الوشق
12-29-2009, 10:10 PM
جيران
http://alwsta.com/up/uploads/alwsta-com12621137780.JPG (http://alwsta.com/up/download.php?img=11850)
القعدة مع كبار السن لها من الصفات المكتسبة الكثير من خبرات السنين و حكمة الدهر, و كعادتي عند كل سفر لأرض الوطن, أحرض على القعدة مع جدّي و أحرك بداخلة من شجون الماضي ما يجعله يفرز من عبق التراث الشيء المثير و المفيد. و ذات يوم قعدت معه نحتسي القهوة كالعادة و قال: يابني هل سمعت قصة الجيران, فقلت له لا, فقال: خلاص إسمعها مني, و شرع يحكي..
من زمان جمع القدر بين جارين, لم تكن بينها أي صفات مشتركة سوى الجدار الفاصل بينهما, فالجار الأول أسمه سالم و هو أسمر اللون مزارع بسيط و له زوجة وهبها الله الجمال و كانت قمة في الخلق و العطاء, و رزقت من زوجها بستة أطفال, أما الجار الآخر فأسمه قاسم و هو أبيض البشرة لا يعرفه أحداً و هو متزوج من أمرأة قصيرة عوراء و عرجاء و لديها من الأطفال الكثير. بيت سالم كان أكبر من بيت قاسم ثلاث مرات الأمر الذي ولّد الحقد لدى قاسم تجاه سالم, و قرر أن يخدعه بحيله ما يستولي بها على بيته.
ذات يوم قال قاسم لسالم أليس نحن نسكن نفس المنطقة, فقال سالم نعم, فقال قاسم : و نحن جيران أيضاً, فقال سالم: معك حق, فقال قاسم: و نحن على دين واحد و الرسول أوصى لسابع جار, فقال سالم: اللهم صلي و سلم على سيدنا محمد, فقال قاسم: بالله عليك يرضيك بعد هذا كله نجعل بيني و بينك جدار يفصل بيننا و نحن أخوة, فقال المسكين سالم: لا يا أخي من الآن سنهدم هذا الجدار و الدار دار واحدة. و دخل سالم داره و اخذ الفأس يريد هدم الجدار, فنبّهته زوجته فلم يسمع كلامها, و نبّهته بحق عياله, فلم يكترث لما تقول, و ما هي إلا لحظات حتى تهدم الجدار و أصبحت دار سالم و قاسم دار واحدة. و صار الأبناء يلعبون هنا و هناك, و الغذاء أصبح على سفرة واحدة, و ضيق المساحة التي عانى منها قاسم تخلص منها. و ذات يوم دبّ خلاف بين الأبناء فإنتقل الأمر بين الزوجتين فأعتدت زوجة قاسم على زوجة سالم و أصابتها بجرح, فلما جاء سالم للبيت و وجد زوجته بهذا الحال و إستنكر عدم مجيء قاسم للإعتذار نهض إليه و ناداه و من ثم جاءه قاسم و بدل من تهدئة الحوار, قام بالتصعيد و أهان سالم مستنكراً كل ما فعله من خير مسبقاً, فغضب سالم و أرتفع "صوته", فقام قاسم بلا مبالاة و رفع سلاحه و اغمده في صدر سالم عى مرأى عين من زوجته التي خنقتها العبرات و الدموع.
مات سالم, مات و ترك أرملة و أطفالها تحت تهديد السكوت و المداراة على الكارثة و إلا نال أبنائها مثلما نال أبيهم, و قام قاسم و تزوج زوجة سالم رغماً عنها و أمتلك كل شيء غصباً. و كبر أطفال سالم و قد نسو والدهم و هم يحسبون أن قاسم هو والدهم, و حتى أشتد ساعدهم, و نتيجة لأهمال قاسم, تفرق الابناء في السلوك, فمنهم من إلتزم الدين, و منهم من توجهه لفرقة منحرفة, و منهم من زهد و تصوف, و منهم من أنبهر بتيار سياسي و أنتمى له, و منهم من عمل على شاكلة قاسم في تجارة غير منتظمة, و آخرهم تقاذفته الحياة و إتبع القوم الذين من لم يكن على ملتهم يستحق الموت. بدأ الخلاف ينشأ بين أبناء اللحم الواحد, و هذا كله أمام نظر قاسم و هو ساكت لم يحرك ساكناً و لكأن الأمر يروق له.
جزعت الأم من تفرقة ابنائها, و قررت أن تبوح بالسر لأبنائها, فبدأت تهمس إليهم واحد تلو الآخر: أن هذا ليس أبيكم و أن داركم مغتصبة و أن أمكم على زواجه مرغمة. فتفاوتت ردت الفعل بين الأبناء, منهم من لم يعد يميز أين الصواب, و منهم من خشي المواجهه من أجل مصالحة, و منهم من إنشغل بنفسه, و منهم من أدركه الضعف, و من قام بالمواجه لم يقوى على الصمود أمام قاسم و أبناءه. و هكذا ضاع الحق, فهل سيستعيد الأبناء حقهم ذات يوم؟.
إنتهت حكاية جدي, و أنا رغم حزني إلا أني أحسست بالتوهان, دوماً جدي يحكي لي عن السلطان و بنته الجميلة, و الفارس الذي يصرع جيش كامل بهزّة سيفه, لكن ما تعودت منه أن يحكي قصة تنتهي بنهاية حزينة.
دمتم في إعتزاز
أخوكم الوشق
http://alwsta.com/up/uploads/alwsta-com12621137780.JPG (http://alwsta.com/up/download.php?img=11850)
القعدة مع كبار السن لها من الصفات المكتسبة الكثير من خبرات السنين و حكمة الدهر, و كعادتي عند كل سفر لأرض الوطن, أحرض على القعدة مع جدّي و أحرك بداخلة من شجون الماضي ما يجعله يفرز من عبق التراث الشيء المثير و المفيد. و ذات يوم قعدت معه نحتسي القهوة كالعادة و قال: يابني هل سمعت قصة الجيران, فقلت له لا, فقال: خلاص إسمعها مني, و شرع يحكي..
من زمان جمع القدر بين جارين, لم تكن بينها أي صفات مشتركة سوى الجدار الفاصل بينهما, فالجار الأول أسمه سالم و هو أسمر اللون مزارع بسيط و له زوجة وهبها الله الجمال و كانت قمة في الخلق و العطاء, و رزقت من زوجها بستة أطفال, أما الجار الآخر فأسمه قاسم و هو أبيض البشرة لا يعرفه أحداً و هو متزوج من أمرأة قصيرة عوراء و عرجاء و لديها من الأطفال الكثير. بيت سالم كان أكبر من بيت قاسم ثلاث مرات الأمر الذي ولّد الحقد لدى قاسم تجاه سالم, و قرر أن يخدعه بحيله ما يستولي بها على بيته.
ذات يوم قال قاسم لسالم أليس نحن نسكن نفس المنطقة, فقال سالم نعم, فقال قاسم : و نحن جيران أيضاً, فقال سالم: معك حق, فقال قاسم: و نحن على دين واحد و الرسول أوصى لسابع جار, فقال سالم: اللهم صلي و سلم على سيدنا محمد, فقال قاسم: بالله عليك يرضيك بعد هذا كله نجعل بيني و بينك جدار يفصل بيننا و نحن أخوة, فقال المسكين سالم: لا يا أخي من الآن سنهدم هذا الجدار و الدار دار واحدة. و دخل سالم داره و اخذ الفأس يريد هدم الجدار, فنبّهته زوجته فلم يسمع كلامها, و نبّهته بحق عياله, فلم يكترث لما تقول, و ما هي إلا لحظات حتى تهدم الجدار و أصبحت دار سالم و قاسم دار واحدة. و صار الأبناء يلعبون هنا و هناك, و الغذاء أصبح على سفرة واحدة, و ضيق المساحة التي عانى منها قاسم تخلص منها. و ذات يوم دبّ خلاف بين الأبناء فإنتقل الأمر بين الزوجتين فأعتدت زوجة قاسم على زوجة سالم و أصابتها بجرح, فلما جاء سالم للبيت و وجد زوجته بهذا الحال و إستنكر عدم مجيء قاسم للإعتذار نهض إليه و ناداه و من ثم جاءه قاسم و بدل من تهدئة الحوار, قام بالتصعيد و أهان سالم مستنكراً كل ما فعله من خير مسبقاً, فغضب سالم و أرتفع "صوته", فقام قاسم بلا مبالاة و رفع سلاحه و اغمده في صدر سالم عى مرأى عين من زوجته التي خنقتها العبرات و الدموع.
مات سالم, مات و ترك أرملة و أطفالها تحت تهديد السكوت و المداراة على الكارثة و إلا نال أبنائها مثلما نال أبيهم, و قام قاسم و تزوج زوجة سالم رغماً عنها و أمتلك كل شيء غصباً. و كبر أطفال سالم و قد نسو والدهم و هم يحسبون أن قاسم هو والدهم, و حتى أشتد ساعدهم, و نتيجة لأهمال قاسم, تفرق الابناء في السلوك, فمنهم من إلتزم الدين, و منهم من توجهه لفرقة منحرفة, و منهم من زهد و تصوف, و منهم من أنبهر بتيار سياسي و أنتمى له, و منهم من عمل على شاكلة قاسم في تجارة غير منتظمة, و آخرهم تقاذفته الحياة و إتبع القوم الذين من لم يكن على ملتهم يستحق الموت. بدأ الخلاف ينشأ بين أبناء اللحم الواحد, و هذا كله أمام نظر قاسم و هو ساكت لم يحرك ساكناً و لكأن الأمر يروق له.
جزعت الأم من تفرقة ابنائها, و قررت أن تبوح بالسر لأبنائها, فبدأت تهمس إليهم واحد تلو الآخر: أن هذا ليس أبيكم و أن داركم مغتصبة و أن أمكم على زواجه مرغمة. فتفاوتت ردت الفعل بين الأبناء, منهم من لم يعد يميز أين الصواب, و منهم من خشي المواجهه من أجل مصالحة, و منهم من إنشغل بنفسه, و منهم من أدركه الضعف, و من قام بالمواجه لم يقوى على الصمود أمام قاسم و أبناءه. و هكذا ضاع الحق, فهل سيستعيد الأبناء حقهم ذات يوم؟.
إنتهت حكاية جدي, و أنا رغم حزني إلا أني أحسست بالتوهان, دوماً جدي يحكي لي عن السلطان و بنته الجميلة, و الفارس الذي يصرع جيش كامل بهزّة سيفه, لكن ما تعودت منه أن يحكي قصة تنتهي بنهاية حزينة.
دمتم في إعتزاز
أخوكم الوشق