المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تكبير الختم بين الإتباع و الابتداع


أبو إسحاق الحضرمي
03-25-2010, 03:09 PM
هذا مقال لي قديماً طلبه بعض الإخوان أثناء تدريسي بإحدى الدورات التابعة لمكتب التربية والتعليم قبل ثلاث سنوات ، وها أنقله كما هو بلا زيادة عليه ، ثم أرفقه ببحوث لأهل العلم اطلعتُ عليها بعد كتابته : وسأقوم بتوزيعه على الصفحات ، فلا يعجلنَّ أحدٌ بالتعقيب حتى أتمه :

إِنَّ الْحَمْدَ للهِ ، نَحْمَدُهُ وَ نَسْتَعِينُهُ وَ نَسْتَـغْـفِرُهُ ، وَ نَعُـوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْـفُسِنَا وَ مِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا ، مَنْ يَهْدِهِ اللهِ فَلا مُضِلَّ لَهُ ، وَ مَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ ، وَ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ، وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ ، أَمَّـا بَـعْـدُ:

فإنَّ مسألة التكبير وهي التكبير في آخر سورة الضحى إلى آخر سورة الناس، من المسائل التي وقع فيها الخلاف بين القرَّاء وغيرهم،فقد صحَّ التكبير من طريق الشاطبية، عن الإمام المقرئ ابن كثير المكي من رواية البزي، وبخلف عن قنبل، وصحَّ لحفصٍ من بعض طرق الطيبة ، وذهب بعض العلماء المعاصرين إلى بدعيَّةِ هذا التكبير، وأنه لم يثبت فيه شيءٌ صحيحٌ مرفوعٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، اجتهاداً منهم، وحرصاً منهم على تحرير كتاب الله من البدع – جزاهم الله خيراً -، وهنا عرض لأقوال بعض العلماء في حكم هذه المسألة، وإشارات مختصرة تفيء بالغرض – إن شاء الله- وتفصيل هذه المسألة ليس هذا محلّه.

قال أبو عبد الله الحاكم في مستدركه: حدَّثنا أبو يحيى محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ الأمام بمكة بالمسجد الحرام، حدَّثنا أبو عبد الله محمد بن علي بن زيد الصائغ ، حدَّثنا أحمد بن محمد بن القاسم بن أبي بزة ، قال: قال سمعتُ عكرمة بن سليمان يقول: قرأتُ على إسماعيل بن عبد الله بن قسطنطين، فلمَّا بلغتُ " والضحى" قال لي: كبّر عند خاتمة كلّ سورةٍ حتى تختم، وأخبره عبد الله بن كثير: أنه قرأ على مجاهد فأمره بذلك، وأخبره مجاهدٌ أنَّ ابن عباسٍ أمره بذلك، وأخبره ابن عبَّاسٍ أنَّ أُبيَّ بن كعبٍ أمره بذلك، وأخبره أُبيّ بن كعبٍ أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أمره بذلك) قال الحاكم: هذا حديثٌ صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.المستدرك:3/344:باب مناقب أبي بن كعب.

أبو إسحاق الحضرمي
03-25-2010, 03:15 PM
يقول الحافظ ابن كثير: روينا من طريق أبي الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله بن أبي بزة المقرئ قال: قرأتُ على عكرمة بن سليمان، وأخبرني أنه قرأ على إسماعيل بن قسطنطين و شبل بن عباد، فلمَّا بلغتُ والضحى، قالا لي: كبّر حتى تختم مع خاتمة كل سورة فإنا قرأنا على ابن كثير فأمرنا بذلك، وأخبرنا أنَّه قرأ على مجاهد فأمره بذلك، وأخبره أنه قرأ على ابن عباسٍ فأمره بذلك، وأخبره ابن عباسٍ أنه قرأ على أُبيّ بن كعبٍ فأمره بذلك، وأخبره أنه قرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره بذلك ) فهذه سنةٌ تفرد بها أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله البزي من ولد القاسم بن أبي بزة، وكان إماماً في القراءات، فأما في الحديث فقد ضعفه أبو حاتم الرازي، وقال:( لا أحدّث عنه)، وكذلك أبو جعفر العقيلي، قال:( هو منكر الحديث) لكن حكى شهاب الدين أبو شامة في شرح الشاطبية عن الشافعي: أنه سمع رجلاً يكبر هذا التكبير في الصلاة فقال:( أحسنتَ وأصبتَ السنة) وهذا يقتضي صحة هذا الحديث ) تفسير ابن كثير 4/673 عند تفسير سورة الضحى .

وقال أبو شامة المقدسي : وروى بعض علمائنا عن الحسن بن محمد بن عبد الله بن أبي يزيد القرشي قال: صلَّيتُ بالناس خلف المقام بالمسجد الحرام في التراويح في شهر رمضان، فلمَّا كان ليلة الختم كبَّرتُ من خاتمة والضحى إلى آخر القرآن في الصلاة، فلمَّا سلَّمتُ التفتُ وإذا أنا بأبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي صلى الله عليه وسلم قد صلَّى ورائي، فلمَّا بَصَرَني قال لي:( أحسنتَ أصبتَ السنة ) قال أبو الطيب عبد المنعم ابن غلبون: وهذه سنة مأثورة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة والتابعين ، وهي سنة بمكة لا يتركونها ألبتة، و لا يعتبرون رواية البزي و لا غيره، ومن عادة القراء في غير مكة أن لا يأخذوا بها إلا في رواية البزي وحدها ) انظر إبراز المعاني من حرز الأماني صـ736 .

وقال الإمام الذهبي: قال يعقوب الفَسََويّ: حدَّثنا الحميدي، حدَّثنا سفيان بن عيينة، قال: رأيتُ حميداً الأعرج يقرأ والناس حوله، فإذا بلغ " والضحى " كبَّر إذا ختم كلَّ سورة حتى يختم )... قال وحدَّثنا الحميدي قال: سألتُ سفيان بن عيينة قلتُ: يا أبا محمد رأيتُ شيئاً عجيباً ربَّما فعله النَّاسُ عندنا، يكبّر القارئ في شهر رمضان إذا ختم. فقال: رأيتُ صدقة بن عبد الله بن كثير يؤمَّ الناس منذ أكثر من سبعين سنة، فكان إذا ختم القرآن كبَّر ) وقال موسى بن هارون: قال لي ابن أبي بزة: حدَّثتُ محمد بن إدريس الشافعي، فقال لي: إن تركتَ التكبير فقد تركتَ سنَّةً من سُنَنِ نبيّك صلى الله عليه وسلم ) معرفة القراء الكبار للذهبي 1/177-178 .

يتبع

أبو إسحاق الحضرمي
03-26-2010, 01:43 PM
تابع للمقال السابق

يقول الإمام ابن الجزري: فاعلم أنَّ التكبير صحَّ عند أهل مكة قُرَّائهم وعلمائهم وأئمتهم ومن روى عنهم صحةً استفاضت واشتهرت وذاعت وانتشرت حتى بلغت حدَّ التواتر ) النشر في القراءات العشر 2/410 .

وقال أيضاً: ولمَّا منَّ الله تعالى عليَّ بالمجاورة بمكة ودخل شهر رمضان، فلم أرَ أحداً ممن صلَّى التراويح بالمسجد الحرام إلا ويكبر من الضحى عند الختم، فعلمتُ أنها سنة باقية فيهم إلى اليوم ) النشر في القراءات العشر 2/428 .

وقال أبو الفتح فارس بن أحمد – شيخ أبي عمرو الداني -: لا نقول إنه لابدَّ لِـمََن ختم أن يفعله، لكن من فعله فحسن، ومن لم يفعله فلا حرج عليه، وهو سنة مأثورة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة والتابعين ) النشر في القراءات العشر 2/411 .

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ولم ينقل عن أحدٍ من أئمة الدين أنَّ التكبير واجبٌ، وإنما غاية من يقرأ بحرف ابن كثير أن يقول: إنه مستحب ، وهذا خلاف البسملة، فإنَّ قراءتها واجبةٌ عند مَن يجعلُها من القرآن، ومع هذا فالقرَّاء يُسوّغون ترك قراءتها لمن لم يرَ الفصل بها. فكذلك يُسوَّغُ تركُ التكبير لمن ليس داخلاً في قراءته ) مجموع الفتاوى 13/419.

ويقول الإمام ابن الجزري: فقد ثبت التكبير عن أهل مكة فقهائهم وقرائهم وناهيك بالإمام الشافعي وسفيان بن عيينة وابن جريج وابن كثير وغيرهم، وأمَّا غيرهم فلم نجد عنهم في ذلك نصّاً حتى أصحاب الشافعي مع ثبوته عن إمامهم لم أجد لأحدٍ منهم نصّاً فيه شيء من كتبهم المبسوطة ولا المطوَّلة الموضوعة للفقه، وإنما ذكره استطراداً الإمام أبو الحسن السخاوي والإمام أبو إسحاق الجعبري، وكلاهما من أئمة الشافعية، والعلامة أبو شامة وهو من أكبر أصحاب الشافعي الذي كان يفتي بقولهم في عصرهم بالشام بل هو ممن وصل إلى رتبة الاجتهاد.. ) النشر في القراءات العشر 2/426 .

وقال الشيخ أحمد الطويل: فلا يجوز إنكار التكبير مطلقاً ، وإنَّما يُعطى حقَّه نظراً لكثرة رواته من القُرَّاء. فإن كبَّر القارئ بقراءة ابن كثير، لاسيّما البزي، فلا يُنكر عليه من جهة الرواية، سواء في الصلاة أو خارجها، وإن لم يصح سند التكبير من جهة الحديث، حيث تثبت القراءات بالتواتر، لا بالحديث ) فن الترتيل وعلومه 1/380 .

وقال الشيخ عبد الله العبيد: وأمَّا التكبير من الضحى إلى آخر القرآن فهو لحفصٍ من طريق الطيبة. وجعله بعض أفاضل علمائنا ومعاصرينا من البدع، لأنَّ الحديث فيه لم يثبت عندهم. وهو اجتهادٌ منهم، حملهم عليه الغيرة على تحرير كتاب الله من البدع. والتحقيق أنه سنةٌ صحَّت عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجهٍ ، وعن جماعة من الصحابة والتابعين وتابعيهم. لكن لمَّا كانت هذه الأخبار عنهم مرويّة في كتب قدماء أئمة الأداء غير المطبوعة – ككتب الداني والهذلي وأبي العلاء الهمذاني و الأهوازي وابن الباذش – ولم يكن لهم معرفةً بها قطعوا بعدم صحته.وقد أفردتُّ لذلك جزءاً نفيساً تكلَّمتُ فيه على الآثار المرفوعة والموقوفة والمقطوعة.. ) الإتقان في تجويد القرآن صـ109-110 .

ورحم الله الإمام الذهبي إذ يقول: فعند القُرَّاء أشياء متواترة دون غيرهم ، وعند الفقهاء مسائل متواترة عن أئمتهم لا يدريها القُرَّاء ، وعند المحدّثين أحاديث متواترة قد لا يكون سمعها الفقهاء أو أفادتهم ظنّاً فقط، وعند النحاة مسائل قطعيَّة ، وكذلك اللغويون . وليس مَن جَهَلَ علماً حجةً على مَن علمه، وإنَّما يقال للجاهل تعلَّم، وسَلْ أهل العلم إن كنتَ لا تعلم، ولا يقال للعالم: اجهل ما تعلم، رزقنا الله وإيَّاكم الإنصاف ) سير أعلام النبلاء 10/171 .

فهذه بعض أقوال العلماء الذين قرروا سنّية التكبير على تفصيل كما سبق ، وهناك من العلماء من يرى بأنه بدعة ، والأمر كما ترى ، ومن أراد المزيد من هذه المسألة، فليراجع ( رسالة: إرشاد البصير إلى سنية التكبير عن البشير النذيرصلى الله عليه وسلم لأحمد الزعبي ، ورسالة: تكبير الختم بين القراء والمحدثين للأخضر، وإبراز المعاني من حرز الأماني لأبي شامة المقدسي صـ730-742، والنشر في القراءات العشر لابن الجزري2/410-429 ، و معرفة القراء الكبار للذهبي 1/174-178، وسنن القرّاء ومناهج المجوّدين للقاري صـ209-225، وفن الترتيل وعلومه لأحمد الطويل 1/376-381، ورسالة: بدع القرَّاء، و مرويات دعاء ختم القرآن، كلاهما لبكر أبو زيد.

وصلَّى الله على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

كتبه
أبو إسحاق الحضرمي

وفيما يلي نقول أخَر موسعة في تخريج أحاديث التكبير - والله أعلم -

ومن عنده فضل علم فليرشد

عبقور2011
02-09-2011, 01:33 PM
http://alwsta.com/up/download.php?img=46059