المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : علم التجويد بين الدرس القديم والدرس الحديث


أبو إسحاق الحضرمي
01-26-2010, 03:53 PM
علم التجويد بين الدرس القديم والدرس الحديث
للدكتور غانم قدوري الحمد

يحظى " علم التجويد " في زماننا بعناية كبيرة من الدارسين المتخصصين ومن غيرهم ممن يحرصون على ضبط قراءتهم وتحسين أدائهم ، وكَثُرَتِ المؤلفات فيه كثرة يصعب على المتتبع الإحاطة بها ، لتعدد أماكن صدورها ، فإذا تمكَّن من الاطلاع على مؤلفات بلد ما فاته معرفة تلك المؤلفات في بلدان أُخرى .

وتميَّزتِ السنوات الأخيرة بظهور وسائل حديثة للتعلم والتعليم ، تستخدم أجهزة التسجيل المسموعة والمرئية ، ومختبرات الصوت ، و محطات البث الفضائي ، بالإضافة إلى حلقات التعلم على يد الشيوخ في المساجد والمدارس والجمعيات والبيوت .

ويلفت نظر المتتبع لذلك النشاط الواسع في مجال علم التجويد ، من التأليف والتعليم والأداء ، ملاحظات منهجية وموضوعية تتعلق بالتأليف ، وملاحظات تتعلق بصور الأداء لبعض الأحكام الصوتية ، كَثُرَ النقاش حولها بين المشتغلين بهذا العلم .

وعلى الرغم من هذه المكانة التي يحتلها علم التجويد ، والمساحة الواسعة من النشاط التي يشغلها إلا أنني وجدت عدم الاعتناء بمؤلفات هذا العلم الأولى ، وقصوراً في مواكبة المؤلفات الحديثة في علم التجويد لِمَا استجد في دراسة علم الأصوات اللغوية ، وأحسب أن كثيراً من الجدل حول بعض القضايا يمكن أن يزول من خلال العودة إلى المؤلفات الأولى لهذا العلم ، ومن خلال دراسة علم الأصوات اللغوية المعاصر .

وكانت لي تجربة في دراسة علم التجويد ، بدأت منذ أكثر من ربع قرن من الزمان ، وشملت البحث في تاريخ علم التجويد ، وتحقيق عدد من كتبه الأولى ، ودراسة موضوعاته دراسة صوتية ، وأحسب أنني انتهيت إلى نتائج مفيدة في هذه الجوانب ، والحمد لله والفضل له .

ولست أهدف في هذا البحث إلى عرض قواعد علم التجويد ودراستها ، ولكني أردت الوقوف عند عدد من المسائل المتعلقة بهذا العلم ، وهي موضع نقاش بين الدارسين ، عسى أن يُسهم ذلك في كشف الحقائق ، ويُوحِّدَ الفهم لها ، أو يقرِّب وجهات النظر حولها .

وسوف أعرض تلك المسائل من خلال المباحث الثلاثة الآتية:
1. نشأة علم التجويد ، وأشهر المؤلفات فيه .
2. علم التجويد في المؤلفات الحديثة .
3. العلاقة بين علم التجويد وعلم الأصوات اللغوية .


للموضوع بقية تتبع - إن شاء الله -

أبو إسحاق الحضرمي
01-26-2010, 04:00 PM
[size="5"]البحث الأول

نشأة علم التجويد وأشهر المؤلفات فيه[/
size]

1)) علم التجويد وحكم تعلمه :

تأخر ظهور علم التجويد بصورته المستقلة قرنين من الزمان عن وقت ظهور بواكير العلوم الإسلامية ، فأول مؤلَّف ظهر فيه كان في مطلع القرن الرابع الهجري ، ولا يعني ذلك عدم وجود قضاياه ، أو عدم الاعتناء بموضوعه ، فعلم التجويد يُعْنَى بدراسة النظام الصوتي للغة العربية ، وهو نظام راسخ في اللغة شأنه شأن علم الصرف وعلم النحو ، لكن موضوعاته كانت جزءاً من كتب اللغة ، خاصة كتب النحو والصرف ، على نحو ما نجد في كتاب سيبويه (ت 180هـ) في الباب الأخير الذي خصصه لموضوع الإدغام ، ودَرَسَ فيه النظام الصوتي للغة العربية ، كما أن صور النطق ووجوه الأداء كانت موضع عناية علماء قراءة القرآن ، منذ أن تلقاه الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين - من رسول الله - صلى الله عليه وسلم .

وعلم التجويد له اتصال بحقلين من حقول المعرفة العربية الإسلامية : الأول علوم اللغة ، والثاني علوم القرآن ، وسبب ذلك أن قواعده في معظمها ذات صفة لغوية ، ومجال تطبيقاته الآيات القرآنية ، وقد تمكن علماء القراءة في القرن الرابع الهجري من إبرازه علماً مستقلاً ، له عنوان متميز ، وله كتبه الخاصة به .

وعلى الرغم من أن علم التجويد يشارك علم القراءات في كون موضوعه ألفاظ القرآن ، إلا أن علم التجويد يُعْنَى بحقائق النطق ، ويبحث في طبيعة الأصوات وخصائصها ، بينما يُعْنَى علم القراءات باختلاف وجوه النطق المروية عن القراء .

وكانت هذه الحقيقة واضحة عند علماء القراءة والتجويد ، فهذا مكي بن أبي طالب القيسي ( ت 437هـ) مؤلف كتاب ( الرعاية لتجويد القراءة ) يقول فيه : " وقد ذكرنا في غير هذا الكتاب ما تُدْغَمُ فيه الذال وغيرها من الحروف ، مما اختلف القراء فيه ، فأغنى عن ذكر ذلك في هذا الكتاب ، فتلك الكتب كتبٌ تُحْفَظُ منها الرواية المختلف فيها ، وهذا الكتاب يُحْكَمُ فيه لفظ التلاوة التي لا خلاف فيها ، فتلك كتبُ رواية ، وهذا كتابُ دراية" ([1]).

واعتنى محمد المرعشي الملقب ساجقلي زاده ( ت 1150هـ) بإظهار هذه الحقيقة في كتبه ، فقال في كتابه ( جهد المقل) : " إن قلت : ما الفرق بين علمي التجويد والقراءات ؟ قلت : علم القراءات علم يُعْرَفُ فيه اختلاف أئمة الأمصار في نظم القرآن في نفس حروفه أو في صفاتها ، فإذا ذُكِرَ شيء من ماهية صفات الحروف فهو تتميم ، إذ لا يتعلق الغرض به ، وأما علم التجويد فالغرض منه معرفة ماهيات صفات الحروف ، فإذا ذُكِرَ فيه شيء من اختلاف الأئمة فهو تتميم ، كذا حُقِّقَ في الرعاية" ([2]).

وتحدث المرعشي أيضاً عن هذا الموضوع في كتابه ( ترتيب العلوم) ، فقال : " اعلم أن علم القراءة يخالف علم التجويد ، لأن المقصود من الثاني معرفة حقائق صفات الحروف مع قطع النظر عن الخلاف فيها ، مثلاً يُعْرَفُ في علم التجويد أن حقيقة التفخيم كذا ، وحقيقة الترقيق كذا ، وفي علم القراءة يُعْرَفُ : فخَّمها فلان ، ورقَّقها فلان ، وبهذا يندفع ما عسى أن يقال : علم القراءة يتضمن مباحث صفات الحروف ، كالإدغام والإظهار ، والمد والقصر ، والتفخيم والترقيق ، وهي مباحث علم التجويد " ([3]).

ووَصْفُ مكيٍّ لكتب القراءات بأنها كتب رواية ، وكتب التجويد بأنها كتب دراية ، لا يعني انفصال الدراية عن القراءات أو الرواية عن التجويد ، ومن ثم يجب أن يُحمل على إرادته غلبة جانب الرواية والنقل على علم القراءات ، وجانب الدراية والاستنباط على علم التجويد ، يُبيّنُ ذلك قول مكي نفسه في الرعاية : " فإذا اجتمع للمقرئ النقلُ والفطنةُ والدرايةُ وجبت له الإمامة،وصحَّت عليه القراءة ، إن كانت له مع ذلك ديانة" ([4])
ولا يعني ذلك أيضاً حرية القارئ في الاجتهاد في أحكام التجويد ، فالدراية معناها الفهم والتعقل للمَرْوِيِّ ، وليس الخروج عليه ، فالقراءات تؤخذ رواية أي عن طريق الحفظ ، وقواعد التجويد تعتمد على الدراية ، أي على التَّفَهُّمِ للأحكام ، وتفسير العلل التي أدَّت إليها.([5])

وينبغي التفريق بين الأحكام الصوتية ، وبين البحث في عللها ، والحديث عن مخارج الحروف وصفاتها ، فالأحكام الصوتية مرتبطة بالرواية التي يجب الحفاظ عليها والتمسك بها ، أما البحث في العلل وتحديد المخارج والصفات فإنه يمكن أن يكون موضع خلاف بين العلماء ، تبعاً لاختلافهم في الفهم وقوة النظر . وبناء على ذلك قال العلماء : إن معرفة علم التجويد فرض كفاية والعمل به فرض عين. ([6]) ، لأن درس الأحكام والتأليف فيها من شأن العلماء ، أما الالتزام بالقراءة الصحيحة وأحكامها فإنه أمر يتعين على كل من قرأ القرآن ، وليس هو موضع خلاف .

وأشار ابن الجزري إلى حكم تعلم التجويد في ( المقدمة ) بقوله ([7]):
والأخذُ بالتجويد حَتْمٌ لازِمٌ ** مَن لم يجوِّدِ القرآنَ آثمُ
لأنه به الإله أَنْـزَلاَ ** وهكذا منه إلينا وصلا
هو أيضاً حليةُ التلاوة ** وزينةُ الأداءِ والقـراءة

واستثنى ابن الجزري من هذا الحكم مَن لا يطاوعه لسانه ، أو لا يجد من يهديه إلى الصواب ([8]). ونقل قول نصر بن علي الشيرازي ( ت 560هـ) : في كتابه ( الموضح في وجوه القراءة ) ، في فصل التجويد منه ، بعد ذِكْرِه الترتيل والحدر ولزوم التجويد فيهما ، قال ([9]): " فإنّ حُسْنَ الأداء فرضٌ في القراءة ، ويجب على القارئ أن يتلوَ القرآن حق تلاوته ، صيانة للقرآن عن أن يجد اللحن والتغيير إليه سبيلا ، على أن العلماء قد اختلفوا في وجوب حسن الأداء في القرآن :

فبعضهم ذهب إلى أن ذلك مقصور على ما يلزم المكلف قراءته في المفترضات ، فإن تجويد اللفظ وتقويم الحروف وحسن الأداء واجب فيه فحسب .

وذهب آخرون إلى أن ذلك واجب على كل من قرأ شيئاً من القرآن كيف ما كان ، لأنه لا رخصة في تغيير اللفظ بالقرآن وتعويجه واتخاذ اللحن إليه سبيلاً ، إلا عند الضرورة ، قال الله تعالى : ( قرآناً عربياً غيرَ ذي عِوَجٍ ) [ الزمر 28 ] ([10]) ، وقال ابن الجزري مُعَقِّبًاً : " وهذا الخلاف على هذا الوجه الذي ذكره غريب ، والمذهب الثاني هو الصحيح ، بل الصواب على ما قدمنا ، وكذا ذكره الإمام الحجة أبو الفضل الرازي في تجويده ، وصوَّب ما صوَّبناه ، والله أعلم " .([11])

وأحسب أن موضوع الالتزام بقواعد التجويد لا ينبغي أن يكون موضع نظر أو نقاش ، فكما أن القراءة سُنَّـةٌ يأخذها الآخِر عن الأول ، فكذلك التجويد ، لأن أحكام التجويد مُضَمَّنَةٌ في القراءات المروية ، ولا أظن أن أحداً يقول بإمكانية تغيير حركات الإعراب ، فكذلك أحكام التجويد من إدغام وإخفاء ، أو ترقيق وتفخيم ، أو مد وقصر ، كل ما في الأمر أن هذه الأحكام تحتاج إلى نظر أدق ، قال السعيدي ( ت 410هـ) : " فاللحن الجليُّ يعرفه المقرئون والنحويون ، وغيرهم ممَّن شمَّ رائحة العلم ، واللحن الخفيُّ لا يعرفه إلا المقرئ المتقن الضابط ... " ([12])، ويجب التفريق بين القول بوجوب الأخذ بأحكام التجويد ، والتنطع والمبالغة في أدائها ، مما يخرج إلى التكلف ، وإنما ينبني الكلام وتقوم الأحكام على النطق الجاري على استقامة الطبع ، لا على التكلف ([13]).
وأود أن أُذكِّرَ الذين قد يستصعبون مراعاة قواعد التجويد في القراءة ، ويرغبون في التحرر منها ، بأن هذه القواعد قد أسهمت في تحقيق أمرين :

الأول : الحفاظ على قراءة القرآن التي قرأها رسول الله – صلى الله عليه وسلم - ، وصحابته ، بأصواتها وأحكامها ، من خلال التلقي الشفهي والتلقين ، وفي ذلك حفظ للقرآن الكريم ذاته .

والآخر : الحفاظ على اللغة العربية من التغير والتبدل ، وذلك من خلال تلقين الناشئة النطق الصحيح وهم يتعلمون قراءة القرآن ، فتعتاد ألسنتهم على النطق الفصيح .

وحاجة الأمة مستمرة إلى كلا هذين الأمرين ، مما يدعو إلى العناية بتعليم الناشئة علم التجويد وأحكام القراءة الصحيحة ، والعناية بالتراث العلمي الذي تركه علماء القراءة والتجويد ، وتيسير الاستفادة منه ، وهو ما تضطلع به اليوم المؤسسات العلمية والجمعيات الخيرية ، والأفراد ، في مسيرة مستمرة متواصلة يتسابق فيها المعلِّم والمتعلم ، يحدوهم قول النبي – صلى الله عليه وسلم - : " خيركم مَن تعلَّم القرآن وعلّمه "([14]) ، وهذا الحديث كان يرويه أبو عبد الرحمن السلمي الذي جلس في مسجد الكوفة الجامع يعلّم القرآن أربعين سنة ، ويقول : هذا الذي أقعدني هذا المقعد. ([15]).

أبو إسحاق الحضرمي
01-26-2010, 04:00 PM
[size="5"]البحث الأول

نشأة علم التجويد وأشهر المؤلفات فيه[/
size]

1)) علم التجويد وحكم تعلمه :

تأخر ظهور علم التجويد بصورته المستقلة قرنين من الزمان عن وقت ظهور بواكير العلوم الإسلامية ، فأول مؤلَّف ظهر فيه كان في مطلع القرن الرابع الهجري ، ولا يعني ذلك عدم وجود قضاياه ، أو عدم الاعتناء بموضوعه ، فعلم التجويد يُعْنَى بدراسة النظام الصوتي للغة العربية ، وهو نظام راسخ في اللغة شأنه شأن علم الصرف وعلم النحو ، لكن موضوعاته كانت جزءاً من كتب اللغة ، خاصة كتب النحو والصرف ، على نحو ما نجد في كتاب سيبويه (ت 180هـ) في الباب الأخير الذي خصصه لموضوع الإدغام ، ودَرَسَ فيه النظام الصوتي للغة العربية ، كما أن صور النطق ووجوه الأداء كانت موضع عناية علماء قراءة القرآن ، منذ أن تلقاه الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين - من رسول الله - صلى الله عليه وسلم .

وعلم التجويد له اتصال بحقلين من حقول المعرفة العربية الإسلامية : الأول علوم اللغة ، والثاني علوم القرآن ، وسبب ذلك أن قواعده في معظمها ذات صفة لغوية ، ومجال تطبيقاته الآيات القرآنية ، وقد تمكن علماء القراءة في القرن الرابع الهجري من إبرازه علماً مستقلاً ، له عنوان متميز ، وله كتبه الخاصة به .

وعلى الرغم من أن علم التجويد يشارك علم القراءات في كون موضوعه ألفاظ القرآن ، إلا أن علم التجويد يُعْنَى بحقائق النطق ، ويبحث في طبيعة الأصوات وخصائصها ، بينما يُعْنَى علم القراءات باختلاف وجوه النطق المروية عن القراء .

وكانت هذه الحقيقة واضحة عند علماء القراءة والتجويد ، فهذا مكي بن أبي طالب القيسي ( ت 437هـ) مؤلف كتاب ( الرعاية لتجويد القراءة ) يقول فيه : " وقد ذكرنا في غير هذا الكتاب ما تُدْغَمُ فيه الذال وغيرها من الحروف ، مما اختلف القراء فيه ، فأغنى عن ذكر ذلك في هذا الكتاب ، فتلك الكتب كتبٌ تُحْفَظُ منها الرواية المختلف فيها ، وهذا الكتاب يُحْكَمُ فيه لفظ التلاوة التي لا خلاف فيها ، فتلك كتبُ رواية ، وهذا كتابُ دراية" ([1]).

واعتنى محمد المرعشي الملقب ساجقلي زاده ( ت 1150هـ) بإظهار هذه الحقيقة في كتبه ، فقال في كتابه ( جهد المقل) : " إن قلت : ما الفرق بين علمي التجويد والقراءات ؟ قلت : علم القراءات علم يُعْرَفُ فيه اختلاف أئمة الأمصار في نظم القرآن في نفس حروفه أو في صفاتها ، فإذا ذُكِرَ شيء من ماهية صفات الحروف فهو تتميم ، إذ لا يتعلق الغرض به ، وأما علم التجويد فالغرض منه معرفة ماهيات صفات الحروف ، فإذا ذُكِرَ فيه شيء من اختلاف الأئمة فهو تتميم ، كذا حُقِّقَ في الرعاية" ([2]).

وتحدث المرعشي أيضاً عن هذا الموضوع في كتابه ( ترتيب العلوم) ، فقال : " اعلم أن علم القراءة يخالف علم التجويد ، لأن المقصود من الثاني معرفة حقائق صفات الحروف مع قطع النظر عن الخلاف فيها ، مثلاً يُعْرَفُ في علم التجويد أن حقيقة التفخيم كذا ، وحقيقة الترقيق كذا ، وفي علم القراءة يُعْرَفُ : فخَّمها فلان ، ورقَّقها فلان ، وبهذا يندفع ما عسى أن يقال : علم القراءة يتضمن مباحث صفات الحروف ، كالإدغام والإظهار ، والمد والقصر ، والتفخيم والترقيق ، وهي مباحث علم التجويد " ([3]).

ووَصْفُ مكيٍّ لكتب القراءات بأنها كتب رواية ، وكتب التجويد بأنها كتب دراية ، لا يعني انفصال الدراية عن القراءات أو الرواية عن التجويد ، ومن ثم يجب أن يُحمل على إرادته غلبة جانب الرواية والنقل على علم القراءات ، وجانب الدراية والاستنباط على علم التجويد ، يُبيّنُ ذلك قول مكي نفسه في الرعاية : " فإذا اجتمع للمقرئ النقلُ والفطنةُ والدرايةُ وجبت له الإمامة،وصحَّت عليه القراءة ، إن كانت له مع ذلك ديانة" ([4])
ولا يعني ذلك أيضاً حرية القارئ في الاجتهاد في أحكام التجويد ، فالدراية معناها الفهم والتعقل للمَرْوِيِّ ، وليس الخروج عليه ، فالقراءات تؤخذ رواية أي عن طريق الحفظ ، وقواعد التجويد تعتمد على الدراية ، أي على التَّفَهُّمِ للأحكام ، وتفسير العلل التي أدَّت إليها.([5])

وينبغي التفريق بين الأحكام الصوتية ، وبين البحث في عللها ، والحديث عن مخارج الحروف وصفاتها ، فالأحكام الصوتية مرتبطة بالرواية التي يجب الحفاظ عليها والتمسك بها ، أما البحث في العلل وتحديد المخارج والصفات فإنه يمكن أن يكون موضع خلاف بين العلماء ، تبعاً لاختلافهم في الفهم وقوة النظر . وبناء على ذلك قال العلماء : إن معرفة علم التجويد فرض كفاية والعمل به فرض عين. ([6]) ، لأن درس الأحكام والتأليف فيها من شأن العلماء ، أما الالتزام بالقراءة الصحيحة وأحكامها فإنه أمر يتعين على كل من قرأ القرآن ، وليس هو موضع خلاف .

وأشار ابن الجزري إلى حكم تعلم التجويد في ( المقدمة ) بقوله ([7]):
والأخذُ بالتجويد حَتْمٌ لازِمٌ ** مَن لم يجوِّدِ القرآنَ آثمُ
لأنه به الإله أَنْـزَلاَ ** وهكذا منه إلينا وصلا
هو أيضاً حليةُ التلاوة ** وزينةُ الأداءِ والقـراءة

واستثنى ابن الجزري من هذا الحكم مَن لا يطاوعه لسانه ، أو لا يجد من يهديه إلى الصواب ([8]). ونقل قول نصر بن علي الشيرازي ( ت 560هـ) : في كتابه ( الموضح في وجوه القراءة ) ، في فصل التجويد منه ، بعد ذِكْرِه الترتيل والحدر ولزوم التجويد فيهما ، قال ([9]): " فإنّ حُسْنَ الأداء فرضٌ في القراءة ، ويجب على القارئ أن يتلوَ القرآن حق تلاوته ، صيانة للقرآن عن أن يجد اللحن والتغيير إليه سبيلا ، على أن العلماء قد اختلفوا في وجوب حسن الأداء في القرآن :

فبعضهم ذهب إلى أن ذلك مقصور على ما يلزم المكلف قراءته في المفترضات ، فإن تجويد اللفظ وتقويم الحروف وحسن الأداء واجب فيه فحسب .

وذهب آخرون إلى أن ذلك واجب على كل من قرأ شيئاً من القرآن كيف ما كان ، لأنه لا رخصة في تغيير اللفظ بالقرآن وتعويجه واتخاذ اللحن إليه سبيلاً ، إلا عند الضرورة ، قال الله تعالى : ( قرآناً عربياً غيرَ ذي عِوَجٍ ) [ الزمر 28 ] ([10]) ، وقال ابن الجزري مُعَقِّبًاً : " وهذا الخلاف على هذا الوجه الذي ذكره غريب ، والمذهب الثاني هو الصحيح ، بل الصواب على ما قدمنا ، وكذا ذكره الإمام الحجة أبو الفضل الرازي في تجويده ، وصوَّب ما صوَّبناه ، والله أعلم " .([11])

وأحسب أن موضوع الالتزام بقواعد التجويد لا ينبغي أن يكون موضع نظر أو نقاش ، فكما أن القراءة سُنَّـةٌ يأخذها الآخِر عن الأول ، فكذلك التجويد ، لأن أحكام التجويد مُضَمَّنَةٌ في القراءات المروية ، ولا أظن أن أحداً يقول بإمكانية تغيير حركات الإعراب ، فكذلك أحكام التجويد من إدغام وإخفاء ، أو ترقيق وتفخيم ، أو مد وقصر ، كل ما في الأمر أن هذه الأحكام تحتاج إلى نظر أدق ، قال السعيدي ( ت 410هـ) : " فاللحن الجليُّ يعرفه المقرئون والنحويون ، وغيرهم ممَّن شمَّ رائحة العلم ، واللحن الخفيُّ لا يعرفه إلا المقرئ المتقن الضابط ... " ([12])، ويجب التفريق بين القول بوجوب الأخذ بأحكام التجويد ، والتنطع والمبالغة في أدائها ، مما يخرج إلى التكلف ، وإنما ينبني الكلام وتقوم الأحكام على النطق الجاري على استقامة الطبع ، لا على التكلف ([13]).
وأود أن أُذكِّرَ الذين قد يستصعبون مراعاة قواعد التجويد في القراءة ، ويرغبون في التحرر منها ، بأن هذه القواعد قد أسهمت في تحقيق أمرين :

الأول : الحفاظ على قراءة القرآن التي قرأها رسول الله – صلى الله عليه وسلم - ، وصحابته ، بأصواتها وأحكامها ، من خلال التلقي الشفهي والتلقين ، وفي ذلك حفظ للقرآن الكريم ذاته .

والآخر : الحفاظ على اللغة العربية من التغير والتبدل ، وذلك من خلال تلقين الناشئة النطق الصحيح وهم يتعلمون قراءة القرآن ، فتعتاد ألسنتهم على النطق الفصيح .

وحاجة الأمة مستمرة إلى كلا هذين الأمرين ، مما يدعو إلى العناية بتعليم الناشئة علم التجويد وأحكام القراءة الصحيحة ، والعناية بالتراث العلمي الذي تركه علماء القراءة والتجويد ، وتيسير الاستفادة منه ، وهو ما تضطلع به اليوم المؤسسات العلمية والجمعيات الخيرية ، والأفراد ، في مسيرة مستمرة متواصلة يتسابق فيها المعلِّم والمتعلم ، يحدوهم قول النبي – صلى الله عليه وسلم - : " خيركم مَن تعلَّم القرآن وعلّمه "([14]) ، وهذا الحديث كان يرويه أبو عبد الرحمن السلمي الذي جلس في مسجد الكوفة الجامع يعلّم القرآن أربعين سنة ، ويقول : هذا الذي أقعدني هذا المقعد. ([15]).


للموضوع بقية

الهوامش في آخر مبحث - إن شاء الله -

أبو إسحاق الحضرمي
01-26-2010, 04:06 PM
(2) المؤلفات الأولى في علم التجويد :

لعل أقدم نص وردت فيه كلمة ( التجويد ) بالمعنى الاصطلاحي هو قول ابن مجاهد البغدادي ( ت 324هـ) : " اللحن في القرآن لحنان : جليٌّ وخفيٌّ ، فالجلي لحن الإعراب ، والخفي ترك إعطاء الحرف حَقَّهُ من تجويد لفظه".([16]) وهذا القول قد أرسى لهذا العلم عنوانه ، وهو ( علم التجويد ) ، كما أنه حدد موضوعه ، وهو معالجة مظاهر اللحن الخفي .

وقال ابن الجزري : إن أبا مزاحم الخاقاني ( موسى بن عبيد الله ت 325هـ) البغدادي ، " هو أول من صنّف في التجويد في ما أعلم ، وقصيدته الرائية مشهورة ، وشرحها الحافظ أبو عمرو "([17]) . وهي القصيدة التي قالها أبو مزاحم في حسن أداء القرآن ، وعدد أبياتها واحد وخمسون بيتاً([18]) ، ومطلعها :
أقول مقالاً مُعْجِباً لأُولي الحِجْرِ ** ولا فَخْرَ ، إنَّ الفَخْرَ يدعو إلى الكِبْرِ
وشرح أبو عمرو الداني ( ت 444هـ) قصيدة أبي مزاحم ، ومن هذا الشرح نسخة ناقصة في مكتبة جستر بتي ( رقم 3653/10) ومنه نسخة في مكتبة ( رضا) في رامبور بالهند ( رقمها 279) ، وكان لهذه القصيدة أثر واضح في تنشيط حركة التأليف في علم التجويد ، نظماً ونثراً ، وإن كانت قصيدة الخاقاني ليس فيها إلا إشارات عامة إلى موضوعات علم التجويد ، ولم يرد فيها مصطلح ( التجويد ) ([19]).

وأول مؤلف ورد فيه مصطلح ( التجويد ) هو كتاب ( التنبيه على اللحن الجلي واللحن الخفي ) لأبي الحسن علي بن جعفر السعيدي ( ت 410هـ) ([20]) ، والسعيدي هو مؤلِّف كتاب ( اختلاف القراء الثمانية ) الذي شرحه نصر بن علي الشيرازي ( ت 565هـ) في كتابه ( الموضح في وجوه القراءة ) ([21]).
وكنت قد عملتُ قائمة بالمؤلفات الخاصة بعلم التجويد ، تضم أكثر من مئة كتاب ، تمتد من بدء التأليف فيه على يد أبي مزاحم الخاقاني إلى أوائل القرن الرابع عشر الهجري ، حيث انتهت بحسن بن إسماعيل الدَّرْكزَلِّي الحبَّار الموصلي ( ت 1327هـ) ([22]). وأصدر المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية ( الفهرس الشامل لمخطوطات التجويد ) في جزءين سنة 1986 ، وهو يضم أسماء مخطوطات علم التجويد وأسماء مؤلفيها ، وأماكن وجودها ، من القرن الثاني إلى القرن الرابع عشر الهجريين .

ولا يتسع المقام للحديث عن تلك المؤلفات ، وسأكتفي بالإشارة إلى عدد من الملاحظات التي أرجو أن تُشَوِّقَ القارئ إلى متابعة البحث عنها والاطلاع عليها :

1. كُتِبَت أهم مؤلفات علم التجويد وأشهرها في القرن الخامس الهجري ، وظهرت تلك المؤلفات في وقت متزامن في بلاد الأندلس وفي بغداد وبلدان المشرق الإسلامي ، وأشهر المؤلفات الأندلسية :
- الرعاية لتجويد القراءة وتحقيق لفظ التلاوة – لمكي بن أبي طالب القيسي (ت 437هـ) ([23]).
- التحديد في الإتقان والتجويد – لأبي عمرو عثمان بن سعيد الداني (ت 444هـ). ([24])
- الموضح في التجويد - لعبد الوهاب القرطبي ( ت 461هـ). ([25])
ومن مؤلفات المشارقة بعد كتاب ( التنبيه) للسعيدي :
- كتاب التجويد ، لأبي الفضل عبد الرحمن بن أحمد بن بندار العجلي الرازي ( ت 454هـ).([26])
- كتاب التجريد في التجويد ، لأبي علي الحسن بن أحمد بن البناء البغدادي (ت 471هـ).([27])
ومن اللافت للنظر أن أكثر كتب علم التجويد الأندلسية بقيت متداولة حتى وصلت إلى زماننا ، وكانت مدار البحث والدرس في القديم والحديث ، بينما لم يبق من كتب المشارقة شيء يُذْكَرُ ، فكتاب أبي الفضل الرازي كان معروفاً على ما يبدو حتى عصر ابن الجزري ، وقد نقل منه الأندرابي ( ت 500هـ) في كتابه ( الإيضاح في القراءات ) ([28]) ، ولا نعلم شيئاً عن كتاب ابن البناء ( التجريد في التجويد ) لولا أنه ذكره في رسالته القيمة ( بيان العيوب التي يجب أن يتجنبها القراء ). ([29])

2. تتميز مؤلفات القرن الخامس التي اطلعنا عليها بالجدة والابتكار ، فقد تحقق على يد مكي والداني وضع قواعد هذا العلم بشكلها المستقل عن كتب اللغة وكتب القراءات ، واستطاع عبد الوهاب القرطبي في كتابه ( الموضح) أن يجمع بين (الرعاية والتحديد) في صياغة جزلة وتبويب محكم .

3. تشترك الكتب الثلاثة ( الرعاية ، والتحديد ، والموضح ) بمعالجة الموضوعات الأساسية لعلم الأصوات : دراسة المخارج والصفات ، والأحكام الصوتية الناشئة عن التركيب ، مطبقة على الآيات القرآنية ، مع احتفاظ كل واحد من الثلاثة بشخصية علمية متميزة لا يتسع المجال للحديث عنها .

وإذا كنا قد فاتنا الاطلاع على كتب علم التجويد التي كتبها المشارقة في القرن الخامس فإننا لم نحرم من نصوص ذات دلالة من كتاب ( التجويد ) لأبي الفضل العجلي الرازي ، خاصة ما يتعلق بتقسيم أصوات العربية إلى جوامد وذوائب ، مع قضايا أخرى مهمة([30]). وينبغي ألاَّ ييأس الباحثون من إمكانية العثور على كتاب التجويد للرازي ، كما عُثِرَ على كتابه ( فضائل القرآن ) في إحدى مكتبات ( طشقند) منذ عهد قريب([31]).

وهناك كتاب مخطوط لعالم مشرقي أدرك القرن الخامس وعاش الشطر الأكبر من حياته في القرن السادس ، وهو كتاب ( التجريد في التجويد ) من تأليف أبي علي سهل بن محمد بن أحمد الأصبهاني الحاجي المتوفى سنة 543هـ([32]) ، يمكن أن يُعوِّض ما فقدناه من كتب علم التجويد المشرقية المؤلفة في القرن الخامس ، ونسخته محفوظة في مكتبة ( رضا ) في مدينة رامبور بالهند برقم (285) ، وهي في ثلاث وعشرين ورقة([33]). وعسى أن يتاح لها مَن يخرجها من محبسها ، وييسر اطلاع الباحثين عليها .

4. لا يتسع المقام لتتبع المؤلفات الأخرى من القرن السادس وما بعده ، إلا أنني أُذكِّر الإخوة الباحثين ، قبل أن أنتقل إلى الحديث عن مرحلة أخرى من مراحل التأليف في علم التجويد ، بكتابين مخطوطين آخرين في مكتبات الهند ، هما ( نهاية الإتقان في تجويد القرآن ) لأبي الحسن شريح بن محمد الرعيني الأندلسي ( ت 539هـ) ، في مكتبة الجمعية الملكية الآسيوية في كلكتا برقم ( 795) ([34])، وكتاب ( شرح القصيدة الخاقانية ) للداني وقد أشرت إلى مخطوطته من قبل([35]).

للموضوع بقية تتبع - إن شاء الله -

أبو إسحاق الحضرمي
01-26-2010, 04:07 PM
(2) المؤلفات الأولى في علم التجويد :

لعل أقدم نص وردت فيه كلمة ( التجويد ) بالمعنى الاصطلاحي هو قول ابن مجاهد البغدادي ( ت 324هـ) : " اللحن في القرآن لحنان : جليٌّ وخفيٌّ ، فالجلي لحن الإعراب ، والخفي ترك إعطاء الحرف حَقَّهُ من تجويد لفظه".([16]) وهذا القول قد أرسى لهذا العلم عنوانه ، وهو ( علم التجويد ) ، كما أنه حدد موضوعه ، وهو معالجة مظاهر اللحن الخفي .

وقال ابن الجزري : إن أبا مزاحم الخاقاني ( موسى بن عبيد الله ت 325هـ) البغدادي ، " هو أول من صنّف في التجويد في ما أعلم ، وقصيدته الرائية مشهورة ، وشرحها الحافظ أبو عمرو "([17]) . وهي القصيدة التي قالها أبو مزاحم في حسن أداء القرآن ، وعدد أبياتها واحد وخمسون بيتاً([18]) ، ومطلعها :
أقول مقالاً مُعْجِباً لأُولي الحِجْرِ ** ولا فَخْرَ ، إنَّ الفَخْرَ يدعو إلى الكِبْرِ
وشرح أبو عمرو الداني ( ت 444هـ) قصيدة أبي مزاحم ، ومن هذا الشرح نسخة ناقصة في مكتبة جستر بتي ( رقم 3653/10) ومنه نسخة في مكتبة ( رضا) في رامبور بالهند ( رقمها 279) ، وكان لهذه القصيدة أثر واضح في تنشيط حركة التأليف في علم التجويد ، نظماً ونثراً ، وإن كانت قصيدة الخاقاني ليس فيها إلا إشارات عامة إلى موضوعات علم التجويد ، ولم يرد فيها مصطلح ( التجويد ) ([19]).

وأول مؤلف ورد فيه مصطلح ( التجويد ) هو كتاب ( التنبيه على اللحن الجلي واللحن الخفي ) لأبي الحسن علي بن جعفر السعيدي ( ت 410هـ) ([20]) ، والسعيدي هو مؤلِّف كتاب ( اختلاف القراء الثمانية ) الذي شرحه نصر بن علي الشيرازي ( ت 565هـ) في كتابه ( الموضح في وجوه القراءة ) ([21]).
وكنت قد عملتُ قائمة بالمؤلفات الخاصة بعلم التجويد ، تضم أكثر من مئة كتاب ، تمتد من بدء التأليف فيه على يد أبي مزاحم الخاقاني إلى أوائل القرن الرابع عشر الهجري ، حيث انتهت بحسن بن إسماعيل الدَّرْكزَلِّي الحبَّار الموصلي ( ت 1327هـ) ([22]). وأصدر المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية ( الفهرس الشامل لمخطوطات التجويد ) في جزءين سنة 1986 ، وهو يضم أسماء مخطوطات علم التجويد وأسماء مؤلفيها ، وأماكن وجودها ، من القرن الثاني إلى القرن الرابع عشر الهجريين .

ولا يتسع المقام للحديث عن تلك المؤلفات ، وسأكتفي بالإشارة إلى عدد من الملاحظات التي أرجو أن تُشَوِّقَ القارئ إلى متابعة البحث عنها والاطلاع عليها :

1. كُتِبَت أهم مؤلفات علم التجويد وأشهرها في القرن الخامس الهجري ، وظهرت تلك المؤلفات في وقت متزامن في بلاد الأندلس وفي بغداد وبلدان المشرق الإسلامي ، وأشهر المؤلفات الأندلسية :
- الرعاية لتجويد القراءة وتحقيق لفظ التلاوة – لمكي بن أبي طالب القيسي (ت 437هـ) ([23]).
- التحديد في الإتقان والتجويد – لأبي عمرو عثمان بن سعيد الداني (ت 444هـ). ([24])
- الموضح في التجويد - لعبد الوهاب القرطبي ( ت 461هـ). ([25])
ومن مؤلفات المشارقة بعد كتاب ( التنبيه) للسعيدي :
- كتاب التجويد ، لأبي الفضل عبد الرحمن بن أحمد بن بندار العجلي الرازي ( ت 454هـ).([26])
- كتاب التجريد في التجويد ، لأبي علي الحسن بن أحمد بن البناء البغدادي (ت 471هـ).([27])
ومن اللافت للنظر أن أكثر كتب علم التجويد الأندلسية بقيت متداولة حتى وصلت إلى زماننا ، وكانت مدار البحث والدرس في القديم والحديث ، بينما لم يبق من كتب المشارقة شيء يُذْكَرُ ، فكتاب أبي الفضل الرازي كان معروفاً على ما يبدو حتى عصر ابن الجزري ، وقد نقل منه الأندرابي ( ت 500هـ) في كتابه ( الإيضاح في القراءات ) ([28]) ، ولا نعلم شيئاً عن كتاب ابن البناء ( التجريد في التجويد ) لولا أنه ذكره في رسالته القيمة ( بيان العيوب التي يجب أن يتجنبها القراء ). ([29])

2. تتميز مؤلفات القرن الخامس التي اطلعنا عليها بالجدة والابتكار ، فقد تحقق على يد مكي والداني وضع قواعد هذا العلم بشكلها المستقل عن كتب اللغة وكتب القراءات ، واستطاع عبد الوهاب القرطبي في كتابه ( الموضح) أن يجمع بين (الرعاية والتحديد) في صياغة جزلة وتبويب محكم .

3. تشترك الكتب الثلاثة ( الرعاية ، والتحديد ، والموضح ) بمعالجة الموضوعات الأساسية لعلم الأصوات : دراسة المخارج والصفات ، والأحكام الصوتية الناشئة عن التركيب ، مطبقة على الآيات القرآنية ، مع احتفاظ كل واحد من الثلاثة بشخصية علمية متميزة لا يتسع المجال للحديث عنها .

وإذا كنا قد فاتنا الاطلاع على كتب علم التجويد التي كتبها المشارقة في القرن الخامس فإننا لم نحرم من نصوص ذات دلالة من كتاب ( التجويد ) لأبي الفضل العجلي الرازي ، خاصة ما يتعلق بتقسيم أصوات العربية إلى جوامد وذوائب ، مع قضايا أخرى مهمة([30]). وينبغي ألاَّ ييأس الباحثون من إمكانية العثور على كتاب التجويد للرازي ، كما عُثِرَ على كتابه ( فضائل القرآن ) في إحدى مكتبات ( طشقند) منذ عهد قريب([31]).

وهناك كتاب مخطوط لعالم مشرقي أدرك القرن الخامس وعاش الشطر الأكبر من حياته في القرن السادس ، وهو كتاب ( التجريد في التجويد ) من تأليف أبي علي سهل بن محمد بن أحمد الأصبهاني الحاجي المتوفى سنة 543هـ([32]) ، يمكن أن يُعوِّض ما فقدناه من كتب علم التجويد المشرقية المؤلفة في القرن الخامس ، ونسخته محفوظة في مكتبة ( رضا ) في مدينة رامبور بالهند برقم (285) ، وهي في ثلاث وعشرين ورقة([33]). وعسى أن يتاح لها مَن يخرجها من محبسها ، وييسر اطلاع الباحثين عليها .

4. لا يتسع المقام لتتبع المؤلفات الأخرى من القرن السادس وما بعده ، إلا أنني أُذكِّر الإخوة الباحثين ، قبل أن أنتقل إلى الحديث عن مرحلة أخرى من مراحل التأليف في علم التجويد ، بكتابين مخطوطين آخرين في مكتبات الهند ، هما ( نهاية الإتقان في تجويد القرآن ) لأبي الحسن شريح بن محمد الرعيني الأندلسي ( ت 539هـ) ، في مكتبة الجمعية الملكية الآسيوية في كلكتا برقم ( 795) ([34])، وكتاب ( شرح القصيدة الخاقانية ) للداني وقد أشرت إلى مخطوطته من قبل([35]).

للموضوع بقية تتبع - إن شاء الله -

أبو إسحاق الحضرمي
01-26-2010, 04:10 PM
(3) مؤلفات علم التجويد في القرون المتأخرة :

لم يتوقف التأليف في علم التجويد منذ أن كتب أبو مزاحم قصيدته ، لكن مؤلفات كل عصر لها خصائصها في المنهج والموضوعات ، والملاحظ أن صفة الحيوية والابتكار التي اتسمت بها مؤلفات القرن الخامس الهجري تكاد تختفي في العصور اللاحقة ، لتحل محلها صفة الجمع والتلخيص والاختصار .

ولعل من المراحل البارزة في تاريخ هذا العلم التي تركت أثراً في مسيرته كتابة ابن الجزري ( ت 833هـ) قصيدته المشهورة ( المقدمة في ما على قارئ القرآن أن يَعْلَمَه ) التي انشغل بها المعلمون والمتعلمون للتلاوة . ويبدو لي أن شخصية ابن الجزري العلمية هي التي أعطت لهذه القصيدة هذه المكانة المتميزة ، أكثر مما تضمنته القصيدة نفسها التي تبلغ أبياتها مئة وسبعة أبيات ، وتضمنت موضوعات التجويد ، والوقف والابتداء ، ورسم المصحف ، ولابن الجزري كتاب ( التمهيد في علم التجويد ) الذي ألفه في أول حياته العلمية.([36])

واستأثرت ( المقدمة الجزرية ) بجهود علماء التجويد المتأخرين، فقد شرحها كثيرون ، بدءاً من ابن الناظم أحمد بن الجزري ( ت 829هـ) ، ويبدو أنها صارت مُقَرَّرَاً دراسياً لدارسي التجويد ، حتى عصور متأخرة ، بل لا تزال تُدَّرَس وتُحْفَظُ إلى زماننا ، إلى جانب ( تحفة الأطفال ) للشيخ سليمان الجمزوري التي نظمها سنة (1198هـ = 1784م) .

وهناك مؤلفات كثيرة سبقت المقدمة الجزرية ، ومؤلفات أُخرى جاءت بعدها ، وأجد من بين تلك المؤلفات ما يستحق أن يُشار إليه ويُنَوَّهَ به ، لأنه خرج عن فلك المقدمة الجزرية ، وأتى بأفكار علمية متميزة ، وأخص بالذكر كتاب ( جهد المقل) لمحمد المرعشي الملقب ساجقلي زاده ( ت 1150هـ) ، وشرحه ( بيان جهد المقل ). ([37]). وكذلك كتاب ( نهاية القول المفيد في علم التجويد) للشيخ محمد مكي نصر الذي أكمل تأليفه سنة (1305هـ)([38]).

وإذا كنا نجد مثل هذه الأعمال العلمية المتميزة في الحقبة التي أعقبت عصر ابن الجزري إلا أن السمة الغالبة على مؤلفات هذه الحقبة يمكن أن ألخصها بما يأتي :

1. ضعف جانب الابتكار والإبداع ، وغلبة النقل والترداد لأقوال العلماء المتقدمين ، كما يبدو ذلك في عشرات الشروح للمقدمة الجزرية ، فلا يكاد الدارس يجد فيها مجتمعة من عناصر التجديد والإبداع ما يجده عند محمد المرعشي في كتابيه : ( جهد المقل) وشرحه ( بيان جهد المقل ) .

2. إذا تجاوزنا شروح المقدمة الجزرية التي تضخمت بسبب النقل لأقوال السابقين ، وبسبب المناقشات اللفظية واللغوية لأبيات المقدمة ، فإن السمة الغالبة على مؤلفات هذه الحقبة هي الاختصار والإيجاز ، والميل إلى كتابة المنظومات ، التي لا تسمح بالتفصيل والبيان لمسائل العلم وقضاياه ، ويبدو لي أن التلقين الشفهي والتلقي من الشيوخ قد حفظ لقراءة القرآن سماتها النطقية المنقولة ، بالإضافة إلى ما كان يحفظه الطالب من متون التجويد وشروحها .


للموضوع بقية

أبو إسحاق الحضرمي
01-26-2010, 04:10 PM
(3) مؤلفات علم التجويد في القرون المتأخرة :

لم يتوقف التأليف في علم التجويد منذ أن كتب أبو مزاحم قصيدته ، لكن مؤلفات كل عصر لها خصائصها في المنهج والموضوعات ، والملاحظ أن صفة الحيوية والابتكار التي اتسمت بها مؤلفات القرن الخامس الهجري تكاد تختفي في العصور اللاحقة ، لتحل محلها صفة الجمع والتلخيص والاختصار .

ولعل من المراحل البارزة في تاريخ هذا العلم التي تركت أثراً في مسيرته كتابة ابن الجزري ( ت 833هـ) قصيدته المشهورة ( المقدمة في ما على قارئ القرآن أن يَعْلَمَه ) التي انشغل بها المعلمون والمتعلمون للتلاوة . ويبدو لي أن شخصية ابن الجزري العلمية هي التي أعطت لهذه القصيدة هذه المكانة المتميزة ، أكثر مما تضمنته القصيدة نفسها التي تبلغ أبياتها مئة وسبعة أبيات ، وتضمنت موضوعات التجويد ، والوقف والابتداء ، ورسم المصحف ، ولابن الجزري كتاب ( التمهيد في علم التجويد ) الذي ألفه في أول حياته العلمية.([36])

واستأثرت ( المقدمة الجزرية ) بجهود علماء التجويد المتأخرين، فقد شرحها كثيرون ، بدءاً من ابن الناظم أحمد بن الجزري ( ت 829هـ) ، ويبدو أنها صارت مُقَرَّرَاً دراسياً لدارسي التجويد ، حتى عصور متأخرة ، بل لا تزال تُدَّرَس وتُحْفَظُ إلى زماننا ، إلى جانب ( تحفة الأطفال ) للشيخ سليمان الجمزوري التي نظمها سنة (1198هـ = 1784م) .

وهناك مؤلفات كثيرة سبقت المقدمة الجزرية ، ومؤلفات أُخرى جاءت بعدها ، وأجد من بين تلك المؤلفات ما يستحق أن يُشار إليه ويُنَوَّهَ به ، لأنه خرج عن فلك المقدمة الجزرية ، وأتى بأفكار علمية متميزة ، وأخص بالذكر كتاب ( جهد المقل) لمحمد المرعشي الملقب ساجقلي زاده ( ت 1150هـ) ، وشرحه ( بيان جهد المقل ). ([37]). وكذلك كتاب ( نهاية القول المفيد في علم التجويد) للشيخ محمد مكي نصر الذي أكمل تأليفه سنة (1305هـ)([38]).

وإذا كنا نجد مثل هذه الأعمال العلمية المتميزة في الحقبة التي أعقبت عصر ابن الجزري إلا أن السمة الغالبة على مؤلفات هذه الحقبة يمكن أن ألخصها بما يأتي :

1. ضعف جانب الابتكار والإبداع ، وغلبة النقل والترداد لأقوال العلماء المتقدمين ، كما يبدو ذلك في عشرات الشروح للمقدمة الجزرية ، فلا يكاد الدارس يجد فيها مجتمعة من عناصر التجديد والإبداع ما يجده عند محمد المرعشي في كتابيه : ( جهد المقل) وشرحه ( بيان جهد المقل ) .

2. إذا تجاوزنا شروح المقدمة الجزرية التي تضخمت بسبب النقل لأقوال السابقين ، وبسبب المناقشات اللفظية واللغوية لأبيات المقدمة ، فإن السمة الغالبة على مؤلفات هذه الحقبة هي الاختصار والإيجاز ، والميل إلى كتابة المنظومات ، التي لا تسمح بالتفصيل والبيان لمسائل العلم وقضاياه ، ويبدو لي أن التلقين الشفهي والتلقي من الشيوخ قد حفظ لقراءة القرآن سماتها النطقية المنقولة ، بالإضافة إلى ما كان يحفظه الطالب من متون التجويد وشروحها .


للموضوع بقية

أبو إسحاق الحضرمي
01-26-2010, 04:37 PM
المبحث الثاني

علم التجويد في المؤلفات الحديثة

ليس هناك تاريخ محدد يفصل بين العصر القديم والعصر الحديث ، وقد تتعدد وجهات النظر في الأحداث والتواريخ التي يمكن أن تكون فاصلة بين العصرين ، كما أن التحديث في بعض البلدان العربية والإسلامية كان أسبق من بلدان أُخرى ، ولا أجد ضرورة هنا للدخول في الجدل حول هذا الموضوع ، ولكني أُشير إلى أنني أَعُدُّ كتاب الشيخ محمد مكي نصر ( نهاية القول المفيد ) الذي أكمل تأليفه سنة (1305هـ) نهاية للمنهج القديم في التأليف في علوم التجويد ، ويمكن أن نعد كتاب (خلاصة العجالة في بيان مراد الرسالة ) لحسن بن إسماعيل الدركزلي الحبَّار الموصلي(ت 1327هـ)كذلك([39])، ومن ثم يمكن أن نعد المؤلفات التي كتبت بعد هذه الحقبة تمثل مرحلة جديدة في مؤلفات هذا العلم ، وهي التي سأتحدث عن ملامحها في هذه العجالة .

ومن أبرز ملامح هذه الحقبة كثرة المؤلفات في علم التجويد ، وتعدد مناهجها ، ووجدت الشيخ عبد الفتاح القاضي يقول سنة 1400هـ (1980م) في تقريظ كتاب ( الملخص المفيد في علم التجويد ) لمحمد أحمد معبد : " وإنَّ كتب التجويد في هذا العصر يُخْطِئُها العَدُّ ولا يأتي عليها الحصر ، ما بين موجز ومسهب ، ومختصر ومطول ، وما بين منثور ومنظوم "([40]).

وقال مؤلفو كتاب ( المنير في أحكام التجويد ) في مقدمته : " فإن علم التجويد من العلوم التي لقيت عناية متميزة ، وتنافس المتخصصون فيه على تقديم مسائله وموضوعاته بأساليب وطرائق متنوعة ، حيث أُلفت فيه - ولا سيما في الآونة الأخيرة - كتب كثيرة ، منها الموسع المطول ، ومنها المختصر الموجز ، وبين ذلك ، واشتهرت منظومات جمعت أبياتها مسائل التجويد ، وتنافس أهل المعرفة بالتجويد في شرحها وتوضيح مشكلها وغامضها ..." ([41]).

وكنت قد أحصيت ثلاثين كتاباً أو رسالة في علم التجويد ، مما كُتِبَ في القرن الرابع عشر وسنوات من هذا القرن ، وبنيت عليها بحثي حول ( مناهج كتب تعليم قواعد التلاوة ) الذي نشر سنة ( 1418هـ = 1998م ) في مجلة كلية المعارف الجامعة ، في الأنبار ، ثم ضمنته كتابي ( أبحاث في علم التجويد ) .

كما أنني أحصيت في المصادر التي استند إليها مؤلفو كتاب ( المنير في أحكام التجويد )([42]) من المؤلفات الحديثة في علم التجويد أكثر من ثلاثين كتاباً ، معظمها لم أطلع عليه حين كتبت بحثي الذي أشرت إليه ، ومعظمها صدر في الأردن ومصر والسعودية . ولا شك في أن بلدان العالم الإسلامي الأخرى شهدت حركة مماثلة في التأليف في علم التجويد ، استجابة لحاجة المتعلمين للقرآن الذين تزداد أعدادهم يوماً بعد آخر .

ويغلب على المؤلفات الأولى من هذه الحقبة الإيجاز والتركيز ، لكن حجم تلك المؤلفات أخذ بالازدياد حتى بلغ بعضها مئات الصفحات ، وذلك بسبب التتبع والاستقصاء للمسائل ، والاستعانة بالرسوم ، والإكثار من الأمثلة التطبيقية ، والتمارين العملية ، لكن السمة الغالبة على معظمها هو نقل عبارات الكتب القديمة ، كما هي ، وقد يكون فيها ما يحتاج إلى المراجعة أو المناقشة . ويرجع ذلك في معظمه إلى إهمال المؤلفين المحدثين دراسة ( علم الأصوات اللغوية ) ، وأدّى ذلك إلى عدم التنبه إلى حاجة تلك المسائل للمراجعة .

وكنت قد ناقشت في بحثي ( مناهج كتب تعليم قواعد التلاوة ) عدداً من المسائل التي تضمنتها تلك الكتب ، يتعلق بعضها بالمخارج والصفات ، وبعضها بالأحكام والظواهر الصوتية ، ولا يتسع المقام لتتبع تلك المسائل في الكتب الأخرى التي لم أطلع عليها وقت كتابتي ذلك البحث ، وسوف أكتفي بعرض أصل تلك المسائل وخلاصتها كما أوردتها في البحث ، ولعل من المفيد ملاحظتها في كتابين اثنين من الكتب الكثيرة التي اطلعت عليها مؤخراً ، لكونهما من آخر الكتب صدوراً ، ومن أكبرها حجماً ، وصدرا عن مؤسسات علمية معتبرة ، وهما :

1. فن الترتيل وعلومه ، تأليف الشيخ أحمد بن أحمد الطويل ، الذي صدر عن ( مُجَمَّع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة ) سنة 1420هـ = 1999م ، وهو في جزءين : الأول يتضمن دراسة موضوعات تاريخية وفقهية ، والثاني مخصص لأحكام التجويد ، وجاء هذا الجزء في ( 627 صحيفة) .

2. المنير في أحكام التجويد ، تأليف الدكتور أحمد خالد شكري وزملائه ، الذي صدر عن ( جمعية المحافظة على القرآن الكريم ) في عمان ، في طبعته الخامسة سنة 1425هـ = 2004م ، وجاء في (296 صحيفة ) .

وتكاد تنحصر موضوعات علم التجويد في ثلاثة أبواب ، هي المخارج ، والصفات ، والأحكام ، وكان الحسن بن قاسم المرادي ( ت 749هـ) قد ذكرها بقوله : " إن تجويد القراءة يتوقف على أربعة أمور :

أحدها : معرفة مخارج الحروف .

والثاني : معرفة صفاتها .

والثالث : معرفة ما يتجدد لها بسبب التركيب من الأحكام .

والرابع : رياضة اللسان بذلك وكثرة التكرار ... "([43]).

وسوف أعرض ما لديَّ من ملاحظات تتعلق بطريقة معالجة هذه الموضوعات في مؤلفات التجويد الحديثة ، على نحو ما عرضتها في بحثي المشار إليه :

(1) مخارج الحروف :
يغلب على مؤلفات علم التجويد الحديثة ضعف العناية بموضوعات علم الأصوات اللغوية ، خاصة كيفية إنتاج الصوت اللغوي ، ومخارج الحروف ، وصفاتها ، على الرغم من أهمية هذه الموضوعات في دراسة قواعد التجويد ، واهتمام علماء التجويد المتقدمين بها .

وإذا نظرنا في كتب علم التجويد الحديثة نجد تبايناً في الموضع الذي يحتله بحث المخارج والصفات فيها ، مما يشير إلى وجود عدم وضوح في أهمية هذا الموضوع لديهم ، ويمكن أن أُجمل مذاهب مؤلفي تلك الكتب في أربعة اتجاهات ، هي :

1. وضع ذلك المبحث في وسط موضوعات الكتاب ، بعد الحديث عن عدد من الظواهر الصوتية الناشئة عن التركيب ، ثم تأتي تكملة تلك الظواهر بعد بحث المخارج والصفات .

2. وضع ذلك المبحث في آخر الكتاب !

3. وضعه في أول الكتاب ، وهو ما فعله عدد قليل من المؤلفين([44]).

و لاشك في أن الموضع المناسب لمبحث المخارج والصفات في كتب علم التجويد هو في أولها ، قبل دراسة الأحكام الصوتية ، لأن فهم تلك الأحكام والوقوف على القوانين الصوتية التي تحكمها ينبني على معرفة مخارج الأصوات وصفاتها ، وهو ما كان يفعله علماء التجويد المتقدمون .

ولا يكفي وجود مبحثٍ للمخارج في أي كتاب من تلك الكتب للدلالة على صحة المنهج ، لأن طريقة معالجة الموضوع في الغالب تتسم بالتقليد ونقل وجهة نظر القدماء كما هي ، من غير ملاحظة ما استجد في بحث هذا الموضوع ، سواء من حيث عدد المخارج أو طريقة تحديدها ، ولا يشكل اختلاف المتقدمين في عدد المخارج قضية كبيرة ، فلكل وجهة نظره ، لكن إفراد الضاد بمخرج مستقل لم يعد يتوافق مع النطق المعاصر للصوت ومن ثم فإن القول إن عدد المخارج ستة عشر مخرجاً أو سبعة عشر لم يعد مقبولاً.

وتتلخص قضية صوت الضاد في أن تحديد سيبويه لمخرجه لم يعد يتطابق مع نطقه المعاصر ، كما أشرت ، فسيبويه يقول في مخرجه : " من بين أول حافة اللسان وما يليها من الأضراس مخرج الضاد "([45]) . ونقل علماء العربية وعلماء التجويد هذا التحديد لمخرج الضاد عن سيبويه ، وفعل ذلك المحدثون من المؤلفين في علم التجويد أيضاً . وعدَّ سيبويه الضاد من الأصوات الرخوة بالإضافة إلى كونها صوتاً مجهوراًً ، مُطْبَقاً ، مستطيلاً. ([46]).

والضاد بهذه الصفات لم يعد لها وجود في النطق العربي الفصيح في زماننا ، لا في قراءة القرآن ، ولا في غيرها ، كما يقول علماء الأصوات المحدثون ، وقد تحولت إلى دال مطبقة في نطق كثير من العرب ، كما في بلاد الشام ومصر ، وهو المأخوذ به في قراءة القرآن أيضاً . وصارت على ألسنة آخرين من العرب صوتاً لا يختلف عن الظاء ، كما في العراق وبلدان الخليج العربي([47]).

ولم يخرج ما جاء في ( فن الترتيل وعلومه ) و ( المنير في أحكام التجويد ) في تحديد مخرج الضاد عن تحديد القدماء لمخرجه([48]).

وإذا أخذنا نطق مجيدي قراءة القرآن في زماننا لصوت الضاد بنظر الاعتبار فإن ذلك يستدعي إعادة النظر في طريقة تحديد مخرجه ، وأنّ تمسك مؤلفي كتب علم التجويد المعاصرين بعبارة سيبويه في تحديد مخرج الضاد لم يعد مناسباً ، وأن عليهم أن يفكروا في وصف جديد لمخرج هذا الصوت يتطابق مع نطقه الفعلي على ألسنة مجيدي القراءة .

والوصف المناسب للضاد اليوم هو : أنه صوت لِثَوِيٌّ ، شديدٌ ، مجهورٌ ، مُطْبَقٌ . فلم يعد مخرجه من الحافة ، كما حدده سيبويه ، وتحول من الرخاوة إلى الشدة ، كما أنه فقد صفة الاستطالة ، هذا هو الراجح في مسألة الضاد ، وقد يكون لبعض الدارسين وجهة نظر مغايرة ، لكن الدليل هو الذي يرجح الأقوال ، أو يردها([49]).

(2) صفات الحروف :
تتحدد ملامح الصوت اللغوي من خلال الموضع الذي يحدث فيه الحبس للنفس أو التضييق له ، وهو المخرج ، ومن خلال الكيفيات المصاحبة لتكوُّن الصوت في مخرجه ، وهي الصفات . وقد اعتنى علماء التجويد بمبحث الصفات على نحو ما فعلوا بمبحث المخارج ، لكن معالجة المحدثين لموضوع الصفات لا يخلو من ضعف في بعض الجوانب ، خاصة في تعريف الصوت المجهور والمهموس ، وتقسيم الحروف على هاتين الصفتين .

وكان سيبويه - رحمه الله تعالى - قد تحدَّث عن صفات الأصوات حديثاً دقيقاً ومفصلاً ، وصار ما كتبه في ذلك أساساً للدرس الصوتي العربي ، لكن عبارته في تعريف الصوت المجهور لا تخلو من غموض لم يتمكن العلماء من إزالته إلا في العصر الحديث ، بعد تشريح الحنجرة وتقدم دراسة علم الصوت ، وقد ظل المؤلفون في علم التجويد من المحدثين يرددون عبارة سيبويه بعد أن أدَّت كثرة تناقلها في الكتب وتقادم العهد بها إلى حصول تحريفات فاحشة فيها ، زادت من الغموض فيها حتى صارت أشبه ما تكون بالألغاز أو الأحاجي .

قال سيبويه في تعريف الصوت المجهور : " حرف أُشبع الاعتماد في موضعه ، ومَنَعَ النَّفَسَ أن يجري معه حتى ينقضيَ الاعتماد ويجريَ الصوت " ، والأصوات المجهورة عنده تسعة عشر هي : ء ا ع غ ق ج ي ض ل ن ر ط د ز ظ ذ ب م و .

وقال في تعريف الصوت المهموس : " فأما المهموس فحرف أُضعف الاعتماد في موضعه حتى جرى النَّفَسُ معه ... " والأصوات المهموسة عنده عشرة ، هي : هـ ح خ ك ش س ص ت ث ف ([50]).

وتوقف عدد من الباحثين المحدثين أمام تعريف سيبويه للصوت المجهور طويلاً ، محاولين تفسيره بموجب الفهم المعاصر لظاهرة الجهر ، الناتجة عن اهتزاز الوتريين الصوتيين في الحنجرة ، وهم لا يخفون حيرتهم في فَهْمِ بعض جوانبه ، ولكنهم يقررون مع ذلك أن تحديد سيبويه للأصوات المجهورة والمهموسة يتطابق مع ما دلت عليه الدراسات المعاصرة ، ما عدا صوت الهمزة والقاف والطاء التي وصفها سيبويه بالجهر ، وهي عند علماء الأصوات المحدثين مهموسة([51]).

وإذا دقَّق الباحث في كتب علم التجويد المعاصرة فإنه سيجد اضطراباً كبيراً في تعريف الصوت المجهور والصوت المهموس ، وتحريفاً في عبارة سيبويه في تعريفهما ، زاد من غموض المعنى واضطرابه([52]).

ولم يكن أحدث كتابين في علم التجويد بمنأى من ذلك الخلل في تعريف المجهور والمهموس ، فجاء في ( فن الترتيل) في تعريف المجهور بأنه : " انحباسُ جَرْيِ النَّفَس مع الحرف عند النطق به " ، والمهموس بأنه : " جريان النَّفَس مع الحرف عند النطق به ساكناً "([53]). وجاء في ( المنير) أن الجهر هو " انحباس النَّفَس عند النطق بالحرف لقوة الاعتماد على المخرج ، أو : هو قوة التصويت بالحرف لقوة الاعتماد عليه في المخرج حتى مَنَعَ جريان النَّفس معه " ، وأن الهمس : " جريان النَّفَس عند النطق بالحروف لضعف الاعتماد على المخرج "([54]). لكن الجديد في (المنير) هو الإشارة في الهامش إلى تعريف المجهور والمهموس عند المحدثين ، ويبدو أن هذا التعريف لم يبلغ درجة اليقين لدى مؤلفي الكتاب فوضعوه في الهامش ، ولو فعلوا عكس ذلك لكان دليلاً على تَمَثُّلِ حقائق علم الأصوات لديهم في كتابة علم التجويد .

إن تعريفات المجهور والمهموس في كتب علم التجويد الحديثة تشترك في أنها نقلت تعريف سيبويه لكنها لم تلتزم بنص عبارته التي تعرضت لتغييرات زادت من غموض التعريف واضطرا به ، وأحسب أن المنهج العلمي يقتضي إعادة تعريف الصوت المجهور والصوت المهموس على نحو ما أكَّده علم الأصوات اللغوية المعاصر ، وإعادة النظر في عدِّ كل من القاف والطاء والهمزة أصواتاً مجهورة ، فليس من الإخلاص للعلم والنصح لطلبته الاستمرار في تلقينهم ما قام الدليل على عدم صحته .

(3) الأحكام الصوتية الناشئة عن التركيب :

إن ثمرة دراسة مخارج الأصوات وصفاتها هي فهم الظواهر الصوتية الناشئة عن التركيب ، والكشف عن القوانين الصوتية التي تتحكم فيها . وكان هذا الباب من أغنى أبواب علم التجويد في المؤلفات القديمة والحديثة ، ولكن لا يزال التفسير الصوتي لتلك الأحكام ضعيفاً ، وإن في حقائق علم الأصوات اللغوية المعاصر ودقائقه ما يمكن أن يوضح كثيراً منها ، ويجعل فهمه أيسر على الدارس .

ويمكن أن ندرس ظاهرة من الظواهر الصوتية في ضوء ما يُقدِّمه علم الأصوات اللغوية ، وهو غير بعيد عما كان عليه في كتب علم التجويد الأولى ، ولكن لا تزال كتب علم التجويد الحديثة لم تستوعب المادة الصوتية في الكتب القديمة ، وكذلك لم تستفد من المادة الصوتية التي يقدمها علم الأصوات الحديث ، وهذه الظاهرة تشغل باباً من أبواب علم التجويد ، وهو باب أحكام النون الساكنة والتنوين ، الذي لا يخلو منه كتاب من كتب علم التجويد ، وقد أُلِّفت رسائل مستقلة فيه .

ويمكن أن أقف عند قضيتين من قضايا هذا الباب : الأولى تطبيق الأحكام على خارطة المخارج ، والثانية : مناقشة تعريف ظاهرة الإخفاء . أما فكرة تطبيق الأحكام فتقوم على رسم جدول للمخارج ، وملاحظة المساحة التي يشغلها كل حكم من الأحكام ، ومحاولة تفسير اختصاص عدد من الأصوات بحكم ما . وإليك البيان :

جدول مخارج أصوات العربية
مبيناً عليه أحكام النون الساكنة والتنوين
الحكم أصوات المخرج رقم المخرج
إخفاء ب م و 1
إخفاء ف 2
إخفاء ث ذ ظ 3
إخفاء س ص ز 4
إخفاء ت ط د ض 5
إدغام ل ن ر 6
إخفاء ي ج ش 7
إخفاء ك 8
إخفاء ق 9
إظهار غ خ 10
إظهار ع ح 11
إظهار ء هـ 12

إن فكرة الجدول تقوم على نظرية سيبويه في مخارج أصوات العربية ، مع إعادة النظر بموقع مخرج الضاد ، ووضعه مع أخواته ( ت ط د ) حسب النطق المعاصر ، مع دمج اللام والراء والنون في مخرج واحد ، على مذهب الفراء ومن تابعه من القدماء والمحدثين ، وحذف مخرج النون المخفاة لأنها فرع من النون الأصلية .

والجدول يفسر لنا بوضوح أحكام النون الساكنة ، بناء على القرب والبعد في مخارج الأصوات من مخرج النون ، فأبعد الأصوات مخرجاً ، وهي أصوات الحلق ، لا تؤثر في النون ، فكان حكمها الإظهار ، وأدنى الأصوات مخرجاً من النون ، وهي اللام والراء أثَّرَت في النون وقلبتها وذلك لقربهما منها ، أو لاشتراكها معهما في المخرج ، بناء على القانون الصوتي القائل بأن الأصوات كلما تدانت مخارجها كان التأثر أقوى ، وكلما تباعدت ضعف التأثير بقدر بُعْدِها ، ولم تقرب بقية الأصوات من النون قرب اللام والراء فتدغم فيها ، ولم تبعد عنها بعد أصوات الحلق فتظهر معها ، فكان حكمها بين الإدغام والإظهار ، وهو الإخفاء . ولعلك تستغرب من وضع الباء والواو والياء مع أصوات الإخفاء ، لأنك اعتدت أن ترى الواو والياء مع حروف الإدغام ( بغنة) ، والياء يستقل بحكم منفرد وهو الإقلاب ، لكنني وضعتها مع حروف الإخفاء لأن الإدغام بغنة ، والإقلاب ، هما في الحقيقة إخفاء للنون عند هذه الأصوات الثلاثة([55])، والقضية تحتمل المناقشة ، ولكن ليس هذا المكان المناسب لذلك .

ولعل من المفيد قبل أن أتحدث عن تعريف الإخفاء تذكير القارئ بأن جدول مخارج الأصوات يمكن أن يُفَسِّرَ أيضاً عدداً من الظواهر الصوتية الأخرى ، مثل ظاهرة إدغام لام التعريف في أربعة عشر صوتاً ، استناداً إلى قرب مخارجها من اللام ، وإظهارها مع بقية الأصوات التي بعدت مخارجها ، وذلك على النحو الآتي :

جدول مخارج أصوات العربية
مبيناً عليه أحكام لام التعريف
الحكم أصوات المخرج رقم المخرج
إظهار ب م و 1
إظهار ف 2
إدغام ث ذ ظ 3
إدغام س ص ز 4
إدغام ت ط د ض 5
إدغام ل ن ر 6
إظهار وإدغام ي ش ج 7
إظهار ك 8
إظهار ق 9
إظهار غ خ 10
إظهار ع ح 11
إظهار ء هـ 12

أما الإخفاء فإنه أحد أحكام النون الساكنة والتنوين ، ويكون عند خمسة عشر حرفاً ، وهي ما عدا حروف الإظهار الستة ( ء هـ ع ح غ خ ) وحروف الإدغام الستة المجموعة في ( يرملون) ، وعدا الباء التي تقلب عند النون الساكنة ميماً ، كما يذهب جمهور علماء العربية والتجويد إلى ذلك .

وكانت ظاهرة الإخفاء موضع عناية علماء العربية والتجويد المتقدمين ، فقال سيبويه : " وتكون النون مع سائر حروف الفم حرفاً خفياً ، مخرجه من الخياشيم ... "([56]) . وقال أبو عمرو الداني : " وأما إخفاء النون والتنوين فحقه أن يُؤْتَى بهما لا مُظْهَرَيْنِ ولا مُدْغَمَيْنِ ، فيكون مخرجهما من الخياشيم لا غير ، ويَبْطُلُ عمل اللسان بهما ، ويمتنع التشديد لامتناع قلبهما ، وذلك إذا لَقِيَا حروف اللسان غير اللام والراء ".([57])

وقال عبد الوهاب القرطبي مبيناً حقيقة الإخفاء : " ومعنى خفائها ما قدمناه من اتصال النون بمخارج هذه الحروف ، واستتارها بها ، وزوالها عن طرف اللسان ، وخروج الصوت من الأنف من غير معالجة بالفم "([58]).

واستقر تعريف الإخفاء في كتب علم التجويد المتأخرة والحديثة بالاستناد إلى تعريف الداني أكثر من استناده إلى تعريف عبد الوهاب القرطبي ، فقال الشيخ زكريا الأنصاري ( ت 926هـ) في تعريفه : " والإخفاء لغة الستر ، واصطلاحاً النطق بحرف بصفة بين الإظهار والإدغام ، عارِ عن التشديد ، مع بقاء الغنة في الحرف الأول "([59]) .
واقتبس معظم كتب التجويد الحديثة هذا التعريف([60]) ، كما جاء بهذه الصورة في ( فن الترتيل) ([61]) ، و (المنير) ([62]) ، ولا يخلو هذا التعريف من قصور في توضيح حقيقة الإخفاء ، ولا يشير إلى ما ذكره عبد الوهاب القرطبي من اتصال النون المخفاة بمخارج الحروف التي تخفى عندها ، وزوالها عن طرف اللسان ، وخروج الصوت من الأنف .

ويمكن توضيح حقيقة الإخفاء من خلال النظر في طبيعة حركة أعضاء آلة النطق في إنتاج النون ، فالنون لها مُعْتَمَدٌ في الفم ، وهو بين طرف اللسان وأصول الثنايا ، ولها مَجْرىً للنَّفَس في الخيشوم ، والذي يحدث عند إخفاء النون هو زوال عمل طرف اللسان ، وانتقال مكان الاعتماد للنون إلى مخرج الصوت الذي تخفى عنده ، مع بقاء جريان النَّفَس من الأنف ، وهو صوت الغنة ، فيتحرك اللسان حركة واحدة للنون وللصوت الذي تخفى عنده ، وبعد أن تستوفي النون حظها من الغنة يتوقف جريان النَّفَس من الأنف ويتحول إلى الفم للنطق بالصوت الآتي بعدها . وهذا هو معنى قول سيبويه :" كان أخف عليهم أن لا يستعملوا ألسنتهم إلا مرة واحدة "([63]) . ويمكن إعادة صياغة تعريف الإخفاء - بناء على ذلك – بالقول : "هو انتقال معتمد اللسان في الفم إلى مخرج الصوت الذي تخفى عنده ، مع بقاء جريان النفس من الأنف في أثناء النطق بها ".

والمتأمل في أداء القراء المعاصرين يجد تبايناً في طريقة إخفاء النون وتعدداً في مذاهب القراء فيه ، وقد يكون من أسباب ذلك غموض تعريف إخفاء النون في كتب التجويد . وفي الدراسات الصوتية العربية المعاصرة ما يفيد في دراسة ظاهرة إخفاء النون ، وعلى المشتغلين بعلم التجويد تأليفاً وتعليماً أن يضموا ذلك إلى جهود علمـاء العربية وعلماء التجويد المتقدمين ، حتى تتضح حقيقة الإخفاء للدارس والمتعلم ، وتتحدد طريقة أدائه . وهذه القضية تعطي مثالاً لما يمكن أن يتحقق من إحاطة علماء التجويد المعاصرين بالدرس الصوتي الحديث([64]).

لموضوع بقية تتبع

أبو إسحاق الحضرمي
01-26-2010, 04:37 PM
المبحث الثاني

علم التجويد في المؤلفات الحديثة

ليس هناك تاريخ محدد يفصل بين العصر القديم والعصر الحديث ، وقد تتعدد وجهات النظر في الأحداث والتواريخ التي يمكن أن تكون فاصلة بين العصرين ، كما أن التحديث في بعض البلدان العربية والإسلامية كان أسبق من بلدان أُخرى ، ولا أجد ضرورة هنا للدخول في الجدل حول هذا الموضوع ، ولكني أُشير إلى أنني أَعُدُّ كتاب الشيخ محمد مكي نصر ( نهاية القول المفيد ) الذي أكمل تأليفه سنة (1305هـ) نهاية للمنهج القديم في التأليف في علوم التجويد ، ويمكن أن نعد كتاب (خلاصة العجالة في بيان مراد الرسالة ) لحسن بن إسماعيل الدركزلي الحبَّار الموصلي(ت 1327هـ)كذلك([39])، ومن ثم يمكن أن نعد المؤلفات التي كتبت بعد هذه الحقبة تمثل مرحلة جديدة في مؤلفات هذا العلم ، وهي التي سأتحدث عن ملامحها في هذه العجالة .

ومن أبرز ملامح هذه الحقبة كثرة المؤلفات في علم التجويد ، وتعدد مناهجها ، ووجدت الشيخ عبد الفتاح القاضي يقول سنة 1400هـ (1980م) في تقريظ كتاب ( الملخص المفيد في علم التجويد ) لمحمد أحمد معبد : " وإنَّ كتب التجويد في هذا العصر يُخْطِئُها العَدُّ ولا يأتي عليها الحصر ، ما بين موجز ومسهب ، ومختصر ومطول ، وما بين منثور ومنظوم "([40]).

وقال مؤلفو كتاب ( المنير في أحكام التجويد ) في مقدمته : " فإن علم التجويد من العلوم التي لقيت عناية متميزة ، وتنافس المتخصصون فيه على تقديم مسائله وموضوعاته بأساليب وطرائق متنوعة ، حيث أُلفت فيه - ولا سيما في الآونة الأخيرة - كتب كثيرة ، منها الموسع المطول ، ومنها المختصر الموجز ، وبين ذلك ، واشتهرت منظومات جمعت أبياتها مسائل التجويد ، وتنافس أهل المعرفة بالتجويد في شرحها وتوضيح مشكلها وغامضها ..." ([41]).

وكنت قد أحصيت ثلاثين كتاباً أو رسالة في علم التجويد ، مما كُتِبَ في القرن الرابع عشر وسنوات من هذا القرن ، وبنيت عليها بحثي حول ( مناهج كتب تعليم قواعد التلاوة ) الذي نشر سنة ( 1418هـ = 1998م ) في مجلة كلية المعارف الجامعة ، في الأنبار ، ثم ضمنته كتابي ( أبحاث في علم التجويد ) .

كما أنني أحصيت في المصادر التي استند إليها مؤلفو كتاب ( المنير في أحكام التجويد )([42]) من المؤلفات الحديثة في علم التجويد أكثر من ثلاثين كتاباً ، معظمها لم أطلع عليه حين كتبت بحثي الذي أشرت إليه ، ومعظمها صدر في الأردن ومصر والسعودية . ولا شك في أن بلدان العالم الإسلامي الأخرى شهدت حركة مماثلة في التأليف في علم التجويد ، استجابة لحاجة المتعلمين للقرآن الذين تزداد أعدادهم يوماً بعد آخر .

ويغلب على المؤلفات الأولى من هذه الحقبة الإيجاز والتركيز ، لكن حجم تلك المؤلفات أخذ بالازدياد حتى بلغ بعضها مئات الصفحات ، وذلك بسبب التتبع والاستقصاء للمسائل ، والاستعانة بالرسوم ، والإكثار من الأمثلة التطبيقية ، والتمارين العملية ، لكن السمة الغالبة على معظمها هو نقل عبارات الكتب القديمة ، كما هي ، وقد يكون فيها ما يحتاج إلى المراجعة أو المناقشة . ويرجع ذلك في معظمه إلى إهمال المؤلفين المحدثين دراسة ( علم الأصوات اللغوية ) ، وأدّى ذلك إلى عدم التنبه إلى حاجة تلك المسائل للمراجعة .

وكنت قد ناقشت في بحثي ( مناهج كتب تعليم قواعد التلاوة ) عدداً من المسائل التي تضمنتها تلك الكتب ، يتعلق بعضها بالمخارج والصفات ، وبعضها بالأحكام والظواهر الصوتية ، ولا يتسع المقام لتتبع تلك المسائل في الكتب الأخرى التي لم أطلع عليها وقت كتابتي ذلك البحث ، وسوف أكتفي بعرض أصل تلك المسائل وخلاصتها كما أوردتها في البحث ، ولعل من المفيد ملاحظتها في كتابين اثنين من الكتب الكثيرة التي اطلعت عليها مؤخراً ، لكونهما من آخر الكتب صدوراً ، ومن أكبرها حجماً ، وصدرا عن مؤسسات علمية معتبرة ، وهما :

1. فن الترتيل وعلومه ، تأليف الشيخ أحمد بن أحمد الطويل ، الذي صدر عن ( مُجَمَّع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة ) سنة 1420هـ = 1999م ، وهو في جزءين : الأول يتضمن دراسة موضوعات تاريخية وفقهية ، والثاني مخصص لأحكام التجويد ، وجاء هذا الجزء في ( 627 صحيفة) .

2. المنير في أحكام التجويد ، تأليف الدكتور أحمد خالد شكري وزملائه ، الذي صدر عن ( جمعية المحافظة على القرآن الكريم ) في عمان ، في طبعته الخامسة سنة 1425هـ = 2004م ، وجاء في (296 صحيفة ) .

وتكاد تنحصر موضوعات علم التجويد في ثلاثة أبواب ، هي المخارج ، والصفات ، والأحكام ، وكان الحسن بن قاسم المرادي ( ت 749هـ) قد ذكرها بقوله : " إن تجويد القراءة يتوقف على أربعة أمور :

أحدها : معرفة مخارج الحروف .

والثاني : معرفة صفاتها .

والثالث : معرفة ما يتجدد لها بسبب التركيب من الأحكام .

والرابع : رياضة اللسان بذلك وكثرة التكرار ... "([43]).

وسوف أعرض ما لديَّ من ملاحظات تتعلق بطريقة معالجة هذه الموضوعات في مؤلفات التجويد الحديثة ، على نحو ما عرضتها في بحثي المشار إليه :

(1) مخارج الحروف :
يغلب على مؤلفات علم التجويد الحديثة ضعف العناية بموضوعات علم الأصوات اللغوية ، خاصة كيفية إنتاج الصوت اللغوي ، ومخارج الحروف ، وصفاتها ، على الرغم من أهمية هذه الموضوعات في دراسة قواعد التجويد ، واهتمام علماء التجويد المتقدمين بها .

وإذا نظرنا في كتب علم التجويد الحديثة نجد تبايناً في الموضع الذي يحتله بحث المخارج والصفات فيها ، مما يشير إلى وجود عدم وضوح في أهمية هذا الموضوع لديهم ، ويمكن أن أُجمل مذاهب مؤلفي تلك الكتب في أربعة اتجاهات ، هي :

1. وضع ذلك المبحث في وسط موضوعات الكتاب ، بعد الحديث عن عدد من الظواهر الصوتية الناشئة عن التركيب ، ثم تأتي تكملة تلك الظواهر بعد بحث المخارج والصفات .

2. وضع ذلك المبحث في آخر الكتاب !

3. وضعه في أول الكتاب ، وهو ما فعله عدد قليل من المؤلفين([44]).

و لاشك في أن الموضع المناسب لمبحث المخارج والصفات في كتب علم التجويد هو في أولها ، قبل دراسة الأحكام الصوتية ، لأن فهم تلك الأحكام والوقوف على القوانين الصوتية التي تحكمها ينبني على معرفة مخارج الأصوات وصفاتها ، وهو ما كان يفعله علماء التجويد المتقدمون .

ولا يكفي وجود مبحثٍ للمخارج في أي كتاب من تلك الكتب للدلالة على صحة المنهج ، لأن طريقة معالجة الموضوع في الغالب تتسم بالتقليد ونقل وجهة نظر القدماء كما هي ، من غير ملاحظة ما استجد في بحث هذا الموضوع ، سواء من حيث عدد المخارج أو طريقة تحديدها ، ولا يشكل اختلاف المتقدمين في عدد المخارج قضية كبيرة ، فلكل وجهة نظره ، لكن إفراد الضاد بمخرج مستقل لم يعد يتوافق مع النطق المعاصر للصوت ومن ثم فإن القول إن عدد المخارج ستة عشر مخرجاً أو سبعة عشر لم يعد مقبولاً.

وتتلخص قضية صوت الضاد في أن تحديد سيبويه لمخرجه لم يعد يتطابق مع نطقه المعاصر ، كما أشرت ، فسيبويه يقول في مخرجه : " من بين أول حافة اللسان وما يليها من الأضراس مخرج الضاد "([45]) . ونقل علماء العربية وعلماء التجويد هذا التحديد لمخرج الضاد عن سيبويه ، وفعل ذلك المحدثون من المؤلفين في علم التجويد أيضاً . وعدَّ سيبويه الضاد من الأصوات الرخوة بالإضافة إلى كونها صوتاً مجهوراًً ، مُطْبَقاً ، مستطيلاً. ([46]).

والضاد بهذه الصفات لم يعد لها وجود في النطق العربي الفصيح في زماننا ، لا في قراءة القرآن ، ولا في غيرها ، كما يقول علماء الأصوات المحدثون ، وقد تحولت إلى دال مطبقة في نطق كثير من العرب ، كما في بلاد الشام ومصر ، وهو المأخوذ به في قراءة القرآن أيضاً . وصارت على ألسنة آخرين من العرب صوتاً لا يختلف عن الظاء ، كما في العراق وبلدان الخليج العربي([47]).

ولم يخرج ما جاء في ( فن الترتيل وعلومه ) و ( المنير في أحكام التجويد ) في تحديد مخرج الضاد عن تحديد القدماء لمخرجه([48]).

وإذا أخذنا نطق مجيدي قراءة القرآن في زماننا لصوت الضاد بنظر الاعتبار فإن ذلك يستدعي إعادة النظر في طريقة تحديد مخرجه ، وأنّ تمسك مؤلفي كتب علم التجويد المعاصرين بعبارة سيبويه في تحديد مخرج الضاد لم يعد مناسباً ، وأن عليهم أن يفكروا في وصف جديد لمخرج هذا الصوت يتطابق مع نطقه الفعلي على ألسنة مجيدي القراءة .

والوصف المناسب للضاد اليوم هو : أنه صوت لِثَوِيٌّ ، شديدٌ ، مجهورٌ ، مُطْبَقٌ . فلم يعد مخرجه من الحافة ، كما حدده سيبويه ، وتحول من الرخاوة إلى الشدة ، كما أنه فقد صفة الاستطالة ، هذا هو الراجح في مسألة الضاد ، وقد يكون لبعض الدارسين وجهة نظر مغايرة ، لكن الدليل هو الذي يرجح الأقوال ، أو يردها([49]).

(2) صفات الحروف :
تتحدد ملامح الصوت اللغوي من خلال الموضع الذي يحدث فيه الحبس للنفس أو التضييق له ، وهو المخرج ، ومن خلال الكيفيات المصاحبة لتكوُّن الصوت في مخرجه ، وهي الصفات . وقد اعتنى علماء التجويد بمبحث الصفات على نحو ما فعلوا بمبحث المخارج ، لكن معالجة المحدثين لموضوع الصفات لا يخلو من ضعف في بعض الجوانب ، خاصة في تعريف الصوت المجهور والمهموس ، وتقسيم الحروف على هاتين الصفتين .

وكان سيبويه - رحمه الله تعالى - قد تحدَّث عن صفات الأصوات حديثاً دقيقاً ومفصلاً ، وصار ما كتبه في ذلك أساساً للدرس الصوتي العربي ، لكن عبارته في تعريف الصوت المجهور لا تخلو من غموض لم يتمكن العلماء من إزالته إلا في العصر الحديث ، بعد تشريح الحنجرة وتقدم دراسة علم الصوت ، وقد ظل المؤلفون في علم التجويد من المحدثين يرددون عبارة سيبويه بعد أن أدَّت كثرة تناقلها في الكتب وتقادم العهد بها إلى حصول تحريفات فاحشة فيها ، زادت من الغموض فيها حتى صارت أشبه ما تكون بالألغاز أو الأحاجي .

قال سيبويه في تعريف الصوت المجهور : " حرف أُشبع الاعتماد في موضعه ، ومَنَعَ النَّفَسَ أن يجري معه حتى ينقضيَ الاعتماد ويجريَ الصوت " ، والأصوات المجهورة عنده تسعة عشر هي : ء ا ع غ ق ج ي ض ل ن ر ط د ز ظ ذ ب م و .

وقال في تعريف الصوت المهموس : " فأما المهموس فحرف أُضعف الاعتماد في موضعه حتى جرى النَّفَسُ معه ... " والأصوات المهموسة عنده عشرة ، هي : هـ ح خ ك ش س ص ت ث ف ([50]).

وتوقف عدد من الباحثين المحدثين أمام تعريف سيبويه للصوت المجهور طويلاً ، محاولين تفسيره بموجب الفهم المعاصر لظاهرة الجهر ، الناتجة عن اهتزاز الوتريين الصوتيين في الحنجرة ، وهم لا يخفون حيرتهم في فَهْمِ بعض جوانبه ، ولكنهم يقررون مع ذلك أن تحديد سيبويه للأصوات المجهورة والمهموسة يتطابق مع ما دلت عليه الدراسات المعاصرة ، ما عدا صوت الهمزة والقاف والطاء التي وصفها سيبويه بالجهر ، وهي عند علماء الأصوات المحدثين مهموسة([51]).

وإذا دقَّق الباحث في كتب علم التجويد المعاصرة فإنه سيجد اضطراباً كبيراً في تعريف الصوت المجهور والصوت المهموس ، وتحريفاً في عبارة سيبويه في تعريفهما ، زاد من غموض المعنى واضطرابه([52]).

ولم يكن أحدث كتابين في علم التجويد بمنأى من ذلك الخلل في تعريف المجهور والمهموس ، فجاء في ( فن الترتيل) في تعريف المجهور بأنه : " انحباسُ جَرْيِ النَّفَس مع الحرف عند النطق به " ، والمهموس بأنه : " جريان النَّفَس مع الحرف عند النطق به ساكناً "([53]). وجاء في ( المنير) أن الجهر هو " انحباس النَّفَس عند النطق بالحرف لقوة الاعتماد على المخرج ، أو : هو قوة التصويت بالحرف لقوة الاعتماد عليه في المخرج حتى مَنَعَ جريان النَّفس معه " ، وأن الهمس : " جريان النَّفَس عند النطق بالحروف لضعف الاعتماد على المخرج "([54]). لكن الجديد في (المنير) هو الإشارة في الهامش إلى تعريف المجهور والمهموس عند المحدثين ، ويبدو أن هذا التعريف لم يبلغ درجة اليقين لدى مؤلفي الكتاب فوضعوه في الهامش ، ولو فعلوا عكس ذلك لكان دليلاً على تَمَثُّلِ حقائق علم الأصوات لديهم في كتابة علم التجويد .

إن تعريفات المجهور والمهموس في كتب علم التجويد الحديثة تشترك في أنها نقلت تعريف سيبويه لكنها لم تلتزم بنص عبارته التي تعرضت لتغييرات زادت من غموض التعريف واضطرا به ، وأحسب أن المنهج العلمي يقتضي إعادة تعريف الصوت المجهور والصوت المهموس على نحو ما أكَّده علم الأصوات اللغوية المعاصر ، وإعادة النظر في عدِّ كل من القاف والطاء والهمزة أصواتاً مجهورة ، فليس من الإخلاص للعلم والنصح لطلبته الاستمرار في تلقينهم ما قام الدليل على عدم صحته .

(3) الأحكام الصوتية الناشئة عن التركيب :

إن ثمرة دراسة مخارج الأصوات وصفاتها هي فهم الظواهر الصوتية الناشئة عن التركيب ، والكشف عن القوانين الصوتية التي تتحكم فيها . وكان هذا الباب من أغنى أبواب علم التجويد في المؤلفات القديمة والحديثة ، ولكن لا يزال التفسير الصوتي لتلك الأحكام ضعيفاً ، وإن في حقائق علم الأصوات اللغوية المعاصر ودقائقه ما يمكن أن يوضح كثيراً منها ، ويجعل فهمه أيسر على الدارس .

ويمكن أن ندرس ظاهرة من الظواهر الصوتية في ضوء ما يُقدِّمه علم الأصوات اللغوية ، وهو غير بعيد عما كان عليه في كتب علم التجويد الأولى ، ولكن لا تزال كتب علم التجويد الحديثة لم تستوعب المادة الصوتية في الكتب القديمة ، وكذلك لم تستفد من المادة الصوتية التي يقدمها علم الأصوات الحديث ، وهذه الظاهرة تشغل باباً من أبواب علم التجويد ، وهو باب أحكام النون الساكنة والتنوين ، الذي لا يخلو منه كتاب من كتب علم التجويد ، وقد أُلِّفت رسائل مستقلة فيه .

ويمكن أن أقف عند قضيتين من قضايا هذا الباب : الأولى تطبيق الأحكام على خارطة المخارج ، والثانية : مناقشة تعريف ظاهرة الإخفاء . أما فكرة تطبيق الأحكام فتقوم على رسم جدول للمخارج ، وملاحظة المساحة التي يشغلها كل حكم من الأحكام ، ومحاولة تفسير اختصاص عدد من الأصوات بحكم ما . وإليك البيان :

جدول مخارج أصوات العربية
مبيناً عليه أحكام النون الساكنة والتنوين
الحكم أصوات المخرج رقم المخرج
إخفاء ب م و 1
إخفاء ف 2
إخفاء ث ذ ظ 3
إخفاء س ص ز 4
إخفاء ت ط د ض 5
إدغام ل ن ر 6
إخفاء ي ج ش 7
إخفاء ك 8
إخفاء ق 9
إظهار غ خ 10
إظهار ع ح 11
إظهار ء هـ 12

إن فكرة الجدول تقوم على نظرية سيبويه في مخارج أصوات العربية ، مع إعادة النظر بموقع مخرج الضاد ، ووضعه مع أخواته ( ت ط د ) حسب النطق المعاصر ، مع دمج اللام والراء والنون في مخرج واحد ، على مذهب الفراء ومن تابعه من القدماء والمحدثين ، وحذف مخرج النون المخفاة لأنها فرع من النون الأصلية .

والجدول يفسر لنا بوضوح أحكام النون الساكنة ، بناء على القرب والبعد في مخارج الأصوات من مخرج النون ، فأبعد الأصوات مخرجاً ، وهي أصوات الحلق ، لا تؤثر في النون ، فكان حكمها الإظهار ، وأدنى الأصوات مخرجاً من النون ، وهي اللام والراء أثَّرَت في النون وقلبتها وذلك لقربهما منها ، أو لاشتراكها معهما في المخرج ، بناء على القانون الصوتي القائل بأن الأصوات كلما تدانت مخارجها كان التأثر أقوى ، وكلما تباعدت ضعف التأثير بقدر بُعْدِها ، ولم تقرب بقية الأصوات من النون قرب اللام والراء فتدغم فيها ، ولم تبعد عنها بعد أصوات الحلق فتظهر معها ، فكان حكمها بين الإدغام والإظهار ، وهو الإخفاء . ولعلك تستغرب من وضع الباء والواو والياء مع أصوات الإخفاء ، لأنك اعتدت أن ترى الواو والياء مع حروف الإدغام ( بغنة) ، والياء يستقل بحكم منفرد وهو الإقلاب ، لكنني وضعتها مع حروف الإخفاء لأن الإدغام بغنة ، والإقلاب ، هما في الحقيقة إخفاء للنون عند هذه الأصوات الثلاثة([55])، والقضية تحتمل المناقشة ، ولكن ليس هذا المكان المناسب لذلك .

ولعل من المفيد قبل أن أتحدث عن تعريف الإخفاء تذكير القارئ بأن جدول مخارج الأصوات يمكن أن يُفَسِّرَ أيضاً عدداً من الظواهر الصوتية الأخرى ، مثل ظاهرة إدغام لام التعريف في أربعة عشر صوتاً ، استناداً إلى قرب مخارجها من اللام ، وإظهارها مع بقية الأصوات التي بعدت مخارجها ، وذلك على النحو الآتي :

جدول مخارج أصوات العربية
مبيناً عليه أحكام لام التعريف
الحكم أصوات المخرج رقم المخرج
إظهار ب م و 1
إظهار ف 2
إدغام ث ذ ظ 3
إدغام س ص ز 4
إدغام ت ط د ض 5
إدغام ل ن ر 6
إظهار وإدغام ي ش ج 7
إظهار ك 8
إظهار ق 9
إظهار غ خ 10
إظهار ع ح 11
إظهار ء هـ 12

أما الإخفاء فإنه أحد أحكام النون الساكنة والتنوين ، ويكون عند خمسة عشر حرفاً ، وهي ما عدا حروف الإظهار الستة ( ء هـ ع ح غ خ ) وحروف الإدغام الستة المجموعة في ( يرملون) ، وعدا الباء التي تقلب عند النون الساكنة ميماً ، كما يذهب جمهور علماء العربية والتجويد إلى ذلك .

وكانت ظاهرة الإخفاء موضع عناية علماء العربية والتجويد المتقدمين ، فقال سيبويه : " وتكون النون مع سائر حروف الفم حرفاً خفياً ، مخرجه من الخياشيم ... "([56]) . وقال أبو عمرو الداني : " وأما إخفاء النون والتنوين فحقه أن يُؤْتَى بهما لا مُظْهَرَيْنِ ولا مُدْغَمَيْنِ ، فيكون مخرجهما من الخياشيم لا غير ، ويَبْطُلُ عمل اللسان بهما ، ويمتنع التشديد لامتناع قلبهما ، وذلك إذا لَقِيَا حروف اللسان غير اللام والراء ".([57])

وقال عبد الوهاب القرطبي مبيناً حقيقة الإخفاء : " ومعنى خفائها ما قدمناه من اتصال النون بمخارج هذه الحروف ، واستتارها بها ، وزوالها عن طرف اللسان ، وخروج الصوت من الأنف من غير معالجة بالفم "([58]).

واستقر تعريف الإخفاء في كتب علم التجويد المتأخرة والحديثة بالاستناد إلى تعريف الداني أكثر من استناده إلى تعريف عبد الوهاب القرطبي ، فقال الشيخ زكريا الأنصاري ( ت 926هـ) في تعريفه : " والإخفاء لغة الستر ، واصطلاحاً النطق بحرف بصفة بين الإظهار والإدغام ، عارِ عن التشديد ، مع بقاء الغنة في الحرف الأول "([59]) .
واقتبس معظم كتب التجويد الحديثة هذا التعريف([60]) ، كما جاء بهذه الصورة في ( فن الترتيل) ([61]) ، و (المنير) ([62]) ، ولا يخلو هذا التعريف من قصور في توضيح حقيقة الإخفاء ، ولا يشير إلى ما ذكره عبد الوهاب القرطبي من اتصال النون المخفاة بمخارج الحروف التي تخفى عندها ، وزوالها عن طرف اللسان ، وخروج الصوت من الأنف .

ويمكن توضيح حقيقة الإخفاء من خلال النظر في طبيعة حركة أعضاء آلة النطق في إنتاج النون ، فالنون لها مُعْتَمَدٌ في الفم ، وهو بين طرف اللسان وأصول الثنايا ، ولها مَجْرىً للنَّفَس في الخيشوم ، والذي يحدث عند إخفاء النون هو زوال عمل طرف اللسان ، وانتقال مكان الاعتماد للنون إلى مخرج الصوت الذي تخفى عنده ، مع بقاء جريان النَّفَس من الأنف ، وهو صوت الغنة ، فيتحرك اللسان حركة واحدة للنون وللصوت الذي تخفى عنده ، وبعد أن تستوفي النون حظها من الغنة يتوقف جريان النَّفَس من الأنف ويتحول إلى الفم للنطق بالصوت الآتي بعدها . وهذا هو معنى قول سيبويه :" كان أخف عليهم أن لا يستعملوا ألسنتهم إلا مرة واحدة "([63]) . ويمكن إعادة صياغة تعريف الإخفاء - بناء على ذلك – بالقول : "هو انتقال معتمد اللسان في الفم إلى مخرج الصوت الذي تخفى عنده ، مع بقاء جريان النفس من الأنف في أثناء النطق بها ".

والمتأمل في أداء القراء المعاصرين يجد تبايناً في طريقة إخفاء النون وتعدداً في مذاهب القراء فيه ، وقد يكون من أسباب ذلك غموض تعريف إخفاء النون في كتب التجويد . وفي الدراسات الصوتية العربية المعاصرة ما يفيد في دراسة ظاهرة إخفاء النون ، وعلى المشتغلين بعلم التجويد تأليفاً وتعليماً أن يضموا ذلك إلى جهود علمـاء العربية وعلماء التجويد المتقدمين ، حتى تتضح حقيقة الإخفاء للدارس والمتعلم ، وتتحدد طريقة أدائه . وهذه القضية تعطي مثالاً لما يمكن أن يتحقق من إحاطة علماء التجويد المعاصرين بالدرس الصوتي الحديث([64]).

لموضوع بقية تتبع

عبقور
02-06-2010, 03:52 PM
مشكووررررررررررررررررررررررررررررررررررررررررررررر ررررررررررررر