أبو إسحاق الحضرمي
03-22-2010, 03:23 PM
هذا مقال لي سبق نشره بالمجلة الدعوية الصادرة عن منتدى الغيل الثقافي الاجتماعي ، وها أنا أضعه لإخواني - وقد استجدَّ لي في الموضوع إضافات عديدة ولكني أبقيه كما هو - .
الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على الصادق الأمين ، و على آله و صحبه و التابعين ، و من سار على نهجهم إلى يوم الدين . أما بعد :
فإنَّ قراءة أبي عمرو البصري من القراءات السبع المتواترة ، وكانت ولا يزال لها وجود في البلاد اليمنية ، لاسيّما الديار الحضرمية ، لاسيّما رواية الدوري عنه ، فقد دخلتْ قراءةُ أبي عمرو البصري إلى اليمن عامة ، ومنها حضرموت في وقتٍ مبكرٍ ، فقد أدخلها الإمام أبو عمرو البصري ، لما دخل اليمن مع أبيه ، فقد كان أبو عمرو البصري على خصومة مع الحجاج بن يوسف الثقفي ، فخرج بصحبة والده إلى اليمن سنة 95 هـ ، قال عن نفسه : أخافنا الحجاج فهرب أبي نحو اليمن ، و هربتُ معه ) وقد استفاد في رحلته تلك إلى اليمن ، و جمع من ألفاظ العرب و لغاتهم الشيء الكثير ، وكان لدخوله اليمن أثر في بقاء قراءته باليمن إلى اليوم . < تاريخ مدينة صنعاء صـ342 ، السلوك 1/ 125 ، تحفة الزمن في تاريخ اليمن صـ143 ، غاية النهاية 1/ 290 ، علم القراءات في اليمن صـ188 بتصرف >
وقد تتلمذ عدد من القراء اليمنيين على يديه ، فكتب لهذه القراءة الانتشار في أقاليم اليمن جميعها ، يقول المقدسي في كتابه :< أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم صـ97 > : القراءات بمكة على حرف ابن كثير ، و باليمن قراءة عاصم ، ثم قراءة أبي عمرو مستعملة في جميع الأقاليم ) ا. هـ يعني أقاليم اليمن و منها حضرموت . وهذا كان في القرن الرابع الهجري ، ثم ظلت هذه القراءة مستمرة فيما بعد ذلك من القرون ، ودليلنا على ذلك ، تلك الرسالة التي كتبها الأمير أبو الطامي جياش بن نجاح إلى معلّم ولده :( الأمانة ديانة تُحْرَمُ فيها الخيانة ..) ثم قال :( و علّمه كتاب الله ، فإنَّه الحبل المتين ، و لا ترخص له في نسيانه ، فإنَّه الخسران المبين ، و علِّمه قراءة أبي عمرو ، فإنَّها أشهر القراءات في البدو و الحضر ، واختر له مذهب أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي .. ) < تاريخ ثغر عدن لعبد الله بامخرمة 2/ 46- 47 ، علم القراءات في اليمن صـ198 بتصرف > .
و في القرن السادس للهجرة تفرد بإسناد قراءة أبي عمرو المقرئ أحمد بن محمد الحضرمي الحاسب المتوفى حوالي 590 هـ < المفيد في تاريخ صنعاء و زبيد صـ213 > .
وقد استمرت فيما بعد تلك القراءة فيما بعد ذلك من القرون ، حتى القرن الثامن ، ولهذا يقول الإمام ابن الجزري < ت : 833هـ > وهو من القراء القادمين إلى اليمن : ( فالقراءة التي عليها الناس اليوم بالشام و الحجاز واليمن ومصر هي قراءة أبي عمرو ، فلا تكاد تجد أحداً يلقن القرآن إلا على حرفه خاصة الفرش ، و قد يخطئون في الأصول ) < غاية النهاية 1/ 292 > .
و أيضاً فقد كان الأشاعرة - الذين ينتسبون لأبي الحسن الأشعري في المعتقد- في اليمن لهم اهتمام خاص بهذه القراءة ، وكانوا يعدّون إتقانها أحد أصولهم المنهجية ، فكانوا يرددون ما قاله أبو الحسن بن هبة السبتي :
إذا كنتَ في علمِ الأصولِ موافقاً * بعقدِك قولَ الأشعري المسدّدِ
و عاملتَ مولاك الكريمَ مخالصاً * بقول الإمام الشافـعي المؤيدِ
و أتقنتَ حرف ابن العلا مجوّداً * ولم تعد في الإعرابِ قول المبردِ
فأنتَ على الحقِّ اليقين موافقاً * شريـعة َخـيرِ الأنبـياءِ محمّدِ
< تحفة الزمن في تاريخ اليمن صـ360 >
ثم إنَّ هذه القراءة بدأت في الاندثار من البلاد اليمنية ، وبقيَ أهلُ حضرموت في بعض مناطقهم مثل مدينة تريم ، يحافظون على رواية الدوري إلى وقتنا هذا ، لكن على فرش الحروف أكثر من أصول الرواية كما ذكر ذلك ابن الجزري < غاية النهاية 1/ 292 >
وأما رواية السوسيّ عن أبي عمرو البصري : فلا أعلمُ لها انتشاراً عند الناس غير المتخصصين في القراءات في وقتنا هذا ، في حضرموت و لا في غيرها من البلاد اليمنية ، و الله أعلم .ومن عنده فضل علمٍ فليرشدنا.
و يرى بعض الناس أنّ دخول رواية الدوري لحضرموت كان في القرن العاشر الهجري ، لكن السياق التاريخي يثبت أنَّ هذه القراءة ظلت مستمرة لقرون عدّة حتى عصر ابن الجزري في النصف الأول من القرن التاسع ، و يمكن القول إنّ القراءة زُوحمتْ من قبل بعض القراءات فخَفَتَ وهجُها ، ثم عادت إلى الصدارة في القرن العاشر ، و استمرت إلى يومنا هذا لكن في بعض مناطق حضرموت . < علم القراءات في اليمن للمنصوري صـ199 مع تصرف بزيادة وحذف >
و مما يدلُّ على وجود رواية الدوري عن أبي عمرو البصري قراءةُ الناسِ بها اليوم في تريم وغيرها ، وطباعة المصحف الموجود اليوم في مدينة تريم على هذه الرواية ، و أيضاً مما يدل على وجود هذه الرواية بحضرموت ، وجود عدد من المؤلفات الحضرمية في ضبط هذه الرواية منها مثلاً : ( منظومة باكورة الوليد في علم التجويد ) لعبد الله بن أبي بكر باشعيب ( 1118 هـ ) وهي مطبوعة بآخر كتابه ( البلابل الصادحة على أغصان سورة الفاتحة ) بدار المنهاج بجدة ، و منها : ( سلم المريد إلى باكورة الوليد ) لأحمد بن علي بن هارون الجنيد ( 1275 هـ ) وهو شرح للمنظومة السابقة ، و هو مخطوط ، وعندي صورة منه - وطبع مؤخراً - ، يقول في المقدمة : و أوضحتُ ما ظهر معناه ، و سهّلتُ ما غمض من لفظه و مبناه ، و زدتُ أموراً مهمة في هذا الشأن تركها الناظم – رحمه الله تعالى - كمثل باب الروم و الإشمام و القلقلة و تبيين المد وحدّه على ما ذهب إليه الشيخ أبو عمرو ابن العلا البصري – رحمه الله – ) ا.هـ و منها رسالة شيخنا العلامة علي بن سالم بكير – حفظه الله - ( تنبيه من سها في قراءة ننسها ) وهي جواب لسؤال نصه : ما قول العلماء – أبقاهم الله نفعاً للأنام – في {ننسأْها} من قوله تعالى :{ ما ننسخ من آيةٍ أو ننسأْها} ؟ فإننا نسمع كثيراً يقرأونها بالألف من غير همزٍ ، فهل هي قراءة صحيحة أم لحن ؟ وما هي قراءة أبي عمرو في هذه الآية ؟ نرجوا البيان ولكم من الله جزيل الثواب ) ا.هـ .وهناك رسالة بعنوان : ( تيسير الأمر لمن يقرأ من العوام بقراءة أبي عمرو ) لأبي بكر العطاس ، وهي مطبوعة .
و هنا يقف القلم ، و نسأل الله الإخلاص في القول والعمل، و الحمد لله أولاً و آخراً ، و صلى الله على سيّدنا محمّدٍ و على آله وصحبه وسلّم .
صباح الثلاثاء الخامس من شوال 1428هـ
الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على الصادق الأمين ، و على آله و صحبه و التابعين ، و من سار على نهجهم إلى يوم الدين . أما بعد :
فإنَّ قراءة أبي عمرو البصري من القراءات السبع المتواترة ، وكانت ولا يزال لها وجود في البلاد اليمنية ، لاسيّما الديار الحضرمية ، لاسيّما رواية الدوري عنه ، فقد دخلتْ قراءةُ أبي عمرو البصري إلى اليمن عامة ، ومنها حضرموت في وقتٍ مبكرٍ ، فقد أدخلها الإمام أبو عمرو البصري ، لما دخل اليمن مع أبيه ، فقد كان أبو عمرو البصري على خصومة مع الحجاج بن يوسف الثقفي ، فخرج بصحبة والده إلى اليمن سنة 95 هـ ، قال عن نفسه : أخافنا الحجاج فهرب أبي نحو اليمن ، و هربتُ معه ) وقد استفاد في رحلته تلك إلى اليمن ، و جمع من ألفاظ العرب و لغاتهم الشيء الكثير ، وكان لدخوله اليمن أثر في بقاء قراءته باليمن إلى اليوم . < تاريخ مدينة صنعاء صـ342 ، السلوك 1/ 125 ، تحفة الزمن في تاريخ اليمن صـ143 ، غاية النهاية 1/ 290 ، علم القراءات في اليمن صـ188 بتصرف >
وقد تتلمذ عدد من القراء اليمنيين على يديه ، فكتب لهذه القراءة الانتشار في أقاليم اليمن جميعها ، يقول المقدسي في كتابه :< أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم صـ97 > : القراءات بمكة على حرف ابن كثير ، و باليمن قراءة عاصم ، ثم قراءة أبي عمرو مستعملة في جميع الأقاليم ) ا. هـ يعني أقاليم اليمن و منها حضرموت . وهذا كان في القرن الرابع الهجري ، ثم ظلت هذه القراءة مستمرة فيما بعد ذلك من القرون ، ودليلنا على ذلك ، تلك الرسالة التي كتبها الأمير أبو الطامي جياش بن نجاح إلى معلّم ولده :( الأمانة ديانة تُحْرَمُ فيها الخيانة ..) ثم قال :( و علّمه كتاب الله ، فإنَّه الحبل المتين ، و لا ترخص له في نسيانه ، فإنَّه الخسران المبين ، و علِّمه قراءة أبي عمرو ، فإنَّها أشهر القراءات في البدو و الحضر ، واختر له مذهب أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي .. ) < تاريخ ثغر عدن لعبد الله بامخرمة 2/ 46- 47 ، علم القراءات في اليمن صـ198 بتصرف > .
و في القرن السادس للهجرة تفرد بإسناد قراءة أبي عمرو المقرئ أحمد بن محمد الحضرمي الحاسب المتوفى حوالي 590 هـ < المفيد في تاريخ صنعاء و زبيد صـ213 > .
وقد استمرت فيما بعد تلك القراءة فيما بعد ذلك من القرون ، حتى القرن الثامن ، ولهذا يقول الإمام ابن الجزري < ت : 833هـ > وهو من القراء القادمين إلى اليمن : ( فالقراءة التي عليها الناس اليوم بالشام و الحجاز واليمن ومصر هي قراءة أبي عمرو ، فلا تكاد تجد أحداً يلقن القرآن إلا على حرفه خاصة الفرش ، و قد يخطئون في الأصول ) < غاية النهاية 1/ 292 > .
و أيضاً فقد كان الأشاعرة - الذين ينتسبون لأبي الحسن الأشعري في المعتقد- في اليمن لهم اهتمام خاص بهذه القراءة ، وكانوا يعدّون إتقانها أحد أصولهم المنهجية ، فكانوا يرددون ما قاله أبو الحسن بن هبة السبتي :
إذا كنتَ في علمِ الأصولِ موافقاً * بعقدِك قولَ الأشعري المسدّدِ
و عاملتَ مولاك الكريمَ مخالصاً * بقول الإمام الشافـعي المؤيدِ
و أتقنتَ حرف ابن العلا مجوّداً * ولم تعد في الإعرابِ قول المبردِ
فأنتَ على الحقِّ اليقين موافقاً * شريـعة َخـيرِ الأنبـياءِ محمّدِ
< تحفة الزمن في تاريخ اليمن صـ360 >
ثم إنَّ هذه القراءة بدأت في الاندثار من البلاد اليمنية ، وبقيَ أهلُ حضرموت في بعض مناطقهم مثل مدينة تريم ، يحافظون على رواية الدوري إلى وقتنا هذا ، لكن على فرش الحروف أكثر من أصول الرواية كما ذكر ذلك ابن الجزري < غاية النهاية 1/ 292 >
وأما رواية السوسيّ عن أبي عمرو البصري : فلا أعلمُ لها انتشاراً عند الناس غير المتخصصين في القراءات في وقتنا هذا ، في حضرموت و لا في غيرها من البلاد اليمنية ، و الله أعلم .ومن عنده فضل علمٍ فليرشدنا.
و يرى بعض الناس أنّ دخول رواية الدوري لحضرموت كان في القرن العاشر الهجري ، لكن السياق التاريخي يثبت أنَّ هذه القراءة ظلت مستمرة لقرون عدّة حتى عصر ابن الجزري في النصف الأول من القرن التاسع ، و يمكن القول إنّ القراءة زُوحمتْ من قبل بعض القراءات فخَفَتَ وهجُها ، ثم عادت إلى الصدارة في القرن العاشر ، و استمرت إلى يومنا هذا لكن في بعض مناطق حضرموت . < علم القراءات في اليمن للمنصوري صـ199 مع تصرف بزيادة وحذف >
و مما يدلُّ على وجود رواية الدوري عن أبي عمرو البصري قراءةُ الناسِ بها اليوم في تريم وغيرها ، وطباعة المصحف الموجود اليوم في مدينة تريم على هذه الرواية ، و أيضاً مما يدل على وجود هذه الرواية بحضرموت ، وجود عدد من المؤلفات الحضرمية في ضبط هذه الرواية منها مثلاً : ( منظومة باكورة الوليد في علم التجويد ) لعبد الله بن أبي بكر باشعيب ( 1118 هـ ) وهي مطبوعة بآخر كتابه ( البلابل الصادحة على أغصان سورة الفاتحة ) بدار المنهاج بجدة ، و منها : ( سلم المريد إلى باكورة الوليد ) لأحمد بن علي بن هارون الجنيد ( 1275 هـ ) وهو شرح للمنظومة السابقة ، و هو مخطوط ، وعندي صورة منه - وطبع مؤخراً - ، يقول في المقدمة : و أوضحتُ ما ظهر معناه ، و سهّلتُ ما غمض من لفظه و مبناه ، و زدتُ أموراً مهمة في هذا الشأن تركها الناظم – رحمه الله تعالى - كمثل باب الروم و الإشمام و القلقلة و تبيين المد وحدّه على ما ذهب إليه الشيخ أبو عمرو ابن العلا البصري – رحمه الله – ) ا.هـ و منها رسالة شيخنا العلامة علي بن سالم بكير – حفظه الله - ( تنبيه من سها في قراءة ننسها ) وهي جواب لسؤال نصه : ما قول العلماء – أبقاهم الله نفعاً للأنام – في {ننسأْها} من قوله تعالى :{ ما ننسخ من آيةٍ أو ننسأْها} ؟ فإننا نسمع كثيراً يقرأونها بالألف من غير همزٍ ، فهل هي قراءة صحيحة أم لحن ؟ وما هي قراءة أبي عمرو في هذه الآية ؟ نرجوا البيان ولكم من الله جزيل الثواب ) ا.هـ .وهناك رسالة بعنوان : ( تيسير الأمر لمن يقرأ من العوام بقراءة أبي عمرو ) لأبي بكر العطاس ، وهي مطبوعة .
و هنا يقف القلم ، و نسأل الله الإخلاص في القول والعمل، و الحمد لله أولاً و آخراً ، و صلى الله على سيّدنا محمّدٍ و على آله وصحبه وسلّم .
صباح الثلاثاء الخامس من شوال 1428هـ