسي وضياع الأعراض واختلاط الأنساب قد صاحبت خروج النساء مترجات كاسيات عاريات، وتتناسب هذه النسبة تناسبًا طرديًا مع خروج النساء على تلك الصورة المتحللة من كل شرف وفضيلة، بل إن أعلى نسبة من الأمراض الجنسية ـ كالأيدز وغيره ـ في الدول الإباحية التي تزداد فيها حرية المرأة تفلّتًا، وتتجاوز ذلك إلى أن تصبح همجية وفوضى، بالإضافة إلى الأمراض والعقد النفسية التي تلجئ الشباب والفتيات للانتحار بأعلى النسب في أكثر بلاد العالم تحللاً من الأخلاق[46].

6- أما أن العيون تتابع المتحجبة الساترة لوجهها ولا تتابع المتبرجة فإن المتحجبة تشبه كتابًا مغلقًا، لا تعلم محتوياته وعدد صفحات وما يحمله من أفكار، فطالما كان الأمر كذلك، فإنه مهما نظرنا إلى غلاف الكتاب ودققنا النظر فإننا لن نفهم محتوياته، ولن نعرفها، بل ولن نتأثر بها، وبما تحمله من أفكار، وهكذا المتحجبة غلافها حجابها، ومحتوياتها مجهولة بداخله، وإن الأنظار التي ترتفع إلى نورها لترتد حسيرة خاسئة، لم تظفر بِشَروَى[47] نقير ولا بأقلّ القليل.

أما تلك المتبرجة فتشبه كتابًا مفتوحًا تتصفّحه الأيدي، وتتداوله الأعين سطرًا سطرًا، وصفحة صفحة، وتتأثّر بمحتوياته العقول، فلا يترك حتى يكون قد فقد رونق أوراقه، فتثنت بل تمزق بعضها، إنه يصبح كتابًا قديمًا لا يستحق أن يوضع في واجهة مكتبة بيت متواضعة، فما بالنا بواجهة مكتبة عظيمة؟![48].

الشبهة الحادية عشرة: السفور حقّ للمرأة والحجاب ظلم:

زعموا أن السفور حقّ للمرأة، سلبها إياه المجتمع، أو سلبها إياه الرجل الأناني المتحجر المتزمت، ويرون أن الحجاب ظلم لها وسلب لحقها[49].

الجواب:

1- لم يكن الرجل هو الذي فرض الحجاب على المرأة فترفع قضيتها ضدّه لتتخلّص من الظلم الذي أوقعه عليها، كما كان وَضعُ القضية في أوربا بين المرأة والرجل، إنما الذي فرض الحجاب على المرأة هو ربها وخالقها الذي لا تملك ـ إن كانت مؤمنة ـ أن تجادله سبحانه فيما أمر به أو يكون لها الخيرة في الأمر، {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَـٰلاً مُّبِينًا} [الأحزاب:36][50].

2- إن الحجابَ في ذاته لا يشكل قضية، فقد فرض الحجاب في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونفذ في عهد، واستمر بعد ذلك ثلاثة عشر قرنًا متوالية وما من مسلم يؤمن بالله ورسوله يقول: إن المرأة كانت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مظلومة.

فإذا وقع عليها الظلم بعد ذلك حين تخلّف المسلمون عن عقيدتهم الصحيحة ومقتضياتها فلم يكن الحجاب ـ بداهة ـ هو منبع الظلم ولا سببه ولا قرينه، لأنه كان قائمًا في خير القرون على الإطلاق، وكان قرين النظافة الخلقية والروحية، وقرين الرفعة الإنسانية التي لا مثيل لها في تاريخ البشرية كله[51].

الشبهة الثانية عشرة: الحجاب رمز للغلو والتعصب الطائفي والتطرف الديني:

زعم أعداء الحجاب أن حجاب المرأة رمز من رموز التطرف والغلو، وعلامة من علامات التنطع والتشدد، مما يسبب تنافرا في المجتمع وتصادما بين الفئتين، وهذا قد يؤول إلى الإخلال بالأمن والاستقرار.

الجواب:

1- هذه الدعوى مرفوضة من أساسها، فالحجاب ليس رمزا لتلك الأمور، بل ولا رمزا من الرموز بحال، لأن الرمز ما ليس له وظيفة إلا التعبير عن الانتماء الديني لصاحبه، مثل الصليب على صدر المسيحي أو المسيحية، والقلنسوة الصغيرة على رأس اليهودي، فلا وظيفة لهما إلا الإعلان عن الهوية. أما الحجاب فإن له وظيفة معروفة وحِكَما نبيلة، هي الستر والحشمة والطهر والعفاف، ولا يخطر ببال من تلبسه من المسلمات أنها تعلن عن نفسها وعن دينها، لكنها تطيع أمر ربها، فهو شعيرة دينية، وليس رمزا للتطرف والتنطع.

ثم إن هذه الفرية التي أطلقوها على حجاب المرأة المسلمة لماذا لم يطلقوها على حجاب الراهبات؟! لماذا لم يقولوا: إن حجابَ اليهوديات والنصرانيات رمز للتعصب الديني والتميز الطائفي؟! لماذا لم يقولوا: إن تعليق الصليب رمز من رموز التطرف الديني وهو الذي جرّ ويلات الحروب الصليبية؟! لماذا لم يقولوا: إن وضع اليهودي القلنسوة الصغيرة على رأسه رمز من رموز التطرف الديني وبسببه يحصل ما يحصل من المجازر والإرهاب في فلسطين المحتلة؟!

2- إن هذه الفرية يكذّبها التاريخ والواقع، فأين هذه المفاسد المزعومة والحجاب ترتديه المرأة المسلمة منذ أكثر من أربعة عشر قرنا؟!

3- إن ارتداء المرأة للحجاب تم من منطلق عقدي وقناعة روحية، فهي لم تلزَم بالحجاب بقوة الحديد والنار، ولم تدعُ غيرها إلى الحجاب إلا بالحكمة والحجج الشرعية والعقلية، بل عكس القضية هو الصحيح، وبيان ذلك أن إلزام المرأة بخلع حجابها وجعل ذلك قانونا وشريعة لازمة هو رمز التعصب والتطرف اللاديني، وهذا هو الذي يسبب التصادم وردود الأفعال السيئة، لأنه اعتداء على الحرية الدينية والحرية الشخصية.



[1] عودة الحجاب: محمد أحمد إسماعيل المقدم (3/391).

[2] أخرجه البخاري في الإيمان، باب: الدين يسر (39).

[3] أخرجه مسلم في الجهاد (1732).

[4] عودة الحجاب (3/393).

[5] انظر: عودة الحجاب (3/395-396).

[6] المتبرجات للزهراء فاطمة بنت عبد الله (122).

[7] انظر: المتبرجات (122).

[8] المتبرجات (124) بتصرف.

[9] المترجات (124-125).

[10] عودة الحجاب (3/412).

[11] عودة الحجاب (3/412-413) باختصار.

[12] عودة الحجاب (3/412-413).

[13] إلى كل أب غيور يؤمن بالله لعبد الله ناصح علوان (44)، انظر: عودة الحجاب (3/414).

[14] عودة الحجاب (3/415).

[15] إلى كل فتاة تؤمن بالله. د.محمد سعيد البوطي (97).

[16] إلى كل فتاة تؤمن بالله (97-99).

[17] يا فتاة الإسلام اقرئي حتى لا تخدعي للشيخ صالح البليهي (124).

[18] يا فتاة الإسلام (128-126) باختصار.

[19] يا فتاة الإسلام (126).

[20] المرأة بين الجاهلية والإسلام، محمد الناصر وخولة درويش (169، 170).

[21] المرأة بين الجاهلية والإسلام (171).

[22] غريب الحديث (2/440-441)، عند شرح قول ابن سيرين: "النقاب محدث".

[23] انظر: المرأة بين الجاهلية والإسلام (171-172)..

[24] عودة الحجاب (3/403).

[25] عودة الحجاب (3/403-404).

[26] عودة الحجاب (3/409).

[27] عودة الحجاب (3/409).

[28] عودة الحجاب (3/409-410).

[29] عودة الحجاب (3/410).

[30] إحياء علوم الدين (2/74).

[31] انظر: عون المعبود (4/106).

[32] عودة الحجاب (3/410-411).

[33] أختي غير المحجبة ما المانع من الحجاب؟ لعبد الحميد البلالي (7).

[34] هذا بالنسبة لعام (1988م) على ما في الكتاب.

[35] أختي غير المحجبة (8، 10) بتصرف.

[36] أختي غير المحجبة (12).

[37] أختي غير المحجبة (12-13).

[38] أختي غير المحجبة (64).

[39] أختي غير المحجبة (64).

[40] يا فتاة الإسلام اقرئي (39-40).

[41] المتبرجات (117).

[42] المتبرجات (117).

[43] المتبرجات (117).

[44] التبرج لنعمت صافي (23-24).

[45] الفتاوى للشيخ محمد متولي الشعراوي بمشاركة: د.السيد الجميلي. انظر: المتبرحات (119-120)

[46] المتبرجات (120) وللمزيد من ذلك انظر: المرأة المتبرجة وأثرها السيئ في الأمة لعبد الله التليدي (12-25).

[47] الشَّروى كجدوى: المثل. (القاموس المحيط، مادة: شرى).

[48] المتبرجات (118).

[49] قضية تحرير المرأة لمحمد قطب (21).

[50] قضية تحرير المرأة (19).

[51] قضية تحرير المرأة لمحمد قطب (19-20).

عبقور2011
02-26-2011, 04:21 PM
رجال الفجر

عبد الله الهذيل


ملخص الخطبة

1- كيف يفكر ابن الدنيا في يومه. 2- كيف يقضي يومه رجل من أهل صلاة الفجر. 3- رجال تشهدهم ملائكة الرحمن. 4- جزاؤهم في الآخرة. 5- فضل إدراك صلاة الفجر. 6- المنافقون يغيبون عن صلاة الفجر. 7- بول الشيطان.

الخطبة الأولى





أيها الأحبة في الله...

إن النظرة المادية للحياة لتعطي صورًا عظيمة لكل معنى تتحدث عنه, وتحيط بصاحبها في أفق ضيّق لم يتجاوز الخلود إلى هذه الأرض واتباع الهوى.

وفي سؤال يعرض على أهل تلك النظرات: بأي شيء يبدأ المرء يومه الجديد, بعد أن ودع أمسه الماضي؟ فإذا الجواب يأتيك وقد حاول أن يستوعب كل ما للدنيا من مطالب بأن يبدأ يومه بموعد جديد مع العمل الدؤوب والجهد المضاعف في وظيفته أو تجارته.

وبأن يبدأه بابتسامة عريضة أمام هذه الدنيا ومطالبها, وبأن يبدأه بتسريح شعره, وتنميق هندامه, وتنظيم مركبه ومكتبه.

وهكذا تسمعه متجاوزًا ذلك الجواب أسمى المعاني, وأعلى المطالب, متجاوزًا تلك الدقائق الغالية, التي يقفها المؤمن بين يدي ربه عز وجل, وقد فزع إليها أول ما استيقظ في يومه الجديد.

ولا عجب, أن تنسى أو تتناسى تلك النظرات المادية هذه الدقائق الثمينة, وتحذفها من سجل الأعمال اليومية؛ لأنها لم تعش حلاوتها, ولم تتذوق لذتها, ورضيت أن تعيش مختومة السمع والفؤاد.

أيها الأحبة في الله:

وفي هذه اللحظات سنتذاكر شأن تلك الدقائق الغالية, ونتدارس فضائل أهلها, الذين هم صفوة الناس حقًا.

أولئك رجال الفجر, وأهل صلاة الفجر, أولئك الذين ما إن سمعوا النداء يدوي, الله أكبر, الله أكبر, الصلاة خير من النوم, هبّوا وفزعوا وإن طاب المنام, وتركوا الفرش وإن كانت وثيرًا, ملبين النداء, فخرج الواحد منهم إلى بيت من بيوت الله تعالى وهو يقول: ((اللهم اجعل في قلبي نورًا, وفي لساني نورًا, واجعل في سمعي نورًا, واجعل في بصري نورًا, واجعل من خلفي نورًا, ومن أمامي نورًا, واجعل من فوقي نورًا)) فما ظنكم بمن خرج لله في ذلك الوقت, لم تخرجه دنيا يصيبها, ولا أموال يقترفها, أليس هو أقرب إلى الإجابة, فيالسعادة يعيشها حين لا ينفك النور عنه طرفة عين.

أيها الأحبة في الله: إن أهل الفجر لهم ثناء جميل, لا أقول سطرته وسائل الإعلام باختلاف أشكالها, فليسوا بحاجة إلى أن ينشر لهم عمل, ولكنه ثناء أعظم وأجل, مسطر في رق منشور, ثناء تكلم به الجبار جل جلاله, وحسبك بثناء من عند الله تعالى, الذي لا يزين مدحه إلا هو, ولا يشين ذمه إلا هو, فبشراكم ذلك الثناء يا أهل الفجر, قال تعالى: واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطًا, وقال سبحانه: أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودًا, وقرآن الفجر: صلاة الفجر.

وفي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي قال: ((وتجتمع ملائكة الليل والنهار في صلاة الفجر)), وفي الصحيحين عنه رضي الله عنه أن النبي قال: ((يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر, فيعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم وهو أعلم بكم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون)).

أيها الأحبة في الله: وإن أهل الفجر كانت صلاتهم لهم ستارًا من النار, وسبيلاً إلى جنات نعيم.

ففي صحيح مسلم من حديث عمار بن رؤيبة رضي الله عنه أن النبي قال: ((لن يلج النار أحدٌ صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها)).

وفي الصحيحين من حديث أبي موسى رضي الله عنه أن النبي قال: ((من صلى البَرْدين دخل الجنة)), والبردان: الفجر والعصر.

وأهل الفجر لهم وعد صادق بأن يروا ربهم عز وجل, ففي الصحيحن من حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه أن النبي قال: ((أما إنكم سترون ربكم كما ترون القمر لا تضامون في رؤيته, فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا)) يعني صلاة العصر والفجر ثم قرأ فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها.

وأهل الفجر تضاعف لهم أجورهم بأن يكونوا كمن قام الليل كله, ففي صحيح مسلم من حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه أن النبي قال: ((من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل, ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما قام الليل كله)).

أيها الأحبة في الله: وأهل الفجر في ذمة الله تعالى وجواره, فما ظنكم بمن كان في جوار الله تعالى, وأنتم ترون الناس يطمئنون ويأمنون أشد الأمن حين يكون أحدهم في جوار عظيم من عظماء الدنيا, فلمن كان في جوار الله لهو أشد أمانًا واطمئنانًا.

ففي صحيح مسلم من حديث جُندَب بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي قال: ((من صلى الصبح فهو في ذمة الله, فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء, فإنه من يطلبه من ذمته بشيء يدركه, ثم يكبه على وجهه في نار جهنم)).

وإن أهل الفجر لما لم تمنعهم ظلمة الليل من أن يمشوا فيها إلى بيوت الله تعالى كان من جزائهم أن يسيروا في نور تام يوم القيامة، فعند أبي داود والترمذي من حديث بريدة الأسلمي رضي الله عنه أن النبي قال: ((بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة)).

وعند الدارمي عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي قال: ((من مشى في ظلمة ليل إلى صلاة آتاه الله نورًا يوم القيامة)).

أيها الأحبة في الله: وإن صلاة الفجر لهي ميزان للإيمان, وأمارة من أمارات صدق صاحبها, وإنك لتعجب, ممن أظهر أمارات الإلتزام وله مع الطيبين ذهاب وإياب، ثم هو مفقود في صلاة الفجر, لا تكاد تراه إلا في فترات متباعدة, فأي التزام هذا، وهو لم يأخذ بصاحبه إلى أن يكون من أهل الفجر؟!

أيها المسلمون:

فصلاة الفجر لا يشهدها إلا صفوة الناس, لذلك كانت تلك الصلاة أشدّ صلاة على المنافقين, كما قال : ((ليس صلاة أثقل على المنافقين من الفجر والعشاء, ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا)) رواه البخاري.

وعند الدارمي من حديث أبي بن كعب رضي الله عنه أن النبي صلى صلاة الصبح ثم أقبل علينا بوجهه فقال: ((أشاهد فلان؟)) قالوا: لا, فقال: ((أشاهد فلان؟)) قالوا: لا, لنفر من المنافقين لم يشهدوا الصلاة, فقال: ((إن هاتين الصلاتين أثقل الصلاة على المنافقين، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا)).

ولذلك كانت صلاة الفجر عند الصحابة مقياسًا يزنون به الناس, ففي صحيح ابن خزيمة عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنا إذا فقدنا الرجل في الفجر والعشاء أسأنا به الظن.

أيها الأحبة في الله: وبعد هذا, فماذا يقول ذلك الذي آثر فراشه معرضًا عن نداء ربه عز وجل؟! ماذا يقول وقد فوّت على نفسه ذلك الفضل العظيم؟! في حين تراه خلف سقط المتاع يلهث من صبحه إلى مسائه.

ماذا يقول وهو يقيم الوقت الطويل في السهر الضائع, وجلسات اللهو واللعب؟! وإلى تلك الدقائق الغالية تقصر فيه كل همه.

فيامن فقدناك في صفوف الفجر, أعني في صف الفجر الذي لم يكتمل!! أرضيت أن تكون أسيرًا للشيطان والهوى؟! أرضيت أن يبول الشيطان في أذنيك؟! فلا يجعلها تسمع نداءً, ولا تجيب فلاحًا.

ففي الصحيح من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: "ذكر عند النبي رجل نام ليلة حتى أصبح فقال: ((ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه)), أو قال: ((في أذنه)).

ثم هل ترضى أن يحضر الشيطان منزلك كل ليلة فيبيت معك حتى تصبح, وهو يراك فريسة اصطادها في كل يوم!!

فإذا كان الذي تفوته الصلاة غير مفرط وهو معذور قد حضر الشيطان منزله, فكيف بمن هو مفرط فيها, ومعرض عنها؟!

فإن النبي لما استيقظ هو ومن معه من الجيش حين قفل من خيبر, لما استيقظوا بعد طلوع الشمس, قال عليه الصلاة والسلام: ((ليأخذ كل رجل برأس راحلته, فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان)).

فهلا عزمت من ساعة هذه أن تكون ضمن الركب المبارك, أهل الفجر, لتحظى بفضائلهم, ولتنجو من الوعيد الشديد للذين ينامون عن فرائض الله تعالى.

ففي الصحيح عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: قال لنا رسول الله ذات غداة: ((إنه أتاني الليلة آتيان وإنهما ابتعثاني وإنهما قالا لي: انطلق, وإني انطلقت معهما وإنَّا أتينا على رجل مضطجع وإذا آخر قائم عليه بصخرة, وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه فيثلغ رأسه فيتدهده الحجر هاهنا فيتبع الحجر فيأخذه فلا يرجع إليه حتى يصبح رأسه كما كان ثم يعود عليه فيفعل به مثل ما فعل به المرة الأولى, قلت لهما: سبحان الله, ما هذان؟!!)) وفي آخر الحديث أن جبريل قال له: (( وأما الرجل الأول الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة)).

عبقور2011
02-26-2011, 04:22 PM
حي على الصلاة

ناصر محمد الأحمد


ملخص الخطبة

1- نصوص من السنّة عن الصلاة وفضلها 2- فضل الاعتناء بالصلاة وشؤم التهاون فيها 3- نصيحة للمحافظين على الصلاة أن يحافظوا على تكبيرة الإحرام مع الإمام

الخطبة الأولى





أما بعد:

أيها المسلمون:

سأقرأ عليكم جملة من الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم فأرعني سمعك يا عبد الله: وكلها أحاديث عن الصلاة. يقول عليه الصلاة والسلام: ((آتاني جبريل من عند الله تبارك وتعالى، فقال يا محمد إن الله عز وجل يقول: إني قد فرضت على أمتك خمس صلوات فمن وافى بهن، على وضوئهن، ومواقيتهن، وركوعهن، وسجودهن، كان له عندي بهن عهد أن أدخله بهن الجنة، ومن لقيني قد انتقص من ذلك شيئا، فليس له عندي عهد، إن شئت عذبته، وإن شئت رحمته)).

ويقول : ((بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة)).

ويقول : ((اعلم أنك لا تسجد لله سجدة، ألا رفع الله لك بها درجة، وحط عنك بها خطيئة)).

ويقول : ((إن العبد إذا قام يصلي أتى بذنوبه كلها، فوضعت على رأسه وعاتقيه، فكلما ركع أو سجد تساقطت عنه)).

ويقول : ((أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته فإن كان أتمها، كتبت له تامة، وان لم يكن أتمها قال الله لملائكته: انظروا هل تجدون لعبدي من تطوع فتكملون بها فريضته))، ثم الزكاة كذلك ثم تؤخذ الأعمال على حسب ذلك.

ويقول : ((من ترك صلاة العصر حبط عمله)).

ويقول : ((من صلى الصبح فهو في ذمة الله، فلا يطلبكم الله من ذمته بشيء، فان من يطلبه من ذمته بشيء، يدركه، ثم يكبه على وجهه في نار جهنم)).

ويقول : ((أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً، ولقد هممت أن امر بالصلاة فتقام، ثم امر رجلا فيصلي بالناس، ثم انطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار)).

ويقول : ((صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاة الرجل وحده خمسا وعشرين درجة)).

ويقول : ((ما من ثلاثة من قرية ولا بدو، لا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان، فعليكم بالجماعة، فإنما يأكل الذئب القاصية )).

ويقول : ((من سمع النداء فلم يأته، فلا صلاة له إلا من عذر)).

ويقول : ((ألا أدلكم على ما يمحوا الله به الخطايا ويرفع به الدرجات، إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط)).

ويقول : ((بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة)).

أيها المسلمون:

هذه الأحاديث وغيرها كثير، من المخاطبون بها؟ لمن قيلت هذه النصوص؟ هل قيلت للجن؟ أين نحن من هذه الآثار النبوية، وما حظ كل واحد منا، يقول عبد الله بن مسعود كما في صحيح مسلم: ولقد كان يؤتى بالرجل يهادي بين الرجلين حتى يقام في الصف.

لما حضرت سعيد بن المسيب الوفاة، وكان رحمه الله عالم التابعين وإمامهم، بكت ابنته عليه، فقال لها: لا تبكي عليّ يا بنية، والله ما أذن المؤذن من أربعين سنة إلا وأنا في المسجد. من أربعين سنة لا يؤذن المؤذن وهذا الرجل في المسجد ينتظر الصلاة، ليصلى مع المسلمين، وكان الأعمش يقول: والله ما فاتتني تكبيرة الإحرام مع الجماعة خمسين سنة. هؤلاء هم الذين عرفوا قيمة الصلاة أما في أوقاتنا:

ولكن أين صوت من بلالٍ
ومسجدكم من العباد خاليٍ






فجلجلة الأذان بكل حيِّ
منائر كم علت في كل ساحٍ

أنتم شهداء الله في الأرض، المسلمون هم شهداء الله في أرضه، ولا يمكن أن نشهد إلا لمن يصلي معنا في المسجد كل يوم خمس مرات، أما رجل قريب من المسجد ثم تفوته الصلاة مع المسلمين، فهذا لا يشهد له عند الله يوم القيامة.

ما معنى الإيمان الذي يدعيه رجال ثم هم لا يحضرون الصلاة في الجماعة، ما معنى الإيمان وما قيمة الصلاة في حياتهم، ثم إذا تكلمت مع أحد منهم زعم بأنك تتهمه بالنفاق، إن الصحابة رضي الله عنهم، كانوا يتهمون المتخلف عن الجماعة بالنفاق، يقول ابن مسعود: ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق. فأي دين لهؤلاء الذي لا يعمرون المساجد، وأي إسلام لمن يسمعون النداء ثم لا يجيبون، قال الله تعالى: انهم كانوا إذا قيل لهم لا اله إلا الله يستكبرون . قال بعض أهل العلم. هم الذي لا يحضرون الصلاة في الجماعة. أين الأجيال، أين شباب الأمة، أين الرجال، والمساجد خاوية تشكو إلى الله تعالى. إذا كان هذا مستوانا في الصلاة وهي عمود الإسلام، فكيف بباقي شرائع الدين كيف ترتقي أمة لا تحسن المعاملة مع الله، كيف تفلح أمة لا تقدس شعائر الله، كيف تكون صادقة في الحرب، أو في التعليم أو في التصنيع أو في الحضارة، أو في الإدارة وهي لا تحسن الاتصال بربها في صلاة فرضها الله عليها.

كم تأخذ صلاة الجماعة من أوقاتنا، في مقابل ما نضيعه في الأكل والشرب والنوم، والمرح، إنها دقائق معدودة، لكن بها يرتفع المؤمنون ويسقط الفجرة والمنافقون، بها يعرف أولياء الرحمن من أولياء الشيطان، بها يتميز المؤمن من المنافق يقول عليه الصلاة والسلام، كما في الصحيحين: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله أني رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله))، والحديث واضح وصريح كما سمعتم أمر من الله تعالى لرسوله عليه الصلاة والسلام بأن يقاتل هذا الإنسان، حتى يسجد لله فيوم يتهاون الإنسان بالصلاة، أويترك الصلاة أو يتنكر للصلاة، أولا يتعرف على بيت الله يصبح هذا الإنسان لا قداسة له، ولا حرمة له، ولا مكانة ولا وزن، هذا الإنسان حين يترك الصلاة يكون دمه رخيصا، لا وزن له، يسفك دمه، وتهان كرامته، ويقطع رأسه بالسيف، قال الله تعالى: فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً .

أيها المسلمون: إنه لا عذر لأحد في ترك الصلاة مع الجماعة، كان سعيد بن المسيب إمام التابعين في عصره، كان يأتي في ظلام الليل إلى مسجد النبي فقال له بعض إخوانه: خذ سراجا لينير لك الطريق في ظلام الليل، فقال يكفيني نور الله: ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور .

وفي الحديث عنه عليه الصلاة والسلام: ((بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة)) وهل في القيامة ظلمة، وهل في القيامة ليل؟ نعم والله إنه ليل وأي ليل، وإنها لظلمة وأي ظلمة، يجعلها الله لأعداء المساجد، ولتاركي المساجد والواضعي العثرات في طريق أهل المساجد، ظلمة يجعلها الله لأولئك الذين انحرفوا عن بيوت الله، وللذين حرفوا بيوت الله، تظلم عليهم طرقاتهم وسبلهم يقولون للمؤمنين يوم القيامة: انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً كان الصحابة رضي الله عنهم، حتى وهم في المعارك إذا تلاقت الصفوف والتحمت الأبدان وأشرعت الرماح، وتكسرت السيوف، وتنـزلت الرؤوس من على الأكتاف في هذه الحال لم يكونوا يدعون صلاة الجماعة، تصلي طائفة وتقف الأخرى في وجه العدو.

والحرب تسقى الأرض جما أحمرا
في مسمع الروح الأمين فكبرا






نحن الذين إذا دعوا لصلاتهم
جعلوا الوجوه إلى الحجاز فكبروا

إنها الصلاة، إنها حياة القلوب، إنها الميثاق إنها العهد بين الإنسان وبين ربه، ويوم يتركها المرء أو يتهاون بها، يدركه الخذلان وتناله اللعنة، وينقطع عنه مدد السماء.

أيها المسلمون:

إن من أسباب السعادة، وحفظ الله لنا، ودوام رغد العيش الذي نعيشه، أن نحافظ على عهد الله في الصلاة، وأن نتواصى بها، وأن نأمر بها أبناءنا وأن نعمر مساجدنا، بحضورنا، فهل من مجيب؟ وهل من مسارع إلى الصلاة حيث ينادى بهن وهل من حريص على تلكم الشعيرة العظيمة إنها الحياة، ولا حياة بغير صلاة، إنها رغد العيش، ولا رغد في العيش بغير صلاة، إنه دوام الأمن والاستقرار، ولا أمن ولا استقرار بغير صلاة. إنه التوفيق من رب العالمين في كل شيء، ولا توفيق ولا تسديد بغير صلاة.

فالله الله أيها المسلمون في الصلاة، من حافظ عليها، حفظه الله، ومن ضيعها ضيعه الله ولا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة: إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون .

فالصلاة الصلاة عباد الله، في أول وقتها بخشوعها، بخضوعها، بأركانها، بواجباتها، بسننها، وفي جماعتها، علّ الله أن يحفظنا ويرعانا إذا نحن حافظنا عليها وعظمناها

فإنه الركن إن خانتك أركان






فالزم يديك بحبل الله معتصما

أقول ما تسمعون، واستغفر الله . . .








الخطبة الثانية





أما بعد:

أيها المسلمون:

ومما يتعلق بالصلاة، موضوع مهم جدا، وهذا الموضوع ليس لتاركي الصلاة، ولا للمتهاونين والمتخلفين عن صلاة الجماعة، ولكنه لأولئك المحافظين على الصلوات الخمس في جماعة، أخص بالذكر الشباب الطيب، الذي هو أصلا قدوة لغيره في مثل هذه الأمور، وهذه القضية هي، حضور الشخص متأخرا عن الصلاة، وقد فاته بعضها، فبعد أن يسلم الإمام تجد عدد غير قليل من المسلمين يقومون لإتمام ما فاتهم، وعدد غير قليل من هؤلاء المتأخرين من الشباب الطيب المحب للخير، وهذا حرمان عظيم، حرمان أن يفوت الشخص تكبيرة الإحرام مع الإمام، وقد يعتذر البعض ولو في داخل نفسه أنه مشغول بشيء مهم، فهو ليس كعوام الناس شغله لهو أو لعب، ولكن شغلته دعوة، أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر، أو حضور درس أو غيرها من أعمال الخير، فلا يحس بتأنيب الضمير إذا فاته تكبيرة الإحرام، وهذه من المغالطات، بل من الموازنات المرجوحة، فإنه لا أهم من الصلاة إذا نودي لها، وكل عذر مما يشبه ما ذكرت فهو مردود.

اعلموا أيها المصلون أن واجب صلاة الجماعة يبدأ بتكبيرة الإمام تكبيرة الاحرام. فمنذ ينقطع صوت الإمام بقول الله اكبر، يبدأ وجوب المتابعة له قال بعض أهل العلم بأنه من تلك اللحظة يبدأ احتساب الأجر والأخذ في إدراك الجماعة إدراكا كاملا، ويبدأ أيضا احتساب الإثم في حق القادر المتخلف عمدا عن جزء منها، وهذه مسألة قلَّ ما يتفطن لها حتى بعض طلبة العلم. قال عليه الصلاة والسلام في الحديث المتفق عليه: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، فإذا كبر فكبروا وإذا ركع فاركعوا وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد)) المقصود في قوله لا تختلفوا عليه والله اعلم، أي لا تختلفوا عليه في القيام والقعود والمتابعة، ومن ذلك ضرورة التكبير ومباشرته بعده.

وإن من ظواهر التقصير في أداء هذا الواجب ما يرى من تخلف كثير من المصلين عن الحضور إلى مكان الجماعة لحين ما بعد الإقامة، فكثيرا ما ترى الإمام يبدأ بعدد قليل ولا يكاد يكبر تكبيرة الركوع حتى يتضاعف العدد من أناس تمروا بمجيئهم بالإقامة ولا شك في أن فعل هذا عمداً تقصير يفوت أجرا ويرتب وزرا، يفوت أجر الجزء الذي تركه عمداً في الأول، ويرتب وزر تفويته عمداً، فمن المعلوم عند العلماء رحمهم الله أن مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فعلى فرض أن مسافة الطريق تحتاج ممن تجب عليه الجماعة بضع دقائق، فإذا لم يبق على الإقامة من الزمن إلا بمقدار تلك الدقائق تعين عليه المشي ليلحق بصلاة الجماعة في أولها، أو يعد آثما لو تأخر بدون عذر شرعي.

وبجانب ما في هذا التقصير وهذا العمل من تفويت أجر، وربما ترتب عليه وزر، فهو يؤثر كثيرا وكثيرا على ما يطلب في الصلاة من خشوع وتذلل وتأمل وتدبر، لقد شرع قبلها ما يهيئ لذلك، لا ما يطارده أو يضعفه، شرع قبلها الوضوء، وشرع قبلها أدعية الخروج من المنزل، وشرع قبلها أدعية دخول المسجد، وشرع قبلها صلوات النافلة، وشرع أن يأتيها المسلم بسكينة ووقار لا بغلبة وجلبة يضايقه فيها النفس، وهذا غالب شان المتأخر عنها يحاول أن يدرك هذه الأمور، أيها المصلون، شرعت بين يدي الصلاة وفي الصلاة، وخاصة صلاة الجماعة ذات الفضل العظيم، ليتهيأ المسلم في صلاته لمناجاته لربع، والوقوف بين يديه كأنه يراه، جواب هذا السؤال عندكم، رجل تأخر دون عذر شرعي حتى أقيمت الصلاة، فجاء يركض، بنفس قد ضايقها وشغلها عن مهمتها، وفوت كثيرا مما يشرع الاتيان به قبل ذلك هل هذا الرجل سينصرف بأجر صلاة الجماعة مثل ذلك الذي أدرك تكبيرة الاحرام مع الإمام.

نسأل الله جل وتعالى أن لا يعاقبنا بسوء أعمالنا وما يستشهد به البعض من قوله : ((من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام فقد أدرك الصلاة)) فهذا في حق من لم له عذر شرعي، أما من لا عذر له فله أجر ما أدرك وعليه وزر ما فوت.

فاتقوا الله عباد الله، وحافظوا رحمكم الله على هذه الصلوات حيث ينادى بهن، عمروا المساجد، تسابقوا إلى الصفوف الأول واعلموا أنه لن يصلح أخر هذه الأمة، إلا بما صلح به أولها.

أيها المسلمون، اختم لكم هذه الخطبة بان أقرأ عليكم ثلاثة أحاديث من أحاديث الرسول وجعلتها في آخر الخطبة لكي تكون آخر ما يعلق في أذهانكم واسمعوها وتدبروها.

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال. قال رسول الله : ((تحترقون تحترقون، فاذا صليتم الصبح غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم الظهر غسلتها، ثم تحترقون تحترقون، فإذا صليتم العصر غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم المغرب غسلتها، ثم تحترقون تحترقون، فإذا صليتم العشاء غسلتها، ثم تنامون فلا يكتب عليكم حتى تستيقظوا)).

وعن انس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((إن لله ملكا ينادى عند كل صلاة، يا بني آدم قوموا إلى نيرانكم التي أوقدتموها فأطفئوها)).

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله، عن رسول الله انه قال: ((يبعث مناد عند حضرة كل صلاة، فيقول يا بني آدم قوموا فأطفئوا عنكم ما أوقدتم على أنفسكم فيقومون، فتسقط خطاياهم من أعينهم، ويصلون فيغفر لهم ما بينهما، ثم توقدون فيما بين ذلك فإذا كان عند الصلاة الأولى نادى: يا بني آدم قوموا فأطفئوا ما أوقدتم على أنفسكم، فيقومون فيتطهرون ويصلون الظهر، فيغفر لهم ما بينهما، فإذا حضرت العصر فمثل ذلك فإذ حضرت المغرب فمثل ذلك، فإذ حضرت العتمة فمثل ذلك، فينامون وقد غفر لهم، فمدلج في خير ومدلج في شر)).

اللهم انا نسالك رحمة تهدي بها قلوبنا . . .

عبقور2011
02-26-2011, 04:23 PM
الصدقة حلية المال

مازن التويجري


ملخص الخطبة

1- قدوم الأشعريين على رسول الله، وسؤاله الصحابة معونتهم والصدقة عليهم. 2- تسابق الصديق والفاروق في الإنفاق. 3- أحاديث في فضل الإنفاق في سبيل الله.

الخطبة الأولى



أما بعد:

بينما الصحابة جلوس حول رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدر النهار، كأنه البدر، بل أبهى، أحاطت به نجوم السماء، ينهلون من فيض خُلقه وعلمه, قد سعدوا، وحق لهم ذلك، فكيف لا يسعد من تكحلت عيناه برؤية خير البشر، وتشنفنت أذناه بسماع خطاب أفضل الأنبياء والمرسلين؟! كيف لا يسعد من يجلس بين يدي إمام الأئمة وقدوة الخليقة؟! كيف لا يسعد من يستقي تعاليم الإسلام من معينه الصافي، ومنهله العذب؟!

بينما هم على هذه الحال ـ وما أطيبها من حال! ـ إذ دخل عليهم قوم حفاة عراة، مجتابي النمار أو العباء، فعباءة أحدهم لا تكاد تستر بعض جسده، متقلدي السيوف، عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر، بهم من الفاقة ما لا يعلمه إلا الله، قد تناوشهم العوز والحاجة، دفعهم الجوع والفقر حتى ساقتهم أقدامهم إلى أكرم الخلق، وأرحم الناس بالناس، جاءوا إلى من عاش هَمَّ أمته هماً واحداً ضاقت معه نفسه, حتى ما عادت تنشغل بغير الإسلام وأهل الإسلام، جاءوا وقد أحسنوا المجيء، وأفلحوا في الاختيار. كيف لا؟ وقد قصدوا من يلهج إلى مولاه سبحانه أن يرزقه حب المساكين فامتلأ قلبه بحبهم، فغدا أبا المساكين، وملاذ الفقراء والمُعْوزِين، فلما رآهم صلوات ربي وسلامه عليه تَمَعَّر وجهه، ثم دخل بيته وخرج مضطرب الحال منشغل التفكير، مهموماً مغموماً، فأمر بلالاً فأذن وأقام، فصلى ثم خطب فقال: ((ٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1], يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [الحشر:18]. تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من صاع تمره ـ حتى قال: ـ ولو بشق تمرة)) قال جرير: (فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت، قال: ثم تتابع الناس، حتى رأيت كومين من طعام وثياب حتى رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهلل كأنه مذهبة).

هنا انفرجت أساريره عليه السلام، وزال همه وانزاح غمه، وهو يرى أبناء أمته يشعرون بحاجة إخوانهم، ويهتمون لهمهم ويرسمون في صورة رائعة شعور الجسد الواحد والأمة الواحدة بأشجار الإخاء وزهور المحبة، فقال عليه الصلاة والسلام مبيناً قاعدة مهمة في هذا الدين تدل على سموه وعلوه وعظمته ويسره: ((من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء)) رواه مسلم[1].

إنها الصدقة شعار المتقين، ولواء الصالحين المصلحين, زكاة للنفوس، ونماء في المال، وطهرة للبدن، مرضاة للرب، بها تدفع عن الأمة البلايا والرزايا، تطهّر القلوب من أدران التعلق بهذه الدنيا وأوضارها وشهواتها وملذاتها.

خُذْ مِنْ أَمْوٰلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا وَصَلّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [التوبة:103].

وفي أعظم مضمار سباق شهدته الدنيا, قال عمر رضي الله عنه يوماً: لأسبقن أبا بكر اليوم، فخرج بنصف ماله.

((يا عمر ما تركتَ لأهلك؟))

تركتُ لهم مثله.

فجاء الصديق بماله كله.

((يا أبا بكر ما تركتَ لأهلك؟))

تركتُ لهم الله ورسوله[2].

إنه عمق الإيمان، وصدق اليقين بالله، وإخلاص التوكل عليه، والشعور بجسد الأمة الواحد.

وإلا ما الذي يدفع الصديق أن يخرج بماله كله, وعمر بنصف ماله؟!

روى الترمذي ـ وقال: حسن صحيح ـ وأحمد وبعضه في مسلم, عن أبي كبشة الأنماري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ثلاثة أُقسم عليهن وأحدثكم حديثاً فاحفظوه ـ قال: ـ ما نقص مال عبد من صدقة، ولا ظلم عبد مظلمة فصبر عليها إلا زاده الله عز وجل بها عزاً، ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر.

وأحدثكم حديثاً فاحفظوه ـ قال: ـ إنما الدنيا لأربعة نفر:

عبد رزقه الله عز وجل مالاً وعلماً, فهو يتقي فيه ربه, ويصل فيه رحمه, ويعلم لله عز وجل فيه حقاً، فهذا بأفضل المنازل.

وعبد رزقه الله عز وجل علماً ولم يرزقه مالاً, فهو صادق النية، يقول: لو أن لي مالاً لعملت به بعمل فلان فهو بنيته، فأجرهما سواء.

وعبد رزقه الله مالاً ولم يرزقه علماً, فهو يخبط في ماله بغير علم, لا يتقي فيه ربه عز وجل ولا يصل فيه رحمه ولا يعلم لله فيه حقاً، فهذا بأخبث المنازل.

وعبد لم يرزقه الله مالاً ولا علماً, فهو يقول: لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان, فهو بنيته, فوزرهما فيه سواء))[3].

وهكذا يبقى أهل البذل والإنفاق هم الموفقون بأفضل المنازل وأعلاها، ويبقى الممسكون المتخاذلون البخلاء على نفوسهم وذواتهم بأخبث المنازل.

يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلْرّبَوٰاْ وَيُرْبِى ٱلصَّدَقَـٰتِ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ [البقرة:276].

روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله)) وذكر منهم: ((ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه))[4].

ولهما عنه رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يتصدق أحد بتمرة من كسب طيب إلا أخذها الله بيمينه، فيربيها كما يربي أحدكم فَلُوَّهُ أو قَلُوصَهُ حتى تكون مثل الجبل أو أعظم))[5].

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله))[6].

ومع هذه المدنية الزائفة وتعلق القلوب بها، ولهث الناس وراء الدنيا وانشغالهم بها، تعلو القلوب غشاوة، وتلفها غبرة، فيستحكم الشيطان على النفوس، ليلقي بوساوسه كلما هم المسلم بالصدقة: [أنت أحوج إلى جمع المال, والأيام تتقلب, وأنت اليوم غني وغداً فقير, فأمسك المال ليوم تحتاجه فيه، ثم أنت صاحب المال، أنت الذي جمعته بكدك وعرق جبينك، فلماذا يستحوذ عليه ذلك الفقير بلا عناء أو تعب؟] فتنطلي تلكم الخدع والوساوس على المسكين؛ ليرد ماله في جيبه, ويمضي لا يلوي على شيء.

أو ما درى أحدنا أن المال مال الله؟! وكم من غني ما عرف حق الله في ماله، أمسى معدماً فقيراً! وارقبوا الناس من حولكم, فأحوالهم صور وعبر, تشهد على أن الصدقة ثمرة للمال وزيادة.

روى مسلم في صحيحه عن أبي ذر رضي الله عنه قال: كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرة المدينة عشاء, ونحن ننظر إلى أُحد, فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا أبا ذر)) قال: قلت: لبيك يا رسول الله، قال: ((ما أحب أن أحداً ذاك عندي ذهب، أمسي ثالثة عندي منه دينار، إلا ديناراً أرصده لدين، إلا أن أقول به في عباد الله هكذا ـ فحثا بين يديه ـ وهكذا ـ عن يمينه ـ وهكذا ـ عن شماله ـ))[7].

وفي مسلم كذلك عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه, أن ناساً من الأنصار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم حتى إذا نفد ما عنده قال: ((ما يكن عندي من خير, فلن أدخره عنكم))[8].

قال عمر رضي الله عنه: (إن الأعمال تباهت فقالت الصدقة: أنا أفضلكم).

وكم دعينا إلى الصدقة في مشروع إغاثي أو دعوي أو نصرة لإخواننا هنا أو هناك، فيجلس أحدنا يقلب الأعذار، فقراء البلد أحوج، وما أدري أتصل أم لا؟

ومنا من يرمي سائلاً أو غيره بالكذب وعدم الحاجة والاحتيال، ولاشك أن التثبت في وضع الصدقة في محلها مهم وهو من الدين، ولكن الأمْر الأمَرّ أن تكون تلك الأعذار حاجزةً لنا عن التصدق والبذل، فكلما رأى سائلاً تجنبه، وكلما ألقي عليه باب من أبواب البذل تعلل وتهرب، فتمضي الأيام وتتعاقب الشهور وتتوالى السنون, ولم يخرج ولو شيئاً يسيراً في سبيل الله.

أليس هذا هو الحرمان؟ بلى ورب الكعبة.

قال يحيى بن معاذ: "ما أعرف حبة تزن جبال الدنيا إلا من الصدقة".

وقال الشعبي: "مَن لم يرَ نفسه إلى ثواب الصدقة أحوج من الفقير إلى صدقته, فقد أبطل صدقته، وضرب بها وجهه".

فأنت المحتاج إلى صدقتك, كيف لا؟ وأنت في ظلها يوم القيامة كما أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، إذاً فاختر لنفسك اليوم ما تستظل بها غداً، ولقد بلغ مِنْ تعلقنا بهذه الدنيا أن لا نفكر بالصدقة إلا بعد فراقها. والوصية لاشك خير, ولكن أين هذا يوم كان صحيحاً معافاً؟

روى ابن ماجه ـ وأصله في الصحيحين ـ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: نبئني يا رسول الله عن مالي, كيف أتصدق فيه؟ قال: ((نعم والله لتنبأن، أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تأمل العيش وتخاف الفقر، ولا تُمْهِل حتى إذا بلغت نفسك هاهنا قلت: ما لي لفلان ومالي لفلان. وهو لهم وإن كرهت))[9].

قال عبد العزيز بن عمير: "الصلاة تبلغك نصف الطريق، والصوم يبلغك باب الملك، والصدقة تدخلك عليه".

وقال ابن أبي الجعد: "إن الصدقة تدفع سبعين باباً من السوء".

واسمع إلى هذا المثل العجيب الذي قصه الله سبحانه في كتابه عن صاحب الجنة وأبنائه, حين كان يؤدي حق الله فيها ويتصدق شكراً لله على ما وهبه, فلما مات كان من خبر أبنائه ما قص الله.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: إِنَّا بَلَوْنَـٰهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ وَلاَ يَسْتَثْنُونَ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَٱلصَّرِيمِ فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ أَنِ ٱغْدُواْ عَلَىٰ حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَـٰرِمِينَ فَٱنطَلَقُواْ وَهُمْ يَتَخَـٰفَتُونَ أَن لاَّ يَدْخُلَنَّهَا ٱلْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مّسْكِينٌ وَغَدَوْاْ عَلَىٰ حَرْدٍ قَـٰدِرِينَ فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُواْ إِنَّا لَضَالُّونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبّحُونَ قَالُواْ سُبْحَـٰنَ رَبّنَا إِنَّا كُنَّا ظَـٰلِمِينَ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَلَـٰوَمُونَ قَالُواْ يٰوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَـٰغِينَ عَسَىٰ رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مّنْهَا إِنَّا إِلَىٰ رَبّنَا رٰغِبُونَ كَذَلِكَ ٱلْعَذَابُ وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ [ن:17-33].




[1] صحيح، صحيح مسلم: كتاب الزكاة – باب الحث على الصدقة ... حديث (1017).

[2] حسن، أخرجه أبو داود: كتاب الزكاة – باب في الرخصة في ذلك، حديث (1678)، والترمذي: كتاب المناقب – باب في مناقب أبي بكر وعمر رضي الله عنهما كليهما، حديث (2675) وقال: حسن صحيح. والدارمي: كتاب الزكاة – باب الرجل يتصدق بجميع ما عنده، حديث (1660)، وصححه الحاكم (1/414)، وذكره الضياء في المختارة (80، 81). وذكره الحافظ في الفتح (3/295)، وحسنه الألباني. صحيح سنن أبي داود (1472)، ومشكاة المصابيح (6021).

[3] صحيح، مسند أحمد (4/231)، سنن الترمذي: كتاب الزهد – باب ما جاء مثل الدنيا ... حديث (2325) وقال: حسن صحيح، وأخرجه أيضاً الطبراني في الكبير (868)، ورمز له السيوطي بالحسن في الجامع الصغير (3450)، وصححه الألباني، صحيح الترغيب (16).

[4] صحيح، أخرجه البخاري في كتاب الأذان – باب من جلس في المسجد .. حديث (660)، ومسلم في كتاب الزكاة – باب فضل إخفاء الصدقة، حديث (1031).

[5] صحيح، صحيح البخاري: كتاب الزكاة – باب الصدقة من كسب طيب، حديث (1410)، صحيح مسلم: واللفظ له، كتاب الزكاة – باب قبول الصدقة .. حديث (1014).

[6] صحيح، صحيح مسلم: كتاب البر والصلة والآداب – باب استحباب العفو والتواضع، حديث (2588).

[7] صحيح، صحيح مسلم: كتاب: الزكاة – باب الترغيب في الصدقة، حديث (94)، وأخرجه أيضاً البخاري: كتاب الاستقراض – باب أداء الدين، حديث (2388).

[8] صحيح، صحيح مسلم: كتاب الزكاة – باب فضل التعفف والصبر، حديث (1053)، وأخرجه أيضاً البخاري: كتاب الزكاة – باب الاستعفاف عن المسألة، حديث (1469).

[9] صحيح، سنن ابن ماجه: كتاب الوصايا – باب النهي عن الإمساك في الحياة .. حديث (2697)، وأخرجه البخاري في كتاب الزكاة – باب فضل صدقة الشحيح الصحيح، حديث (1419)، ومسلم في كتاب الزكاة – باب بيان أن أفضل الصدقة .. حديث (1032).

عبقور2011
02-26-2011, 04:24 PM
الغناء

محمد عبدالكريم


ملخص الخطبة

1- الأغاني مصيدة من مصايد الشيطان. 2- اهتمام شبابنا بأخبار المغنين ومتابعتهم لأغانيهم وفسقهم. 3- نصوص تحريم الغناء. 4- تغير الأسماء لا يغير الأحكام. 5- إباحة الدف للنساء في الأعراس والأعياد. 6- أقوال العلماء في الغناء والمغنيين. 7- الغناء رقية الزنا. 8- منكرات الأفراح.

الخطبة الأولى





يقول سبحانه وتعالى عن إبليس اللعين في سورة الأعراف: قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم من خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين, وقال أيضًا: رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين, فمن مكائد عدو الله ومصايده التي كاد بها الذين وصفوا بقلة العقل والدين وصاد بها قلوب الجاهلين المبطلين الإستئناس إلى سماع الأغاني والموسيقى التي تصد القلوب عن القرآن وتجعلها عاكفة على الفسوق والعصيان حتى وصل الحال بهذه الأمة في هذه الأزمان إلى ترويج بضاعة من ليس لهم خلاق عند الله سبحانه وتعالى إلا بتبجيل أصحاب الغناء والموسيقى, إلى رفعة شأنهم..,إلى إظهار صورهم وأغانهم في كل مكان.., حتى أصبح الشباب والشابات يملأون أوقاتهم بهذه الأغاني الفاجرة, ولازلت تجد في أجواء بيوت كثيرة وفي أرجاء منازل عدة أصوات هؤلاء المغنيين والمغنيات, فترى الشاب على علم بهؤلاء وأسمائهم وصورهم, على علم بأوقات أغنياتهم التي تُبث في إذاعاتنا.. ومن وراء ذلك الصحف والمجلات الفاجرة التي تُشيد بهؤلاء المطربين فتذكر أسمائهم ومنجزاتهم في الأغنيات والموسيقى حتى يتربى الشباب على هؤلاء, ولو سألت بعض شبابنا عن بعض فرائض دينه أو عن الثلة الأولى من صحابة رسول الله الذين نشر الإسلام على أيديهم لقال لك: "هاه, هاه. لا أدري", بل لو سألت أحدهم عن مواقيت الصلاة لقال لك: لا أدري, وكيف يدري؟! ومن أين له أن يدري وهو يعكف على هذه الأغاني آناء الليل والنهار؟. من أين له أن يدري ووسائل الإعلام تعلمه أغنية فلان وفلانة. أنَّى له أن يدري عن هؤلاء الأبطال وسيرهم.. أنَّى له أن يدرى عن سيرة رسول الله وعن شمائله وعن طريقة منامه واستيقاظه عن طريقة أكله, حُق له أن يدري عن المغنية فلانة كيفية أكلها, حق له أن يدري عن شراب المغني فلان, حُق له أن يدري عن سيارة المغني فلان والمغنية فلانة.. حُق له أن يبعد عن صفات الرعيل الأول.

أيها المسلمون من كان في قلبه شك من تحريم هذه الآفة فليُزِل الشك باليقين يستمع إلى كلام رب العالمين وأحاديث سيد المرسلين في تحريمها وبيان أضرارها من النصوص الكثيرة من الكتاب والسنة, والمؤمن يحتاج فقط إلى آية واحدة من كتاب رب العالمين أو إلى حديث واحد من صحيح سنة المصطفى ليستمسك بأمر الله وليترك هذه الآفة, قال سبحانه وتعالى: وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إلا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبينًا.

والنصوص من القرآن الكريم على تحريم الغناء والموسيقى عديدة استمع أيها الأخ الحبيب إلى كلام ربك عز وجل في سورة لقمان في تحريم الغناء يقول سبحانه وتعالى: ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوًا أولئك لهم عذاب مهين وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرًا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرًا فبشره بعذاب أليم أكثر المفسرين على أن المراد بلهو الحديث في الآية الغناء؛ لأنه يلهو عن ذكر الله لأنه من أكبر الملاهي عن ذكر الله.

وورد النص في ذلك عن الصحابة الكرام, فهذا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما يقول: "هو الرجل يشتري الجارية تغنيه ليلاً ونهارًا, وسُأل أبو الصهباء عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه عن الآية: ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله فحلف, أقسم بالله تعالى قال: والله الذي لا إله غيره الغناء قالها ثلاث مرات.

صدقت ياابن مسعوذ وإن لم تقسم بربك.. والله الذي لا إله غيره الغناء...

وإن أردت أن تعرف بأن الغناء من شهادة الزور وإن عباد الرحمن لا يشهدون الزور اذهب إلى قول المفسرين في آخر سورة الفرقان لتجد قوله تعالى: والذين لا يشهدون الزور وإذا مرّوا باللغو مرّوا كرامًا لتجد قول محمد بن الحنفية يقول: الزور هو الغناء؛ لأنه يميل بك عن ذكر الله, والذين لا يشهدون الزور. قال المفسرون: "لم يقل الله تعالى والذين لا يشهدون بالزور" وإنما قال: "الزور" حتى يكون المراد: أي لا يحضرون الزور أي الغناء.

وإذا أردت أن تعرف بأن الغناء والموسيقى من قرآن الشيطان وأن المزامير صوته اذهب إلى سورة الإسراء لتجد قول الله تعالى للشيطان وحزبه: واستفزز من استطعت منهم بصوتك قال عكرمة عن ابن عباس في قوله: واستفزز من استطعت منهم بصوتك قال كل داع إلى معصية ولذلك قال مجاهد رحمه الله تعالى: صوت الشيطان المزامير, وإذا أردت يا عبد الله أن تعرف بأن الغناء يصد عن القرآن فاستمع إلى قوله تعالى في سورة النجم: أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون وأنتم سامدون قال ابن عباس: السمود في لغة حِميّر يعني الغناء, يقال: اسمُدي لنا يا جاره أي غني لنا؛ ولذلك قال أبو عبيدة: المسمود هو الذي يُغني له.

وإذا كانت الآيات قد دلّت على ذلك فأحاديث رسول الله صريحة في الدلالة على تحريم الغناء, استمع إلى المصطفى فيما أخرجه البخاري في صحيحه من حديث هشام بن عمار عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه عن المصطفى قال: ((ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحِرَّ والحرير والخمر والمعازف يسمونها بغير اسمها.. وليَنزلن أقوام إلى جنب علم فيروح عليهم سارحتهم فيأتيهم لحاجة فيقول ارجع إلينا غدًا فيبهتهم الله ويضع العلم ـ أي ويضع الجبل ـ ويمسخ الآخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة)) قال العلامة ابن القيم: ولم يصب شيئًا من قدح في صحة الحديث كابن حزم نصرةً لمذهبه في إباحة الملاهي, ومن كان له عناية بإسناد حديث رسولنا فليرجع إلى كلام الحافظ ابن حجر في فتح الباري في المجلد العاشر في الصفحة الحادية والأربعين منه, إلى أقوال العلماء في صحة هذا الحديث الوارد عن نبينا في حرمة الغناء.

وقوله : ((ليكونن من أمتي أقوام يستحلون)) أي محرمة هذه الأشياء التي تؤتى, يستحلون والاستحلال لا يكون إلا بعد تحريم.. يستحلون الحِر: يعني الفجور والزنا عياذًا بالله والخمر والمعازف يسمونها بغير اسمها فيسمون الخمر مشروبات روحية ويسمون الزنا علاقة شخصية ويسمون الغناء والمعازف فنًا يسمونها بغير اسمها؛ ظنًا أن الأشياء إذا سُمِّيت بغير اسمها تغيرت أحكامها وبطل ظنهم؛ فالله سبحانه وتعالى أنزل الحلال وأنزل الحرام فهو حلال إلى يوم القيامة وهو حرام إلى يوم القيامة مهما تبدلت الأسماء والألقاب.

وتوعد الذين يعكفون على المعازف ـ الذين يعكفون على الموسيقى ـ بالمسخ والقذف, ففي حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: قال : ((يكون في أمتي خسفٌ وقذفٌ ومسخ)) قيل: يا رسول الله, متى؟ قال: ((إذا ظهرت القينات والمعازف واستحلت الخمر)) وفي رواية: ((إذا ظهرت القيان وشُربت الخمور)), أي إذا ظهر ذلك حدث في أمتي خسف (أن يُخسف بهم وأن يمسخوا قردةً وخنازير وأن تنزل حجارةً من السماء فتصيبهم بسوء أعمالهم).

وذلك صريح في روايات أخرى من ذلك قوله : ((ليكونن من أمتي أقوام يشربون الخمر ويعزف على رءوسهم بالقيان يمسخهم الله تعالى قردة وخنازير)) قال بعض أهل العلم: إن الإنسان إذا امتلىء قلبه بالفسق والخداع والغش فإنه يشابه بعض الحيوانات.. فأنت ترى في وجوه بعض الناس مشابهة لبعض الحيوانات التي تتصف بالصفات الذميمة, فما تزال تلك الصفات تستشري في نفسه حتى ترى ذلك على وجهه, فما يزال يتقوى حتى يقلب الله عز وجل صورته الظاهرية لتوافق صورته الباطنية.

قال ابن القيم: "فمن كان ختالاً خدّاعًا رأيت مسحة القرد على وجهه, ومن كان رافضيًا رأيت مسحة الخنزير على وجهه, ومن كان نهاشًا رأيت الصورة الكلبية على وجهه فصورة وجهه صورة كلب؛ ولهذا قال في الذي يرفع رأسه قبل الإمام: (( أما يخشى أن يحول الله صورته صورة حمارًا أو وجهه وجه حمار)) وذلك لبلادته وعدم فطنته, فهو يرفع رأسه قبل الإمام في الركوع وفي السجود مع أنه سيسلم مع الإمام فيفسد على نفسه صلاته؛ ولهذا قال في الحديث: ((يمسخهم الله تعالى قردة وخنازير)) وأخرج الإمام أحمد في مسنده وكذلك أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن رسولنا أنه قال: ((إن الله حَرّم على أمتي الخمر والميسر والكوبة والغبيراء وكل مسكر حرام)) والكوبة كما قال سفيان هو الطبل. والغبيراء نوع من الشراب المسكر يتخذ من الذرة الحبشية, قال : ((إن الله قد حرم)), وما دام قد حَرَّم فمن يستطيع أن يُحل ما حرم الله.

وجاء رجل إلى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما فقال: أرأيت الغناء أحلال هو أم حرام؟ رجل يسأل عن غناء الأعراب الذي ليس فيه معازف وليس فيه تشبيب بالنساء فيسأله أهو حلال أم حرام. قال ابن عباس: لا أقول حرامًا إلا ما في كتاب الله. قال: أحلال هو؟ قال: ولا أقول ذلك. ثم قال ابن عباس رضي الله عنهما, أرأيت الحق والباطل إذا جاءا يوم القيامة فأين يكون الغناء؟ قال الرجل: يكون مع الباطل. قال ابن عباس: اذهب فقد أفتيت نفسك.

فالإنسان الذي على الفطرة السوية يعلم بأن الغناء باطل, وأن الباطل يدحضه الله عز وجل بالحق, وأن الباطل ليس من الحق في شيء, ولذلك سماه أبي بكر الصديق رضي الله عنه مزمار الشيطان.. إذًا الشيطان يُزمّر فإذا زمَّر جمع أهل الهوى.

قالت عائشة رضي الله عنها: دخل علي رسول الله وعندي جاريتان تغنيان في يوم بعاث فأدار وجهه, فدخل أبو بكر رضي الله عنه فانتهرني فقال: أمزمار الشيطان في بيت رسول الله , فأقبل رسول الله بوجهه فقال: ((دعها)) فلما سكن غمزتهما فخرجتا, وفي رواية قال : ((يا أبا بكر إن لك قوم عيدًا وهذا عيدنا)).

فسمى أبو بكر رضي الله تعالى عنه الغناء بمزمار الشيطان... وبعض الذين يتبعون الهوى يستدلون بهذا الحديث على حِليّة الغناء والموسيقى, وليس الأمر كما ذهبوا إليه فإن ذلك مما رخّص فيه النبي , فالرسول عليه الصلاة والسلام أباح الغناء بالدف للنساء في أوقات الزواج وكذلك في الأعياد وحث على ذلك , بل ذلك من السنة وذلك في صحيح البخاري "أن عائشة رضي الله عنها لما رجعت من نكاح قال لها : ((أما كان معكم لهو؟)) فقالت: لا يا رسول الله, فقال: ((هَلاّ ضربتم بالدف وقلتم

أتينـاكـم أتيـناكـم فحيانـا وحـيـّاكم

ولولا الحنطة الحمراء لما سمنت عذاريكم))

إلى آخر كلامه , فهذا يدل على أن الدف الذي يسمى بالطار مباح للنساء في وقت الأعياد والنكاح ـ كما قال العلماء ـ توسعة للعيال في وقت الأعياد. وليس فيه إباحة الغناء بالجمع بين الأدلة كما تقدم معنا. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يرينا الحق حقًا ويرزقنا اتباعه ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه إنه ولي ذلك والقادر عليه.






الخطبة الثانية





الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه...الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجًا قيمًا لينذر بأسًا شديدًا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرًا حسنًا, والصلاة والسلام على رسولنا الذي أبان الرسالة وأوضحها أوضح بيان فصلى الله عليه وعلى الصحابة أجمعين.

ومن كلام الأئمة الأعلام الذين يرشدون الناس إلى الهدى ويبعدوهم عن الردى, من كلام الذين يبينون لنا الحلال ويبعدوننا عن الحرام ما قاله الإمام مالك ـ رحمه الله ـ في الغناء إذ حرمه تحريمًا شديدًا, وقال: "إن الرجل إذا اشترى جارية فرآها مغنية كان له أن يردّها بالعيب". فقد جعل الغناء في الجارية عيبًا, وسأله رجل عما يباح عند أهل المدينة من الغناء فقال: "ما يفعله عندنا إلا الفساق".

وسُئل عبد الله ابن الإمام ـ الإمام بن حنبل ـ عن الغناء فقال: "الغناء ينبت النفاق في القلب ولا يعجبني", والشافعي ـ رحمه الله تعالى ـ قال مثل هذا وأغلظ في القول هو وأصحابه من القدامى وكذلك العارفون بمذهبه كما أوضح ذلك الأئمة الأعلام, وأبو حنيفة ـ رحمه الله تعالى ـ كذلك من أشدّ الأئمة كذلك في تحريم الغناء, ويرى أن فاعله من الفساق ويرى الذين يمكثون عليه ممن ترد شهادتهم.

فهل بعد هذه الأقوال من قول في إباحة هذه الآفة.. هل بعد هذه الأقوال من رجل يقول لنا الغناء قسمان قسم فيه فجور وخنا وهو حرام وقسم يباح إذا لم يكن فيه ذلك.

هل نستمع إلى هذا الكلام بعد كلام ربنا وبعد كلام رسولنا فنتحدث في مجالسنا عن الأغنية الفلانية وعن المغني الفلاني.. نتحدث عن هؤلاء الذين ينبغي لنا أن نذمهم.

لو نظرنا في سيرة سلفنا الصالح لوجدناهم يبغضون الغناء حتى الفجار منهم حتى الشعراء منهم الذين سلطهم الله على الخلق كانوا يكرهون الغناء ويعدونه من الفجور.

فهذا الحُطيئة سليط اللسان تهاب العرب لسانه وتكره هجاءه قال أبو عبيدة معمر بن المثنى وجاور الحطيئة قومًا من بني كلب فمشى ذو الدين منهم بعضهم إلى بعض وقال: يا قومنا لقد أتاكم داهية.. هذا رجل شاعر, والشاعر إذا ظن حقق ولا يستأني فيتثبت, وإذا أعطى فلا يعفو فجاءوا إليه وهو في فناء خبائه فقالوا يا أبا مُليكة إنه قد عظم حقك علينا بتخطيك القذى إلينا فمُرنا بما تحبه فنأتيه ومرنا بما تكرهه فننزجر عنه, فماذا قال هذا الشاعر الهجّاء؟ قال: لا تأتوني كثيرًا فتُمِلوني, ولا تسمعوني أغاني شبيباتكم فإن الغناء رقية الزنا.

فإذا كان ذلك الشاعر المفتون اللسان الذي تهابه العرب يخاف عاقبة الغناء ويخشى من أن تسير هذه الرقية إلى قلوب حرمته فما الظن بغيره, ولا ريب أن الرجل الذي يجنب أهله سماع الغناء كما يجنبهم أسباب الريب لاشك أنه رجل فطن, الذي يخشى على شرفه والذي يقيم وزنًا لكرامته يمنع أهله ـ يمنع أمه وزوجه من الاستماع إلى مغنٍ فاجر, ويمنع أخته وبنته من الاستماع إلى مقطوعة من موسيقار لا يرقب في الله إلاً ولا ذمة, يفسد قلب هذه البُنية الطاهرة الصغيرة العفيفة, لا ريب أن الغيور يكره أن يستمع أهله وأزواجه وبناته إلى المغنيين والمغنيات إلى هؤلاء الفجار الذين يفسدون علينا ولا يصلحون.

ولقد قال كثير من الأقوام: إذا استعصت المرأة على الرجل اجتهد أن يُسمعها صوت الغناء فإن سمعت المرأة صوت الغناء لانت وهانت عليها الفاحشة.

فلعمر الله كم من حرة صارت بالغناء من البغايا, وكم من حُر صار به عبدًا للصبيان أو الصبايا, وكم من غيور احتمل إثمًا بين البرايا هو من القبيح. وكم من إنسان معافًا لما سمع الغناء أصبح وقد حلّت به البلايا. وهذا الذي يأخذ على الغناء المال والله الذي لا إله إلا هو إنما هو الوبال, أي نعم إنه هو الوبال ماذا سيقول لربه عندما يوقفه بين يديه فيقول: عبدي من أين اكتسبت هذا المال؟ يستأجر المغنية أو يستأجر لمغني في ليلة بآلاف الريالات, ماذا سيقول لربه حين يسأله: عبدي أنعمت عليك بالمال فأين أنفقت المال في يوم كذا وكذا؟ ماذا سيجيب ربه! أيقول له أنفقت على المغنية الفلانية اثنى عشر ألفًا وضعت هذا المبلغ في جيبها! وضعت هذا المبلغ في جيب المغني الفلاني! والمسلمون في ذلك الوقت يذبحون وهم في أشدّ الحاجة لهذا المال! ماذا سيقول له؟!!

فوالله الذي لا إله إلا هو إنها لغصة في الخلق وإنها مزيلة للنعمة جالبة للنقمة وذلك من عطية واحدة من العطايا. فكم خبأت لأهل ذلك المغني, أو لأهل ذلك الذي يشتري المغنيات, كم خبأت لأهله من الآلام المنتظرة؟ وكم خبأت من الهُموم المتوقعة ومن الغموم المستقبلة..

فسل ذا خبرة يُنبئك عنهم لتعلم كم خبايا في الزوايا

اسألوا الناس لتعلموا كم خبايا في الزوايا, فهم يطلبون المساعدة.. يطلبون المال لجائحة أتت عليهم ويصبح المرء حرًا عفيف الفرج, فيُمسي ـ عياذًا بالله ـ محبًا للصبيان والصبايا, واقعًا في الفحش والخنا.

وصدق ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ حين قال: "برئنا من معشر بهم مرض من الغنا ـ أي بهم مرض بسبب الغناء والمعازف ـ وتكرار ذا النصح منا لهم لنُعذر إلى ربنا فلما استهانوا بتنبيهنا رجعنا إلى الله في أمرنا فعشنا على سنة المصطفى وماتوا على تنتنا تنتنا" ماتوا على المعازف والموسيقى, وبعد أن ماتوا ما اتعظ الآخرون بغيرهم بل حملوا صورهم وأبانوا للناس أنهم فعلوا ما لم يفعله العظماء وأنهم كانوا ذخرًا للأمة ليقتدي بهم الشباب وبئس ما فعلوا وبئس ما سطروا, وليُسئلن يوم القيامة عما كانوا يفترون.

عبقور2011
02-26-2011, 04:28 PM
من هو اليتيم ؟


من هو اليتيم ؟ هل هو الذي فقد أباه فقط ؟ وماذا عن اللقيط ومجهول النسب ، ألا يدخل هذان في مسمى اليتيم ؟.

لماذا كرر القرآن لفظ اليتيم ومشتقاتها أكثر من عشرين مرة ؟ .

كيف قدم الإسلام اليتامى ومجهولي النسب إلى المجتمع ؟ هل قدمهم على أنهم ضحايا القدر وبقايا المجتمع ، أم على أنهم فئة من صميم أبنائه ؟ .

من الذي جلب الإهمال والإذلال لليتيم ، هل هو اليتم نفسه أم ظلم المجتمع له ؟ .

كيف طرح القرآن مسألة اليتم ، وكيف تقاطعت في آياته أوامر الشريعة ودلالات اللغة وإرادة المكلف ، على تأسيس كفالة رحيمة وعلاقة صادقة بين اليتيم والمجتمع ؟ .

ما هو موقف القرآن الصريح ممن يدعُّ اليتيم ويمنعه من حقوقه الشرعية ؟ .

هذه الأسئلة الملحة نجاوب عليها خلال الكلمة التالية :

كثيرا ما نسمع عن الآباء الذين فلذ أكبادهم فقد أطفالهم ، وفطر نفوسهم موت أولادهم . يتناقل الناس أخبارهم في المجالس والتجمعات ، ويقدمون لهم التعزيات . ولكن قلما نسمع عن أطفال فجعوا بفقد آبائهم وذاقوا ألم اليتم في ساعات مبكرة من حياتهم .

عن هؤلاء اليتامى ومن هم في مثل ظروفهم ، يتغافل كثير من الناس ، شغلتهم أموالهم وبنوهم ، في الوقت الذي أمر به القرآن الكريم بإكرامهم وتخفيف معاناتهم وتعريف الناس بمصيبتهم ، وبالظروف العابسة التي أحاطت بهم وأطفأت الابتسامة من على هذه الوجوه الصغيرة .

نحن في هذه الكلمة عن اليتيم لا نقصد من فقد أباه فقط ، ولا نقتصر على المعنى الشائع لدى عامة الناس وحسب ، ولكن نتعداه إلى كل لقيط وكل من فقد العلم بنسبه ، لأن اليتم لديهما آكد ، والمصيبة عليهما أشد . وهذا ما يؤكده العرف الاجتماعي واللغوي ، ويدعمه النظر الفقهي الذي يرى إن إلحاق اللقيط ومجهول النسب باليتيم ، من باب الأولى لأن الحرمان عند كليهما ظاهر لا يخفى . كما في الفتوى التي أكدت أن مجهولي النسب ، هم في حكم اليتيم لفقدهم والديهم .

ويؤيد هذا المذهب من الفتوى ، قوله تعالى في الآية الكريمة : { فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين } الأحزاب- 5 . ووجه دلالتها على أن اللقطاء مجهولي النسب هم أحوج من غيرهم إلى الرعاية ، نكتشفه في ثلاثة مواضع :

الأول : عند حديث القرآن عن اليتامى قال تعالى : { وإن تخالطوهم فإخوانكم } البقرة- 220. لأن الأخوة الإيمانية مما تصلح به المخالطة ، بل هي غاية ما تتطلبه المعاملة . وفي الحديث : [ لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ ] البخاري .

وعندما تحدث عن مجهولي النسب قال تعالى : {فإخوانكم في الدين ومواليكم } . تأكيدا لحقهم الشرعي ، وتذكيرا بأن الاعتناء بهم هو من صميم الدين ، وليس فقط واجبا أو التزاما اجتماعيا .

الثاني : اشتملت الآية على معنى خفي يقربك - لو أدركته – مما ينبغي أن تكون عليه العلاقة الصادقة بين المجتمع من جهة ، وهؤلاء الأيتام القاعدين في سفح الهرم الاجتماعي من جهة أخرى . وهذا المعنى الخفي هو : أن الأخوة والولاية الدينيتين تسدان مسد الأبوة إذا فقدت . وهو عين ما دفع بالألوسي رحمه الله تعالى إلى القول في تفسير الآية { فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين } يقول [ فيه إشارة إلى أن للدين نوعا من الأبوة ] كما في تفسيره روح المعاني . لقد أبدل القرآن الكريم مجهولي النسب - عوضا عن هذا الحرمان - ، نسبا عقيديا جديدا ، ورحما دينية هي وحدها القادرة على جبر هذا الكسر المضاعف في نفوسهم . ولهذا اعتُبر مكذبا بالدين من يدعُّ اليتيم . فتأمل .

الثالث : قوله عز وجل : { فإن لم تعلموا آباءهم } أبلغ في المعنى من القول مثلا : فإن فقدوا آباءهم . لأن الفقد عدم . وحينئذ يكون الخطاب منصرفا إلى اليتامى بوفاة الآباء فقط لأن فقد الآباء متحقق عندهم بالموت .

أما عدم العلم بالشيء فلا ينفي وجوده ، فالأب قد يكون موجودا ولكنه غير معروف ولهذا قال تعالى { فإن لم تعلموا } وهذا آلم في النفس لدى مجهول الأبوين الذي لا يعلم عنهما شيئا، مما يحتاج معه إلى مزيد عناية واهتمام . وفي نفس السياق، تأتي إنْ الشرطية التي تفيد احتمال الوقوع ، لتفتح الباب واسعا أمام الاحتمالات الواردة التي قد تقف وراء عدم العلم بهؤلاء الآباء . ( كالاحتمالات التي أشير إلى بعضها في محور من هم )

هناك سؤال نعتبر الجواب عليه هو المدخل الوحيد لكيفية التعاطي مع هذه الفئة ، وهو الذي يرسم بوضوح نقطة البداية في التعامل مع اليتامى . هذا السؤال هو: كيف قدم الإسلام هذه الفئة إلى المجتمع ؟ . سؤال عميق تتقاطع في الجواب عليه أوامر الشرع وألفاظ اللغة وإرادة المجتمع المكلف . وحتى تتضح معالم هذا الجواب وما يحمله من المفاهيم المؤسسة للعلاقة الصادقة بين اليتيم والمجتمع ، نقدمه مفصلا من خلال عدة وجوه :

الوجه الأول : مع اللفظ ومعناه .

يبدأ القرآن الكريم كعادته دائما بتسمية الشيء باسمه ليبني على هذا الشيء مقتضاه . فعندما أطلق القرآن وصف اليتم بصيغة الإفراد والتثنية والجمع ، وكرر لفظ اليتيم ومشتقاتها أكثر من عشرين مرة في الكتاب العزيز ، كان المقصود من ذلك بيان أن صفة اليتم ليس فيها عيب ولا تهمة ، وأن فقد الآباء والأقرباء ليس سخرية من القدر أوجبت احتقارا من البشر . فاليتيم شخص كامل في شخصيته ، تام في إنسانيته . وبالتالي فلا مكان للشعور بالدونية أو الإحساس بالنقص لدى اليتيم .

كان وراء إطلاق هذا الوصف ، إفهام الناس أن اليتيم شخص وحيد منقطع مهمل ... على ما تؤديه هذه الكلمة من معان في اللغة ، كلها من لوازم اليتم ، وكلها تنطبق على اليتيم . وكان القصد منها طبعا لفت الانتباه إليه لسد حاجته وإصلاح شأنه .

الوجه الثاني : كيف قدم الإسلام اليتيم إلى المجتمع ؟ .

في أروع صورة إنسانية شهدتها المجتمعات الحضارية قدم الإسلام هذه الفئة إلى المجتمع .لم يقدمهم على أنهم ضحايا القدر أو بقايا المجتمع كما هو شائع في مجتمعات أخرى ،بل كانوا موضوعا لآية قرآنية كريمة رسمت عنهم صورة إيمانية تسمو على كل الارتباطات المادية والدنيوية . يقول تعالى : { وإن تخالطوهم فإخوانكم } البقرة- 220. وهذا في اليتامى . ويقول تعالى في موضع آخر : { فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم } الأحزاب- 5 وهذا في مجهول النسب ممن فقد والديه . ففقد العلم بالنسب يثبت للشخص بدلالة الآية الكريمة أخوة دينية وولاية خاصة تجلب له – عند تطبيق مقتضياتها – مصالح جمة وخدمات لا تحصى .

أخوة دينية . من منا يقول لليتيم : أخي ، ويقول لليتيمة أختي ؟ . ولئن كانت هذه التسمية هي الحقيقة ، إلا أن فيها كذلك أدبا قرآنيا جما في الخطاب ، وتطييبا لقلوب هؤلاء المخاطبين المنكسرة نفوسهم .

إنهم إخواننا في الدين . ومن هنا ينبغي أن تبدأ علاقتنا بهم وسط مجتمع مسلم أدبه الإسلام ووصفه القرآن بأنه لا يدع اليتيم ولا يقهره ولا يأكل ماله ... ولما كان من معاني اليتم في اللغة الانفراد والهم والغفلة والضعف والحاجة ... كانت الدعوة إلى مخالطتهم والمبادرة بذلك من أفضل أساليب التطبيع الاجتماعي والدمج من داخل المؤسسة الاجتماعية ، بدءا بالمصافحة باليد كأبسط مظهر للمخالطة ، وانتهاء بالتزويج كأقصى مظهر لها ، مرورا بمنافع أخرى كالمؤاكلة والمشاربة والمساكنة وحسن المعاشرة ... فالكل داخل في مطلق المخالطة ، والجميع متحد في كسر الغربة النفسية التي قد يشعرون بها هؤلاء وهم داخل المجتمع . يقول الألوسي في تفسيره على الآية السابقة : [ المقصود : الحث على المخالطة المشروطة بالإصلاح مطلقا ، أي : إن تخالطوهم في الطعام والشراب والمسكن والمصاهرة ، تؤدوا اللائق بكم لأنهم إخوانكم ، أي : في الدين ] .

الوجه الثالث : إلام يحتاج اليتيم بداية ؟.

لو طرحت هذا السؤال على كل من عرف ظروف هؤلاء الأيتام وواكب معاناتهم ، لكان جوابه : إن أول ما يتطلعون إليه هو : المأوى . وهذا عين ما ذكره القرآن في التفاتة رحيمة بهذه الفئة . قال تعالى مخاطبا قدوة الأيتام r : { ألم يجدك يتيما فآوى ؟ } الضحى- 6. هذا أفضل ما عولجت به ظاهرة اليتم في شتى المجتمعات : توفير المأوى والملاذ الآمن لكل يتيم ، وبسرعة كبيرة على مايفيده العطف بالفاء . فكأن الآية خطاب إلى الأمة بالنيابة مؤداه : أيتها الأمة أمني لكل يتيم مأوى .

في الآية أيضا معنى لطيف لا يخفى على المتأمل وهو : لما امتن الله تعالى على نبيه r بإيوائه ، دل هذا على أن هذه نعمة تستحق الذكر . والذي ينظر في من آوى محمدا r يجد أنه جده عبد المطلب ومن بعده عمه أبوطالب ، مما يُفهِم أن من تمام نعمة الإيواء أن يوضع اليتيم في كنف أسرة وضمن عائلة ، إما قريبة وهذا هو الأصل ، يشهد لذلك الآية الكريمة :{ يتيما ذا مقربة }. وإلا فبعيدة .

وإن كنت أيها القارئ اللبيب ممن يعولون في فهم القرآن على معنى الألفاظ وعلاقاتها المنطقية فيما بينها ، فإليك هذه المعلومة اللغوية تأكيدا لما سبق . إذا كان اليتم هو : انقطاع الصبي عن أبيه ، فإن الإيواء هو : ضم الشيء إلى آخر . ولك أن تتخيل مدى التكامل في الآية التي نزلت دستورا للمجتمع . قطع هنا باليتم ، ووصل هناك بالإيواء ، يعني : لا مشكلة أبدا .

وإليك من كلام النبي r حول ذات الموضوع هذه النكتة . يقول r : [مَنْ مَسَحَ رَأْسَ يَتِيمٍ لَمْ يَمْسَحْهُ إِلا لِلَّه ،ِ كَانَ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ مَرَّتْ عَلَيْهَا يَدُهُ حَسَنَاتٌ] أحمد .

يتيم وشعر وحسنات . ما هو الرابط المعنوي بينها يا ترى ؟. إنه النمو ! . فاليتيم ينمو والشعر ينمو والحسنات تنمو وتزيد . وكما يخشى على الحسنات من السيئات ، وعلى نمو الشعر من الأوساخ والآفات ، كذلك يجب أن يخشى على اليتيم من الإهمال والضياع . فرجل أشعث أغبر قبيح المنظر ، مقراف للذنوب سيئ الخلق ، حاله هذه من حال المجتمع الذي لا يهتم باليتيم . إن كلمات الحديث نفسها تقطر خوفا وجزعا على مصير اليتيم .

قل لي بربك : أين تجد مثل هذه الصورة الحية في غير كلام النبي r الحريص على الأيتام والغيور على حقوقهم ؟ . من غيره r أوتي جوامع الكلم وأسرار العبارة يخاطبنا ، حتى نستولد نحن المعاني من ألفاظها حية نابضة ، تزعج عقولنا فتلهب نفوسنا إلى تطبيق الأمر الشرعي ؟. ومن غير المسلم وفقه الله تعالى إلى أن يطوي كل هذه المعاني العظيمة ، بمسحة واحدة من يده ؟! .

الوجه الرابع : كيف تفوز بجوار النبي r ؟.

لقد كانت نظرة الإسلام إلى مجتمع اليتامى نظرة إيجابية واقعية فاعلة ، لعب فيها عنصر الإيمان وحافز الثواب دورا أساسيا . فهم في المجتمع المسلم ليسوا عالة على المجتمع ولا عبئا على أفراده ، وإنما هم من المنظور الشرعي حسنات مزروعة تنتظر من يحصدها ليفوز بجوار النبي r ورفقته يوم القيامة . يقول النبي r : [ أَنَا وَامْرَأَةٌ سَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ ـ السفعة : أثر تغير لون البشرة من المشقة ـ كَهَاتَيْنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَوْمَأَ يَزِيدُ ـ الراوي ـ بِالْوُسْطَى وَالسَّبَّابَة .ِ امْرَأَةٌ آمَتْ مِنْ زَوْجِهَا ـ توفي زوجها فأصبحت أيما لا زوج لها ـ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ حَبَسَتْ نَفْسَهَا عَلَى يَتَامَاهَا حَتَّى بَانُوا ـ كبروا وتفرقوا ـ أَوْ مَاتُوا ] أبو داود.

حافز الأجر هذا هو الذي جعل الأم الصابرة تتعلق بأطفالها بعد وفاة زوجها في صورة مشرقة من عطف الأمومة على الطفولة . فهجرت الزينة والتبرج ، ونزعت الراحة من نهارها والنوم من ليلها تحوطهم بأنفاسها وتغذيهم بدمها قبل حليبها حتى ذهبت نضارتها لم يهزمها الموت بل اعتبرته جزءا من استمرار الحياة ، فالآن يبدأ دورها .

لم تكتف هذه الأم الطيبة بدور الأمومة ، وقرنت إليه كفالة الأيتام أيضا ، فمنحت ليتاماها بصمودها هذا أمتن عروة يستمسكون بها تغنيهم عن البحث خارجا عمن يأويهم ، ثم شكر النبي r لها ومدحها فجاءت جائزتها مجزية وثوابها مضاعفا . مشهد بليغ يصوره هذا الحديث الشريف ، في رسالة واضحة إلى المجتمع مضمونها :

1- أن الأم أولى باليتامى من أنفسهم .

2- أن الأمومة هي الملاذ الثاني لليتيم بعد الأبوة . فليس بعدها إلا الضياع أو يد محسن . ( أمومة بديلة)

3- إن كان هذا ممكنا في أم مع أولادها لأنهم قطعة منها ، فهو ممكن أيضا مع كل امرأة صالحة تريد القيام بهذه المهمة الشريفة مع أطفال ليسوا منها . مع أجر أكبر وثواب مضاعف حتما .

الوجه الخامس : هل نؤمن بالقرآن ؟ .

مكمن الداء أن البعض منا إذا تناول هذه المعضلة الاجتماعية ، فإنه يتناولها من ناحية نظرية ، وإن تحدث عنها فمن زاوية وعظية ، ولما يستوعب خطورة هذا الشأن . فالقرآن الكريم اعتبر من يدعُّ اليتيم مكذّبا بالإسلام . يقول تعالى : { أرأيت الذي يكذّب بالدين . فذلك الذي يدعُّ اليتيم } الماعون- 1/2 . تُسمى هذه السورة أيضا بسورة التكذيب . وفي بدايتها استفهام فيه تشنيع وفضح وتعجيب من هذا المذكور ، وبيان أنه يقف في دائرة بعيدة عن حقيقة الدين كما يفهم من اسم الإشارة للبعيد : فذلك .

وفي الآيتين السابقتين اتهام مباشر لا التواء فيه ، فكذلك ينبغي أن نعامل كل مقصر في هذا المجال . وقد سعت السورة للدلالة على خطورة دعِّ اليتيم ، أنْ ربطته بالعقيدة . وارجع – وفقك الله – إلى سورة البلد لتجد كيف سبق إطعام اليتيم فيها ، الكينونة مع الذين آمنوا . قال تعالى : { فلا اقتحم العقبة . وما أدراك ما العقبة ؟ . فك رقبة . أو إطعام في يوم ذي مسغبة . يتيما ذا مقربة . أو مسكينا ذا متربة . ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالحق وتواصوا بالمرحمة } البلد – 11/17.

ومعنى يدع اليتيم : يدفعه بعنف عن استيفاء حقوقه . وليس الدَّعُّ إلا كلمة عجيبة اشتملت – بالإضافة إلى التشديد الكائن في مادة الكلمة – على كل معاني الإقصاء والإهمال والشدة والعنف وسائر مظاهر الظلم التي تلحق باليتيم . ومثلها كلمة القهر في سورة الضحى ، بل هي أعجب لما انطوت عليه من ممارسات الضغط النفسي والبدني التي تفترض شخصا فاعلا وآخر مفعولا به ، وهي حبلى بكل المعاني التي تورث الإهانة ونقص الكرامة والشعور بالضعف والنقص ... يدل على هذا أصل الكلمة اللغوي وهو : الأخذ من فوق كما في لسان العرب لابن منظور .

وقد ذكر القرآن الكريم أن الذين يأكلون أموال اليتامى إنما يأكلون نارا في بطونهم. ووجه المناسبة أن الذي يأكل مال اليتيم ظلما ، فإنه يعرض اليتيم بذلك لنار الجوع والفقر ، ولفح الحاجة والمرض ... فما يأكله هو نار ، لأن الحصاد من جنس الزرع .
الوجه السادس : من المسؤول عن دعِّ اليتيم وقهره ؟

نريد في هذا السياق أن نصحح مفهوما خاطئا عن اليتم ، وهو ارتباطه في الأذهان بالظلم والقهر والحرمان النفسي ... فلا نكاد نسمع عن يتيم إلا وتقفز أمامنا صورة طفل ذليل تتقاذفه الأبواب والطرقات . والواقع أن هذه صورة صحيحة ، ولكن ما ليس بصحيح هو عزو سبب ذلك إلى اليتم والحال أنه ليس شرا في ذاته وليس هو المسئول عن هذا الواقع ، وإنما المسئول هو المجتمع ثم المجتمع . عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَن النَّبِي ِّ r قَالَ : [ خَيْرُ بَيْتٍ فِي الْمُسْلِمِينَ بَيْتٌ فِيهِ يَتِيمٌ يُحْسَنُ إِلَيْه .ِ وَشَرُّ بَيْتٍ فِي الْمُسْلِمِينَ بَيْتٌ فِيهِ يَتِيمٌ يُسَاءُ إِلَيْهِ ] ابن ماجة .

إن مظاهر الظلم والقهر والإهمال وكل الاضطرابات النفسية التي تحتل نفوس معظم الأيتام ، لا علاقة لها باليتم أو بفقد النسب ، بل هي من صناعة المجتمع الذي يهمل يتاماه . ولهذا لم يخاطب القرآن الكريم اليتيم لأنه لا دور له في ما حصل له ، بل اليتم قدر من الله تعالى لحكمة يريدها . وإنما انصرف بخطابه إلى المجتمع مباشرة يحمله وزر التفريط في فئة من أبنائه كما في الآيتين السالفتين ، لأن ضمير الخطاب فيهما عائد على الجماعة المسلمة ، كل من موقعه . ونظير ذلك قوله تعالى : { وأن تقوموا لليتامى بالقسط} النساء – 127. وقوله تعالى : {كلا بل لا تكرمون اليتيم } الفجر- 17. وقوله تعالى : {وأما اليتيم فلا تقهر } الضحى- 9... إلخ . واضعا بذلك أسس المعاملات التي تحمي اليتيم من كل أشكال الظلم الاجتماعي والقهر النفسي .

ولفت الشرع الانتباه إلى ظاهرة اليتم أن جعلها الله تعالى محلا لعدة أعمال صالحة . وسببا من أسباب المغفرة ودخول الجنة بإذن الله تعالى . قال r: [ مَنْ قَبَضَ يَتِيمًا مِنْ بَيْنِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ إِلَّا أَنْ يَعْمَلَ ذَنْبًا لَا يُغْفَرُ لَه ] الترمذي . ولن نكون مبالغين إذا قلنا : إنه مصدر (دواء) نافع في علاج مرض نفسي يشكو منه كثير من الناس وهو: قسوة القلب . ولو صح من الناس العزم على الشفاء من هذا الداء بهذه الوسيلة ، لما بقي على الأرض من يتيم . [عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا شَكَا إِلَى رَسُولِ اللَّه rِ قَسْوَةَ قَلْبِهِ فَقَالَ لَه:ُ إِنْ أَرَدْتَ تَلْيِينَ قَلْبِكَ فَأَطْعِمْ الْمِسْكِينَ وَامْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيم ] أحمد .

نتمنى أن نكون قد توصلنا بهذه الكلمات إلى المسح على هذه الرؤوس الصغيرة التي تشابهت ظروفها كزهور متعانقة في مغرس واحد تنتظر الماء والغذاء . كما نرجو أن تكون رسالة إلى المجتمع واضحة لأنه المسؤول الأول عن يتاماه . لقد خلق الله تعالى الأيتام للحياة ، فكيف يحل لنا وأدهم بالإذلال والإهمال ؟ . وإذا كان سبحانه قد جعل هذه الأغصان الخضراء للثمر ، فكيف نقطعها نحن ونجعلها للحطب ؟‍‍ .

إنه لايصح شرعا ولا طبعا ولا وضعا أن يحرم هؤلاء مرتين . مرة من حنان الأمومة وعطف الأبوة ، وأخرى من رحمة المجتمع ورعايته . نقول هذا ونحن نعلم أن في مجتمعاتنا المسلمة نفوسا رحيمة وقلوبا عطوفة تتلهف لخدمة اليتيم بأن تمسح شعرة على رأسه أو دمعة على خده . ولئن كان التقصير فرديا في هذا الباب ، إلا أنه لن يكون عاما بحال من الأحوال . فالخير باق في الناس إلى يوم القيامة .

ختاما نقول : مهما قلنا أو فعلنا ، فلن ندرك أبدا كيف هو شعور من يكتشف في لحظة أنه بدون أب أو أم ؟ . ولن نعيش أبدا إحساس من أدرك في غفلة من المجتمع ، أنه مجهول الوالدين ؟. ولن نحصي مطلقا كم من الأطفال كتب عليهم ألا يروا آباءهم ؟ . ولكننا قد ننجح إذا صحت منا النية واشتدت الإرادة ، في أن نكون ممن يمسحون دموع هؤلاء الصغار ، ويبلسم جروح الكبار منهم ؟ .


فريق العمل في موقع أيتام

عبقور2011
02-26-2011, 04:31 PM
تخفيف المهور وتيسيرها

رضا بن محمد السنوسي

1- الزواج نشاط فطري أحله الله عز وجل. 2- دفع المهر للمرأة جزء من تكريم الإسلام لها. 3- لم يحدد الإسلام قيمة معينة للمهر. 4- تفاوت مهور الصحابة على قلتها. 5- ظهور التغالي في المهور والمباهاة في نفقات الزواج. 6- من بركة المرأة قلة مهرها.


الخطبة الأولى







أما بعد:

أحبابنا في الله: الزواج طبيعة فطرية وارتباط حيوي وثيق يحفظ الله به النسل البشري في مجال الحياة، ويحقق به العفة والنزاهة والطهر لكلا الزوجين، وقد جعل الله لهذا الزواج أتم نظام وأكمله، حقق به السعادة لكلا الزوجين، وحفظ لهما الحقوق.

وفي طليعة هذا النظام أن فرض للمرأة حقاً على الرجل، ألا وهو الصداق الذي يعطيه لها دلالة صدق على اقترانه بها ورغبته فيها، وأنها موضع حبه وبره وعطفه ورعايته.

ولقد تفردت شريعة الإسلام على غيرها من الشرائع والقوانين، بأنها كرمت المرأة، وأحسنت إليها، وأثبتت لها حقها في التملك وحيازة المال بعد أن كانت في الجاهلية كسقط المتاع، تباع وتشتري، ولهذا أوجب الإسلام على من يتقدم لخطبة المرأة أن يدفع لها الصداق، وهو عبارة عن نوع من التقدير والاحترام، وليس ثمناً أو قيمة لها وَءاتُواْ ٱلنّسَاء صَدُقَـٰتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْء مّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً [النساء:4].

ولا يظنن أحد أن المهر ثمن للمرأة، أو ثمن لجمالها، أو للاستمتاع بها، أو ما يعتقده بعض العامة أنه قيمة لها، بل الحق أن المهر عطية من الله للمرأة، وهو حق لها تتصرف فيه كيف شاءت.

والإسلام لم يحدد مقدار المهر وكميته، وذلك لتباين الناس واختلاف مستوياتهم وبلدانهم وعاداتهم، ولكن الاتجاه العام في الشريعة الإسلامية يميل نحو التقليل فيه، فذاك أقرب لروح الدين، فيكون حسب القدرة وحسب التفاهم والاتفاق.

وقد كان السلف الصالح – رضوان الله عليهم – يتزوجون على القبضة من الطعام وعلى تعليم القرآن، أخرج البخاري: (5135) بسنده عن سهل بن سعد قال: جاءت امرأة إلى رسول الله ، فقالت: إني وهبت من نفسي، فقامت طويلاً، فقال رجل: زوجنيها إن لم تكن لك بها حاجة، فقال عليه الصلاة والسلام: ((هل عندك من شيء تصدقها))؟ قال: ما عندي إلا إزاري فقال: إن أعطيتها إياه جلست لا إزار لك، فالتمس شيئاً فقال: ما أجد شيئاً، فقال: ((التمس ولو كان خاتماً من حديد))، فلم يجد، فقال: ((أمعك من القرآن شيء))؟ قال: نعم سورة كذا وكذا وسورة كذا، لسور سماها، فقال: ((قد زوجناكها بما معك من القرآن)).

ولقد خطب أبو طلحة أم سليم فقالت: والله ما مثلك يرد، ولكنك كافر، وأنا مسلمة، ولا يحل لي أن أتزوجك، فإن تسلم فذلك مهري، ولا أسألك غيره، فكان كذلك، أسلم، وتزوجها رضوان الله عليهم أجمعين.

بل إن سعيد بن المسيب رحمه الله زوج ابنته على درهمين.

وعلماء الأمة يرون أن الشارع لم يقدر المهر بقدر معين، بل تركه إلى اتفاق الطرفين الأب والزوج، أو الزوج والزوجة، وتراضيهما في تحديده مع مراعاة حال الخاطب وقدرته، قال تعالى: وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ ٱلْفَرِيضَةِ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً [النساء:24].

والصحابة – رضوان الله عليهم – كانوا يمهرون ملء الكف من الدقيق أو السويق أو التمر، أخرج أبو داود: (2110) بسنده عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي قال: ((من أعطى في صداق امرأة ملء كفيه سويقاً أو تمراً فقد استحل)).

وقد تزوج عبد الرحمن بن عوف على وزن نواة من ذهب، أخرجه أبو داود: (2019) بسنده عن أنس أن رسول الله رأى عبد الرحمن بن عوف ردعُ زعفران، فقال النبي : ((مهيم)) أي مالك ؟ فقال: يا رسول الله، تزوجت امرأة. قال: ((ما أصدقتها))؟ قال: وزن نواة من ذهب، قال: ((أولم ولو بشاة)).

ورسولنا هو الأسوة والقدوة لهذه الأمة فلم يكن يزيد في مهر نسائه أو بناته عن خمسمائة درهم، أخرجه أبو داود: (2106) بسنده عن أبي الجعفاء السلمي قال: خطبنا عمر رحمه الله فقال: ألا لا تغالوا بصداق النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها النبي ، ما أصدق رسول الله امرأة من نسائه، ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من ثنتي عشر أوقية.

ولقد ظهر في المجتمع اليوم التغالي في المهور والتباهي في نفقات الزواج، فهذه علبة مذهبة للمهر، وتلك ريالات فضة معقودة بشكل أنيق، وهذه أدوات تجميل، كل هذه زيادات على ما قرره الشارع الحكيم، وسرف بيّن وخيلاء ظاهرة، يضاف إلى ذلك الولائم المرهقة وقصور الأفراح الفخمة، كل هذا حدا بالشباب إلى العزوف عن الزواج والإعراض عنه، وما ظهر الفساد وانتشر الشر إلا يوم أن رأى الشباب أن مفتاح الزواج مسئولية ترهق كواهلهم، وأعباء ثقيلة لا طاقة لهم بها، فأحجموا عنه وتولوا عنه، وهم معرضون.

والناظر في حال الشاب حديث التخرج من أين له أن يأتي بآلاف الريالات حتى يكوّن أسرة وينشئ بيتاً حسب رغبة أهل الفتاة التي يخطبها وحسب العادات والتقاليد التي يحتكمون إليها؟ أليس من العقل بل من الدين أن يتعاون الآباء والأمهات، فيكونوا عوناً للشباب على الزواج، ويسعون بكل وسيلة إلى تسهيله وتيسيره والتخفيف من أعبائه؟ أليس من الأولى لهم من أن يساهموا في إحصان أبنائهم بدلاً من الانحراف والانجراف والسفر إلى خارج البلاد؟

إن المسئولية الملقاة على عواتق أهل الرأي والعلم في هذا المجتمع، تحتم عليهم القيام بواجب النصح والإرشاد وبيان الحق والتحذير من الآثار السيئة للمغالاة في المهور في تكاليف الأعراس التي أصابت مجتمعنا، أين التكافل الاجتماعي؟ أين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ لابد أن يوجد للعامة من الناس القدوة والأسوة من أهل الفضل والعقل في تخفيف المهور، وتيسير أمر الزواج، والبعد عن التكاليف التي ما أنزل الله بها من سلطان، وإنما هي إسراف وتبذير وتضييق لطلب الحلال وتيسير في سلوك طريق الحرام، فاتقوا الله – عباد الله – واحرصوا على أمر أبنائكم وبناتكم، وهيئوا لهم السبل الموصلة إلى سعادتهم في إقامة عش الزوجية سكناً ورحمة ومودة، واسلكوا من الوسائل ما يؤدي إلى إعفاف الشباب وإحصانهم من مغريات الفتن التي نعيشها في هذا الزمان، وأعينوهم بما عندكم حتى تستقيم لهم الحياة، وتسعدوا بهم في الدنيا والآخرة، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِ وَٱلتَّقْوَىٰ [المائدة:2].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، اللهم اسلك بنا طريقك المستقيم، واجعلنا هداة مهتدين، اللهم يسر أمر كل مسلم ومسلمة، وأمر كل مؤمن ومؤمنة، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.

أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.






الخطبة الثانية





الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. . . أما بعد:

إخوة الإسلام:

الإسلام في حرصه على إقامة الحياة الزوجية الهانئة إنما يقيمها على الدين والخلق، أخرج الترمذي: (1085) بسنده عن أبي حاتم المزني قال رسول الله : ((إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد)) قالوا: يا رسول الله، وإن كان فيه؟ قال: ((إذا جاءكم من ترضون دين وخلقه فأنكحوه)) ثلاث مرات.

والإسلام اعتبر أن المرأة كلما كان مهرها قليلاً كان خيرها كثيراً، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله : ((إن أعظم النكاح بركة أيسره مؤونة)) [مشكاة المصابيح: 3097].

وأخرجه أحمد: (6/91) عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله : ((يمن المرأة تيسير خطبتها وتيسير صداقها)).

فاتقوا الله – عباد الله – ويسروا أمر الزواج، واحرصوا على من ترضون دينه وخلقه، وإياكم من الرغبة في المال دون الدين، فالمال عرض زائل وعارية مستردة، والبقاء للدين، واحرصوا – رحمكم الله – على تيسير أموركم والبعد عن الإسراف والتبذير، فالأيام المقبلة أيام أعراس، فاحرصوا – رحمكم الله – على ما ترضون به ربكم وتسعدون به أنفسكم.

اللهم وفقنا لما تحبه وترضاه، واجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، ثم صلوا وسلموا على البشير النذير والسراج المنير، فقد أمركم بذلك مولانا الكريم: إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىّ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً [الأحزاب:56].



المنبر

عبقور2011
02-26-2011, 04:36 PM
فوائد الوضوء والطهارة الصحية

أهمية الطهارة
الاستنـجاء
الاغتسال
الـوضـوء

قال تعالى: [ يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين، وإن كنتم جنبا فاطهروا] (المائدة 6).
كما قال في سورة التوبة: [ فيه رجال يحبون أن يتطهروا، والله يحب المطهرين] (التوبة 108)
وقال سبحانه وتعالى: [ إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ] (البقرة 222)
ويقول جل وعلا [ وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به] (الأنفال 11)
كما قال في أول سورة المدثر: [ يا أيها المدثر، قم فأنذر، وربك فكبر، وثيابك فطهر]
وهكذا تكرر في القرآن الكريم تأكيد الخالق الحكيم سبحانه وتعالى على قيمة الطهارة بين عباده ،وجعلها واجبة على كل المسلمين في الوضوء لخمس صلوات في اليوم هي الفرائض، هذا غير النوافل، كما أنه جل وعلا افترض الغسل الشرعي لتطهير الجسد في مناسبات عدة للرجال والنساء، ويكفي بيانا لأهمية الطهارة في الإسلام أن أولى خطوات الدخول إلى الإسلام أن يغتسل المرء ثم يتلفظ بعد الغسل بالشهادتين.
وقد روي مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الطهور شطر الإيمان ". وروي الطبراني أنه صلى الله عليه وسلم قال: " طهروا هذه الأجساد طهركم
الله ". ولم يكتف الإسلام بالاهتمام بالطهارة للإنسان نفسه فقط بل اهتم بطهارة المجتمع بشكل عام. وكمثال على هذا ما رواه الطبراني عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم " نهى أن يبال في الماء الجاري". وعلى هذا فإن التبول في الماء الراكد أشد نهيا وتحريما، وقد تبين أن كثيرا من الأوبئة مثل الكوليرا والتيفود وشلل الأطفال والتهاب الكبد المعدي تنتقل عن طريق الماء وتعيش فيه، فكان النهي هنا واجبا لصحة الناس ومنع العدوى من تلك الأمراض،
ولأهمية الطهارة في الإسلام سر لطيف، يعيننا على إدراك قدرها، والسر في هذا هو أن هذا الدين يعلي من قدر أتباعه حين يقولون سمعنا وأطعنا، فيصيبهم من خير الأعمـال الصالحة التي يتقربون بها إلى الله، والمسلم حين يتطهر إرضاء لله فإن الله يتم نعمته عليه فيسمو بنفسه وروحه، ويأخذه إلى آفاق من الطهر والنور، ويشبع أشواقه إلى السكينة والطمأنينة والهدوء النفسي بما لا تستطيع فعله كل عقاقير الأرض الكيماوية.

عن جابر رضي الله عنه في سبب نزول قول الله تعالى: [ فيه رجال يحبون أن يتطهروا، والله يحب المطهرين ] أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يا معشر الأنصار إن الله قد أثنى عليكم في الطهور، فما طهوركم ؟ قالوا: نتوضأ للصلاة، ونغتسل من الجنابة، ونستنجي بالماء، فقال: ذاكم فعليكموه "

الاستنـجاء
لقد فطر الله جل وعلا الإنسان وجبله على أن يتخلص أولا بأول مما في أمعائه وفي مثانته من غائط وبول وغيرهما من نفايات الجسم، حتى يظل الجسم الإنساني في حالة من النقاء والصحة والقدرة على أداء الوظائف الطبيعية والحيوية التي يقوم بها.
وبعد عملية التخلص تلك فإنه يجب على المسلم أن ينظف هذه الأماكن بالماء، وفي هذا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تنزهوا من البول فإنه عامة عذاب القبر منه" متفق عليه، ومعنى التنزه هو التطهر والاستنجاء. ولهذه العملية فائدة طبية وقائية عظيمة، فقد أثبت الطب الحديث أن النظافة الذاتية لتلك الأنحاء تقي الجهاز البولي من الالتهابات الناتجة عن تراكم الميكروبات والجراثيم ، كما أنها تقي الشرج من الاحتقـان ومن حدوث الالتهابات والدمامل، وفي حالة المرضى خصوصا مرضى السكر أو البول السكري فلأن بول المريض يحتوي على كمية كبيرة من السكر، فإذا بقيت آثار البول فإن هذا يجعل العضو عرضة للتقيح والالتهابات، وقد تنتقل الأمراض في وقت لاحق إلى الزوجة عند الجماع، وقد يؤدي إلى عقم تام.
كذلك استن الإسلام استعمال اليد اليسرى لإزالة النجاسة، حتى تظل اليد اليمنى المخصصة للطعام طاهرة نظيفة، وكذلك اشترط غسلها بعد التطهر، وقد يعجب البعض مـن اهتمام الإسلام حتى بهذه الأمور، ولكن لا عجب لمن يعرف لهذا الدين قدره، ومن يؤمن أنه الدين الذي أتمه الله وأكمله منهاجا أبديا للبشر إلى قيام الساعة، منهاجا لا يحمل إلا الخير لعباده المسلمين [ اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم و اخشون، اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ] (المائدة 3)
*
حدث غريب في إنجلترا:
في عام 1963 في دولة إنجلترا وبالتحديد في مدينة "داندي" حدث أن انتشر مرض التيفود بشكل عاصف مما أصاب السكان بالذعر الشديد، وبذل الجميع طاقاتهم في محاولات شتى لوقف انتشار المرض، وفي النهاية اتفق العلماء على إذاعة تحذير في مختلف وسائل الإعلام يأمرون الناس بعدم استعمال الأوراق في دورات المياه، واستبدالها باستخدام المياه مباشرة في النظافة وذلك لوقف انتشار العدوى.
وبالفعل استجاب الناس، وللعجب الشديد توقف فعلا انتشار الوباء وتمت محاصرته، وتعلم الناس هناك عادة جديدة عليهم بعد معرفة فائدتها، وأصبحوا يستخدمون المياه في النظافة بدلا من المناديل الورقية، ولكننا لسنا متأكدين ماذا يقول هؤلاء لو علموا أن المسلميـن يفعلون هذا من أكثر من ألف وأربعمائة سنة، ليس لأن التيفود تفشى بينهم ولكن لأن خالق التيفود وغيره من الأمراض أمرهم بكل ما يجلب لهم الصحة والعافية فقالوا سمعنا وأطعنا [ ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ] (الملك 14)

أهمية الاغتسال:
يقول تعالى: [ يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا ] (النساء 43)
ويقول جل وعلا آمرا نبيه أيوب: [ اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب] (سورة ص 42)
لقد اكتشف الإنسان على مدار التاريخ الأهمية العظمى لتنظيف بدنه عن طريق الاغتسال وعالج به كثيرا من الأمراض، ولكن لم يعرف التاريخ أمة جاء لها تنظيم لهذا الأمر أعظم من ذاك التنظيم الذي كرم به الله أمة الإسلام؛
فالمسلمون كما أمرهم الخالق الحكيم سبحانه وتعالى يجب أن يغتسلوا مع دخولهم هذا الدين لأول مرة وحتى قبل نطق شهادتي أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسـول الله، ويجب أن يغتسلوا بعد كل مباشرة زوجية، وكذلك في صباح كل يوم جمعـة وصباح العيدين ؛ وكذلك تغتسل المرأة بعد المحيض حتى تطهر، بل إنه يسن الغسـل بين الجماعين كما جاء في صحيح مسلم: " إذا جامع أحدكم وأراد أن يعاود فعليه بالطهارة فإن ذلك أنشط " والحكمة في هذا أن الاستحمام يجدد النشاط للجسم والعقل ويعيد النظافة والتألق ويجعل المرء في أكمل حالاته النفسية والجسمية.
معلومات هامة عن الاغتسال:
- الاغتسال بالماء الساخن: الاغتسال بالماء الساخن وحمامات البخار يعمل على تفتح مسام الجسم جميعها، ويؤدي هذا بالتبعية إلى تنفس خلايا الجسم بشكل طبيعي، ومعروف أن خلايا جسم الإنسان تحتاج إلى عملية التنفس مثلها مثل أي كائن حي، وكذا يجدد الاغتسال بالماء الساخن الخلايا التالفة والمتهالكة فيكتسب الجسم النشاط والحيوية، وتهدأ الأعصاب، ولو كان الحمام الساخن في الليل فإنه يساعد على النوم الطبيعي العميق، والحمام الساخن يقلل من احتمالات الإسهال لأنه يعين على الهضم الجيد.
-الاغتسال بالماء البارد: الاغتسال بالماء البارد يجعل جميع خلايا الجسم بما فيها من شرايين وأوردة تعاود الانكماش بعد التمدد، وهذا يساعدها على اكتساب المـرونة اللازمة التي تقيها الكثير من أمراض القلب والدورة الدموية؛ مما ينشط التنفس ويزيد من احتمالات اعتدال النبض والضغط، والحمام البارد يفيد لمن كان بدنه نشيطا ولا يعاني من مشكلات في الهضم، ويمكن أن يستعمل بعد الماء الساخن لتقوية البشرة وإمداد الجسم بالحيوية والنشاط، على ألا يكون الماء شديد البرودة. ولا يستعمل الحمام البارد عقب الجماع أو عقب الطعام مباشرة لما يسببه من أخطار.
- الاغتسال مع التدليك: والاغتسال مع التدليك يجدد نشاط الجسم بشكل مـدهش، ويجدد الحيوية باستمرار ويساعد على النوم الصحي العميق، وكذا ينبه الحواس وينشط الدورة الدموية ويساعد على تخفيف العبء الواقع على القلب. ويستحسن الاغتسال باستعمال زيت الزيتون مع التدليك عقب ممارسة الرياضة.

الوضوء سلاح المؤمن:
قال تعالى: [ يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين، وإن كنتم جنبا فاطهروا، وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه، ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون]
(المائدة 6)
إن الوضوء ليس مجرد تنظيف للأعضاء الظاهرة، وليس مجرد تطهير للجسد يتـوالى عدة مرات في اليوم، بل إن الأثر النفسي والسمو الروحي الذي يشعر به المسـلم بعد الوضوء لشيء أعمق من أن تعبر عنه الكلمات ، خاصة مع إسباغ الوضوء وإتقانه.
فللوضوء دور كبير في حياة المسلم، وهو يجعله دائما في يقظة وحيوية وتألق، وقد قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم: "من توضأ فأحسن الوضوء خرجت الخطايا من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره"، وعنه صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد عن أبي أمامة: " من توضأ فأسبغ الوضوء وغسل يديه ووجهه ومسح على رأسه وأذنيه ثم قام إلى صلاة مفروضة غفر له في ذلك اليوم ما مشت إليه رجلاه وقبضت عليه يداه وسمعت إليه أذناه ونظرت إليه عيناه وحدث به نفسه من سوء "
الوضوء وأسراره الثمينة:
إن عملية غسل الأعضاء المعرضة دائما للأتربة من جسم الإنسان لا شك أنها في منتهى الأهمية للصحة العامة، فأجزاء الجسم هذه تتعرض طوال اليوم لعدد مهول من الميكروبات تعد بالملايين في كل سنتيمتر مكعب من الهواء، وهي دائما في حالة هجوم على الجسم الإنساني من خلال الجلد في المناطق المكشوفة منه، وعند الوضوء تفاجأ هذه الميكروبات بحالة كسح شاملة لها من فوق سطح الجلد، خاصة مع التدليك الجـيد وإسباغ الوضوء، وهو هدي الرسول صلى الله عليه وسلم، وبذلك لا يبقى بعد الوضوء أي أثر من أدران أو جراثيم على الجسم إلا ما شاء الله.
-المضمضة: أثبت العلم الحديث أن المضمضة تحفظ الفم والبلعوم من الالتهابات وتحفظ اللثة من التقيح، وكذا فإنها تقي الأسنان وتنظفها بإزالة الفضلات الغذائية التي تبقى بعد الطعام في ثناياها، وفائدة أخرى هامة جدا للمضمضة، فهي تقوي بعض عضلات الوجه وتحفظ للوجه نضارته واستدارته، وهو تمرين هام يعرفه المتخصصون في التربية الرياضية، وهذا التمرين يفيد أيضا في إضفاء الهدوء النفسي على المرء لو أتقن تحريك عضلات فمه أثناء المضمضة.
- غسـل الأنــف: أظهر بحث علمي حديث أجراه فريق من أطباء جامعة الإسكندرية أن غالبية الذين يتوضئون باستمرار قد بدا أنفهم نظيفا خاليا من الأتربة والجراثيـم والميكروبات، ومن المعروف أن تجويف الأنف من الأماكن التي يتكاثر فيها العديد من هذه الميكروبات والجراثيم، ولكن مع استمرار غسل الأنف والاستنشاق والاستنثار بقوة - أي طرد الماء من الأنف بقوة - يحدث أن يصبح هذا التجويف نظيفا خاليا من الالتهابات والجراثيـم، مما ينعكس على الحالة الصحية للجسم كله، حيث تحمـي هذه العملية الإنسان من خطر انتقال الميكروب من الأنف إلى الأعضاء الأخرى في الجسم.
- غسل الوجه واليدين: ولغسل الوجه واليدين إلى المرفقين فائدة كبيرة جدا في إزالة الأتربة والميكروبات فضلا عن إزالة العرق من سطح الجلد، كما أنه ينظف الجلد من المواد الدهنية التي تفرزها الغدد الجلدية، وهذه تكون غالبا موطنا ملائما جدا لمعيشة وتكاثر الجراثيم.
- غسل القدميــن: أما غسل القدمين مع التدليك الجيد فإنه يؤدي إلى الشعور بالهدوء والسكينة، لما في الأقدام من منعكسات لأجهزة الجسم كله، وكأن هذا الذي يذهب ليتوضأ قد ذهب في نفس الوقت يدلك كل أجهزة جسمه على حدة بينما هو يغسل قدميه بالماء ويدلكهما بعناية. وهذا من أسرار ذلك الشعور الطاغي بالهدوء والسكينة الذي يلف المسلم بعد أن يتوضأ.
- أسـرار أخرى: وقد ثبت بالبحث العلمي أن الدورة الدموية في الأطراف العلوية من اليدين والساعدين، والأطراف السفلية من القدمين والساقين أضعف منها في الأعضاء الأخرى لبعدها عن المركز المنظم للدورة الدموية وهو القلب، ولذا فإن غسل هذه الأطراف جميعا مع كل وضوء ودلكها بعناية يقوي الدورة الدموية، مما يزيد في نشاط الجسم وحيويته. وقد ثبت أيضا تأثير أشعة الشمس ولا سيما الأشعة فوق البنفسجية في إحداث سرطان الجلد، وهذا التأثير ينحسر جدا مع توالي الوضوء لما يحدثه من ترطيب دائم لسطح الجلد بالماء، خاصة تلك الأماكن المعرضة للأشعة، مما يتيح لخلايا الطبقات السطحية والداخلية للجلد أن تحتمي من الآثار الضارة للأشعة.

عبقور2011
02-26-2011, 04:38 PM
الفريضة الغائبة

سليمان حمدالعودة


ملخص الخطبة

1- تعظيم الجهاد والتحذير من التهاون فيه. 2- فضل الجهاد وضرورة إحياء هذه الفريضة. 3- أحوالنا ومجتمعاتنا عندما نترك الجهاد. 4- الإخلاص شرط قبول الجهاد. 5- فتح سمرقند ونموذج من عز الإسلام وعدله. 6- الجهاد ماض إلى قيام الساعة. 7- الجهد بالمال وتحديث النفس بالجهاد.

الخطبة الأولى



والجهاد في سبيله أعظم تجارة، تحصل بها النجاة من عذاب الله، وهي سبيل لمغفرة الذنوب ودخول الجنة يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَـٰرَةٍ تُنجِيكُم مّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ [الصف:10، 11]، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله رغب في الجهاد وجعله ذروة سنام الإسلام، وجاءت شريعته معلية لمنازل المجاهدين في سبيل الله تعالى، فقال: ((وأخرى يرفع الله بها العبد مائة درجة في الجنة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض)) قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: ((الجهاد في سبيل الله، الجهاد في سبيل الله)) رواه مسلم في صحيحه.

اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وعلى سائر أنبياء الله ورسله، وارضَ اللهم عن أصحابه أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

يَـئَأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱبْتَغُواْ إِلَيهِ ٱلْوَسِيلَةَ وَجَـٰهِدُواْ فِى سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة:35]، يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّـٰدِقِينَ [التوبة:119].

أيها المسلمون، الحديث عن الجهاد في سبيل الله حديث عن معالي الأمور وإن كرهته النفوس، كما قال ربنا: كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ [البقرة:216].

إنه حديث عن تحرير الفرد والأمة من عبودية الشهوات، واستنقاذ النفوس من الوهم والجبن والخور، وهو طريق إلى نشر الدين وإرهاب العدو، ومد رواق الإسلام بأنحاء المعمورة، وتخليص الأمة من ذل التبعية، وبه يتميز أهل الإسلام والكفر، وينكشف المنافقون وأهل الريب ومن في قلوبهم مرض.

وما فتئ القرآن العظيم ينزل معظمًا للجهاد، وتحذر آياته من التباطؤ عن الخروج لسبب من الأسباب أو عائق من العوائق الأرضية، ويقول جل ذكره: قُلْ إِن كَانَ ءابَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوٰنُكُمْ وَأَزْوٰجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوٰلٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَـٰرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَـٰكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ [التوبة:24].

ونظرًا لتأخر النفوس أحيانًا عن الجهاد لسبب من أسباب الدنيا، فقد جاء العوض في روحة أو غدوة في سبيل الله كبيرًا وغير متكافئ مع متاع الدنيا، يقول : ((لغدوة في سبيل الله أو روحة، خير من الدنيا وما فيها)) رواه البخاري، فإذا كان هذا في الغدوة والروحة فما الظن بما هو أعظم من ذلك من درجات الجهاد؟!

أجل، لقد أعلنها محمد عليه الصلاة والسلام على الملأ، وأقسم وهو الصادق الأمين، أقسم برغبته في الجهاد وفضل الشهادة في سبيل الله يوم أن قال: ((والذي نفسي بيده، لو أن رجالاً من المؤمنين لا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا عني ولا أجد ما أحملهم عليه، ما تخلفت عن سرية تغدو في سبيل الله. والذي نفسي بيده، لوددت أن أُقتل في سبيل الله ثم أُحيا، ثم أُقتل ثم أُحيا ثم أُقتل ثم أُحيا ثم أُقتل)) رواه البخاري في صحيحه.

وفي صحيح البخاري أيضًا، ومسلم واللفظ له عن أنس عن النبي قال: ((ما من أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وأن له ما على الأرض من شيء غير الشهيد، فإنه يتمنى أن يرجع فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة)).

عباد الله، لا بد من إحياء شعيرة الجهاد في النفوس، ولا بد من العلم أن الجهاد أفضل ما تطوع به الإنسان، وتطوعه بالجهاد في سبيل الله أفضل من تطوع الحج والعمرة وعمارة المساجد ولو كان المسجد الحرام، كما قال تعالى: أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَاجّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ كَمَنْ ءامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلاْخِرِ وَجَـٰهَدَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَـٰهَدُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْفَائِزُونَ [التوبة:19، 20]، الآيات.

ومن هنا، تسابق المؤمنون إلى ميادين الجهاد ورغبوا في الشهادة، ولا غرابة أن يلقي أحدهم تمرات كانت معه ويقول: (لئن أنا بقيت حتى آكل هذه التمرات، إنها لحياة طويلة) ولا غرابة كذلك أن يتسابق إلى المرابطة في الثغور وهم يسمعون المصطفى يقول: ((رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله وأجري عليه رزقه وأمن الفتان)) رواه مسلم في صحيحه.

ولهذا قال أبو هريرة : (لأن أرابط ليلة في سبيل الله أحب إلي من أن أقوم ليلة القدر عند الحجر الأسود).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولهذا كان الرباط في الثغور أفضل من المجاورة بمكة والمدينة، والعمل بالرمح والقوس في الثغور أفضل من صلاة التطوع".

أيها المسلمون، حقًا إن في الجهاد في سبيل الله رفعاً لذل الأمة المسلمة، وما فتئ المسلمون منذ غابت عنهم هذه الفريضة الإسلامية يتمرغون في أوحال الذل والتبعية ويسومهم العدو سوء العذاب، وتلك ـ وربي ـ واحدة من أعلام نبوة محمد وهو القائل: ((إذا تبايعتم بالعينة ـ وهي صورة من الربا ـ وأخذتم بأذناب البقر، ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم)) رواه أحمد وأبو داود بإسناد صحيح.

ومن هنا يَفْرَقُ[1] أعداء الملة من الجهاد ويتخوفون كثيرًا من المجاهدين الصادقين، ويعمدون إلى تشويه صورة الجهاد ورمي المجاهدين بأبشع الألفاظ، وتكاد صيحات المجاهدين وتكبيرهم تقطع أنياط قلوبهم وإن كان استعدادهم ضعيفًا، وإذا لم يستغرب هذا من الأعداء، فإن المؤسف والمستغرب حقًا أن تروج مثل هذه الشائعات في بلاد المسلمين، وتتسلل هذه الأفكار المحبطة للجهاد والمشوهة لصورة المجاهدين عند بعض أبناء المسلمين، ويتردد في الإعلام العربي والإسلامي مفاهيم خاطئة عن الجهاد وأهدافه وعن المجاهدين وصولتهم.

عباد الله، والجهاد في سبيل الله طريقنا إلى العز والتمكين في الدنيا، وهو طريق موصل إلى الجنة والنعيم في الآخرة؛ فالجنة تحت بارقة السيوف، والجنة تحت ظلال السيوف، كما قال محمد عليه الصلاة والسلام.

ترى، كم نحدث أنفسنا بالجهاد، وهل نتخوف على أنفسنا من النفاق حين لا نغزو ولا نحدث أنفسنا بالغزو؟ وفي الحديث الصحيح قال : ((من لم يغزُ ولم يحدث نفسه بالغزو، مات على شعبة من النفاق)) قال عبد الله بن المبارك: "فنرى أن ذلك كان على عهد رسول الله "، وقال غيره: "والظاهر الموافق للسنة الصحيحة عموم ذلك ولا دليل على هذا التخصيص".

عباد الله، هل نستجيب لنداء ربنا وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُم مّن قُوَّةٍ وَمِن رّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ [الأنفال:60]، ترى هل يشعر المسلم مِنْ أجناد المسلمين أنه حينما ينخرط في الجيش إنما يربي نفسه ويعدها للجهاد في سبيل الله، وهل تقوم الاستعدادات في الجيوش في الدول الإسلامية والعربية على تنشئة أفرادها على الجهاد في سبيل الله وقمع الكفر ونشر الإسلام في أقطار المعمورة.

ذلكم توجيه ربنا وهدي محمد عليه الصلاة والسلام.

عباد الله، ومن هنا تبدو خطورة تناسي الجهاد وعدم تحديث النفس به، ويرحم الله أقوامًا وأممًا كانت تنام وتستيقظ على أخبار الجهاد، وترابط الشهور بل الأعوام في الثغور؛ لحماية أمة الإسلام، ونشر دين الله ما بلغ الليل والنهار.

وفي سنن المرسلين وسيرهم عليهم السلام همم عالية للجهاد؛ وفي صحيح البخاري باب "من طلب الولد للجهاد" وبالسند المتصل ساق الحديث عن النبي قال: ((قال سليمان بن داود عليهما السلام: لأطوفن الليلة على مائة امرأة أو تسع وتسعين، كلهن تأتي بفارس، يجاهد في سبيله. فقال له صاحبه: قل: إن شاء الله، فلم يقل إن شاء الله فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل، والذي نفس محمد بيده، لو قال: إن شاء الله، لجاهدوا في سبيل الله فرسانًا أجمعون)).

قال الحافظ ابن حجر ـ يرحمه الله ـ في قوله: "باب من طلب الولد للجهاد" أي ينوي عند المجامعة حصول الولد ليجاهد في سبيل الله، فيحصل له بذلك أجر وإن لم يقع ذلك".

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: لاَّ يَسْتَوِى ٱلْقَـٰعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِى ٱلضَّرَرِ وَٱلْمُجَـٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ بِأَمْوٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى ٱلْقَـٰعِدِينَ دَرَجَةً وَكُـلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ عَلَى ٱلْقَـٰعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً دَرَجَـٰتٍ مّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً [النساء:95، 96].

نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.




[1] الفَرق: الخوف، وقد فَرِق منه. (مختار الصحاح، مادة: فرق).



الخطبة الثانية



الحمد لله رب العالمين، أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، جاهد في الله حق جهاده، بالقلب واللسان وبالسيف والسنان حتى أتاه اليقين، وأقر الله عينه بنصرة الدين، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر المسلمين.

عباد الله، ولا ريب أن الجهاد يكون بالنفس والمال والقلب واللسان، قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ: "والتحقيق أن جنس الجهاد فرض عين إما بالقلب وإما باللسان، وإما بالمال وإما باليد، فعلى كل مسلم أن يجاهد بنوع من هذه الأنواع".

أيها المسلمون، وليس يخفى أن الإخلاص شرط في قبول الأعمال كلها، وقد جاء النص عليه في الجهاد، قال : ((والله أعلم بمن يجاهد في سبيله)) رواه البخاري.

وجاء رجل إلى النبي فقال: الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ قال: ((من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله)) رواه البخاري.

ومن هنا يكون الحديث عن الجهاد الذي ترفع به راية الإسلام، وينشر به العدل، ويحقق به حكم الله في الأرض، ويذل به الكفار، وتطهر به الأرض من الظلم والجور والعدوان، ويخلى بين الناس وعبوديتهم لرب العالمين، وليس الجهاد الذي تزهق به الأرواح بغير حق، أو تدمر به الممتلكات بغير علم ودون فائدة، أو ترفع به الرايات العمّيّة، أو يكون ميدانًا للشهرة، أو تبرز فيه العصبيات والإقليميات الضيقة.

أيها المؤمنون، وفي فترات العز والقوة للمسلمين ترفع رايات الجهاد، ويبرز القادة المجاهدون، وكلما خيم الضعف على الأمة توارت رايات الجهاد، وقل المجاهدون، ومنذ أن بدأ محمد جهاده للأعداء وراية الجهاد مرفوعة على أيدي خلفائه الراشدين من بعده حتى انساح الإسلام في مشرق الأرض ومغربها، وجاءت الدولة الأموية والعباسية لتكملان مسيرة الفتح الإسلامي، وهكذا الدولة الأيوبية والمماليك وغيرها من دول الإسلام، وحينها كان الإسلام عزيزاً والعدو مقهوراً، وأهل الكتاب الذين لا يدينون دين الحق يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون.

ومع قوة المسلمين وغلبتهم وتحريرهم البلاد وقلوب العباد كان العدل قائمًا، والناس يدخلون في دين الله أفواجًا، إعجابًا بالإسلام وبأخلاق المسلمين الفاتحين.

ومن روائع عدل المسلمين ما تناقلته كتب التأريخ، أن عمر بن عبد العزيز رحمه الله حين استخلف، وفد عليه قوم من أهل سمرقند، ورفعوا إليه أن كتيبة دخلت مدينتهم، وأسكنها المسلمين على غدر. فكتب عمر إلى عامله أن ينصب لهم قاضيًا ينظر فيما ذكروا، فإن قضى بإخراج المسلمين أخرجوا، فنصب لهم جميع بن حاضر الباجي فحكم القاضي بإخراج المسلمين على أن ينابذوهم على سواء، فكره أهل سمرقند الحرب وأقروا المسلمين فأقاموا بين أظهرهم.

ولا عجب أن يؤدي هذا العدل من المسلمين إلى انتشار الإسلام فيما وراء النهر وغيرها من بلاد الله الواسعة.

ترى، ما الذي حل بالمسلمين، حتى تراجعوا عن مراكز القيادة ولم يتركوا الجهاد فقط، بل تخطفهم العدو وغزاهم في قعر دارهم، إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ [الرعد:11]، ومن لم يغزُ غزي، ومن لم يدعُ إلى الخير دعي إلى الشر.

أمة الإسلام، ومع فترات الضعف التي تمر بها الأمة المسلمة أحيانًا، فهي أمة خير وذات رحم ولود، بل وذات رسالة خالدة، وقد يفتر جيل أو يتراخى أهل عصر ثم يبعث الله جيلاً آخر أكثر قوة وشجاعة فينصر الله بهم الدين ويكبت الأعداء ويفضح المنافقين.

ومن سمات هذه الأمة المسلمة أن الجهاد فيها ماضٍ إلى يوم القيامة، مع البر والفاجر وذلك بخبر الذي لا ينطق عن الهوى وهو القائل: ((الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، الأجر والمغنم)) واستنبط العلماء من الحديث بشرى ببقاء الإسلام وأهله إلى يوم القيامة لأن من لازم بقاء الجهاد بقاء المجاهدين وهم المسلمون، كذا قال ابن حجر رحمه الله.

أيها المسلمون، ونحن نرى اليوم كيف أرهبت حركات الجهاد وإن كانت متواضعة؟ كم أرهبت أعداءَ الله! فأطفال الحجارة في فلسطين هددوا كيان العدو الصهيوني في فلسطين المحتلة، وكم أرهب الأفغان والشيشان من بعدهم روسيا القيصرية على الرغم من فارق العدد والعدة! وهكذا الأمر في البوسنة والهرسك وكوسوفا وكشمير والفلبيين وغيرها من بلاد المسلمين، واليوم في داغستان جهاد يثير مخاوف الروس ومن حولهم.

ونسأل الله أن يمكن للمسلمين وأن ينصر المجاهدين الصادقين، ويذل الكفرة ويهزمهم أجمعين إنه ولي ذلك والقادر عليه.

عباد الله، والجهاد بالمال معناه أن تدفع مالاً يستعين به المجاهدون في سبيل الله في نفقتهم ونفقة عيالهم وفي شراء الأسلحة وغيرها من معدات الجهاد. وفضله عظيم، وقد ذكره الله في كتابه مقدمًا على الجهاد بالنفس مما يدل على أهميته ومكانته عند الله.

وفي سنن ابن ماجه باب "التغليظ في ترك الجهاد" وبالمسند المتصل ساق الحديثَ عن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي قال: ((من لم يغز أو يجهز غازيًا أو يخلف غازيًا في أهله بخير أصابه الله سبحانه بقارعة قبل يوم القيامة)) إسناده حسن.

ألا فحدثوا أنفسكم ـ معاشر المسلمين ـ بالجهاد، وربُّوا ناشئتكم على حبه، وعلموهم الرماية وركوب الخيل، وأعينوا المجاهدين الصادقين بأموالكم ودعواتكم.

اللهم ارفع راية الجهاد، وأذل به ما انتشر من البلاء والفساد.

هذا وصلوا وسلموا على نبي الهدى والرحمة، فقد أمركم الله بذلكم في مُحكم التنزيل، فقال جل قائل عليمًا: إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىّ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً [الأحزاب:56].

ABDULLA13
02-26-2011, 04:40 PM
اتمنى ان تكون خطب الجمعة في هذه الايام متعلقة بما يحدث حاليا في بلادنا من ظلم و قتل الناس الابرياء بدون وجهه حق فأين أأمة المساجد مما يحدث في عدن و ان لله و انا اليه راجعون

عبقور2011
02-26-2011, 04:40 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

محاضرة
الربا وتدمير الأمة


إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم ، وعلى آل إبراهيم ، إنك حميد مجيد ، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد .
ـ أما بعد ـ
إخوتاه
من أشراط الساعة ظهور الربا وفشوها .
فعن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " بين يدي الساعة يظهر الربا والزنى والخمر ". [ قال الهيثمي : رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح ]
والأمر لا يتوقف عند هذا الحد فحسب ، بل إن الذي لا يتعامل بها لابد أن يجد شيئا من غبارها .
ففي مستدرك الحاكم وسنن أبي داود وابن ماجه والنسائي وغيرهم عن الحسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ليأتين على الناس زمان لا يبقى فيه أحد إلا أكل الربا فإن لم يأكله أصابه من غباره "
[ قال الحاكم : وقد اختلف أئمتنا في سماع الحسن عن أبي هريرة فإن صح سماعه منه فهذا حديث صحيح ] .

وقبل أن نخوض في هذه البلية الخطيرة ، نذكر أولا بأمور :

أولا : إن الله غيور ، يغار أن تنتهك محارمه ، فاتق غيرة الله .
ثانيا : لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ، فقد جعل الله للناس سعة من أمرهم ، فلم يكلفهم بما لا يطيقون ، حتى لا يظن من انغمس في هذه المصيبة أن ترك الربا شيء لا يمكن حدوثه في العصر الحديث ، ثم بعد ذلك يحاول أن يجعله من الضرورات التي لا يمكن الاستغناء عنها .
ثالثا : إن الله قد هدانا وأرشدنا إلى سبيل الحق ، ثم الناس بعد ذلك إما شاكرا وإما جاحدا ، " إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا " ، " فالحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات ومن اتق الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه " فيجب على المؤمن تحري الحلال وترك الحرام ، وحري به أن يتورع عما اختلف فيه من المشتبهات حفظا لدينه وعرضه .
رابعا : أساس شريعة الله قائم على تحقيق مصالح العباد ودرء المفاسد عنهم ، ولا يمكن بحال أن يجعل الله العز والمنعة والتقدم والحضارة لقوم بمعصيته جل وعلا، فما عند الله لا ينال إلا بطاعته .
خامسا : أن سبيل النجاة واضح جلي لمن أراد الله والدار الآخرة ، ولا يظنن ظان أن في اتباعه لسبيل الله جل وعلا العنت والمشقة ، فالله رفع عن الناس الحرج ، وقد أرشدهم لنجاتهم بأن يحصنوا أنفسهم ويبتعدوا عن المهالك ومواطن الشبهات ، ويتحصنوا بسترة من الحلال تكفيهم مغبة الوقوع في الحرام .
• عن النعمان بن بشير قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " اجعلوا بينكم وبين الحرام سترة من الحلال " [ صححه الشيخ الألباني ]
سادسا : المعصوم من عصمه الله ، ومن وجد الله كافيه مثل هذه البلايا فليحمد الله ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ، ألا ترى هذه الصيحات التي تعلو بين حين وآخر طالبة النجاة من وحل هذه البلية ، لكن هيهات بعد أن تستحكم الأمور وتبدو الأمور على صورتها الحقيقية ، ويتبين للناس أن شرع الله هو الحق وأن ما دونه هو الباطل ولابد ، ولكن الناس لا يوقنون .
لأجل ذلك ينبغي أن نعلم أن طلب الحلال أمر لازم وفريضة من أعظم الفرائض، وأن ذلك هو الحصن الحقيقي من شرور هذه البلايا والفتن .

تحري الحلال

قال الله تعالى " يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم" .
قال القرطبي : سوى الله تعالى بين النبيين والمؤمنين في الخطاب بوجوب أكل الحلال وتجنب الحرام ، ثم شمل الكل في الوعيد الذي تضمنه قوله تعالى: "إني بما تعملون عليم" صلى الله على رسله وأنبيائه. وإذا كان هذا معهم فما ظن كل الناس بأنفسهم .
وقد حثنا الشرع الحنيف إلى طلب الحلال وترك الحرام
• عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " طلب الحلال واجب على كل مسلم " [ قال الهيثمي في المجمع : رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن ]
فإن الله هو الرزاق ذو القوة المتين يزرق من يشاء بغير حساب وهو أعلم بالشاكرين
• أخرج الحاكم في المستدرك وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع " لا تستبطئوا الرزق، فإنه لم يكن عبد ليموت حتى يبلغه آخر رزق هو له، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب: أخذ الحلال، وترك الحرام "

وفي تحري الحلال وترك الحرام فوائد عظام :
1. أكل الحلال صلاح للقلوب ، وأكل الحرام من أخطر مهلكات القلوب ومبددات الإيمان .
أما ترى رسول الله حين قال " الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات …….. عقب ذلك بقوله " ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب "
قال المناوي : فهو ملك والأعضاء رعيته ، وهي تصلح بصلاح الملك ، وتفسد بفساده وأوقع هذا عقب قوله " الحلال بين " إشعاراً بأن أكل الحلال ينوره ويصلحه والشُّبه تقسيه .

2. أكل الحلال نجاة من الهلاك .
ومن وقع في الحرام فهو داخل في قوله تعالى : " ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة " إذ هو في مظنة الهلكة إلا أن يتغمده الله برحمته فيتوب عليه .
قال سهل بن عبد الله : النجاة في ثلاثة : أكل الحلال، وأداء الفرائض، والاقتداء بالنبي صلى اللّه عليه وسلم .
وقال : ولا يصح أكل الحلال إلا بالعلم ، ولا يكون المال حلالا حتى يصفو من ست خصال : الربا والحرام والسحت والغلول والمكروه والشبهة .

3. ومن أكل الحرام حرم لذة الإيمان فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبا
قيل : من أكل الحلال أربعين يوما نور الله قلبه وأجرى ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه .
قال بعضهم : من غض بصره عن المحارم ، وكف نفسه عن الشهوات ، وعمر باطنه بالمراقبة وتعود أكل الحلال لم تخطئ فراسته .

4. ما نبت من حرام فالنار أولى به
عن كعب بن عجرة قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : أعيذك بالله يا كعب بن عجرة من أمراء يكونون من بعدي ، فمن غَشي أبوابهم فصدقهم في كذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه ، ولا يرد علي الحوض ، ومن غشي أبوابهم أو لم يغش فلم يصدقهم في كذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه وسيرد علي الحوض .
يا كعب بن عجرة : الصلاة برهان ، والصوم جنة حصينة ، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار.
يا كعب بن عجرة : إنه لا يربو لحم نبت من سحت إلا كانت النار أولى به .
[ قال الترمذي :حديث حسن غريب وصححه الشيخ الألباني في صحيح الترمذي (501) ]

فشو الحرام

إذا علمت هذا فاعلم أن النبي أخبرنا أن الحرام سيطغى في آخر الزمان ، حتى لا يتبين الناس ولا يستوثقون من حل وحرمة أموالهم .
ففي البخاري ومسند الإمام أحمد قال صلى الله عليه وسلم " ليأتين على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال ، أمن حلال أم من حرام " .
وفي لفظ عند النسائي " يأتي الناس زمان ما يبالي الرجل من أين أصاب المال من حلال أو حرام " .
أما ترى أن هذا هو زماننا ورب العزة ، أما ترى تكالب الناس من أجل تحصيل مغريات الدنيا التي تتفتح عليها أعينهم ليل نهار ، فلا يبالون بشيء سوى جمع المال من أي وجه ، حلال أو حرام لا يهم ، المهم هو جمع المال للحصول على المحمول والدش والسيارات الفارهة وقضاء الأوقات في ديار الفجور والعربدة و…….و…….و,,,,, الخ
من أجل ذلك تعقدت الأمور ، وصار الناس في حيرة من أمرهم ، فما يمر يوم إلا وتجد من يسألك عن هذا الذي يبيع الدخان أو الخمور أو يعمل في شركة سياحة أو يعمل في بنك ربوي أو يتعامل بالربا ، أو الذي بنى ثروته من البداية بتجارة المخدرات ويريد أن يتوب ولا يعلم ماذا يصنع في ماله ، وذاك الذي يعمل كوافيرا أو يبيع ملابس النساء العارية التي يعلم أن التي ستلبسها ستفتن بها شباب المسلمين في الشوارع ، وهذا الذي يعمل في السينمات والمسارح والكباريهات و … و … الخ رب سلم سلم
ومن المؤسف والمخجل أنك تستمع للأولاد وهم لا يدرون كيف يأكلون من مال أبيهم وهم يعلمون أنه حرام ، وتجدك في كل مرة تبحث لهؤلاء عن مخرج وقد ضيق الناس على أنفسهم سبل الخير والحلال ، ومن هنا شاعت الفتاوى عن المال المختلط وأحكامه وغيرها مما هو على هذه الشاكلة .
أما كان السبيل رحبا واسعا فضيقتموه باتباع الهوى واللهث وراء المال من غير وجه حله ، " أما يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين "

أنواع من البيوع الفاسدة

ولعلنا هنا مضطرون أن نتكلم سريعا عن بعض المعاملات المالية الفاسدة التي شاعت بين الناس ، ولا ينتبه إليها أحد . لكن على وجه الإجمال دون التوسع والإلمام بطرف ليناسب ما نحن بصدده .
فمن ذلك :
1) ما يسمى شرعا ببيع النجش .
وهو أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها ليخدع غيره ، ويجره إلى الزيادة في السعر .
قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ " لا تناجشوا " إذ هذا نوع من الخداع ولا شك ، وقد قال صلى الله عليه وسلم " المكر والخديعة في النار " وأنت تجد هذه الصورة متكررة في المزادات ، ومعارض بيع السيارات ، وبعض المحال التجارية وهذا كسب خبيث لو يعلمون .

2) ما يسمى ببيع الغرر
ومثاله أن يبيع المجهول كاللبن في الضرع ، والسمك في البحر ، والمحصول قبل جنيه ، أو ما يسمى ببيع الثُنَيَّا كأن يقول لك : خذ هذا البستان إلا بعض الزرع من غير تحديد فهذا المستثنى مجهول ، أما إذا كان معروفا فلا حرج .

3) بيع المحرم والنجس
ومثال ذلك : بيع الخمور والمخدرات ، وبيع أشرطة الأغاني ، بيع المجلات الفاسدة المروجة للأفكار الخبيثة والصور الخليعة والعارية
ويدخل في ذلك ـ مثلا ـ من يبيع السلاح في وقت الفتنة ، أو من يبيع العنب لمن يستخدمه في صناعة الخمور ، وهكذا خذها قاعدة هنا كل ما أدى إلى حرام فهو حرام ، وقد قال الله تعالى " وتعاونوا إلى البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان " وقال العلماء : الوسائل تأخذ حكم المقاصد فتنبه ، لأن المقولة الشائعة الآن أن يقال لك : ما لي أنا ، أنا أعطيتها الفستان ولا أدري هل ستستخدمه في الحلال لزوجها أو تتكشف به في الشوارع ، والمرأة أمامه متبرجة وهو يدري تماما أن ما هذا إلا لمعصية الله " بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره " أو هذا الذي في البنك يقول : وأنا مالي أ أنا الذي تعاملت بالربا ، أنا فقط مضطر لأن أعمل في البنك لأطلب الرزق .
والكل يتنصل من المعصية ، وكأنه لا دور له في إيقاعها فلو تعاون الناس على فعل الخيرات وترك المنكرات لما وصل الحال إلى ما نحن فيه الآن ، فالكل مشترك في المعصية فليتأمل مثل ذلك .

4) بيع المسلم على بيع أخيه ، أو سومه على سوم أخيه
مثاله : أن يذهب الرجل للبائع فيقول له : رد هذه المال على صاحبه وأنا سأشتري منك هذه السلعة بأزيد من سعرها ، أو العكس يذهب للمشتري ويقول له بكم اشتريتها ؟ فيقول له : بكذا ، فيقول له : ردها عليه وأنا أعطيك إياها بأقل من ثمنها .
أو يزايد ويساوم أخاه في سلعة لم توضع للمزايدة والمساومة بعد .
وأظن أن هذه الصورة منتشرة بشكل واسع وقد قال صلى الله عليه وسلم " لا يبع الرجل على بيع أخيه " [ متفق عليه] [1]

5) بيع العربون
وهو أن يدفع المشتري من ثمن السلعة التي يريدها جزءا على ألا يرد عند الفسخ . بمعنى أنك تذهب للبائع وتعطيه جزءا من المال فإن كان من ثمن السلعة فلك أحقية رده عند الفسخ وهذه الصورة لا شيء فيها ، وإنما الصورة الممنوعة أن يكون هذا العربون غير قابل للرد .

5) بيع العينة
مثل أن يبيع سلعة بأجل ، ثم يقوم هو بشرائها نقدا أو أحد عماله احتيالا ليأخذها بأقل من ثمنها .
صورتها : أن تبيع ثلاجة مثلا بألف جنيه تدفع بعد سنة ، فتذهب أنت أو أحد أعوانك المهم تعود لتشتري نفس الثلاجة بأقل من ثمنها نقدا وفي الحال فتشتريها بـ 800 جنيه مثلا . فهذه الصورة حرام لا تجوز .

6) البيع عند النداء الأخير لصلاة الجمعة
هذا البيع حرام وهو منتشر للأسف لا سيما في الأسواق ، وقد قال الله تعالى " إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون " .

7) بيع السلعة قبل قبضها
مثاله : إذا اشترى إنسان سلعة من مخزن أو دكان مثلا وجاء صاحب المخزن أو الدكان وبين له السلعة بعينها واتفقا ، فلا يجوز للمشتري أن يبيعها في محلها بمجرد هذا البيان والاتفاق ، ولا يعتبر ذلك تسلما ، بل لابد لجواز بيع المشتري لها من حوزه للسلعة إلى محل آخر
روى الإمام أحمد عن حكيم بن حزام أنه قال : قلت : يا رسول الله إني أشتري بيوعا ما يحل لي منها وما يحرم علي .
قال : إذا اشتريت شيئا فلا تبعه حتى تقبضه .
وروى الإمام أحمد وأبو داود عن زيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم .
ولما رواه أحمد ومسلم عن جابر رضي الله عنه أنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم " إذا ابتعت طعاما فلا تبعه حتى تستوفيه " .
وفي رواية لمسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من ابتاع طعاما فلا يبيعه حتى يكتاله .

من المعاملات المالية المحرمة المنتشرة أيضاً :
8) التأمين
وقد صدرت الفتاوى الشرعية من المجامع الفقهية المختلفة لتؤكد عدم جواز التأمين التجاري بكل صوره ، لأنها عقوده مشتملة على الضرر والجهالة والربا والمقامرة وما كان كذلك فهو حرام بلا شك .

ومن ذلك شهادات الاستثمار وصناديق التوفير وفوائد القروض الربوية والتي سيأتي الحديث عنها في موضوع الربا .
وهاكم بيان لحقيقة الربا وخطورتها ، وما توعد الله به من يقع في مثل هذه المعاملات .

الربا من أخطر البلايا التي تهدد المجتمع المسلم

قال الله تعالى " الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ {275} يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ {276} إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ {277} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ {278} فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ {279} وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ {280} وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ {281}‏

ما الربا ؟

الربا في اللغة : الزيادة مطلقا .
قال القرطبي : ثم إن الشرع قد تصرف في هذا الإطلاق فقصره على بعض موارده .
فمرة : أطلقه على كسب الحرام .كما قال الله تعالى في اليهود : "وأخذهم الربا وقد نهوا عنه" [النساء: 161]. ولم يرد به الربا الشرعي الذي حكم بتحريمه علينا وإنما أراد المال الحرام ، كما قال تعالى: "سماعون للكذب أكالون للسحت" [المائدة: 42] يعني به المال الحرام من الرشا، وما استحلوه من أموال الأميين حيث قالوا : " ليس علينا في الأميين سبيل " [آل عمران: 75]. وعلى هذا فيدخل فيه النهي عن كل مال حرام بأي وجه اكتسب.
والربا الذي عليه عرف الشرع : الزيادة في أشياء مخصوصة ( يعنون بذلك الأموال الربوية كما سيأتي) .
أنواع الربا
1) ربا الفضل :
وهو البيع مع زيادة أحد العوضين المتفقي الجنس على الآخر .
• فالأصل أن الشيئين ( العوضين) إذا كانا من جنس واحد واتفقا في العلة [ كانا موزونين أو مكيلين ] لابد لذلك من شرطين :
أ‌) التساوي وعلم المتعاقدين يقينا بذلك .
ب‌) التقابض قبل التفرق .
• وإذا كانا مختلفين في الجنس ومتحدين في العلة كبيع قمح بشعير مثلا فلا يشترط إلا التقابض وتجوز المفاضلة .
• أما إذا اختلفا في الجنس والعلة كأن تبيع قمحا بذهب أو فضة فلا يشترط فيه شيء من ذلك .
عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الذهب بالذهب. والفضة بالفضة. والبر بالبر. والشعير بالشعير. والتمر بالتمر. والملح بالملح. مثلا بمثل. سواء بسواء. يدا بيد. فإذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يدا بيد ".‏[ أخرجه مسلم (1587) ك المساقاة ، باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقدا ]
2) أما ربا النسيئة : فهو زيادة الدين في نظير الأجل ، وهو ربا الجاهلية الذي كانوا يتعاملون به ، فكان الرجل إذا أقرض آخر على أجل محدد ، فإذا جاء الأجل ولم يستطع الأداء قال له : تدفع أو ترابي فيزيده في نظير زيادة الأجل.

خطورة الربا

1) أكل الربا يعرض صاحبه لحرب الله ورسوله ، فيصير عدوا لله وسوله
قال الله تعالى " ‏فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون " .
قيل المعنى :إن لم تنتهوا فأنتم حرب لله ولرسوله ، أي أعداء. ‏
فهي الحرب بكل صورها النفسية والجسدية ، وما الناس فيه الآن من قلق واكتئاب وغم وحزن إلا من نتاج هذه الحرب المعلنة لكل من خالف أمر الله وأكل بالربا أو ساعد عليها ، فليعد سلاحه إن استطاع ، وليعلم أن عقاب الله آت لا محالة إن آجلا أو عاجلا ، وما عهدك بمن جعله الله عدوا له وأعلن الحرب عليه رب سلم سلم .

2) آكل الربا وكل من أعان عليه ملعون .
قال صلى الله عليه وسلم " آكل الربا ، وموكله ، وكاتبه ، وشاهداه ، إذا لمسوا ذلك ، والواشمة، والموشومة للحسن ، ولاوي الصدقة ، والمرتد أعرابيا بعد الهجرة، ملعونون على لسان محمد يوم القيامة "[2] واللعن هو الطرد من رحمة الله تعالى .

3) أكل الربا من الموبقات
قال الله تعالى : " الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس "
قال ابن عباس في قوله : " الذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش " قال : أكبر الكبائر الإشراك بالله عز وجل ، قال الله عز وجل " ومن يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة " ثم قال : وأكل الربا لأن الله عز وجل يقول " الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس " [ قال الهيثمي في المجمع : رواه الطبرانى وإسناده حسن ] .

وحقيقة الكبيرة أنها كل ذنب ورد فيه وعيد شديد ، وقد جاء مصرحا بهذا في الصحيحين وغيرهما فعد رسول الله أكل الربا من السبع الموبقات . قال صلى الله عليه وسلم " اجتنبوا السبع الموبقات: الشرك بالله ، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق ، وأكل الربا ، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف ، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات " [3]

4) عقوبة آكل الربا أنه يسبح في نهر دم ويلقم في فيه بالحجارة
وعن سمرة بن جندب قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه فقال من رأى منكم الليلة رؤيا قال فإن رأى أحد قصها فيقول ما شاء الله فسألنا يوما فقال هل رأى أحد منكم رؤيا قلنا لا قال لكني رأيت الليلة رجلين أتياني فأخذا بيدي فأخرجاني إلى الأرض المقدسة وفي سياق القصة قال ـ صلى الله عليه الصلاة والسلام ـ : " فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم فيه رجل قائم على وسط النهر وعلى شط النهر رجل بين يديه حجارة فأقبل الرجل الذي في النهر فإذا أراد أن يخرج رمى الرجل بحجر في فيه فرده حيث كان فجعل كلما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر فيرجع كما كان ثم فسر له هؤلاء بأنهم آكلوا الربا " . [ رواه البخاري ] .

5) ظهور الربا سبب لإهلاك القرى ونزول مقت الله
قال صلى الله عليه وسلم " إذا ظهر الزنا والربا في قرية فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله " [ أخرجه الطبراني في الكبير الحاكم في المستدرك عن ابن عباس ، صححه الألباني في صحيح الجامع [679] ] .

6) مآل الربا إلى قلة وخسران .
عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " ما أحد أكثر من الربا إلا كان عاقبة أمره إلى قلة " [ رواه ابن ماجه والإمام أحمد وصححه الشيخ الألباني ] .

7) أكل الربا من أسباب المسخ .
وفي مسند الإمام أحمد من حديث عبد الرحمن بن غنم وأبي أمامة وابن عباس " والذي نفس محمد بيده ليبيتن ناس من أمتي على أشر وبطر ولعب ولهو فيصبحوا قردة وخنازير باستحلالهم المحارم والقينات وشربهم الخمر وأكلهم الربا ولبسهم الحرير" [ رواه عبد الله بن الإمام أحمد في المسند وكذا ابن أبي الدنيا كما ذكره ابن القيم في إغاثة اللهفان ]
الربا شقيقة الشرك .
" الربا سبعون بابا، والشرك مثل ذلك " وفي رواية لابن ماجه " الربا ثلاثة وسبعون بابا " [ أخرجه البزار عن ابن مسعود وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع (3538) ، (3540) ]

8) الربا أشد من ستة وثلاثين زنية
• قال صلى الله عليه وسلم " درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم ، أشد عند الله من ستة وثلاثين زنية " [أخرجه أحمد في مسنده والطبراني في الكبير عن عبد الله بن حنظلة وصححه الشيخ الألباني ـ رحمه الله ـ في صحيح الجامع (3375) ]
• وفي لفظ عند البيهقي من حديث ابن عباس " درهم ربا أشد عند الله من ستة وثلاثين زنية ومن نبت لحمه من سحت فالنار أولى به " .
• وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن أنس قال: " خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر الربا وعظم شأنه، فقال: إن الرجل يصيب درهما من الربا أعظم عند الله في الخطيئة من ست وثلاثين زنية يزنيها الرجل، وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم " .

9) أدنى الربا ذنبا كمثل من زنا بأمه .
عن ابن مسعود قال : قال صلى الله عليه وسلم : " الربا ثلاثة وسبعون بابا أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه، وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم "
[أخرجه الحاكم في المستدرك وصحح الحافظ العراقي في تخريج الإحياء إسناده وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع (3539) ]
وعن البراء بن عازب مرفوعا " الربا اثنان وسبعون بابا ، أدناها مثل إتيان الرجل أمه ، وإن أربى الربا استطالة الرجل في عرض أخيه "
[ أخرجه الطبراني في الأوسط وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع “3537” ]
قال الطيبي : ‏المراد إثم الربا ، ولا بد من هذا التقدير ليطابق قوله أن ينكح " ثلاثة وسبعون باباً أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم " .
قال الطيبي : إنما كان الربا أشد من الزنا لأن فاعله حاول محاربة الشارع بفعله بعقله قال تعالى " فأذنوا بحرب من اللّه ورسوله " أي بحرب عظيم فتحريمه محض تعبد وأما قبيح الزنا فظاهر عقلاً وشرعاً وله روادع وزواجر سوى الشرع فآكل الربا يهتك حرمة اللّه ، والزاني يخرق جلباب الحياء .

بيان حكم الشرع في بعض المعاملات الشائعة

أولا : الفوائد المصرفية
صدرت الفتاوى المتتابعة من علماء العصر والصادرة عن المجامع الفقهية بحرمة أخذ فوائد البنوك .
1) فمن ذلك فتوى الشيخ بكري الصدفي مفتي الديار المصرية (سنة 1325هـ 1907م ) عن دار الافتاء المصرية .
2) وكذا الشيخ عبد المجيد سليم (سنة 1348هـ 1930م ) بتحريم استثمار المال المودع بفائدة البتة ، والفتوى الصادرة عنه (سنة 1362هـ 1943م ) بأن أخذ الفوائد عن الأموال المودعة حرام ولا يجوز التصدق بها ، ( وسنة 1364هـ 1945م ) بأنه يحرم استثمار المال المودع في البنك بفائدة ، وأن في الطرق الشرعية لاستثمار المال متسع للاستثمار .
3) وأصدر الشيخ الدكتور / عبد الله دراز بحثه (سنة 1951م) بأن الإسلام لم يفرق بين الربا الفاحش وغيره في التحريم . [ محاضرة ألقاها في مؤتمر القانون الإسلامي بباريس وهي مطبوعة باسم الربا في نظر القانون الإسلامي ]
4) كما أفتى الشيخ / محمد أبو زهرة (1390هـ 1970) بأن الربا زيادة الدين في نظير الأجل وأن ربا المصارف هو ربا القرآن وهو حرام ولا شك فيه ، وأن تحريم الربا يشمل الاستثماري والاستهلاكي في رد دامغ للذين يرددون أن الضرورة تلجئ إلى الربا [ بحوث في الربا ، ط دار البحوث العلمية 1970م ].
5) وأفتى الشيخ / جاد الحق علي جاد الحق مفتي الديار المصرية (سنة 1399هـ 1976م ) بأن سندات التنمية وأذون الخزانة ذات العائد الثابت تعتبر من المعاملات الربوية المحرمة ، وأن إيداع المال بالبنوك بفائدة ربا محرم سواء كانت هذه المصارف تابعة للحكومة أو لغيرها .
6) كما صدر عن المؤتمر الثاني للمصرف الإسلامي بالكويت (سنة 1403هـ 1983 م ) بحضور كوكبة من أبرز العلماء والاقتصاديين بيانا بأن ما يسمى بالفائدة في اصطلاح الاقتصاديين هو من الربا المحرم .
7) ناهيك عن الفتاوى الصادرة عن المجمع الفقهي بمكة المكرمة ، واللجنة الدائمة للإفتاء والإرشاد بالمملكة العربية السعودية .

ثانيا: شهادات الاستثمار وصناديق التوفير
صدرت عن مفتي الديار المصرية فضيلة الشيخ / جاد الحق علي جاد الحق (سنة 1400هـ 1979 م ) الفتوى بأن فوائد شهادات الاستثمار وشهادات التوفير من الربا المحرم ، وأنها لا تعد من قبيل المكافأة أو الوعد بجائزة .
و(سنة 1401هـ 1981م) بأن شهادات الاستثمار (أ ، ب ) ذات الفائدة المحددة المشروطة مقدما زمنا ومقدارا داخلة في ربا الزيادة المحرم .
و(سنة 1980 م) بأن الفائدة المحددة على المبالغ المدخرة بصناديق التوفير بواقع كذا في المائة ، فهي محرمة لأنها من باب الربا (الزيادة المحرمة شرعا ) .
ومن أراد أن يتثبت من هذا كله فليراجع فتاوى دار الإفتاء المصرية كل في سنته وتاريخه .

------------------
[1] أخرجه البخارى (5142) ك النكاح ، باب لا يخطب على خطبة أخيه حتى ينكح أو يدع ، ومسلم (1412) ك البيوع ، باب تحريم بيع الرجل على بيع الرجل وسومه على سوم أخيه – واللفظ له -
[2] أخرجه النسائي عن ابن مسعود ، و صححه السيوطي والألباني “صحيح الجامع [5] “ ، “ تخريج الترغيب 3/49 “ }
[3] متفق عليه أبو داود النسائي عن أبي هريرة ، وهو في صحيح الجامع [144] ، “ الإرواء/ 1202 ، 1335 ، 2365 “ }

وكتبه
محمد بن حسين يعقوب

عبقور2011
02-26-2011, 04:43 PM
مشكووووووووور أخوي على المروووووووووووووووووووووووور أنته تبغى خطب مثل هده صح
................

بدورلك

عبقور2011
02-26-2011, 04:51 PM
ماذا تفعل في الحالات التالية

المقدمة

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

وبعد فإن المسلم يتعرض في حياته لعدد من الحالات الطارئة ، التي يحتاج فيها لوجود جواب فوري يعمل بمقتضاه عند حصول الحالة المعينة ، وكثيراً ما يصعب أو يتعذر وقتها البحث عن الحكم الشرعي أو السؤال عنه .

وهذا يؤكد أهمية التفقه في الدين ومعرفة أحكام الشريعة حتى إذا ما احتاج المسلم للحكم وجده عنده فأنقذ نفسه أو غيره من إخوانه المسلمين من الوقوع في المحرمات أو الأخطاء، وكثيراً ما يؤدي الجهل إلى فساد العبادة أو الوقوع في الحرج ، ومن المؤسف أن يقوم إمام إلى الخامسة سهواً في صلاته بالجماعة فلا تجد في المسجد واحداً يعرف الحكم الشرعي في هذه المسألة ، أو يأتي مسافر وقت إقلاع الطائرة وهو ينوي العمرة ويكتشف فجأة أنه قد نسي لباس الإحرام ، وليس هناك وقت لتوفيره ثم لا يوجد في المطار من المسلمين من يخبره بماذا يفعل في هذه الحالة الطارئة ، ويدخل شخص المسجد وقد جمعوا للمطر وهم في صلاة العشاء وهو لم يصل المغرب فيقع في حيرة من أمره ، وقل مثل ذلك من الحالات التي يختلف المصلون فيها ويتناقشون بجهلهم ، فيقع الاضطراب والتشويش في مساجد المسلمين وجماعتهم ، وفي كثير من الأمور الشخصية والفردية ، فإن الجهل يوقع في الحرج وربما الإثم وخصوصاً إذا كان المرء في موقف يجب عليه فيه أن يتخذ قراراً وليس عنده علم يبني عليه قراراه .

وإذا كان أهل الدنيا يضعون الإجابات المسبقة للتصرف السليم في الحالات الطارئة ؛ كحصول الحريق ، وانتشال الغريق ، ولدغة العقرب ، وحوادث الاصطدام ، والنزيف والكسور ، وسائر إجراءاتهم في الإسعافات الأولية وغيرها ، يعلمون ذلك للناس ويقيمون الدورات لأجل ذلك ، فأهل الآخرة أولى أن يتعلموا ويعلموا أحكام هذا الدين .

ومما ينبغي الانتباه له هنا التفريق بين المسائل الافتراضية التي لا تقع أو نادرة الوقوع وبين المسائل الواقعة فعلاً ، التي علم من التجربة وحال الناس أنها تحدث ويقع السؤال عنها .

فأما القسم الأول : فالبحث فيه من التكلف الذي نهينا عنه شرعاً وقد حذرنا من هذا النبي صلى الله عليه وسلم ، بقوله : ( ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم …) الحديث في الصحيحين واللفظ لمسلم برقم 1337 ج : 2 ص : 975 .

قال ابن رجب رحمه الله تعالى في شرح هذا الحديث : ( فدلت هذه الأحاديث على النهي عن السؤال عما لا يحتاج إليه .. وعلى النهي عن السؤال على وجه التعنت والعبث والاستهزاء ) جامع العلوم والحكم ابن رجب 1/240 ت : الأرناؤوط .

وعلى هذا المعنى يحمل كلام جماعة من السلف كما جاء عن زيد بن ثابت ، رضي الله عنه ، أنه كان إذا سئل عن الشيء يقول كان هذا ؟ فإن قالوا لا قال : دعوه حتى يكون . أورده ابن رجب المرجع السابق 1/245 وانظر آثاراً مشابهة في سنن الدارمي 1/49 ، وجامع بيان العلم لابن عبد البر 2/174 .

أما القسم الثاني : وهي المسائل التي تقع فالسؤال عنها محمود ( وقد كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحياناً يسألونه عن حكم حوادث قبل وقوعها لكن للعمل بها عند وقوعها كما قالوا له: إنّا لاقو العدو غداً وليس معنا مدى أفنذبح بالقصب ؟ وسألوه عن الأمراء الذين أخبر عنهم بعده وعن طاعتهم وقتالهم ، وسأله حذيفة عن الفتن وما يصنع فيها ) جامع العلوم والحكم 1/243 فهذا يدل على جواز السؤال عما هو متوقع حصوله .

وهذا عرض لبعض المسائل الشرعية التي يتعرض لها الناس في حياتهم ، وهي من المسائل الواقعية التي حصلت وتحصل لبعض الناس مع كل مسألة جوابها مقروناً بذكر المصدر من أهل العلم الثقات ، وقد يكون في المسألة أقوال لكن جرى الاقتصار في الغالب على قول واحد معتبر بدليله مع الإيجاز طلباً للتسهيل والاختصار خشية التطويل والله أسأل أن ينفعني بهذا وإخواني المسلمين في هذه الدار ويوم يقوم الأشهاد وأن يجزي بالخير من ساهم في هذا إنه جواد كريم والله أعلم وصلّى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

أولاً : الطهارة

إذا وجد في أصابعه طلاء أثناء الوضوء فهل الاشتغال بحكه وإزالته يقطع الموالاة ويلزمه إعادة الوضوء ؟ .

الجواب : لا تنقطع الموالاة بذلك - على الراجح - ولو جفت أعضاؤه لأنه تأخر بعمل يتعلق بطهارته ، وكذلك لو انتقل من صنبور إلى صنبور لتحصيل الماء ونحو ذلك .

أما إذا فاتت الموالاة بأمر لا يتعلق بوضوئه ، كإزالة نجاسة من ثوب ، أو أكل أو شرب ونحوه ، ونشفت الأعضاء فحينئذ ينبغي عليه أن يعيد الوضوء . فتاوى ابن عثيمين 4/145-146 .

إذا كان الإنسان مجروحاً في أحد أعضاء الوضوء ولا يستطيع وضع لاصق فليتوضأ ثم يتيمم للعضو المجروح المغني مع الشرح الكبير 1/282 ، ولا يجب عليه غسل مكان الجرح مادام يتضرر بالماء .

إذا رأى في ثوبه أثر جنابة وقد صلّى عدة صلوات ولم يكن يدري فإن عليه أن يغتسل ويعيد الصلاة من أحدث نومة نامها في هذا الثوب إلا إذا عرف أن الجنابة من نومة قبلها فيعيد الصلاة من آخر نومة يظن أن الجنابة حصلت فيها ، المغني مع الشرح الكبير 1/199 . والأدلة على وجوب الاغتسال من الجنابة لأجل الصلاة كثيرة منها قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنباً إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا ) سورة النساء /43 . وحديث علي رضي الله عنه قال : كنت رجلاً مذاء فجعلت أغتسل حتى تشقق ظهري ، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، أو ذكر له ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تفعل إذا رأيت المذي فاغسل ذكرك وتوضأ وضوءك للصلاة فإذا فضحت الماء فاغتسل ) فضخت أي صببت والمقصود خروج المني ، رواه أبو داود رقم 206 وصححه الألباني في إرواء الغليل رقم 125 . فدل ذلك على أن المني يجب منه الغسل والمذي يكفي فيه غسل الفرج والوضوء .

إذا كان مسافراً بالطائرة في رحلة من الرحلات الطويلة فأصابته جنابة ، ولا يستطيع الاغتسال ، وليس في الطائرة شيء يجوز التيمم عليه ، ولو انتظر حتى يصل إلى البلد الآخر لخرج وقت الصلاة التي لا تجمع كالفجر أو وقت جمع الصلاتين كالظهر والعصر، لأنه قد يسافر قبل الفجر ولا يصل إلا بعد طلوع الشمس أو يسافر قبل الظهر فلا يصل إلا بعد المغرب فماذا يفعل ؟ .

الجواب : إذا سلمنا انه لا يستطيع الاغتسال في الطائرة فإن هذه المسألة تسمى عند الفقهاء بمسألة فاقد الطهورين ، وقد تباينت أقوالهم فيه ورأي الإمام أحمد وجمهور المحدثين أنه يصلي على حاله وهذه قدرته واستطاعته ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها ، والدليل الخاص في هذه المسألة ما رواه مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أناساً لطلب قلادة أضلتها عائشة فحضرت الصلاة فصلوا بغير وضوء ( لعدم وجود الماء ) فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك له فنزلت آية التيمم صحيح مسلم 367 . ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ، ولا أمرهم بإعادة ، فدل على أنها واجبة ولأن الطهارة شرط فلم تؤخر الصلاة عند عدمها . المغني مع الشرح الكبير 1/251 . ومثل هذه الحالة قد تقع لبعض المرضى الذين لا يستطيعون تحريك أعضائهم مطلقاً أو السجناء في بعض الأوضاع كالمقيد والمعلّق .

والمقصود أن يؤدي الصلاة ولا يخرجها عن وقتها بحسب حاله ولا إعادة عليه على الصحيح وما جعل الله علينا في الدين من حرج .

إذا أسقطت المرأة ونزل عليها الدم فهل تصلي أم لا ؟ .

هذه المسألة مبنية على نوع الدم هل هو نفاس أو استحاضة وقد ذكر العلماء الضابط في ذلك فقالوا : " إذا رأت الدم بعد وضع شيء يتبين فيه خلق الإنسان فهو نفاس .. وإن رأته بعد إلقاء نطفة أو علقة فليس بنفاس " المغني مع الشرح الكبير 1/361 .

وفي هذه الحالة تكون مستحاضة تتوضأ لكل صلاة بعد دخول وقتها وتصلي ، أما إذا كان الذي سقط جنيناً متخلقاً أو فيه آثار لتخطيط أحد الأعضاء كيد أو رجل أو رأس فإنه نفاس، وإن قالت إنهم أخذوه في المستشفى فرموه ولم أره فقد ذكر أهل العلم أن أقل زمن يتبين فيه التخطيط واحد وثمانون يوماً من الحمل . مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين 4/292 . بناء على ما جاء في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ، قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو الصادق المصدوق - فقال : ( إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم يبعث الله ملكاً يؤمر بأربع كلمات ويقال له اكتب عمله ورزقه وشقي أو سعيد .. ) هذا السياق في البخاري فتح 6/303 .

فمثل هذه تجتهد وتستعين بتقديرات الأطباء حتى يتبين لها حالها .

وأما الدم النازل قبيل الولادة إن كان مصحوباً بآلام الطلق فهو نفاس وإلا فلا . قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " ما تراه حين تشرع في الطلق فهو نفاس ، ومراده طلق يعقبه ولادة وإلا فليس بنفاس " . مجموع فتاوى ابن عثيمين 4/327 .

ثانياً : الصلاة

إذا تعرض المصلي لوسوسة الشيطان في صلاته يلبس عليه القراءة ويأتي له بالخواطر السيئة ويشككه في عدد الركعات فماذا يفعل ؟ .

لقد حصل هذا لأحد الصحابة وهو عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه ، فجاء يشكو إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، ويقول : إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يلبسها عليَّ ؟ { أي يخلطها ويشككني فيها } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ذاك شيطان يقال له خنزب فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه واتفل على يسارك ثلاثاً ) ، قال : ففعلت ذلك فأذهبه الله عني . صحيح مسلم رقم 2203 .

فتضمن هذا الحديث أمرين لدفع شيطان الصلاة ، الأول : الاستعاذة بالله من شره فيتلفظ بها المصلي ولا حرج ، والثاني : التفل عن الشمال ثلاثاً وهو نفخ الهواء مع شيء من الريق بشرط أن لا يؤذي من بجانبه ولا يقذر المسجد .

إذا نابه شيء في صلاته ، فإذا كان رجلاً فليسبح ، وإن كان امرأة فلتصفق ، والدليل على ذلك ما جاء عن سهل بن سعد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا نابكم في صلاتكم شيء فليسبح الرجال وليصفح النساء ) رواه أبو داود ، ولفظ الصحيحين : ( التسبيح للرجال والتصفيق للنساء ) . التصفيح هو التصفيق ، سنن أبي داود 941 ، وفي صحيح البخاري ط.البغا 1145 ، وفي صحيح مسلم 106 .

إذا أقيمت الصلاة وحضرت حاجة الإنسان ، فليذهب إلى الخلاء ، ويقضي حاجته ولو فاتت الجماعة .

الدليل : عن عبد الله بن أرقم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا أراد أحدكم أن يذهب إلى الخلاء وقامت الصلاة فليبدأ بالخلاء ) رواه أبو داود رقم 88 وهو في صحيح الجامع 373 .

إذا شك المصلي هل احدث أم لا ؟ أو أحس بحركة في بطنه فهل ينصرف أم يواصل ؟ .

إذا تيقن من الحدث يخرج من الصلاة ، أما إذا شك ولم يتيقن فلا يخرج إلا بيقين ، وهو سماع الصوت أو وجود الريح ، فإن وجد ذلك فلينصرف ، وإلا فلا يلتفت .

والدليل : عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : ( إذا كان أحدكم في الصلاة فوجد حركة في دبره أحدث أم لم يحدث فأشكل عليه فلا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً ) رواه أبو داود 177 وهو في صحيح الجامع 750 .

وهذا من التشريعات الإسلامية العظيمة في علاج الوسوسة .

إذا كان يصلي الوتر وأثناء صلاته أذن المؤذن لصلاة الفجر فهل يكمل وتره ؟ .

نعم إذا أذن وهو أثناء الوتر فإنه يتم الصلاة ولا حرج عليه . ابن عثيمين فتاوى إسلامية 1/346 والمسالة داخلة في قضية وقت الوتر هل هو إلى طلوع الفجر أم إلى انتهاء صلاة الصبح وقول الجمهور إلى طلوع الفجر . إسعاف أهل العصر بما ورد في أحكام صلاة الوتر فيحان المطيري ص : 33 .

إذا فاتته صلاة العصر مثلاً فجاء إلى المسجد فوجد المغرب قد أقيمت فماذا يفعل ؟ .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى : يصلي المغرب مع الإمام ثم يصلي العصر باتفاق الأئمة ، لكن هل يعيد المغرب فيه قولان :

أحدهما : يعيد وهو قول ابن عمر ومالك وأبي حنيفة وأحمد في المشهور عنه .

الثاني : لا يعيد وهو قول ابن عباس وقول الشافعي والقول الآخر من مذهب أحمد .

والثاني أصح فإن الله لم يوجب على العبد أن يصلي الصلاة مرتين إذا اتقى الله ما استطاع . والله أعلم . مجموع فتاوى ابن تيمة 22/106 .

إذا أتى مسافر على جماعة يصلون لكنه لا يدري هل الإمام مسافر فيدخل معه بنية القصر أم مقيم فيتم وراءه ، فالأظهر أنه يعمل بما ترجح لديه من القرائن كرؤية حلية المسافر وآثار السفر على الإمام ، فإن رجح أنه مقيم ، فيتم .

الدليل : ما رواه الإمام أحمد بسند عن ابن عباس أنه سئل : " ما بال المسافر يصلي ركعتين إذا انفرد وأربعا إذا ائتم بمقيم ؟ فقال : تلك السنة " وفي رواية أخرى " تلك سنة أبي القاسم " الحديث سكت عنه الحافظ في التلخيص 2/50 ، وصحح إسناده أحمد شاكر في تعليقه على المسند 3/260 . وإن رجح أنه مسافر فصلى معه بنية القصر ركعتين ، وبعدما سلم مع الإمام تبين له أن الإمام مقيم وأن الركعتين اللتين صلاهما هما الثالثة والرابعة للإمام ، فيقوم ويأتي بركعتين ليتم بهما الصلاة ، ويسجد للسهو . المجموع للنووي 4/356 . ولا يضره ما حصل من الكلام والسؤال لمصلحة صلاته .

إذا عجز المصلي عن القيام فجأة أثناء الصلاة أو كان عاجزاً عن القيام فصلى قاعداً ثم استطاع القيام أثناء الصلاة فماذا يفعل ؟ .

قال ابن قدامة رحمه الله : " متى قدر المريض أثناء الصلاة على ما كان عاجزاً عنه من قيام أو قعود أو ركوع أو سجود أو إيماء انتقل إليه وبنى على ما مضى من صلاته ، وهكذا لو كان قادراً فعجز في أثناء الصلاة أتم صلاته على حسب حاله لأن ما مضى من الصلاة كان صحيحاً فيبني عليه كما لو لم يتغير حاله " . المغني مع الشرح الكبير 1/782 وكذلك المجموع للنووي 4/318 . والدليل حديث عمران بن حصين رضي الله عنه قال : كانت بي بواسير فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة ، فقال : ( صلّ قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب ) رواه البخاري فتح 2/587 .

إذا طرق على المصلي الباب أثناء الصلاة وهو يصلي أو رأت الأم ولدها يعبث بمصدر الكهرباء ونحو ذلك مما يطرأ فما العمل ؟ .

الجواب : إذا احتاج المصلي لعمل يسير أثناء الصلاة مثل فتح باب ونحوه ، فلا بأس بشرط أن لا يغير اتجاهه عن القبلة .

والدليل على ذلك ما رواه أبو داود عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي والباب عليه مغلق فجئت فاستفتحت فمشى ففتح لي ثم رجع إلى مصلاه - وذكر أن الباب كان في القبلة . سنن ابي داود رقم 922 وصحيح سنن أبي داود 815 .

وكذلك لو احتاجت الأم وهي تصلي أن تبعد ولدها عن خطر أو إيذاء ونحو ذلك فالحركة اليسيرة يميناً أو شمالاً ، أماماً أو وراءً لا تضر بالصلاة وكذلك لو سقط الرداء فللمصلي أن يرفعه وإذا انحل الإزار فله أن يشده ، وقد أباحت الشريعة للمصلي في بعض الحالات الحركة الكثيرة ولو كان يتغير اتجاهه عن القبلة كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اقتلوا الأسودين في الصلاة الحية والعقرب ) سنن ابي داود رقم 921 وفي صحيح سنن أبي داود 814 .

إذا ألقي السلام على المصلي في صلاته ، فإنه يرد السلام بالإشارة كما جاء عن صهيب رضي الله عنه قال : مررت برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فسلمت فرد إشارة . سنن أبي داود 925 وصحيح سنن ابي داود 818 . وقد وردت صفة الإشارة في أحاديث منها حديث ابن عمر رضي الله عنه قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قباء يصلي فيه ، قال فجاءته الأنصار فسلموا عليه وهو يصلي قال فقلت لبلال كيف رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرد عليهم حين كانوا يسلمون عليه وهو يصلي ، قال : يقول هكذا وبسط كفه ، وبسط جعفر بن عون ( أحد الرواة ) كفه وجعل بطنه أسفل وجعل ظهره إلى فوق . سنن ابي داود 927 وصحيح سنن أبي داود 820 .

إذا دخل الرجل المسجد والإمام يصلي فهل يدخل مع الإمام مباشرة أو ينتظر حتى يرى الإمام هل سيقوم أو سيجلس ؟ الصحيح الذي يدل عله الدليل أنه يدخل مع الإمام في أي حال يكون فيه الإمام ساجداً أو قائماً أو راكعاً أو قاعداً ، والدليل هو حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود فاسجدوا ولا تعدوها شيئاً ومن أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة ) سنن أبي داود 893 وصحيح سنن أبي داود 792 . وعن معاذ قال : قال صلى الله عليه وسلم : ( إذا أتى أحدكم الصلاة والإمام على حال فليصنع كما يصنع الإمام ) سنن الترمذي 591 وهو في صحيح سنن الترمذي 484 . ولعموم قوله صلى الله عليه وسلم : ( فما أدركتم فصلوا ) .

إذا أقيمت الصلاة والإنسان في طريقه إلى المسجد فلا يسرع في مشيته ، بل يمشي بسكينة ووقار لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال صلى الله عليه وسلم : ( إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون ، وأتوها تمشون عليكم السكينة ، فما أدركتم فصلوا ، وما فاتكم فأتموا ) رواه البخاري فتح 2/390 .

إذا أحدث الرجل في صلاة الجماعة فماذا يفعل في هذا الموقف المحرج ؟ .

الجواب : عليه أن يأخذ بأنفه فيضع يده عليه ثم يخرج .

والدليل : عن عائشة رضي الله عنها ، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا أحدث أحدكم في صلاته فليأخذ بأنفه ثم لينصرف ) سنن أبي داود 1114 وهو في صحيح سنن أبي داود 985 . قال الطيبي : أمر بالأخذ ليخيل أنه مرعوف وليس هذا من الكذب بل من المعاريض بالفعل ورخص له في ذلك لئلا يسول له الشيطان عدم المضي استحياء من الناس أ.هـ مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح 3/18 .

وهذا من التورية الجائزة والإيهام المحمود رفعاً للحرج عنه ، فيظن من يراه خارجاً بأنه أصيب برعاف في أنفه ، وكذلك من فوائد هذا التوجيه النبوي قطع وساوس الشيطان بأن يبقى في الصف مع الحدث أو يواصل مع الجماعة وهو محدث وهذا لا يرضي الله ، وكيف يبقى وقد أمره النبي صلى الله عليه وسلم بالانصراف ، هذا ويجوز له اختراق الصفوف أو أن يمشي إلى الجدار ثم يخرج فيتوضأ ويعود للصلاة .

وإذا صلّى إنسان في مسجد ثم أتى مسجداً آخر لدرس أو حاجة فوجدهم يصلون فإنه يدخل معهم في الصلاة ويحتسبها نافلة حتى لو كان في وقت من أوقات النهي لأنها صلاة ذات سبب ، والدليل ما رواه الإمام الترمذي رحمه الله تعالى في سننه في باب ما جاء في الرجل يصلي وحده ثم يدرك الجماعة من حديث يزيد بن الأسود رضي الله عنه ، قال شهدت مع النبي صلى الله عليه وسلم حجته فصليت معه صلاة الصبح في مسجد الخيف ، فلما قضى صلاته انحرف إذا هو برجلين في آخر القوم لم يصليا معه ، فقال : عليَّ بهما ، فجيء بهما ترعد فرائصهما { أي يرجفان ويضطربان خوفاً من النبي صلى الله عليه وسلم والفريصة : هي اللحمة التي بين الجنب والكتف تهتز عند الفزع } فقال : ( ما منعكما أن تصليا معنا ) ، فقالا : يا رسول الله إنا كنا قد صلينا في رحالنا ، قال : ( فلا تفعلا ، إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلة ) رواه الترمذي رقم 219 وهو في صحيح الجامع 667 .

وفي الحديث انهما أتيا بعد صلاة الفجر وهو وقت النهي . وأخرج مالك في الموطأ في باب ما جاء في إعادة الصلاة مع الإمام بعد صلاة الرجل لنفسه عن محجن رضي الله عنه أنه كان في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذن بالصلاة فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى ورجع ومحجن في مجلسه لم يصل معهم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما منعك أن تصلي مع الناس ألست برجل مسلم ؟ ) قال : بلى يا رسول الله ! ولكني قد كنت صليت في أهلي . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا جئت فصل مع الناس وإن كنت قد صليت ) موطأ مالك 1/130 ، وهو في السلسلة الصحيحة رقم 1337 .

إذا دخل الرجل المسجد فصلى السنة فأقيمت الصلاة فأحسن ما يقال في ذلك أنه إذا أقيمت الصلاة والرجل في الركعة الثانية فإنه يتمها خفيفة وإذا كان في الركعة الأولى فيقطعها ويدخل مع الإمام . فتاوى ابن عثيمين 1/345 . والأصل في ذلك ما رواه مسلم في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة ) مسلم 1/394 . فإذا أنهى ركوع الركعة الثانية فيتمها وإن كان قبل ذلك يقطع الصلاة لأن ما بقي من السجود والتشهد لا يسمى صلاة ، وقطع الصلاة يكون بغير سلام بل بمجرد النية خلافاً لما يتوهمه كثير من الناس .

إذا كان جماعة يصلون وأثناء الصلاة تبين لهم أن القبلة إلى جهة أخرى فعند ذلك يتحولون جميعاً إلى جهة القبلة ، وكذلك المنفرد وما مضى من صلاتهم صحيح ، ودليل ذلك : ما رواه الإمام مسلم عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي نحو بيت المقدس فنزلت : ( قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام ) سورة البقرة ، الآية 144 . فمر رجل من بني سلمة وهم ركوع في صلاة الفجر وقد صلوا ركعة فنادى : ألا إن القبلة قد حولت فمالوا كما هم نحو القبلة. رواه مسلم رقم 527 .

أما إن تبين لبعضهم ولم يتبين للآخرين فإن الذي تبين له يستدير إلى الجهة التي يعتقدها جهة القبلة ، فإن كان المختلفون في جهة واحدة فمال بعضهم يميناً وبعضهم شمالاً فيصح اقتداء بعضهم ببعض وإن اختلفت الجهة بالكلية فقد اختلف العلماء في صحة اقتداء بعضهم ببعض ، وإن كان فيهم من لم يتبين له شيء فإنه يختار أوثقهم معرفة جهة القبلة ويقلده . المغني مع الشرح الكبير 1/473 . ومن خفيت عليه جهة القبلة فيلزمه السؤال إن استطاع وإلا اجتهد إن كان يستطيع الاجتهاد ، فإن لم يستطع فإنه يقلد غيره ممن يصح تقليده ، فإن لم يجد فليتق الله ما استطاع وليصل وصلاته صحيحة ، وهذا يحدث كثيراً لمن يُبتلى بالسفر إلى بلاد الكفار وليس حوله أحد من المسلمين ولا عنده أحد يخبره ولا وسيلة تمكنه من معرفة اتجاه القبلة . فأما إن كان بإمكانه أن يعرف جهة القبلة ، ولكنه أهمل ولم يبذل ما يستطيعه وصلى ، فعليه الإعادة لأنه مفرط . المغني مع الشرح الكبير 1/490 .

إذا كان يصلي في جماعة فانقطع مكبر الصوت أو نعس وهو يصلي وسبقه الإمام بركن أو أكثر ثم تنبه أو رجع الصوت فالعمل أن يأتي بما فاته من الأركان ثم يلحق بالإمام وهذه المسالة لها عدة صور منها : أن يقرأ الإمام آية فيها لفظة سجود ويتوهم بعض المأمومين أنها سجدة وليست كذلك فيكبر الإمام للركوع بعد انتهاء الآية ويركع ويظن بعض المأمومين خصوصاً ممن هم في أطراف الصفوف أنه كبر لسجدة التلاوة فيسجدون ثم يقول الإمام سمع الله لمن حمده فيقوم هؤلاء من السجود فاتهم مع الإمام الركوع والرفع منه فعلى هؤلاء أن يأتوا بما فاتهم ويلحقوا بالإمام لأنهم ليسوا بمتعمدين ، فأما من تعمد التخلف عن الإمام كمن يطيل في السجود بحجة الدعاء حتى يفوت الركن الذي بعد السجود ، فقول الجمهور فيمن فاته ركنان متواليان بغير عذر : إن صلاته باطلة ويأثم . كشاف القناع 1/467 والموسوعة الفقهية 6/29 . والأصل في وجوب متابعة الإمام قوله صلى الله عليه وسلم : ( إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فلا تختلفوا عليه ، فإن ركع فاركعوا ، وإذا قال سمع الله لمن حمده، فقولوا : ربنا لك الحمد ، وإذا سجد فاسجدوا ، وإذا صلّى جالساً فصلوا جلوساً أجمعون ) صحيح البخاري رقم 689 .

إذا أحدث الإمام وهو يصلي بالناس أو تذكر أثناء الصلاة أنه ليس على طهارة فإنه يخرج من الصلاة وله أن يستخلف من يتم بالناس الصلاة كما ورد عن عمر وعلي وعلقمة وعطاء . وإن لم يستخلف وصلوا فرادى جاز ذلك وهو اختيار الشافعي أي صلاتهم فرادى . وإن قدموا رجلاً منهم ليتم بهم الصلاة جاز ذلك .

والدليل ما ورد عن عمر رضي الله عنه لما طعن أخذ بيد عبد الرحمن بن عوف فقدمه فأتم بهم الصلاة . رواه البخاري فتح 7/60 . ووجه الاستدلال أن عمر فعل ذلك بمحضر من الصحابة وغيرهم ولم ينكر منكر فكان إجماعاً . أحكام الإمامة . المنيف ص : 234 . وإن تذكر أنه ليس على طهارة فأشار إليهم أن يبقوا كما هم فذهب فتطهر ثم عاد فكبر وصلى بهم صح ذلك ، والدليل ما رواه أبو داود عن أبي بكرة : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، دخل في صلاة الفجر فأومأ بيده أن مكانكم ثم جاء ورأسه يقطر فصلى بهم ) سنن أبي داود رقم 233 ، وهو في صحيح سنن أبي داود 1/45 . وعنون عليه أبو داود باب : في الجنب يصلي بالقوم وهو ناس ، وقال الخطابي في شرح الحديث : في هذا الحديث دلالة على أنه إذا صلّى بالقوم وهو جنب وهم لا يعلمون بجنابته أن صلاتهم ماضية ولا إعادة عليهم وعلى الإمام الإعادة . سنن أبي داود ومعه معالم السنن للخطابي ت : الدعاس 1/159 .

إذا كان في صلاة الجماعة وراء الإمام فرأى عورة الإمام غير مستورة لشق في ثوبه أو كان الثوب رقيقاً شفافاً فإن أمكنه أن يتقدم فيسترها أو يغطيها بشيء فليفعل وإلا فعليه أن ينصرف من صلاته ويخرج فينبه الإمام كأن يقول له غط العورة أو احفظ ما تكشف منها ولا يجوز له السكوت ومواصلة الصلاة لأنه علم أن صلاة الإمام غير صحيحة وائتمامه به غير صحيح . من فتاوى الشيخ عبد العزيز بن باز مشافهة .

إذا كان يصلي ( إماماً أو مأموماً أو منفرداً ) فتذكر أثناء الصلاة أنه مسح على الخفين بعد انتهاء مدة المسح فعليه أن يخرج من الصلاة لأن طهارته غير صحيحة وقد نص عليه الإمامان أحمد والشافعي . المغني 2/505 .

إذا قرأ الإمام في الصلاة ما تيسر من القرآن ثم نسي تكملة الآية ولم يفتح عليه أحد من المصلين فهو مخير إن شاء كبر وأنهى القراءة وإن شاء قرأ آية أو آيات من سور أخرى إذا كان ذلك في غير الفاتحة أما الفاتحة فلا بد من قراءتها جميعها لأن قراءتها ركن من أركان الصلاة . ابن باز فتاوى إسلامية 396 .

إذا خرج الناس إلى صلاة الاستسقاء أو أرادوا الخروج فنزل المطر فهذه المسألة على حالتين :

إن تأهبوا للخروج فسقوا قبل أن يخرجوا شكروا الله تعالى على نعمه ولم يخرجوا .

وإن خرجوا فسقوا قبل أن يصلوا صلوا شكراً لله تعالى . المغني مع الشرح الكبير 2/296 .

إذا نعس الإنسان وهو يستمع إلى خطبة الجمعة فيستحب له أن يتحول إلى مكان صاحبه ويتحول صاحبه إلى مكانه ولا يتكلم بل يشير إليه إشارة . والدليل : حديث سمرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا نعس أحدكم يوم الجمعة فليتحول إلى مقعد صاحبه ويتحول صاحبه إلى مقعده ) . رواه البيهقي 3/238 وهو في صحيح الجامع 812 . وكذلك حديث ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا نعس أحدكم في المسجد يوم الجمعة فليتحول من مجلسه ذلك إلى غيره ) رواه أبو داود 1119 وهو في صحيح الجامع 809 .

ثالثاً : أحكام السهو

إذا شك الإنسان في صلاته هل صلّى ثلاثاً أو أربعاً فالعمل على ما ترجح لديه فإن لم يترجح لديه شيء فليبن على اليقين وهو الأقل ثم يسجد للسهو . والدليل : عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلّى ؟ ثلاثاً أو أربعاً ؟ فليطرح الشك وليبن على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم فإن كان صلّى خمساً شفعن له صلاته وإن كان صلّى إتماماً لأربع كانتا ترغيماً للشيطان . صحيح مسلم رقم 571 .

إذا تذكر الإمام في التشهد الأخير أنه قد قرأ التحيات في القيام في الركعة السرية بدلاً من الفاتحة فإنه يقوم ليأتي بركعة صحيحة بدلاً من الركعة غير الصحيحة التي لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب لقوله صلى الله عليه وسلم : ( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ) رواه البخاري رقم 723 . وينبغي على المأمومين أن يتابعوه ولو كانت الخامسة لهم فإن لم يتفطنوا ولم يقوموا وجعلوا يسبحون أشار إليهم بيديه يميناً وشمالاً أن قوموا ليعلمهم أنه جازم في قيامه غير ناس ولا ساه .

وإذا وقع مثل ذلك للمأموم خلف إمامه فصلاته صحيحة ما دام خلف إمامه . والدليل : حديث أبي بكرة لما دخل راكعاً ولم يقرأ الفاتحة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( زادك الله حرصاً ولا تعد ) رواه البخاري رقم 750 . فالمأموم إذا نسي قراءة الفاتحة أو جهل وجوبها عليه أو أدرك الإمام راكعاً فإنه في هذه الأحوال تجزئه الركعة وتصح صلاته ولا يلزمه قضاء الركعة لكونه معذوراً بالجهل والنسيان وعدم إدراك القيام وهو قول أكثر أهل العلم . ابن باز فتاوى إسلامية 1/263 . وهذا مما يتحمله الإمام عن المأموم كما قال الناظم :

ويحمل الإمام عن مأموم ***** ثمانيـة تعـد في المنـظـوم

فاتحة كذا سجود السهو ******* وسـترة مع القنوت المروي

وسمع الله مع السجود في ****** تـلاوة الإمام سراً فاكتفـي

وهكـذا تـلاوة المأموم ******* خلف الإمام فافهمن منظومي

تشهد أول عمن سبـق ******* بركعـة من أربع فكن محق

إذا ركع ثم رفع رأسه فتذكر أنه لم يقل سبحان ربي العظيم في ركوعه فإنه لا يعود إلى الركوع لأن التسبيح قد سقط برفعه من الركوع فلو عاد إلى الركوع عمداً أبطل صلاته لأنه يكون قد زاد ركنا وهو هذا الركوع الثاني وإن عاد جاهلاً أو ناسياً لم تبطل الصلاة وعليه في مثل ذلك أن يسجد للسهو إن كان منفرداً أو إماماً لأن التسبيح واجب يجبره بسجود السهو ، أما إن كان مأموماً فيسقط عنه الواجب بسهوه عنه . المغني مع الشرح الكبير 1/679 .

إذا نسي التشهد الأول وقام للثالثة وابتدأ الفاتحة فقول أكثر أهل العلم أنه لا يرجع وإن رجع عالماً أن نزوله لا يجوز تبطل صلاته لشروعه في ركن آخر وأما الواجب الذي فاته فإنه يجبره بسجود السهو ، والدليل ما روى المغيرة بن شعبة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا قام الإمام في الركعتين فإن ذكر قبل أن يستوي قائماً فليجلس فإن استوى قائماً فلا يجلس ويسجد سجدتي السهو ) رواه أبو داود رقم 1036 وهو في السلسلة الصحيحة 321 .

فالخلاصة : أن من قام إلى الثالثة ناسياً التشهد فله ثلاث حالات :

أن يذكره قبل اعتداله قائماً فيلزمه الرجوع إلى التشهد .

أن يذكره بعد اعتداله قائماً وقبل شروعه في قراءة الفاتحة فالأولى له أن لا يجلس وإن جلس فصلاته صحيحة .

أن يذكره بعد الشروع في الفاتحة فلا يجوز له الرجوع . المغني مع الشرح الكبير 1/677 . وهذه الحالات مستنبطة من الحديث السابق .

إذا سلم الإمام فقام المأموم ليتم ما فاته فإذا بالإمام يسجد للسهو بعد السلام فإن كان المأموم لم ينتصب قائماً فإنه يرجع ويسجد للسهو مع إمامه وإن انتصب قائماً فإنه لا يرجع فإذا أتم صلاته سجد للسهو الذي فاته . ودليل هذه المسألة هو دليل المسألة السابقة . المغني مع الشرح الكبير 1/697 .

إذا سها الإمام في الصلاة وترك ركناً وجعل المأمومون يسبحون وهو لا يفهم مقصودهم ولا يدري أين الخطأ وينتقل إلى أركان ليس بينها الركن المتروك فلأهل العلم عدة أقوال في إفهامه ، من أمثلها أن يجهروا بالذكر الخاص بالركن المفقود فإن كان ركوعاً قالوا : سبحان ربي العظيم ، وإن كان سجوداً قالوا : سبحان ربي الأعلى ، وإن كان الجلسة بين السجدتين قالوا : رب اغفر لي وهكذا . المغني مع الشرح الكبير 1/707 .

أحكام متفرقة

إذا نسي ملابس الإحرام وأقلعت به الطائرة فإن استطاع أن يتدبر أمره بإزار ورداء من أي لون أو صنف من الشراشف أو المناشف ونحوها فعل ذلك وإن لم يجد أزال من المخيط وغطاء الرأس وأحرم في ثيابه إذا حاذى الميقات من الجو ولا يجاوز الميقات بغير إحرام فإذا وصل إلى مكان يستطيع فيه استبدال ملابسه بإزار ورداء فعل ذلك وعليه فدية ذبح شاة أو صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين وهو مخير في فعل أي واحدة منها وإحرامه صحيح . من فتاوى الشيخ عبد العزيز بن باز مشافهة .

إذا كان الرجل في الطواف أو السعي فعرضت له حاجة كأن عطش وأراد أن يشرب أو فقد أحد من أهله فتوقف للبحث عنه أو تعب واحتاج أن يستريح فإن كان التوقف يسيراً عرفاً فإنه يتابع الطواف ويبني على ما سبق . أما إذا أقيمت الصلاة فقطع الطواف وصلّى فقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة والأحوط عند إكماله الأشواط الباقية أن لا يعتد بالشوط الأخير الذي لم يكمله وقطعه لأداء الصلاة . ابن باز فتاوى الحج والعمرة ص : 80 ، والمجموع للنووي 8/49 .

أما مسألة الاستراحة في الطواف والسعي فهي مبنية على مسألة اشتراط الموالاة في الطواف والسعي .

فأما السعي فلا تشترط فيه الموالاة على القول الراجح . المغني مع الشرح الكبير 3/414 . فعليه لو سعى الإنسان عدة أشواط ثم توقف ليستريح ثم عاد ليكمل جاز ذلك . وأما الموالاة في الطواف فقد اختلف فيها أهل العلم على قولين :

القول الأول : وجوب الموالاة فيبطل الطواف بالتفريق الكثير بغير عذر .

القول الثاني : أن الموالاة سنة فلا يبطل الطواف وإن طالت المدة . اختاره النووي في المجموع 8/47 . والعمل بالقول الأول أحوط .

إذا توفي رجل في سفينة في البحر فيقول الإمام أحمد : ينتظر به إن كانوا يرجون أن يجدوا له موضعاً ( كجزيرة في البحر أو شاطيء ) يدفنونه به حبسوه يوماً أو يومين ما لم يخافوا عليه الفساد ، فإن لم يجدوا غسل وكفن وحنط وصلى عليه ويُثقل بشيء ويلقى في الماء . المغني مع الشرح الكبير 2/381 .

إذا كان لدى رجل ورقة من فئة الـ 50 ريالاً مثلاً واحتاج إلى صرفها عشرات فذهب إلى آخر ليصرفها فلم يكن لدى صاحبه إلا ثلاث عشرات مثلاً فهل يجوز أن يعطيه الخمسين ويأخذ منه ثلاث العشرات والعشرين الباقية تبقى ديناً له على صاحبه يستوفيها منه بعد ذلك ؟ رغم شيوع مثل هذه الصورة وانتشارها في الواقع إلا أن كثيراً من الناس يتعجبون إذا قيل لهم هذا ربا والعلة أن التفاوت موجود فيما قبضه كل منهما وشرط التبايع والصرف في الأوراق النقدية إذا كانت من جنس واحد أن تكون مثلاً بمثل يداً بيد كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل ولا تُشفوا بعضها على بعض ، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلاً بمثل ، ولا تشفوا بعضها على بعض ، ولا تبيعوا منها غائباً بناجز ) رواه البخاري رقم 2068 . { تشفوا من الاشفاف وهو التفضيل والزيادة - الورق : أي الفضة - غائباً : أي مؤجلاً - بناجز : أي بحاضر } والحديث فيه النهي عن ربا الفضل وربا النسيئة .

فإن قيل فما هو المخرج والبديل والناس دائماً يحتاجون إلى صرف الأوراق النقدية :

فالجواب : إن الحل في ذلك أن يضع الخمسين رهناً عند صاحبه ويأخذ منه الثلاثين ديناً وسلفاً ثم يسدد الدين بعد ذلك ويفك الخمسين المرهونة ويأخذها . من فتاوى الشيخ عبد العزيز بن باز مشافهة .

إذا أمر الرجل في وظيفته بأمر فعليه أن ينظر فإن كان الأمر ليس فيه معصية لله فإنه يفعل ما أمر به ، أما إن كان في الأمر معصية فلا يطع حينئذ وإلا كان مشاركاً في الإثم والوزر ، قال عليه الصلاة والسلام : ( لا طاعة لبشر في معصية الله إنما الطاعة في المعروف ) الحديث في البخاري الفتح 13/121 ، وأحمد 1/94 والسياق من السلسلة الصحيحة رقم 181 . وقال الله تعالى : ( وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا ) .

سنن وآداب

إذا تجددت للمسلم نعمة أو اندفعت عنه نقمة فيستحب له أن يسجد سجود الشكر . المغني مع الشرح الكبير 1/654 ، فعن أبي بكرة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا جاءه أمر سرور أو بشر به خر ساجداً شاكراً لله تعالى ) رواه أبو داود 2774 وهو صحيح : تخريج المشكاة 1494 . ولا تشترط الطهارة واستقبال القبلة ولكن إذا توضأ واستقبل القبلة فهو أفضل . مجموع فتاوى ابن عثيمين 4/216 .

إذا أتاك مال حلال من شخص أو من جهة دون طلب منك ولا مد يد ولا إذلال ولا تطلع فخذه والدليل : عن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا جاءك من هذا المال شيء وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه وما لا فلا تتبعه نفسك ) رواه البخاري 1404 .

إذا وضع للمسلم طعام في بيت أخيه المسلم فتحيَّر في أمر اللحم هل هو حلال أم لا ؟ فيجوز له الأكل دون السؤال لأن الأصل في المسلم السلامة . والدليل : قوله صلى الله عليه وسلم : ( إذا دخل أحدكم على أخيه المسلم فأطعمه طعاماً فليأكل من طعامه ولا يسأله عنه فإن سقاه شراباً من شرابه فليشرب من شرابه ولا يسأله عنه ) رواه أحمد 2/399 وهو في السلسة الصحيحة 627 . وكذلك فإن في السؤال إيذاء للمسلم وجعله في مجال الشك والريبة .

إذا كان يمشي في نعليه وانقطع أحدهما فلا يمش في نعل واحدة والأخرى حافية فإما أن يصلحها ويمشي بهما أو يخلعهما ويحتفي والاحتفاء أحياناً سنة . والدليل : عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يمشي أحدكم في نعل واحدة لينعلهما جميعاً أو ليخلعهما جميعاً ) رواه البخاري 5518 ، وأما العلة في ذلك فقد ذكر العلماء أقوالاً أصحها دليلاً ما ذكره ابن العربي وغيره أن ( العلة أنها مشية الشيطان ) فتح الباري 10/310 . ودليل ذلك : عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الشيطان يمشي في النعل الواحدة ) السلسلة الصحيحة 348 .

إذا رأى المسلم رؤيا حسنة أو صالحة يستحب فعل ما يلي :

أن يحمد الله عز وجل .

يعبرها لنفسه أو يخبر عالماً يعبرها له .

لا يخبر بها إلا ناصحاً أو لبيباً أو حبيباً ولا يخبر حاسداً . والدليل : عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا رأى أحدكم رؤيا يحبها فإنما هي من الله فليحمد الله عليها وليحدث بها ) رواه البخاري 6584 ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تقصوا الرؤيا إلا على عالم أو ناصح ) رواه الترمذي 2280 وهو في السلسلة الصحيحة 119 . لأنهما يختاران أحسن المعاني في تأويلها بخلاف الحاسد والجاهل .

إذا رأى المسلم حلماً سيئاً فإنه يفعل ما يلي :

يبصق عن يساره ثلاثاً .

يستعيذ بالله من الشيطان ثلاثاً .

يستعيذ بالله من شرها .

أن يقوم فيصلي .

يغير الجنب الذي كان نائماً عليه إذا أراد مواصلة النوم ولو كان تحوله إلى الشمال لظاهر الحديث .

لا يخبر بها أحداً من الناس .

لا يفسرها لنفسه ولا يطلب تفسيرها . والدليل : عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها فليبصق عن يساره ثلاثاً وليستعذ بالله من الشيطان ثلاثاً وليتحول عن جنبه الذي كان عليه ) رواه مسلم 2262 . وفي رواية ( وليعوذ بالله من شرها فإنها لن تضره ) فقال - أي الراوي - إن كنت لأرى الرؤيا أثقل علي من جبل ، فما هو إلا أن سمعت بهذا الحديث فما أباليها . رواه مسلم 2261 . وعن جابر قال جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله رأيت في المنام كأن رأسي ضرب فتدحرج فاشتددت على أثره ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأعرابي : ( لا تحدث الناس بتلعب الشيطان بك في منامك ) رواه مسلم 2268 . وفي رواية ( فمن رأى ما يكره فليقم فليصل ) رواه الترمذي 2280 وهو في صحيح الجامع 3533 .

إذا وقع بصر المسلم على امرأة أجنبية وبقي أثر ذلك في نفسه فإن كان له زوجة فليذهب إلى بيته وليأت أهله ليرد ما وجد في نفسه . والدليل : عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا أحدكم أعجبته المرأة فوقعت في قلبه فليعمد إلى امرأته فليواقعها فإن ذلك يرد ما في نفسه ) رواه مسلم 1403 .

إذا صار مجلسه بين الشمس والظل فليتحول عن مجلسه ، لقوله صلى الله عليه وسلم : ( إذا كان أحدكم في الفيء فقلص عنه الظل وصار بعضه في الشمس وبعضه في الظل فليقم ) رواه أبو داود 4821 وهو في صحيح الجامع 748 . والعلة في ذلك أنه مجلس الشيطان ، والدليل : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجلس بين الضح والظل وقال : ( مجلس الشيطان ) . رواه أحمد 3/413 وهو في صحيح الجامع 6823 .

إذا أصاب أهل الرجل الوعك فيستحب له أن يفعل كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم فعل ( كان إذا أخذ أهله الوعك أمر بالحساء فصنع ثم أمرهم فحسوا منه وكان يقول إنه ليرتق فؤاد الحزين ويسرو عن فؤاد السقيم كما تسر إحداكن الوسخ بالماء عن وجهها ) . { يرتق أي يشد القلب لأن الحزن يرخيه ، ويسروا أي : يكشف ويجلو - رواه الترمذي 2039 وهو في صحيح الجامع 4646 } .

إذا كذب أحد أبناء الرجل أو أحد أفراد أهله فإنه يعالج هذا الموقف كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اطلع على أحد من أهل بيته كذب كذبة لم يزل معرضاً عنه حتى يحدث توبة ) السلسلة الصحيحة 2052 وصحيح الجامع 4675 .

إذا واجه المرء المسلم ظروفاً صعبة محرجة يحتاج فيها أن يتكلم بخلاف الحقيقة لينقذ نفسه أو ينقذ معصوماً أو يخرج من حرج عظيم أو يتخلص من موقف عصيب فهل من طريقة غير الكذب ينجو فيها من الحرج ولا يقع في الإثم ؟ .

الجواب : نعم توجد طريقة شرعية ومخرج مباح يستطيع أن يستخدمه عند الحاجة ألا وهو التورية أو المعاريض وقد بوب البخاري رحمه الله في صحيحه ( باب المعاريض مندوحة عن الكذب ) صحيح البخاري كتاب الأدب باب 116 .

والتورية هي الإتيان بكلام له معنى قريب يفهمه السامع ومعنى آخر بعيد يقصده المتكلم تحتمله اللغة العربية ويشترط أن لا يكون فيها إبطال حق ولا إحقاق لباطل وفيما يلي التوضيح بأمثلة من المعاريض التي استخدمها السلف والأئمة أوردها العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه إغاثة اللهفان :

ذكر عن حماد رحمه الله أنه إذا أتاه من لا يريد الجلوس معه قال متوجعاً : ضرسي ، ضرسي ، فيتركه الثقيل الذي ليس بصحبته خير .

وأحضر سفيان الثوري إلى مجلس الخليفة المهدي فاستحسنه ، فأراد الخروج فقال الخليفة لا بد أن تجلس فحلف الثوري على أنه يعود فخرج وترك نعله عند الباب ، وبعد قليل عاد فأخذ نعله وانصرف فسأل عنه الخليفة فقيل له أنه حلف أن يعود فعاد وأخذ نعله .

وكان الإمام أحمد في داره ومعه بعض طلابه منهم المروذي فأتى سائل من خارج الدار يسأل عن المروذي والإمام أحمد يكره خروجه فقال الإمام أحمد : ليس المروذي هنا وما يصنع المروذي ها هنا وهو يضع إصبعه في كفه ويتحدث لأن السائل لا يراه .

ومن أمثلة التورية أيضاً :

لو سألك شخص هل رأيت فلاناً وأنت تخشى لو أخبرته أن يبطش به فتقول ما رأيته وأنت تقصد أنك لم تقطع رئته وهذا صحيح في اللغة العربية أو تنفي رؤيته وتقصد بقلبك زماناً أو مكاناً معيناً لم تره فيه ، وكذلك لو استحلفك أن لا تكلم فلاناً : فقلت : والله لن أكلمه ، وأنت تعني أي لا أجرحه لأن الكلم يأتي في اللغة بمعنى الجرح . وكذلك لو أرغم شخص على الكفر وقيل له اكفر بالله ، فيجوز أن يقول كفرت باللاهي . يعني اللاعب . إغاثة اللهفان : ابن القيم 1/381 وما بعدها 2/106-107 ، وانظر بحثاً في المعاريض في الآداب الشرعية لابن مفلح 1/14 . هذا مع التنبيه هنا أن لا يستخدم المسلم التورية إلا في حالات الحرج البالغ ولذلك لأمور منها :

أن الإكثار منها يؤدي إلى الوقوع في الكذب .

فقدان الإخوان الثقة بكلام بعضهم بعضاً لأن الواحد منهم سيشك في كلام أخيه هل هو على ظاهره أم لا ؟ .

أن المستمع إذا اطلع على حقيقة الأمر المخالف لظاهر كلام الموري ولم يدرك تورية المتكلم يكون الموري عنده كذاباً وهذا مخالف لاستبراء العرض المأمور به شرعاً

أنه سبيل لدخول العجب في نفس صاحب التورية لإحساسه بقدرته على استغفال الآخرين.

وفي خاتمة هذه الرسالة أسأل الله سبحانه وتعالى أن يفقهنا في ديننا ويعلمنا ما ينفعنا وينفعنا بما علمنا وأن يلهمنا رشدنا ويقينا شر أنفسنا والله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .



موقع الشيخ المنجد

http://www.islam-qa.com

عبقور2011
02-26-2011, 04:52 PM
عظيم الأجر في المحافظة على صلاة الفجر
دار الوطن


الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن والاه.



أيها الحبيب:






السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. أما بعد:


فقد ذكر الله عمار المساجد فوصفهم بالإيمان النافع وبالقيام بالأعمال الصالحة التي أمها الصلاة والزكاة وبخشية الله التي هي أصل كل خير فقال تعالى: إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين [التوبة:18].


وحضورك إلى المسجد لأداء الصلاة مع الجماعة إنما هو عمارة لبيوت الله. والوصية لي ولك، أن نحافظ على هذه الصلاة مع الجماعة لتكون لنا نوراً وبرهاناً يوم القيامة، ولا تنس أنفسهم، وضعف إيمانهم وقل ورعهم، وماتت غيرتهم، فلا يحرصون على حضور صلاة الفجر مع الجماعة ويتذرعون بحجج وأعذار هي أوعى من بيت العنكبوت، وهم بصنيعهم هذا قد آثروا حب النفس وحب النوم على محاب الله ورسوله: قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين [التوبة:24].


أخا الإسلام: ألا تحب أن تسعد ببشرى نبيك وهو يقول فيما أخرجه الترمزي وأبو داود وابن ماجه عن أنس رضي الله عنه: { بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة } كسب آخر، إلى جانب النور التام لمن حافظ على صلاة الفجر، ولكنه ليس كسبا دنيويا بل هو أرفع وأسمى من ذلك، وهو الغاية الني يشمر لها المؤمنون، ويتعبد من أجلها العابدون، إنها الجنة وأي تجارة رابحة كالجنة قال عليه الصلاة والسلام: { من صلى البردين دخل الجنة } أي من صلى الفجر والعصر. [أخرجه مسلم].


فيا له من فضل عظيم أن تدخل الجنة بسبب محافظتك على هاتين الصلاتين، صلاة الصبح والعصر، ولكن إذا أردت أن تعلم هذا فأقرأ كتاب ربك وتدبر وتفهم ما فيه فالوصف لا يحيط بما فيها: فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون [السجدة:17].


وليس هذا فحسب بل هناك ما هو أعلى من ذلك كله وهو لذة النظر إلى وجه الله الكريم، فقد ثبت في صحيح البخاري عن جرير بن عبد الله قال: كنا عند النبي ، فنظر إلى القمر ليلة ـ يعني البدر ـ فقال: { إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا ثم قرأ: وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها } زاد مسلم يعني العصر والفجر.


قال العلماء: "ووجه مناسبة ذكر هاتين الصلاتين عند ذكر الرؤية، أن الصلاة أفضل الطاعات فناسب أن يجازى المحافظ عليهما بأفضل العطايا وهو النظر إلى الله تعالى".


وينبغي أن تعلم أخي المسلم، أن إيمان المرء يتمثل بحضور صلاة الفجر حين يستيقظ الإنسان من فراشه الناعم تاركاً لذة النوم وراحة النفس طلباً لما عند الله، كما أخبر النبي بقوله: { من صلى الصبح فهو في ذمة الله، فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء فإنه من يطلبه من ذمته بشيء يدركه ثم يكبه على وجهه في نار جهنم } [أخرجه مسلم]، من حديث جندب بن عبد الله.


إن النفس الزكية الطاهرة تسارع إلى ربها لأداء صلاة الفجر مع الجماعة، فهي غالية الأجر وصعبة المنال إلا لمن وفقه الله لذلك.


وكثير من الناس اليوم إذا آووا إلى فرشهم للنوم غطوا في سبات عميق قال عليه الصلاة والسلام فيما أخرجه مسلم: { يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم ثلاث عقد إذا نام مكل عقدة يضرب عليك ليلا طويلا فإذا استيقظ، فذكر الله انحلت عقدة وإذا توضأ، انحلت عنه العقد فأصبح نشيطاً طيب النفس وإلا أصبح خبيث النفس كسلان } من رواية أبي هريرة.


فانظر أخي المسلم إلى عظيم المسؤولية وأهميتها فهذا رسولنا وحبيبنا عليه الصلاة والسلام محذرنا من أن تصبح النفس خبيثة خاصة إذا نامت عن صلاة الفجر. فما بال هذا التقصير فينا؟ لماذا هذا التساهل عندنا؟ وكيف نأمل أن ينصرنا الله عز وجل، وأن يرزقنا، ويهزم أعداءنا، وأن يمكن لنا في الأرض ونحن في تقصير وتفريط في حق الله. نسمع نداءه كل يوم حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح ـ الصلاة خير من النوم ونحن لا نجيب ولا نستجيب أي بعد عن الله بعد هذا. هل أمنا مكر الله؟ هل نسينا وقوفنا بين يدي الله؟ والله لتوقفنّ غداً عند من لا تخفى علية خافية ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون [الأنعام:94].


لا يا أخي قم عن فراشك وانهض من نومك واستعن بالله رب العالمين ولا تتثاقل نفسك عن صلاة الفجر ولو ما فيهما من الأجر لأتوهما ولو حبواً.


إن الواحد منا ليسر حينما يدخل المسجد لصلاة الظهر أو المغرب أو العشاء ويجد جموع المصلين في الصف والصفين والثلاثة صغاراً وكباراً، فيحمد الله ثم يأتي لصلاة الفجر ولا يجد إلا شطر العدد أو أقل من ذلك. أين ذهب أولئك المصلون؟: إنهم صرعى ضربات الشيطان بعقده الثلاث يغطون في سبات عميق فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.


ولو قيل لأحدهم إن عملك يدعوك قبل الفجر بساعة لأعد نفسه واستعد وأخذ بالأسباب حتى يستيقظ في الوقت المحدد بل لو أراد أحدنا أن يسافر قبل أذان الفجر لاحتاط لنفسه وأوصى أهله أن يوقظوه.لكنا لا نصنع هذا في صلاة الفجر.


فليتق الله أمرؤ عرف الحق فلم يتبعه وإذا سمعت أذان الفجر، يدوي في أفواه الموحدين فانهض بنفس شجاعة إلى المسجد، وكن من الذين يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار.


ثم اعلم يا أخا الإسلام أنك إذا أرخيت العنان لنفسك وتخلفت عن صلاة الفجر عرضت نفسك لسخط الله ومقته فانتبه لنفسك قبل أن يأتيك الموت بغتة وأنت لا تدري وقبل أن تقول نفس: يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين ، وتقول: لو أن لي كرة فأكون من المحسنين [الزمر:56-58].


والآن قد جاءك النذير وتبين لك القول، فانفذ بنفسك من حجب الهوى إلى سبيل الهدى وابحث عن الوسائل المعينة لحضور هذه الفريضة.



وهاكها باختصار:






1-إخلاص النية لله تعالى والعزم الأكيد على القيام للصلاة عند النوم.


2-الابتعاد عن السهر والتبكير بالنوم متى استطعت إلى ذلك.


3-الاستعانة بمن يوقظك عند الصلاة من أب أو أم أو أخ أو أخت أو زوجة أو جار أو منبه.


4-الحرص على الطهارة وقراءة الأوراد النبويه قبل النوم.


فبادر إلى الصلاة وأجب داعي الله، ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض وليس له من دونه أولياء [الأخقاف:32].


ألهمنا الله وإياك البرّ والرشاد ووفقنا للخير والسداد وسلك بنا وبك طريق الأخيار الأبرار.


وأخيراً تذكر قول ربك: إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد [ق:37]. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

عبقور2011
02-26-2011, 04:53 PM
فاحشه الزنا مقدمات وروادع

سليمان حمدالعودة


ملخص الخطبة

1- سقوط الأمم عند ولوغها مستنقع الشهوة والرذيلة. 2- التحذير من فاحشة الزنا. 3- لا يجتمع إيمان وزنى في قلب الإنسان. 4- فضيحة الزنا في الدنيا وعقوبته في الآخرة. 5- الزنا سبب لانتشار الأمراض الفتاكة.

الخطبة الأولى



أما بعد فاتقوا الله معاشر المسلمين واعلموا أن من علامات التقى كف النفس عن موارد الهلكة والشهوات والشبهات.

أيها المسلمون: جاء الإسلام حريصا بتشريعاته على سمو الأنفس وطهارتها ناهيا عن مواطن الريب وأماكن الخنا، فبين الحلال وشرف صاحبه، ونهى عن الحرام، ووضع الحدود الزاجرة لمقارفته، إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين ءامنوا لهم عذاب أليم [النور:19]. أجل لقد قضت سنة الله أن الأمم لا تفنى والقوى لا تضعف وتبلى إلا حين تسقط الهمم وتستسلم الشعوب لشهواتها، فتتحول أهدافها من مثل عليا وغايات نبيلة وإلى شهوات دنيئة وآمال حقيرة متدنية، فتصبح سوقا رائجا للرذائل ومناخا لعبث العابثين، وبها ترتفع أسهم اللاهين والماجنين فلا تلبث أن تدركها السنة الإلهية بالهلاك والتدمير، وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً [الإسراء:16].

أى مسلم يرغب أن يخان في أهله … وأي عاقل يرضى أن يكون سببا في اختلاط الأنساب من حوله، وأي مؤمن يرضى بالخيانة والخديعة والكذب والعدوان؟ ومن ذا الذى يتبع عدوه الشيطان ويحقق حرصه على انتهاك الأعراض، وقتل الذرية؟ وإهلاك الحرث؟

تلكم معاشر المسلمين وغيرها أعراض وآفات مصاحبة لفاحشة الزنا، هذه الجريمة التى جعلها الله قرينة للشرك بالله في سفالة المنزلة وفي العقوبة والجزاء فقال تعالى: الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين [النور:3].

ويقول في الجزاء والعقوبة وهو يقرن بين الزنا وغيره من الموبقات: والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاماً %يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً الآية [الفرقان:68-69].

وفى مقابل ذلك ربط السعادة وعلق الفلاح بخصال حميدة، منها حفظ الفروج عن الزنا فكان فيما أنزل الله: قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون والذين هم للزكاة فاعلون والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون [المؤمنون:1-7].

وتدل الآية على أن من قارف الزنا وتجاوز الحلال إلى الحرام فقد فاته الفلاح، ووقع في اللوم، واتصف بالعدوان(4).

أيها المؤمنون ـ وقاني الله وإاياكم الفتن والشرور ـ وليس الايمان بالتمني ولا بالتحلي، فهو سلعة غالية، وهو مكانة عالية، وهو طريق السعادة في الدنيا والاخرة، لكنه جهاد ونية وصبر وتضحية وضبط لزمام النفس وتعال عن الشهوات المحرمة.

والإيمان بإذن الله حرس للمرء عن الوقوع في المحرمات، وهو درع يحمي صاحبه عن المهلكات، لكن الزنا ـ معاشر المسلمين ـ يخرم هذا الحزام من الأمان، ويدك هذا الحصن الحصين، وينزع هذا السرياخ الواقي باذن الله إلا أن يتوب، يقول عليه الصلاة والسلام: ((إن الايمان سربال يسربله الله من يشاء، فإذا زنى العبد نزع منه سربال الإيمان، فإن تاب رد عليه)).

ولا يجتمع الايمان مع الزنا، والمصطفى صلى الله عليه وسلم يقول: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ....)) الحديث .

وتحذر أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وهي تروي هذا الحديث وأمثاله، تحذر الأمة وتقول: ((فإياكم وإياهم (1)...)).

كما جاء في رواية أخرى من روايات الحديث بيان الفرق بين الإيمان والزنا، وكرم هذه وخسة ذاك، فقد ورد: ((لا يسرق السارق وهو مؤمن، ولا يزني الزاني وهو مؤمن، الإيمان أكرم على الله من ذلك(2))).

ورد أيضا عنه صلى الله عليه وسلم بهذا الخصوص قوله: ((إذا زنا أحدكم خرج منه الإيمان وكان عليه كالظلة، فإذا انقلع رجع إليه الإيمان))(3).

إخوة الإيمان ـ عصمني الله وإياكم والمسلمين من الفواحش ما ظهر منها وما بطن ـ وكم أذل الزنا من عزيز، وأفقر من غني، وحط من الشرف والمروءة والإباء، عاره يهدم البيوت ويطاطئ عالي الرؤوس، يسود الوجوه البيضاء، ويخرص ألسنة البلغاء، ينزع ثوب الجاه عمن قارفه، بل يشين أفراد الأسرة كلها .. إنه العار الذى يطول حتى تتناقله الأجيال.

بانتشاره تضمر أابواب الحلال، ويكثر اللقطاء، وتنشأ طبقات بلا هوية، طبقات شاذة تحقد على المجتمع وتحمل بذور الشر ـ إلا أن يشاء الله ـ وحينها يعم الفساد ويتعرض المجتمع للسقوط.

أيها العقلاء: فكروا قليلا في الصدور قبل الورود، وتحسبوا لمستقبل الأيام، وعوادي الزمن قبل الوقوع في المحظور، واخشوا خيانة الغير بمحارمكم إذا استسهلتم الخيانة بمحارم غيركم، وكم هي حكمة معلمة تلك الكلمات التي قالها الأب لابنه حين اعتدى في غربته على امراة عفيفة بلمسة خفيفة، فاعتدي في مقابل ذلك السقاء على أخته بمثلها، وحينها قال الأب المعلم لابنه: " يا بني دقة بدقة، ولو زدت لزاد السقاء ".

وإياكم إياكم إن تلوثوا سمعتكم، وفيما قسم الله لكم من الحلال غنية عن الحرام.

وتصوروا حين تروادكم أنفسكم الأمارة بالسوء أو يراودكم شياطين الجن والإنس للمكروه، تصوروا موقف العبد الصالح حين راودته التي هو في بيتها عن نفسه، وغلقت الأبواب وقالت هيت لك، قال: معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون.

أجل لقد رأى الصديق عليه السلام برهان ربه، وصرف الله عنه السوء والفحشاء، وعده في عباده المخلصين.

في مثل هذه المواقع يبتلى الإيمان، وفي مثل هذه المواقف يمتحن الرجال والنساء، وفي مثل هذه المواطن تبدو آثار الرقابة للرحمن، وهل تتصور يا عبد الله أنك بمعزل عن الله مهما كانت الحجب، وأيا كان الستار؟ كلا، فالله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وهو الذي يعلم السر وأخفى ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير [الملك:14].

إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل خلوت ولكن قل عليّ رقيب

إخوة الإسلام: ومستحل الزنا في الإسلام كافر خارج من الدين، والواقع فيه من غير استحلال فاسق أثيم، يرجم إن كان محصنا، ويجلد ويغرب إن كان غير محصن(2).

لا ينبغي أن يدخل فيه الوساطة والشفاعة، وينهى المسلمون أن تأخذهم في العقوبة الرأفة والرحمة، وأمر المولى جل جلاله أن يقام الحد بمشهد عام يحضره طائفة من المؤمنين ليكون أوجع وأوقع في نفوس الفاعلين والمشاهدين.

قال تعالى: الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين [النور:2].

نفعني الله وإياكم بهدي كتابه. ..

(4) خطب الفوزان .

(1) رواه احمد والبزار ورجال البزار رجال صحيح ( مجمع الزوائد 1/100 ) .

(2) روى هذه الزيادة البزار ، وفيه اسرائيل الملائى وثقه يحى بن معين في رواية وضعفه الناس ( مجمع الزوائد 1/101 ) .

(3) الحديث رواه ابو دواد ، والحاكم وصححه ، شرح السنه للبغوي 1/90، وانظر كلام ابن حجر في الفتح 12/52 .

(2) ابن حميد توجيها وذكرى 1/125 .





الخطبة الثانية



الحمد لله رب العالمين، سن من الشرائع والأحكام ما فيه مصلحة العباد في دينهم ودنياهم، وأشهد أن لا إله إلا الله، يعلم ما يصلح الخلق في حاضرهم ومستقبل أيامهم، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ما فتئ يحذر أمته من الخنا والفجور حتى وافاه اليقين، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر النبيين.

إخوة الإسلام: وإذا كان ما مضى جزء من شناعة وعقوبة الزنا في الدنيا فأمر الآخرة أشد وأبقى.

ولو سلم الزناة من فضيحة الدنيا، فليتذكروا عظيم الفضيحة على رؤوس الأشهاد، هناك تبلى السرائر ويكشف المخبوء، وما لإنسان حينهـا من قـوة ولا ناصر، بـل إن أقرب الأشياء إليه تقام شهودا عليه: اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون [يس:65].

وهل تغيب عن العاقل شهادة الجلود؟ وهل دون الله ستر يغيب عنه شيء وهو علام الغيوب وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذى أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيراً مما تعملون وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين [فصلت:21-23].

يا أمة الإسلام: ولا يقف الأمر عند حد الفضيحة على الملأ مع شناعته، بل يتجاوز إلى العذاب وما أبشعه؟

جاء في صحيح البخاري و غيره عن سمرة بن جندب رضي الله عنه – في الحديث الطويل – في خبر منام النبي صلى الله على و سلم ((أن جبريل و ميكائيل جاءاه قال: فانطلقا فأتينا علي مثل التنور، أعلاه ضيق، وأسفله واسع، فيه لغط وأصوات، قال: فاطلعنا فإذا فيه رجال ونساء عراة، فإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم، فإذا: أتاهم ذلك اللهب ضوضوا ـ أي صاحوا من شدة الحر ـ فقلت: من هؤلاء فقال: هؤلاء الزناة و الزواني، فهذا عذابهم إلى يوم القيامة))(1).

وروى الإمـام أبو يعلـى وابن حبان في صحيحه، عن أنس رضى الله عنه: ((من مات مدمن الخمر سقـاه الله جل وعلا من نهر الغوطة، قيل وما نهر الغوطة؟ قال: نهر يجري من فروج المومسات ـ يعنى البغايا ـ يؤذي أهل النار ريح فروجهم)).

فأهل النار يعذبون بنتن ريح الزناة(2)؟

أيها المسلم و المسلمة: وفي يوم عظيم أنتم فيه أشد حاجة إلى الظل تستظلون به من حر الشمس حين تدنو من الخليقة، والعرق يلجمهم على قدر أعمالهم ـ هل علمتم أن من أسباب ظل الله للعبد يوم لا ظل إلا ظله ـ البعد عن مقارفة الزنا، وتصور عظمة الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله .. ((رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله)).

أيها المسلمون: إن عذاب الله شديد، وعقابه أليم. وهو يمهل و لا يهمل، فلا تؤخذوا بالاستدراج، ولا ينتهي تفكيركم عند حدود الحياة الدنيا، فإن يوما عند ربكم كألف سنة مما تعدون .

ولو عدنا مرة أخرى للدنيا لوجدنا من الزواجر و الروادع غير ما مضى ما يكفي للنهي عن هذه الفاحشة النكراء .

فالأمراض المدمرة يجلبها الزنا وقد جاء في الحديث، ((أن النبي صلى الله عليه و سلم أقبل على المهاجرين يوما فقال: يا معشر المهاجرين، خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن فذكر منها: ((ولم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنـوا بهـا إلا فشا فيهم الطاعون و الأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم(1))).

وهنا نحن اليوم نشهد نبوة النبي صلى الله عليه و سلم في المجتمعات التي ينتشر فيها الزنا .

أيها المسلم و المسلمة: وكل منا محتاج إلي كشف الكربات التي تصادفه في الدنيا و كشف كربات القيامة من باب أولى، وقد ورد أن البعد عن الزنا سبب لتفريج الكربات، كما في قصة الذين انطبق عليهم الغار، فاستصرخ كل منهم ربه بعمل عمله، وكان من أعمال أحدهم أنه راود يوما امراة في الحرام، فلما وقع منها موقع الرجل من امرأته قالت له: يا عبد الله اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فخاف الله وأقلع عنها، وكان هذا العمل سببا لرفع جزء من الصخرة عنهم .. وكذلك يفرج الله عن عباده العارفين به حال الضراء إذا مسهم الضر و أصابهم البلاء.

أيها المسلمون: هذه مقدمات وروادع لفاحشة الزنا، وبيان لبعض عقوباتها في الآخرة والأولى. اما الأسباب المؤدية للجريمة، وأما العوامل المساعدة على الخلاص منها، فتلك لأهميتها أرجئ الحديث عنها لخطبة قادمة بإذن الله.

عصمني الله وإياكم من كل مكروه، وأخذ بأيدينا الى الخير والفلاح.

هذا وصلوا على القائل: ((ما من عبد يصلي علي إلا صلت عليه الملائكة مادام يصلي علي فليقلَّ العبد من ذلك أو ليكثر(1))) .

(1) ابن حمد 1/27، والنظر صحيح الجامع 3/165 0

(2) ابن حمد 1/127 0





(1) صحيح الجامع 6/306 0

(1) صحيح الجامع 5 / 174

عبقور2011
02-26-2011, 04:56 PM
تهيئة النفوس لأحداث المستقبل