alshahin
12-04-2009, 09:56 AM
هذه أحد مقالات الكاتب سعيد الجريري من كتابه (بلا غيبوبة)
موضوع رائع يعكس بواقية حال بعض دكاترتنا ...
أترككم تستمتعون بما خط الاستاذ
(الدالْ) أكلة هندية معروفة في عدن.. إنما الدالُُّ على الخير كفاعله؟!.
الدالُ حرف من الحروف العربية المجهورة، ومن الحروف النطعية أيضاً. والنِّطْع والنِّطَع والنَّطَع والنَّطَعة ماظهر من غار الفم الأعلى. والتنطُّع في الكلام: التعمق فيه، مأخوذ منه. وفي الحديث: هلكَ المتنطعون؛ هم المتعمقون المغالون في الكلام، الذين يتكلمون بأقصى حلوقهم تكبُّراً...(لسان العرب لابن منظور).
وليس الدالُ وحدَهُ الذي يختصرون به، فالواو مختصَر الواسطة أو الوساطة التي توصَف بأنها فوق القانون. وفي الأمثال الحضرمية مثل يقول:-عين باء شركة) ويُفسَّر بأنه (عيال إبليس شركاء).
ويَستعمل الشعراء الشعبيون الحروف منطوقةً مفردة للدلالة على كلمة معينة مثل: كاف نون، أيْ : فعل الأمر (كُنْ ، ودال ميم ، أيْ: (دَم ) ، و( سين ميم ) ، أي: (سُم) ...وهكذا.
على هذه الخلفية يقال ما يقال عن الدال نقطة ( د.) اختصاراً ، كما في العنوان، دلالةً على شهادة الدكتوراه التي نالها دارسٌ ما ، إيحاءً بأنه أوتيَ علماً كثيراً ينماز به عمَّن سواه، وإن لم يكن كذلك في الواقع.
يصف عبده وازن موقفاً طريفاً مع صحافي فرنسي زار لبنان لإجراء تحقيق عن بيروت التي اختيرت عاصمة عالمية للكتاب لسنة 2009، إذْ انتهز الفرصة ليسأل أصدقاء وازن الثلاثة - الذين قدّمهم له على أنهم دكاترة - عن أحوال الطب في لبنان «المضطرب» ، ما أصاب الثلاثة بِحَيرة جعلت وازناً يتدخل بسرعة، موضحاً للفرنسي أنهم «دكاترة» جامعيون، وليسوا أطباء كما تعني هذه الصفة في فرنسا. وأفاض في الإيضاح قائلاً له: إن اثنين منهم يحملان شهادة دكتوراه في الأدب والثالث في التاريخ.
ويضيف وازن منتقداً هذه الظاهرة القشورية العربية: -ما من كاتب أو مفكر أو ناقد في الغرب يعرّف عن نفسه بأنه «دكتور». اللقب هذا يرد فقط في السيرة الذاتية أو براءة الشهادة التي ينالها الطالب حين ينهي دراسته. حتى عندما يكتب هؤلاء في الصحف أو يطلون على الشاشات الصغيرة لا يُعرّف عنهم بأنهم « دكاترة » مع أن بعضهم يحمل أكثر من شهادة دكتوراه. رولان بارت لم يوقّع يوماً نصاً باسمه مسبوقاً بـ« د.» وكذلك ميشال فوكو أو إدغار موران أو إدوارد سعيد... حتى صموئيل هنتنغتون صاحب مقولة «صدام الحضارات» أو فوكوياما المفكر الشهير الذي قال بـ« نهاية التاريخ »، والأسماء الأخرى لا تحصى. هذا اللقب في الغرب هو لقب أكاديمي ولا يخرج من الصرح الجامعي ليصبح لقباً عاماً يمكن التباهي به والاحتماء وراءه )).
فإن تكن هذه ( القشورية ) العربية على هذا المستوى من التلهي بالألقاب والمقامات في زمن عربي سانحٍ للتلهي، فإنها ذات ظلال خاصة في هذا البلد الميمون بـ( المجابرة ) بكل شيء، فـ(الأستاذية ) - مثلاً - التي هي لقب علمي ينبغي التعامل به في إطار الجامعة، مسترخصة فيوصف بها كل من هب ودب، ولو كان لا يفرّق بين التاء المربوطة والتاء المفتوحة، أو النصب والجزم.
ربما يكون من تأثير العادة أن يحرص موزعو الألقاب ذات اليمين وذات الشمال على أن يضعوا ( دالاً متبوعة بنقطة) أمام اسم أيّ دكتور في الجامعة توقيراً وتمييزاً له عن أساتذة المجابرة الوطنية والشعبية! لكن حرص كثير من دكاترة الجامعة على أن تثبت الدال قبل أسمائهم وامتعاضهم من إغفالها هو غير المستساغ، كأن يغضب زميلٌ ما، إن لم تخاطبه باللقب، عادّاً ذلك انتقاصاً من قدره وتشكيكاً في دكترته!.
إن عقدة الألقاب مؤشر على خلل ما، فتجد الكتّاب يصفون شاعراً ما بأنه كبير، وهو كبير إن كان شاعراً وكفى، وكذلك القاص والناقد والفنان... ليصل الأمر إلى الحكومة فرئيسها يقال له( دولة فلان) والوزراء كل منهم ( معالي )، فكيف بوزيرٍ اسمه زايد، ويقال له ( معالي )؟!.
هل تبادر الصحافة إلى تصحيح الوضع فتسقط كل ( د.) عن كل دكاترة الجامعة - كما فعلَ ، منذ زمن، المفكر أبوبكر السقاف ؟ ، فإنْ كابرَ بعضُهم بدكترته فلا بأس في أن ينسبوا إلى جامعاتهم بحروف صغيرة أسفل المادة المنشورة، اضطراراً.
وبالعودة إلى عبده وازن فإن الصحافي الفرنسي لم يستوعب ظاهرة الدكترة العربية التي عدّها نوعاً من المزاح، لكن وازناً استوعب حيرته كثيراً وأدرك لماذا ظن أن الأمر لا يعدو كونه مزاحاً. فهل يستوعب الزملاء و يُدركون، ثم يتذكرون - على سبيل الدُّعابة - أن (الدالْ ) ليس أكثر من أكلة هندية معروفة في عدن.. إنما الدالُّ على الخير كفاعله؟!.
على فكرة كاتب الموضوع هو دكتوووووورررر في الأدب
مع تحياتي
موضوع رائع يعكس بواقية حال بعض دكاترتنا ...
أترككم تستمتعون بما خط الاستاذ
(الدالْ) أكلة هندية معروفة في عدن.. إنما الدالُُّ على الخير كفاعله؟!.
الدالُ حرف من الحروف العربية المجهورة، ومن الحروف النطعية أيضاً. والنِّطْع والنِّطَع والنَّطَع والنَّطَعة ماظهر من غار الفم الأعلى. والتنطُّع في الكلام: التعمق فيه، مأخوذ منه. وفي الحديث: هلكَ المتنطعون؛ هم المتعمقون المغالون في الكلام، الذين يتكلمون بأقصى حلوقهم تكبُّراً...(لسان العرب لابن منظور).
وليس الدالُ وحدَهُ الذي يختصرون به، فالواو مختصَر الواسطة أو الوساطة التي توصَف بأنها فوق القانون. وفي الأمثال الحضرمية مثل يقول:-عين باء شركة) ويُفسَّر بأنه (عيال إبليس شركاء).
ويَستعمل الشعراء الشعبيون الحروف منطوقةً مفردة للدلالة على كلمة معينة مثل: كاف نون، أيْ : فعل الأمر (كُنْ ، ودال ميم ، أيْ: (دَم ) ، و( سين ميم ) ، أي: (سُم) ...وهكذا.
على هذه الخلفية يقال ما يقال عن الدال نقطة ( د.) اختصاراً ، كما في العنوان، دلالةً على شهادة الدكتوراه التي نالها دارسٌ ما ، إيحاءً بأنه أوتيَ علماً كثيراً ينماز به عمَّن سواه، وإن لم يكن كذلك في الواقع.
يصف عبده وازن موقفاً طريفاً مع صحافي فرنسي زار لبنان لإجراء تحقيق عن بيروت التي اختيرت عاصمة عالمية للكتاب لسنة 2009، إذْ انتهز الفرصة ليسأل أصدقاء وازن الثلاثة - الذين قدّمهم له على أنهم دكاترة - عن أحوال الطب في لبنان «المضطرب» ، ما أصاب الثلاثة بِحَيرة جعلت وازناً يتدخل بسرعة، موضحاً للفرنسي أنهم «دكاترة» جامعيون، وليسوا أطباء كما تعني هذه الصفة في فرنسا. وأفاض في الإيضاح قائلاً له: إن اثنين منهم يحملان شهادة دكتوراه في الأدب والثالث في التاريخ.
ويضيف وازن منتقداً هذه الظاهرة القشورية العربية: -ما من كاتب أو مفكر أو ناقد في الغرب يعرّف عن نفسه بأنه «دكتور». اللقب هذا يرد فقط في السيرة الذاتية أو براءة الشهادة التي ينالها الطالب حين ينهي دراسته. حتى عندما يكتب هؤلاء في الصحف أو يطلون على الشاشات الصغيرة لا يُعرّف عنهم بأنهم « دكاترة » مع أن بعضهم يحمل أكثر من شهادة دكتوراه. رولان بارت لم يوقّع يوماً نصاً باسمه مسبوقاً بـ« د.» وكذلك ميشال فوكو أو إدغار موران أو إدوارد سعيد... حتى صموئيل هنتنغتون صاحب مقولة «صدام الحضارات» أو فوكوياما المفكر الشهير الذي قال بـ« نهاية التاريخ »، والأسماء الأخرى لا تحصى. هذا اللقب في الغرب هو لقب أكاديمي ولا يخرج من الصرح الجامعي ليصبح لقباً عاماً يمكن التباهي به والاحتماء وراءه )).
فإن تكن هذه ( القشورية ) العربية على هذا المستوى من التلهي بالألقاب والمقامات في زمن عربي سانحٍ للتلهي، فإنها ذات ظلال خاصة في هذا البلد الميمون بـ( المجابرة ) بكل شيء، فـ(الأستاذية ) - مثلاً - التي هي لقب علمي ينبغي التعامل به في إطار الجامعة، مسترخصة فيوصف بها كل من هب ودب، ولو كان لا يفرّق بين التاء المربوطة والتاء المفتوحة، أو النصب والجزم.
ربما يكون من تأثير العادة أن يحرص موزعو الألقاب ذات اليمين وذات الشمال على أن يضعوا ( دالاً متبوعة بنقطة) أمام اسم أيّ دكتور في الجامعة توقيراً وتمييزاً له عن أساتذة المجابرة الوطنية والشعبية! لكن حرص كثير من دكاترة الجامعة على أن تثبت الدال قبل أسمائهم وامتعاضهم من إغفالها هو غير المستساغ، كأن يغضب زميلٌ ما، إن لم تخاطبه باللقب، عادّاً ذلك انتقاصاً من قدره وتشكيكاً في دكترته!.
إن عقدة الألقاب مؤشر على خلل ما، فتجد الكتّاب يصفون شاعراً ما بأنه كبير، وهو كبير إن كان شاعراً وكفى، وكذلك القاص والناقد والفنان... ليصل الأمر إلى الحكومة فرئيسها يقال له( دولة فلان) والوزراء كل منهم ( معالي )، فكيف بوزيرٍ اسمه زايد، ويقال له ( معالي )؟!.
هل تبادر الصحافة إلى تصحيح الوضع فتسقط كل ( د.) عن كل دكاترة الجامعة - كما فعلَ ، منذ زمن، المفكر أبوبكر السقاف ؟ ، فإنْ كابرَ بعضُهم بدكترته فلا بأس في أن ينسبوا إلى جامعاتهم بحروف صغيرة أسفل المادة المنشورة، اضطراراً.
وبالعودة إلى عبده وازن فإن الصحافي الفرنسي لم يستوعب ظاهرة الدكترة العربية التي عدّها نوعاً من المزاح، لكن وازناً استوعب حيرته كثيراً وأدرك لماذا ظن أن الأمر لا يعدو كونه مزاحاً. فهل يستوعب الزملاء و يُدركون، ثم يتذكرون - على سبيل الدُّعابة - أن (الدالْ ) ليس أكثر من أكلة هندية معروفة في عدن.. إنما الدالُّ على الخير كفاعله؟!.
على فكرة كاتب الموضوع هو دكتوووووورررر في الأدب
مع تحياتي