المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حبي الجريح :قصه رائعه جدا


محمد الحداد
12-16-2007, 07:08 PM
حبي الجريح *.+.

--------------------------------------------------------------------------------

بسم الله الرحمن الرحيم






الفصل الاول ( طفولة شقيه).
"قلت لك لن تلعبي معنا ...هيا إنصرفي" نطقها ذاك الصبي ابن الاثني عشرة عاما الذي يسمى وليد
قالت الطفله الصغيره ذات الستة أعوام وهي توشك على البكاء " ولماذا تسمح للبقيه للعب وانا لا؟"
قال وليد والضجر واضح على وجهه " لانك صغيره ولعبك بالكره معنا قد يؤذيك...هيا إذهبي والعبي بالأرجوحه"
وهنا بكت الطفله التي تدعى ندى وضربت الأرض بقدميها بغضب وهي تتوعد وليد بأنها ستخبر اختها الكبرى
تجاهلها وليد وقال" هيا نلعب ...انا سأكون في قلب الهجوم وانتما يا سمير و تامر ستكونان معي اما غدير وهناء ستكونان في الدفاع و......."
أخذ وليد يقسم الاطفال في الفريق والكل يستمع اليه باهتمام كما لو كان قائد المجموعه والكل يضرب له ألف حساب
اما ندى الصغيره فذهبت لمنزلها باكيه ودخلت للمطبخ لاخبار اختها امل ذات العشرة اعوام بما حصل
كانت أمل ممسكه بفوطه وتمسح الصحون بعد ان قامت بترتيب و تنظيف المطبخ عندما رأت ندى تركض نحوها باكيه
تركت ما بيدها وهرعت لأختها ندى
قالت أمل وهي ممسكه بكتفي ندى" ما بك يا ندى؟ لِمَ تبكين؟"
قالت " هناك صبي يدعى وليد رفض ان اشاركهم في اللعب "
امل بتساؤل" ولماذا يرفض؟"
ندى" يقول بأنني صغيره وقد يؤذيني اللعب معهم...كان يصرخ بوجهي"
قالت امل بغضب "تعالي معي و دليني اليه سأريه ما لا يتمنى رؤيته ...فلا احد يستطيع منعك من اللعب"
كانت أمل طفله قوية الشخصيه و متحمله للمسؤليه فهي الكبيره بين اخوتها
سأحكي لكم قصة هذه العائله الصغيره المكونه من الأب حاتم و زوجته ناديه وأبنائهم الثلاثه امل وندى وسيف الذي يبلغ من العمر خمسة اشهر, كانوا يعيشون في العاصمه في شقه صغيره وجميله فهم ليسوا من الطبقه الراقيه ولا بالطبقه المتدنيه
كان الاستاذ حاتم يعمل محاسب في احد البنوك اما السيده ناديه فكانت ربة منزل مخلصه و حنونه و تحب ان تربي ابنائها على الاعتماد على الذات فكانت تكلف امل بتنظيف المطبخ وغسل الصحون بعد كل وجبه ما عدا الافطار اما ندى فكانت تكلفها بشغل منزلي اسهل وذلك لصغر سنها فكانت تقوم بترتيب غرفة الجلوس و وضع العابها المتناثره في صندوق اللُعب ,...ببساطه هم عائله هادئه لا يعكر صفوها شيء و لكن قبل اسبوع جاء خبر نقل الاستاذ حاتم لفرع البنك القاطن ببلده صغيره ريفيه قَبِلَ حاتم بهذا القرارواستعدوا للانتقال للبلده فسافر الاب حاتم واستأجر منزلا ريفي رائع ونقل ملفات ابنتيه امل وندى لمدرسة البلده ثم عاد واخذ عائلته والاثاث للبيت الجديد الذي وصلوه بالأمس كان اليوم هو يوم عطله اسبوعيه ولم تتعرف امل على اطفال البلده بعد , اما ندى فقد سارعت بإنجاز عملها المنزلي واسرعت الى ساحة لعب الاطفال المغطاه بأرض رمليه , حاولت التعرف اليهم فرحبوا بها ولكن عندما ارادت مشاركتهم في لعب كرة القدم رفض الفتى وليد ذلك , والآن سنعود لأمل وندى اللتان خرجتا لمواجة وليد
عندما وصلت امل وندى لساحة اللعب قالت امل " اين هو؟" اشارت لها ندى بسبابتها الى فتى نحيل ابيض البشره له شعر اسود ناعم طويل نسبيا و عينان عسليتان وانف مستقيم وفم صغير ذو شفتان ورديتان بدت متناسقه مع وجنتيه المحمرتان , كان يبدو عليه الحماس والانسجام في اللعب وقد تناثر شعره حول جبينه المتعرق بعفويه
تقدمت امل ودخلت للملعب وهي متوجه بثقه و صرامه نحو وليد الذي كان يحاول اللحاق بالكره
توقف الاطفال عن اللعب بإنزعاج عندما وقع نظرهم على امل الفتاة الجديده عن البلده التي افسدت لعبهم باختراقها للملعب لكنها لم تبالي بهم واكلمت طريقها نحو وليد ثم وقفت في مواجهته وقالت بتحدِ" كيف تجرؤ يا رأس اليقطينه على منع اختي ندى من اللعب معكم؟" لم يكن رأس وليد شبيه باليقطينه ابدا لكنها كانت تريد اغاضته مثلما اغاض اختها , نظر وليد لأمل لأول مره منذ وصولها للبلده و أخذ يتأملها بتفحص كانت امل طفله نحيله رقيقة الجسد ذات عينان سوداوان واسعتان وفم صغير احمر كحبة كرز يعلوه انف صغير بإستحياء ويحيط بوجهها البيضاوي المتورد شعر بني محمر متموج بنعومه و ينسدل خلف ظهرهاعلى شكل ضفيره تنتهي بربطة شعر خضراء, وبعد فترة صمت استمرت لثواني قال لها وليد " من تقصدين برأس اليقطينه يا رأس الكمثرى؟" ضحك الاطفال عندما دعاها برأس الكمثرى لكنها نظرت له بإحتقار وقالت" هـــهه انت لا تجيد الدعابه يا هذا ...والآن دع اختي تلعب معكم والا حطمت رأسك بقبضتي" نظر وليد لندى التي كانت تقف بجوار امل وقال موجهاً كلامه لندى" اذن هذه هي اختك التي كنتِ تتوعديني بها؟" ثم انفجر ضاحكاً وقال" توقعت فتاة في العشرين وليس فتاة من عالم الاقزام" هنا انفجرت امل غضبا واندفعت نحو وليد واسقطته على ظهره ثم انهالت على وجهه باللكمات , كان تصرفها ابدا لا يوحي بأنها فتاة , وهنا تجمع الاطفال واخذوا يحثون وليد على الدفاع عن نفسه من دون ان يتدخلوا فهم لا يردون ان يفوتوا مشاهدة العراك على انفسهم خاصةً انه لا يوجد أياً من الكبار هنا مما يجعلها فرصة ذهبيه في نظرهم , دفع وليد امل التي كانت قابعه على صدره وامسك بضفيرة شعرها الطويل واخذ يجرها بشعرها في ساحة اللعب اما امل فحاولت ان تفلت منه و هي تكاد تبكي من الالم فصرخت و امسكت بساقه و عضتها بقوه مما جعله يصرخ بألم استمر العراك بينهما و ازداد حماس الاطفال وتشجيعهم وهم يرون حتى الان ان المعركه حاميه ولم يتحدد المنتصر فيها الى الآن فقال وليد" من تظنين نفسك يا فتاة سوف احطمك في خلال ثانيتين" قالت له امل " هــهه ثانيتين فقط؟ انا سأحطمك في في أجزاء الثانيتين و أعلقك فوق الشجرة"قال وليد "هذا ان استطعتِ ان تملكي الشجاعه وتتسلقي الشجره" قالت امل بتحدِ وفخر" لا احد يستطيع ان يتحداني في تسلق الاشجار يا هذا " قال وليد "حقاً اذن هيا اريني براعتك " قالت "هيا اختار أي شجره وسأريك" قال وليد" سنذهب للنهر فهناك اشجار صنوبر عاليه و هي تليق بالتحدي" تردد معظم الاطفال من الذهاب الى النهر فهذا يعني دخول الغابه وهم يخافونها ولكن وليد اسرع الخطى نحو الغابه وتبعته امل واختها ندى وتبعهم تامر وسمير و مصطفى وغدير وهناء اما البقيه ففضلوا البقاء في ساحة اللعب , استمروا في المسير داخل الغابه حتى وصلوا للنهر وكانت الاشجار فعلا باسقه ,حقاً كان مكان اشبه بالجنه في جماله لكن ذلك لم يخطر ببال امل الذي احتل الغضب والتحدي تفكيرها قال وليد" انظري الى هذه الشجره الضخمه سأتسلق انا من جهه وانتي من الجهه المقابله فكما ترين ان ساقها عريض ويكفي لتسلق كلينا " قالت امل"حسنا سأصعد انا من الجانب الايمين وانت الايسر" قال وليد "حسنا" اما ندى التي بدأت توشك على البكاء كانت تشعر بالخوف على اختها لذا امسكت يدها بقوه وقالت "كفى يا امل لا تتسلقي ستسقطين ...انا لا اريدك ان تتأذي " مسحت امل على رأس اختها بحنان يعاكس تصرفها الصبياني الذي فعلته وقالت " لا تخشي علي فأنا عندما اقرر شيئا لا بد ان ينفذ "
ثم قال تامر "انا سأعد تنازليا من 3 الى 1 وعندما اقول واحد تبدأن التسلق والذي يصل الى اعلى مستوى في خلال 5 دقائق هو المنتصر في هذا التحدي" قال وليد" اوافق" وقالت امل" وانا ايضا اوافق"
بدأ تامر العد" ثلاثه ...اثنان..واحد هيــــــــا" تسلق كلا من امل و وليد الشجره بحماس وشجاعه واخذوا يتسلقون من جذع لآخر , كان التحدي حاميا و ارتفع الطفلان لمستوى خطر غير مهتمين بما قد يصابوا من أذى , وقال تامر صارخا " بقي دقيقه واحده " فحاولت امل ان تسبق وليد ووضعت يدها على جذع تريد ان تتسلقه وفي نفس الوقت امسك به وليد والتقت نظراتهما المتحديه الناريه فحاول وليد ان يبعد امل عن طريقه فهو لن يقبل ان تنتصر عليه فتاة اما امل فكانت تقاوم دفعاته لها التي تكاد تجعلها تسقط ومع ذلك اكملوا التسلق وفجأه وضعت امل قدمها على جذع لكنه لم يكن بالقوه الكافيه فانكسر و سقطت لكن ملابسها تعلقت بالجذوع المتشابكه , صرخت امل فالمنظر تحتها كان مخيف ولو سقطت للاسفل فحتما لن تخرج الا باصابات خطيره هذا اذا لم تموت في الحال , وعندما رأى وليد ما حدث خفق قلبه وحاول الاقتراب من مكان امل وعندما وصل اليها وقال" امسكي بيدي وانا سأحاول جرّك ببطء ولا تنظري للاسفل " كان الموقف مخيف ولا يسمح لامل ان تعاند وترفض مساعدة وليد فأطاعته و هي تحاول كبح الدموع التي تجمعت في مقلتيها , وعندما وصلت الى حيث كان وليد قال هذا الاخير " لن نكمل التحدي فلننزل حالا قد نسقط كلينا فالجذوع التي في الاعلى ليست بقوة الجذوع بالاسفل" كان محقا في كلامه فما كان امامها الا النزول , لكن النزول كان اصعب من التسلق مما جعلها تقول بينها وبين نفسها" لقد اوقعت نفسك في ورطه ايتها الحمقاء فلو سقطتِ الآن لن تجلبي لنفسك الا العار امام هؤلاء المتبجحين" اكملوا النزول ببطء وازداد قلق تامر ومصطفى وغدير وهناء عندما رأوا ما حصل بالاعلى اما ندى فبكت وهي تنادي على اختها امل , واخذت هناء تلك الفتاة الناعمه تحاول ان تهدئها وتطمئنها
وبعد ربع ساعه تمكن الاثنان من الوصول للارض بسلام وهنا فقط ركضت ندى نحو اختها امل التي ضمتها بحنان , كانت تتصرف باسلوب يفوق سنوات عمرها العشره ,اما وليد فقال لاصدقائه و امل واختها "الافضل ان نعود قبل ان يحل الظلام" , عادوا ادراجهم ولم يخبر احدهم والديه بما حدث فهم يعرفون ان ما حدث كان خاطئ ويستحق العقاب
كانت هذه نبذه بسيطه عن طفولة امل وكيفية تعارفها مع هذه المجموعه المكونه من وليد وتامر وسمير ومصطفى وهناء وغدير الذين اصبحوا اصدقائها بمرور الايام
سأخبركم بافراد الشله حتى تتكون عندكم صوره لهم
وليد وقد اخبرتكم عنه
تامر: فتى في الثانية عشر مشاغب لكنه مرهف الاحساس, حنطي البشره ونحيل له شعر بني قصير وعينان زرقاوان
سمير: فتى في العاشره قليل الكلام يلبس نظارات طبيه ابيض البشره برئ الملامح
اما مصطفى : فكان في الثانية عشر له نمش قليل على خديه وشعر احمر مجعد
هناء: في الحادية عشر خمرية البشره لها شعر كستنائي حريري طويل وعينان عسليتان كالكهرمان
غدير : فتاة في التاسعه رقيقه و مرحه لا تفارقها ضحكاتها ونكتها , ممتلئة الجسم لها شعر اشقر ناعم ينسدل على كتفيها بنعومه. وعينان زرقاوان واسعتان باسمه
ولكن ماذا سيحدث لافراد هذه الشله مع مرور الأيام؟ وما الذي خبئه الزمن لأمل بالذات؟

إنتظروووووونا في الجزو الثاني

صدى الواقع
01-09-2008, 01:19 AM
محمد الحداد..
مشكور عمي على القصه
ننتظر الجزء الثاني وباقي الاحداث ..
تقبل مروري ابنتك صدى ^_^

محمد الحداد
01-09-2008, 04:50 PM
الفصل الثاني (عهد بالدم)





{بعد مرور عامين على تواجد عائلة السيد حاتم في البلده}



" اهلا امل " قالها تامر بوجهه البشوش المبتسم,
فردت عليه امل بابتسامه مماثله "اهلا تامر...ماذا تفعل هنا؟"
فقال تامر"في أثناء عودتي من البقاله...احببت المرور عليك بما ان منزلك في طريقي وقد اشتريت لك معي قطعة شوكولا "
قالت امل بلهفه وهي تضحك" هاتها هاتها بسرعه فأنا اتضور جوعاً ولا تنس المرورعلى منزلنا كل يوم بقطعة شوكولا "
ضحك تامر وقال" لو استمررت على هذه الحال سأصبح فقيراً بسببك ايتها الشرهه"
ضحكت امل وقالت " انا شرهه يا صاحب البطن الذي لايشبع؟" !!!
ثم اكملت :"تعال لقد طبخت امي كعك الفريز الذي اعرف انك تحبه"
قال تامر " لكنني على عجله من امري" قالت امل "انتظر اذن حتى احضر لك قطعه منه"
اسرعت امل للمطبخ وقطعت الكعكه ووضعتها في صحن ثم غلفته بورق الطعام واعطته لتامر الذي ابتسم لها وقال" شكرا امل هذا من كرم اخلاقك"
ثم اكمل طريقه لكنه استدرك وقال " امل ...لا تنسي ان تحضري اليوم لساحة اللعب"
اشارت له برأسها ايجابا ثم اغلقت باب المنزل واسرعت الى حيث كانت امها تناديها وعندماوصلت
قالت" ما بك يا امي ها قد حضرت"
قالت لها امها "اعتني بأخيك سيف ريثمااعود"
قالت امل بحيره" والى اين ستذهبين يا امي؟"
قالت " مشوار صغير وسوف نعود"
قالت امل"نعود؟ ...من سيذهب معك؟"
ردت امها بإقتضاب " والدك"
قالتامل " واين هو هذا المشوار الصغير؟"
قالت امها بنفاذ صبر " هذا ليس من شأنك"
قالت امل "ولماذا ليس من شأني؟"
صرخت فيها امها "كفى انت تكثرين من الأسئله ...قلت لكِ سأذهب وسأعود ...وليس هناك داعِ لكل هذه الاسئله الفضوليه"
صمتت امل بألم امام صراخ امها وقالت بصوت اقرب للهمس " حاضر امي"
ثم تقدمت نحو فراش اخاها سيف وحملته وذهبت نحو النافذه لم تكن تريد ان تتطلع للاشجار خلفها وانما كانت تريد ان تخفي دموعها التي تجمعت في مقلتيها عن امها ,

كانت تخاطب امها بصمت"لماذا يا امي ؟ لماذا؟ اصبحت لا تطيقين كلامي او حتى أسئلتي لقد تغيرتِ في الفترة الاخيره... لماذا امي ؟ لماذا؟"
ومن الجانب الآخر كانت امها تتطلع لها بنظرات غامضه بها مسحة حزن عميق تأملتها طويلا حتى ان امل لم تشعر بوجودها وظنت بانها قد خرجت , ثم سالت دمعه ساخنه على خدها وانسحبت بصمت ,لم ترى امل كل هذا لانها كانت تنظر نحو النافذه وظنت بأن امها قد ذهبت.
"انها الساعه الثالثه ظهراً وحتى الآن لم يعودا امي وابي " هكذا حدثت امل اخاها سيف الذي اجابها بهمهمات غير مفهومه ,
قالت امل له " ما رأيك ان نذهب الآن لساحة اللعب لقد وعدت تامر والاصدقاء وسنلعب انا وانت معهم "
ابتسم اخاها ابتسامه مشرقه وكأنما يوافقها على رأيها .
عندما وصلت امل لساحة اللعب اركبت اخاها في احدى المراجيح واخذت تدفعه برقه
تقدم نحوها وليد وقال لها" اهلا امل ...سنذهب للغابه هل ستأتين معنا؟"
قالت امل "اتمنى ذلك لكن كما ترى اخي سيف معي ولا استطيع تركه هنا بمفرده"
قال وليد " ستكون اختك ندى معه"
قالت امل" لا ندى مازالت صغيره على العنايه بطفل "
قال لها وليد " اذن خذيه معك وتعالي معنا"
قالت امل"هل تمزح ؟ أتريدني ان اجلب اخي للغابه؟"
قال وليد " ولما لا؟ وهل هناك وحوش ستلتهمه؟"
قالت" لا لكنني اخاف عليه"
قال وليد يريد اغاضتها" انتن هكذا أيها الفتيات تخفن حتى من الهواء"
قالت امل بتحدِ"انا لست كالفتيات انا لا اخاف ...لا شيء يقف في طريقي هل تفهم؟"
قال وليد وهو يغمز بعينه "هــهه ...حقاً؟..لماذااراك اذن ترفضين الذهاب معنا من اجل خوفك على اخاك؟"
قالت امل " سأثبت لك العكس اذن"
قال وليد بإنتصار "اريني ايتها الفتاة الرقيقه"
قالت امل بغضب"قلت لك لست كالفتيات التافهات انا مختلفه عنهن"
ثم انزلت اخاها من الارجوحه وقالت بغضب" هيا بنا"
ضحك وليد وسار مع بقية الاصدقاء نحو الغابه وتبعتهم امل مع اخاها الصغير الذي حملته فوق ظهرها.
ساروا بصمت لا يقطعه الا اصوات الحشائش التي يدوسون عليها اثناء مشيهم ,
الى ان قطع مصطفى الصمت قائلا " لقد وجدت شيئا لن اخبركم به حتى توعدوني بأنكم لن تبوحوا به لأحد"
قال سمير بصوته الهادئ" نعدك طبعا فنحن اصدقاء قبل كل شيء "
صمت مصطفى مفكرا ثم قال " ما رأيكم ان نضع عهدوتذكارا لصداقنا ومن يوقع عليه لن يخون العهد ابدا"
قالت هناء " ما الذي تقصده ؟ وضح كلامك"
قال لهم" اولا لن نذهب للنهر كالعاده وانما سأريكم الشيء الذي وجدته وهناك ستفهمون كل شيء"
قال وليد " هيا اسرع اذن ... تكاد تصيبني بالغثيان بمماطلتك هذه "
ضحكت غدير كعادتها واخذت تغني بصوت مخلوط بالغناء والضحك قائله" مصطفـــــــى ...تن تن تن مصطفـــــــــى طنن طنن طنن ...ترى ما السر الذي تخفيه تنتن تن مصطفــــــ....."
وفجأه قاطعتها ضربه على رأسها من مصطفى الذي ضحك و قال " كفى ايتها البدينه المشاكسه "
ابتسم سمير وقال " هيا يا رفاق كفانا مزحاً"
استمروا بالمشي الى ان قاطعهم مصطفى
"هذا هو سري الرائع"
شهقت امل"ياااااااه رائع انه بيت شجره "
ثم التفتت اليه وقالت" كيف وجدته؟"
قال " كنت امشي قاصدا النهر بعد عودتي من المدرسه ثم رأيت عصفور كناري فوق الشجره راقبته وهو يطير من شجره لاخرى ,تابعته و استمررت بمراقبته وانا اسير خلفه حتى لفت انتباهي شيء كان على جانبي الايمين ...اجتزت الاشجارالمحيطه بي ثم وجدته ...وجدت منزل الشجره هذا"
قال وليد" هل هو ملك لاحدٍ ما؟"
رد مصطفى " لا اعتقد لان شكله من الداخل لا يوحي بذلك"
قال وليد "فلنصعد اذن ابقوا انتن يا فتيات هنا حتى نفحص المكان جيدا ...ربما تكون ارضية المنزل غيرثابته"
قالت امل " هناء اعتني بأخي ريثما اعود"
و اتت مع وليد ومصطفى وسميروتامر فقال لها وليد " هيـــــه انتي ما الذي اتي بك ؟ هيا عودي مع غديروهناء"
قالت امل بعناد "من؟ من؟ من؟ ... لم اسمع جيدا"
ثم طرقت بإصبعها على رأسه قائله " للمره الألف اقول لك انا لست فتاة هل تفهم ذلك؟"
قال سمير " لماذا تنكرين انك فتاة؟"
قالت امل " لانني ببساطه لا احب اسلوبهن و ميوعتهن المصطنعه "
ضحك تامر وقال" تتكلمين وكأنك لست منهن"
قالت امل بجد " وانا كذلك"
صعدوا للمنزل الذي كان له سلم خشبي قديم , امسك وليد بمقبض الباب لكي يفتحه ,لكن عندما دفع الباب هوى بكامله على الارضيه المليئه بالغبار سعل وليد وقال " مصطفى ايها الاحمق لماذا لم تقل لي ان الباب مخلوع؟"
قال مصطفى " لانني ببساطه لم ادخل من الباب بل دخلت من خلال النافذه المكسوره"
ضحكت امل وقالت " كالقرد"
بادلها مصطفى الضحك وقال " مثلك تماما"
ضحكوا كلهم , ثم قال سمير" المنزل هذا رائع لكنه يحتاج الى ترميم "
تفحصوا المكان سريعا فهو كان عباره عن حجره واحده وشرفه فقط وعندما نزلوا واجتمعوا كلهم قال وليد" سيكون هذا المنزل مكان اجتامعنا يوميا , لكنه كماترون يحتاج لترميم واصلاحات بسيطه"
قالت هناء " حسنا سأقوم انا بكناسة المكان ومسحه "
وقالت غدير " وانا سأجلب ستائر موشيه بالورود الصغيره واضعها على النافذه"
قال سمير " وانا سأركب مصباح كهربائي يعمل ببطاريه "
قال مصطفى " وانا سأصلح الباب و النافذه "
قال وليد " جيد وانا سأصلح السقف...وانتي يا امل؟"
صمتت امل وقالت " لا استطيع اليوم لان والديّ سيعودان بعد قليل ويجب ان اكون في المنزل"
قال وليد " حسنا تستطيعين الذهاب ونحن سنبدأ العمل اليوم ونكمله في الغد بعد الانتهاء من فروضنا المدرسيه...والآن سيذهب كلاً منا ويجلب ما يستطيع جلبه حتى نقوم بالاصلاح "
ذهبوا جميعا وذهبت امل للمنزل وقبل ان تصل اليه وجدت سيارة والدها امام المنزل وكان الباب مفتوح فدخلت وقبل ان تلقي السلام سمعت والديها يتحدثان وكانت امها تبكي , حاولت ان تفهم الكلام لكنه لم يكن واضحاً, ملئها الفضول لمعرفة ما يحدث لكنها لم تجرؤ على ذلك فهي ليست من النوع الذي يتنصت ويتجسس


***




عندما استلقت امل على فراشها نظرت للنجوم التي ملئت السماء من خلال نافذتها وتساءلت بصمت " تُرى ما السر الذي تخفينه يا امي؟" لم تستطيع امل النوم تلك الليله فقد اتعبها التفكير ولم تتوصل الى نتيجه ترضيها لكن الشيء الذي كانت واثقه منه هو ان امها واباها يخفيان سرا عليها وعلى اخوتها .

***

شعرت امل برغبه عارمه في النوم وكانت امها تعود توقظها كل خمس دقائق تقريبا وهي مازالت في الفراش , نادت عليها امها من المطبخ " امل هيا استيقظي ستتأخرين عن المدرسه"
قال امل محدثه نفسها " يووووه الافضل ان تكون الحياة من دون مدارس ...ثم لماذا وضعوا الدراسه في النهار ؟ ألا نستطيع النوم ؟"
كانت امها قد وصلت في هذه اللحظه و قد سمعت الجزء الاخير من كلامها فقالت " حلمك لن يتحقق حبيبتي الكسوله هيا استيقظي "
ثم انحنت وقبلتهاعلى جبينها لكن امل لفت اللحاف حول جسدها واغمضت عينيها فسحبت امها اللحاف واوقفت امل بالرغم عنها وقالت " هيا ايتها الكسوله ...هيا استيقظي وادخلي للحمام والا سوف اقوم انا بإدخالك كالاطفال"
نفذت امل ذلك بكسل وبوجه عابس وعينان متورمتين من جراء السهر .
واثناء تناول وجبة الافطار كان اباها يعامل امها بحنان اكثر من المعتاد , وكانت امها تبدو سعيده لكنها تسرح كثيرا ويبدو الحزن جليا على وجهها
قالت امل في نفسها " عندما اعود سوف أسأل امي عن الامر الذي تخفيه"
ثم قالت لاختها ندى" هيا ندى سوف نتأخر عن المدرسه"
قبلتهما امهما عند خروجهم , وفي الطريق قالت امل "ندى هيا اسبقيني للمدرسه ...فصديقتك عبير قالت لي بالامس انها تريدك في الصباح قبل ان يرن الجرس"
قالت ندى ببراءه " لماذا تريدني؟"
احتارت امل فقد كانت تكذب ثم قالت " لانها ستعطيك هديه"
فرحت ندى واخذت تركض للمدرسه , في حين قالت امل " هيا اذهبي ايتها الحمقاء فأنا سأتمتع بيومي بشكل خاص"
ثم ضحكت بلا مبالاه و سارت نحو الغابه وبالذات نحو منزل الشجره
عندما وصلت امل تأملت المنزل طويلا قائله لنفسها " انت رائع ايها المنزل" وصعدت السلم لكنها احست بشيء يمر من خلفها إلتفتت فلم ترى شيئا واكملت صعودها لكن هذه المره كانت واثقه انها رأت شيئا يمر من خلفها فقالت " من هناك؟" لم يجب احد الا زقزقة العصافير بين الاشجار
فأكملت امل قائله " انت ايها المختبئ اخرج ...فأنا اعرف انك تختبئ هنا"
لكن نفس الصمت المطبق كان هو جوابها
قالت امل "فليكن يبدو بأنك خائف"
واكملت صعودها وفجأه اندفع شيء امامها مع صوت صراخ خشن مما جعلها تتراجع بعنف وتسقط من فوق السلم
حاولت امل النهوض من سقطتها و وجدت وجه وليد امامها وهو يضحك بشده ممسكا ببطنه ثم قال لها " ليتني قمت بتصويرك وانتي تسقطين "
كانت امل غاضبه لكنها حين نظرت لوجه وليد انفجرت هي ايضا ضاحكه ثم قالت " ماالذي اتى بك الى هنا؟ يفترض ان تكون في المدرسه"
قال وليد " وانتي ما الذي اتى بك؟"
قال امل" انا من سألتك ويفترض ان تجيب"
قال" حسنا انا تخلفت عن المدرسه لانني لم اتوقف عن التفكير منذ ان رأيت منزل الشجره هذا"
ثم اكمل " وانتي ؟ حان دورك"
قالت " فقط لا ارغب بالذهاب للمدرسه وفكرت بالمجيء الى هنا حتى ارى الاصلاحات التي قمتم بها بعد ذهابي بالامس"
قال" تعالي اذن فلم يبقى الا القليل ", ثم صعدا الى المنزل وتسلقا فوق سقفه لكي يصلحانه
قال وليد " امل احيانا اشعر حقا انك لست فتاة لولا ان منظرك وشعرك الطويل يقولان انك فتاة "
قالت امل" وانا ايضا اشعر بأنني فتى لكن امي تصر على معاملتي كالفتيات "
قال لها "وضحي كلامك"
قالت " مثلا ترفض ان اقص شعري "
قاللها " شعرك الطويل رائع ويزيد من جمالك"
احست بخجل لكنها حرصت على ألا تظهره ,ثم قالت "اعطني مسامير فالتي بحوزتي تكاد تنفذ"
ناولها ثم قال" ما هي خططت لليوم؟"
قالت" سأعود و أقوم بواجباتي واعمالي المنزليه كالمعتاد ثم اتي اليكم لألعب"
استمرا في العمل بنشاط واكملا سطح المنزل , ثم نزلا وقال وليد " لم اتخيل اننا سنصلحه في خلال يومين فقط"
قالت امل" وانا ايضا ...لكن ينقصنا الاثاث "
قال وليد " نحتاج فقط للقليل مثل مقاعد قديمه نستطيع جلبها من المنزل "
قالت"نعم "
ثم قال وليد " هيا لنعود لطريق العوده من المدرسه فقد حان وقت الخروج ولو تأخرنا سيكتشفوا امرنا"
قالت امل" معك حق هيا بنا نسرع فلو رأتي ندى فستخبر ابي وامي حتما"
قال وليد " احمد الله انه ليس عندي اخت كأختك"
ضحكت امل وقالت "لكنني احبها على الرغم من لسانها الطويل"

محمد الحداد
01-09-2008, 04:52 PM
عندما وصلت امل للمنزل قالت " اهلا امي لقد عدت"
قالت امها " اهلا حبيبتي اين اختك؟"
قالت امل" انها في طريق العوده حتما فلابد انها تلعب مع صديقتها في الطريق"
قالت امها " كم مره يجب ان أذكرك الا تعودي الا واختك معك؟"
قالت امل" هي ليست طفله صغيره جدا حتى تظل الطريق..ثم ان معها صديقاتها"
قالت امها " هذا ليس عذرا "
صمتت امل ثم قالت بعد تردد " امي "
قالت " ما بك حبيبتي؟"
قالت امل" انتي حزينه يا امي... لماذا؟"
صمتت امها طويلا ثم قالت بصوت منخفض وهي تلهي نفسها بالطبخ" لا لست كذلك يتهيأ لكي فقط "
قالت امل" امي لقد اصبحت في الثانية عشر من عمري ولست طفله صغيره حتى تخفين عني الامر"
صمتت امها ويبدو انها لم تعرف ماذا تقول لابنتها فغيرت دفة الحديث وقالت " تعالي امل واغسلي هذه البازلاء"
احست امل بأن امها تتهرب من اجابتها , يبدو ان ما تخفيه امها خطير لذلك تحرص على اخفائه



***


بعد ان قامت امل بأعمالها المنزليه ذهبت لحجرتها لكي ترى فروضها المدرسيه فإتصلت علىصديقها سمير وقالت له"اهلا سمير اريد منك الدروس التي درسناها اليوم"
قال سميربصوته الهادئ " لماذا لم تحضري اليوم يا امل؟"
سعلت امل متصنعه المرض وقالت" كنت متعبه قليلا"
كانت امل تكذب وتعرف ان ما تقوم به خاطئ لكنها لا تبالي ولا تفكربهذا الامر
قال سمير " حبل الكذب قصير"
قالت امل متصنعه الغباء" ما ماذا تقصد؟ لم افهم"
قال سمير " اعرف انك تكذبين لا تنسي انني صديقك واعرف اسالبيك الملتويه"
قالت امل وهي تضحك" حسنا ليس امامي الا الاعتراف امامك ايها العبقري ...لقد ذهبت لمنزل الشجره ووجدت هناك وليد وقمنا باصلاح الباقي ولم يبقى لنا الا احضار مقاعد قديمه "
قال سمير " هذه اخر مره سأعطيك الواجبات المدرسيه لكنني لن افعلها مره اخرى "
قالت امل" حسنا هذه المره فقط ولن اكررها"
قال سمير " عديني اذن"
قالت امل "اعدك"
قال "لا عديني بصدق من قلبك وليس مجرد كلام"
قالت "وهل رأيت قلبي حتى تعرف ؟"
قال" إحلفي باسم الجلاله حتى اصدق انك وعدتني"
قالت امل " حسنا سأقسم لك حتى تصدقني"
قال "قولي اقسم بالله العظيم انني لن اهرب من المدرسه مرةً أخرى"
قالت" اقسم بالله العظيم انني لن اهرب من المدرسه مرةً أخرى"
ثم اعطاها الفروض المدرسيه حتى تقوم بحلها ودراستها
فاليوم هو يوم مميز للشله لذلك يجب ان تكمل فروضها المدرسيه في اسرع وقت لكي تذهب مع اصدقائها
و فجأه دخلت ندى وقالت" لماذا تكذبين يا امل..قلتي لي ان عبير ستعطيني هديه لكنك كذبت علي"
قالت امل" لانني اريد ان اتخلص منك ومن لسانك الطويل"
قالت ندى "سأخبر ابي اذن"
قالت امل"لو اخبرتيه لن اعطيك من الحلوى التي بحوزتي"
قالت ندى "انت تكذبين كعادتك ليس عندك اية حلوى"
قالت امل"بلى عندي" ثم اخرجتها وارتها لاختها تريد اغرائها
قالت ندى "اعطيني اولا ولن اخبراحدا"
اعطتها امل الكيس كله لكي تسكت, ثم اكملت دروسها واسرعت الى ساحة اللعب حيث كان اصدقائها مجتمعين هناك
وعندما وصلت قال وليد هيا بنا
قالت امل" ألايفترض ان نحضر المقاعد اولا ؟"
قال تامر" لقد احضرناها قبل وصولك لحسن الحظ ان والد غدير يحتفظ بكل ما هو قديم في مخزنه "
اجتازوا الطريق كالعاده وعندما وصلواقال مصطفى "توقفوا"
قالت هناء " لماذا؟"
قال" قبل ان ندخل المنزل سنقوم بتوقيع عهد بيننا"
قالت امل "ماذا تقصد؟"
امسك مصطفى بمسمار من الارض وقال" سنحفر اسمائنا على هذه الشجره ونعتبرها عهد وتذكار"
قالت غدير "اهااا هذا ماكنت تقصده بالامس اذن؟"
قال"هو كذلك"
فقاموا لساق الشجره التي تحمل المنزل وحفروا اسمائهم السبعه عليها ثم قال وليد "فلنجعلها بالدم ايضا وقام بجرح اصبعه بمسمار صغير وقاموا كلهم بنفس ما فعله وليد ثم طبعوا بصمات اصابعهم على الشجره لكي يكون عهد صداقتهم بالدم.





انتهى الفصل الثاني ويليه باذن الله الفصل الثالث

محمد الحداد
01-09-2008, 04:54 PM
الفصل الثالث (حورية النهر) :



كانت السيده ناديه والدة فرح تداعب طفلها الصغير سيف وملأ سيف البيت بصوته وضحكاته الطفوليه الرائعه
كانت امل في ذلك الوقت تتأمل وتفكر في الأمر الذي تخفيه عنها امها
ثم قالت امل "سأذهب مع رفاقي هل تسمحين لي في الذهاب"
قالت امها" اذهبي حبيبتي ولكن لا تتأخري"
قالت امل وهي تركض خارجه "حسنا امي"
كانت امل تود الاختلاء بنفسها فقالت محدثه نفسها "لن اذهب لمنزل الشجره فلا بد ان الرفاق مجتمعين كلهم هناك"
ثم سارت نحو النهر وعندما وصلت خلعت حذائها وغمرت قدميها في ماء النهر الجاري وهي جالسه على ضفته
كانت شارده وهائمه في بحر افكارها "هل امي وابي متخاصمان؟ ....هذا يعني انهما سيتطلقان ....لا لا لا ...ابي يعامل امي بحنان اكثر من المعتاد...هما ليسا متخاصمين حتما"
شعرت بصداع من كثر تفكيرها بهذا الامر, فوقفت وسارت نحو الشجره الي بجوار النهر وصعدت فوق جذعها ثم قفزت
للنهر سابحه في مياهه الصافيه استمرت بالسباحه فهي تعتبرها منعشه مما جعلها تغمض عينيها وتسترخي في المياه
واثناء استلقائها لم تنتبه لتلك العينان الزرقاوان الصافيتان التي تتأملانها بحب وهيام ولا لتلك الريشه التي ترسمها
كان الشخص الذي يرسمها منسجم مع منظر امل المغمضة العينين , كان منظر رائع لا يقطع صمته الا تغاريد الطيور العذبه, ثم قالت امل لنفسها" يجب ان أذهب الآن فلابد ان اصدقائي سيثرون غضبا لتأخري" وخرجت من المياه ثم حلت ضفيرة شعرها الطويل البني الضارب للحمره واخذت تنفضه بأناملها لكي تجففه بالهواء الطبيعي, توقف ذوي العينين الزرقاوين عن الرسم وتأمل تلك الحوريه الرقيقه التي خرجت من المياه ثم همس قائلاً "احبك على الرغم من شخصيتك الصبيانيه"ثم اختفي بين الاغصان كما ظهر منها

لم تعلم امل ان هناك من كان يتأملها, فكانت تمشي بين الاشجار وتدندن بلحن جميل حتى وصلت الى منزل الشجره
وطلت غدير من النافذه قائله "هاهي وصلت سمو الاميره"
قالت امل" قولي سمو الامير الوسيم" وضحكت
قالت غدير ضاحكه" لو كنتِ امير سأهرب منك حتما فأنت ابشع امير على وجه الأرض "
و ضحكت امل وصعدت السلم الخشبي المؤدي لبيت الشجره وفتح لها وليد الباب وقال" لِمَ انتي مبلله ؟"
قالت "لا شيء فقط كنت اسبح في النهر"
ثم قال وليد" هل رأيت تامر؟"
قالت أمل "لا... ألم يأتي بعد؟ , لقد اعتقدت انني آخر الحاضرين"
قاطعهم صوت تامر " لا انا آخر الحاضرين ومصطفى لن يأتي اليوم فقد ذهب مع والده "
قال وليد" اين كنت ؟"
غمز تامر يريد اغاضته" ليس من شأنك "
قال وليد "بل من شأني"
قال تامر" وهل فعلت جريمه حتى تبدأ معي التحقيق؟"
ضحك وليد وقال" نعم جريمة التأخر على الاجتماع"
ضحك تامر وقال "فقط كنت ارسم احدى لوحاتي"
قالت هناء"وماذا رسمت هذه المره"
صمت ثم نظر لأمل التي كانت تقوم بتضفير شعرها مره اخرى وقال"فتاة"
قال وليد"فتاة؟!!!" ثم انفجر ضاحكاً
قال سمير" وليد ليس هناك ما يضحك"
قال تامر مبتسما" دعك من هذا المتحجر فلا اعتقد انه يشعر بعواطف البشر ابداً"
قال وليد" انا لا أؤمن بالعواطف وخاصةً عاطفة الحب"
قال سمير" حياة بلا حب كجسد بلا روح"
قال وليد" هاقد بدأ العبقري في الفلسفه"
قالت هناء بصوتها الرقيق " سيأتي يوماً وستقع في حب فتاة وتركع على قدميك طالباً يدها"
ضحكت غدير حتى دمعت عينيها وهي تقول " لا استطيع تخيل شكل وليد وهو واقع وهيمان في حب فتاة ما"
ضحك وليد وقال" لن يحدث فلا تتخيلي وتتصوري المشاهد الساخره مني "
وقفت غدير وامسكت بيد هناء ثم ركعت على ركبتها وقالت مقلده صوت وليد الخشن" آنستي ...أ أ أ أنا ...أ أ أ أحب أحبك..هل هل تقبلينني زززززوجاً؟" ثم انفجرت ضاحكه وضحكوا معها الأصدقاء
ثم قال وليد" وهل ترين كلامي كآلة تسجيل بطاريتها على وشك النفاذ"
ضحكت غدير وهمت ان تقول شيئا لكن تامر تحدث قائلا لأمل" مابك يا أمل ارى انك شارده هذه الأيام"
قالت "لا شيء فقط مرهقه قليلا"
قالت هناء"مرهقه؟ أم هناك من سرق قلبك؟"
قالت امل ساخره " هـــهه ...انا أخر من يقع في هذه المشاعر التافهه"
قال تامر"ولما ترين انها تافهه؟"
هزت امل كتفيها بلا مبالاه وقالت "فقط هكذا"
قال سمير"الحب مشاعر نبيله فولا حبنا لله لما عبدناه ولولا حب الله لنا لما رحمنا وغفر لنا"
قالت هناء"ايضا الحب هو فطره فطر الله البشر عليها ...انظري للأم حين تنجب وليدها فعلى الرغم من ألآمها تحبه اكثر من نفسها "
قالت امل "هذا حب فطري لكن ما كنت اقصده هو الحب بين الذكر والأنثى"
قال سمير" ألم يقل الله جلّ جلاله (وجعلنا بينهما مودةً ورحمه)؟"
قالت هناء "نعم معك حق ياسمير"
صمتت امل قليلا ثم قالت "لا احد يعارض كلام الله تعالى ...لكنني لست من النوع الذي يميل لهذه الاشياء"
قاطعهم وليد قائلا " نحن لم نأتي هنا حتى نتناقش عن الحب "
قالت غدير"نعم لو عرفت امي لما سمحت لي بالحضور"
قال تامر"وهل اخبرتها بأمر بيت الشجره؟"
قالت له"لا لقد تعاهدنا على ان يكون الأمر سراً"
قال وليد " اشعر بالجوع ...هناء هلا ناولتني شطيره جبن"
ناولته هناء "تفضل"
اكلوا جميعا ثم قالت أمل "يجب ان اذهب الآن لقد طلبت مني امي ألا أتأخر"
ثم ودعتهم وغادرت وبعدها قال وليد "انا ايضا سأذهب ...اراكم في الغد " وتبعته هناء وغدير ولم يبقى إلا تامر وسمير
قال سمير"تامر"
إلتفت اليه تامر"نعم"
قال سمير بصوته الهادئ العميق"انت تحب ...أليس كذلك؟... أرى ذلك في عينيك "
تنهد بألم وقال" نعم أحب"
قال سمير"أمل ؟"
أومأ سمير برأسه ايجاباً وزفر و كأنه يخرج مع زفرته كل انفعالاته , ثم تناول غصن صغير ملقى على الارض و أخذ يرسم خطوط عشوائيه على الارض " ربما تراني صغير على هذه المشاعر لكنني احببتها وهي ليست نزوه طفوليه عابره ...اشعر انها امتلكت قلبي وروحي ...اتمنى لو كنا اكبر بعشر سنوات ...كنت حينها قادرا على الزواج بها"
صمت سمير وهو يشعر بغصه مؤلمه في حلقه , فتامر صديقه العزيز وكان معروفا بمشاغباته ومقالبه أما الآن فإنه يرى تامر آخر ...يرى فتى يحمل نفس اجمل عينين في البلده لكنهما حزينتين
قال سمير بصوت هامس " أدعِ ربك يا تامر ...فمن توكل عليه لن يرده أبداً"
قال تامر "والنعم بالله"
ثم وقف وقال "هيا سمير فسيقلق اهلنت علينا لو تأخرنا أكثر"
نهض سمير وهو يشعر ان تامر لا يريد ان يتحدث في هذا الأمر لانه يؤلمه

دخلت أمل المنزل وقبلت خد امها قائله"لقد عدت امي"
ضمتها امها بحنان وقالت" اعرف... فإذا لم تعودي لما كنتي في حضني الآن"
ضحكت أمل وقالت" أمي أين أبي؟"
قالت"في الحديقه الخلفيه يروي الزهور"
قالت امل"سأذهب اليه"
تناهي الى مسامع امها بكاء طفلها سيف فأرادت الصعود اليه لكنها أحست بألم شديد في رأسها وكادت ان تسقط لولا ان أمسكت بطاولة الطعام, ثم سرعان ما خف الألم وصعدت لطفلها.

استيقظت امل مبكراً على غير عادتها, نظرت للساعه قائله " مازال الوقت مبكراً ...غريبه اشعر انني شبعت نوماً"

ثم غادرت فراشها وذهبت تستحم وعندما خرجت من الحمام سمعت صوت الصحون وغليان الماء فعرفت ان امها استيقظت ايضاً
فقالت محدثه نفسها" فرصتي سأساعد امي اليوم في تحضير الافطار ...لابد انها ستفرح كثيرا"
بدلت ملابسها و نزلت مسرعه للمطبخ قائله "سلام الله وصباح الفل والياسمين على اجمل أم"
ردت امها تحيتها ثم ابتسمت قائله"أراك نشيطه اليوم حبيبتي"
ضحكت امل وقالت" لقد وهبني الله هذا النشاط اليوم حتى أساعدك"
قالت امها" ارتاحي ابنتي أنا فقط اريدك ان تتعلمي الاساسيات في اعمال المنزل ...فغداً ستتزوجين و سيكون لك منزلك الخاص وستعملين فيه حتى تتعبي"
ضحكت امل" سأخيب ظنك في هذه النقطه فأنا لن أتزوج ابدا ...بل سأجلس هنا على قلبك وقلب ابي"
ابتسمت امها وقالت"اتمنى ان يأتي اليوم الذي اراك وانتي تلسبين فيه فستان زفافك "
قالت امل" هذه الأمنيه اجعليها لأختي ندى...فمنظري لا يؤهلني ابداً لأكون عروس"
تركت أمها ما بيدها وامسكت بذقن أمل ورفعت وجهها تتأمله قائله" بل انتي جميله ولك عينان واسعتان و وجه منير كالبدر وشعر محمر متموج كالسحاب وقت الغروب"
توردت وجنتي امل وقالت" القرد في عين أمه غزال"
قالت امها" لا أؤمن بهذا المثل فأنت رائعة الجمال ...لا اعرف لما تعتقدين العكس انظري لنفسـ......"
ثم ترنحت امها باعياء وسقطت أرضاُ, هرعت اليها امل تحاول ان توقفها لكن يبدو ان امها أُغشيَ عليها



انتهى الفصل الثالث ويليه الفصل الرابع


في حفظ الله ورحمته

محمد الحداد
01-09-2008, 04:55 PM
الفصل الرابع (لحن الوداع)


امتلأ قلب امل بالرعب وهي ترى ما حصل لأمها ولم تعرف كيف تتصرف فركضت مسرعه لحجرة نوم والدها وهي باكيه , واخذت تهزه , استيقظ والدها هلعاً ثم امسك بكتفي ابنته وصاح فيها" امل اهدئي ...ماذا بك؟"
قالت له بصوت مختنق " امي ...امي "
قال ابوها وهو ينهض من فراشه " مابها امك؟"
ولم ينتظر جوابها بل خرج مسرعا من حجرته ونزل للاسفل فلابد ان تكون في المطبخ كعادتها في الصباح
و سقط قلبه وهو يراها ممده على الارض , اخذ يهزها " ناديه ...ناديه اجيبي ارجوك"
ثم صاح في امل وهو يحاول انعاشها بما يعرفه من اسعافات اوليه"امل اتصلي بالمستشفى حالاً"
امسكت امل بسماعة الهاتف وهي ترتجف وتبكي و كانت تنظر لوالدها وهو يحاول انقاذ امها
وعندما رد عليها رجل الطوارئ اخبرته بأن امها فقدت الوعي و أعطته عنوان المنزل ثم طلب منها ان تعطي والدها سماعة الهاتف و أخذ يعطيه التعليمات و والدها يطبقها وعندما سمعت امل صوت بوق سيارة الاسعاف فتحت الباب ودخلوا هم مسرعين ثم وضعوا قناع الاكسجين على وجه امها ووضعوها في الحماله ثم ادخلوها لسيارة الاسعاف كان والدها يحتضن امل ويحاول تهدئتها ثم قال لها" امل اطمئني حبيبتي امك بخير ...سأذهب الآن للمستشفى وابقي انت هنا عند اخوتك"
قالت امل " لا ..ابي خذني معك أرجوك"
قال لها بحزم" امل نفذي ما قلته لكِ ...من سيكون عند اخوتك ان ذهبتي؟"
ثم تركها و غادر مع المسعفين نظرت امل لسيارة الاسعاف وهي تغادر حامله معها امها , كانت تبكي ولكنها عندما سمعت صوت اختها ندى التي استيقظت مع اصوات الجلبه التي احدثها المسعفين " امل ماذا حصل؟"
أشاحت امل بوجهها حتى لا ترى اختها بكائها ومسحت دموعها في الحال وقالت :
" فقط ...تعبت امي قليلا واتى الاسعاف واخذها "
تساءلت ندى " تعبت من ماذا؟"
قالت لها امل وهي تدير لها ظهرها حتى لا تدرك ندى انها كانت تبكي" صداع "
ثم تناهى لسمعها صوت بكاء اخيها سيف الذي انقذها من أسئلة اختها
صعدت امل الى اخاها و أعادته لسريره ثم استلقت بجانبه وهي تمسح شعره بحنان مما جعله يهدأ ويستغرق في النوم


***

كانت امل محتاره وخائفه و مئة سؤال وسؤال يدور في رأسها نظرت للساعه ثم تنهدت و قالت لنفسها" انها السابعه والنصف ... يا الهي مر اكثر من ساعه ولم يتصل ابي"
ثم سمعت صوت ندى تناديها " أمل ...امل ...أمــــــــل " قالت امل بصوت هامس" سيستيقظ سيف بصوتها هذه الحمقاء"
واسرعت تخرج من الحجره حتى تسكت اختها التي وجدتها في طريقها
قالت امل تؤنبها" تكلمي بصوت منخفض , سوف يستيقظ سيف ولن يكف عن البكاء حينها"
قالت اختها وقد انخفض صوتها" انا جائعه...ثم ألن نذهب اليوم للمدرسه؟"
قالت امل" لا اظن اننا سنذهب فمن سيبقى عند سيف ان ذهبنا"
ثم نزلت وأخذت تجهز فطور بسيط لاختها ندى وهي مستغرقه في افكارها ,فسمعت رنين الهاتف واسرعت اليه , وكان المتحدث والدها على الخط الآخر يقول " اهلا امل "
-" اهلا ابي...هل امي بخير؟"
-" نعم انها بخير وقد استفاقت الحمدلله...ماذا تفعلين انتي واخوتك؟"
قالت امل " اجهز فطور لندى , وندى تشاهد الرسوم المتحركه في التلفاز ,أما سيف فهو نائم"
قال لها والدها" جهزي اختك لتذهب للمدرسه ...وانت تستطيعين البقاء في المنزل اليوم"
قالت امل" حاضر ابي"
-" لا تقلقي امل سنعود بعد قليل" ثم اغلق الهاتف و عاد الى حجرة زوجته التي كانت مستلقيه ووجهها شاحب
قال لها" اطمئني يا ناديه الاولاد بخير"
ثم أشار له الطبيب ان يخرج معه , وتوقفوا في الممر فتنهد الطبيب وقال " ستطيع زوجتك ان تغادر المستشفى بعد ساعتين على الاكثر لكن حالتها أصبحت أسوأ من السابق ...قد تحتاج لعمليه جراحيه وعلاج اشعاعي وكميائي وهذا غير متوفر هنا في المستشفى"
قال حاتم "و أين يتوفر هذا العلاج؟"
قال له الطبيب" مستشفى العاصمه ...فهناك استشاريون في هذا المجال ...انصحك ان تبادر بعلاجها هناك فحالتها تزداد سوءً"
شكره حاتم وعاد الى حجرة زوجته

***



قالت امل لندى وهي تغادر المنزل" انتبهي اثناء سيرك في الطريق ولا تتأخري في العوده"
اجابتها ندى " حاضر"
أغلقت امل الباب بعد مغادرة اختها وما كادت ان تفعل حتى سمعت طرقات على باب المنزل فعادت وفتحت الباب
فقد كانت (صفاء)ام تامر التي تسكن بقربهم حيتها امل وقالت " تفضلي بالدخول خالتي"
دخلت حنان و جلست فقالت لها امل" ماذا تشربين يا خاله؟"
قالت حنان بابتسامتها المشرقه " لاتتعبي نفسك يا بُنيتي فقط جئت لأسأل عما حدث هنا في الصباح الباكر...فقد سمعنا صوت سيارة اسعاف عندكم"
اخبرتها امل بما حدث , ثم نظرت لها بعينيها الزرقاوان بعطف شديد وقالت" ان شاء الله خير يا بُنيتي ...لا تقلقي "
,ثم أكملت قائله " هل تحتاجين لمساعده حبيبتي؟"
-" لا...شكرا لكِ"
قالت حنان " اذهبي للمدرسه وانا سأعتني بأخاك"
ابتسمت امل وقالت " على كل حال لقد فات الآوان فلابد ان الحصه الاولى قد بدأت الآن"
ودعتها السيده حنان وغادرت بعد ان وعدتها بزياره اخرى

***



بعدما عاد السيد حاتم وزوجته الى المنزل سألت امل والدها بينما كان يسقي الزهور كعادته في الحديقه الخلفيه للمنزل
" أبي ...ما بها أمي؟"
"ماذا تقصدين؟ ...هل حصل لها شيء؟"
"لا انها مازالت نائمه ...لكنني اقصد هل امي مريضه؟"
سكت والدها مفكراً ثم قال" امل انتي الآن كبيره نوعاً ما أليس كذلك؟"
هزت امل رأسها بالايجاب ,فأكمل والدها حديثه" أمك الآن تحتاج لدعمنا لها ...فقد بينت الفحوصات التي اجراها الطبيب انها تعاني من ورم سرطاني في الرأس..."
قاطعته أمل بوجه يحمل تعابير الدهشه و عدم التصديق" ماذا؟...هل حقاً ما تقوله أبي؟"
تنهد والدها ثم قال" اعرف ان الأمر صعب ...حاولنا اخفائه عليكِ في البدايه , لكن الآن الأمر مختلف"
قالت أمل التي إمتلأت عينيها بالدموع "ماذا تعني بمختلف يا أبي؟"
" سوف ننتقل من البلده يا امل"
"الى أين؟"
"الى العاصمه ...لقد أبلغني الطبيب هذا الصباح ان أمك تتطلب علاجاً خاص لكنه غير متوفر هنا في مستشفى البلده"
اجابت أمل وهي تشعر بقلبها ينقبض" وهل العلاج هناك سيساعد أمي على شفائها؟"
"بإذن الله بُنيتي بإذن الله"
صمتت أمل ثم قالت " ومتى سنغادر البلده؟"
قال والدها"غداً سأطلب من المدير النقل الى فرع البنك في العاصمه...سنحاول ان نذهب في اسرع وقت"
سكت قليلا ثم أكمل" اعرف ان الامر ليس سهلا , فقد احببنا جميعنا هذا المكان و من فيه , لكن يجب أن نضحي من أجل أمك عزيزتي"
قالت أمل " سنبذل قصارى جهدنا أبي ...المهم ان تطيب امي"


***



طلب والد أمل النقل ثم أبلغ عائلته انهم سينتقلون من البلده في خلال اسبوع , كانت أمل تشعر و كأن قلبها يتمزق
فهي ستضحي بكل شيء من اجل امها , لكنها ستشتاق حتماً لأصدقائها وللمنزل ولكل شيء في البلده
وفي ذلك اليوم وبينما كانت أمل تنظف المطبخ بعد وجبة الغداء رن جرس المنزل , ففتحت الباب ووجدت وليد وتامر
قالت امل" اهلا بكما ادخلا"
دخلا لكن امل استوقفتهم قائله" اولا اخلعا أحذيتكم فالآن مسحت الأرضيه ولن أسمح لكم بالمشي فوقها بأحذيتكم المتسخه"
ابتسم تامر وقال مازحاً" حاضر يا أمي"
أما وليد فقد اقترب بوجهه حتى كاد ان يلاصق وجهها وقال هامساً" لولا أمك لكنت أشبعتك ضرباًُ و مسحت بك الأرض "
ضحكت أمل وقالت" حلم لن يتحقق...والآن تعالا معي فسأحتاج لمساعدتكما "
قال وليد " نحن جئنا حتى نأخذك معنا الى منزل الشجره وليس لنعمل أجيرين لديك"
قالت أمل " لو أردتما ذهابي معكم حقاً فساعداني حتى أُنهي عملي ونذهب كلنا"
قال تامر" هيا اذن اسرعي وكفاك ثرثره"
تناولت أمل فوطتين واعطت كلاً منهما فوطه وقالت " هيا جففا الصحون و أنا سأضعها في أماكنها"
وبينما هم يعملون ويضحكون جاءت السيده ناديه وقالت" ما هذا يا أمل؟ هل تجعلين تامر ووليد ينظفان معك؟"
ارتبكت امل واحمر وجهها خجلاً فكتم وليد ضحكه كادت ان تفلت منه ولاحظ تامر ذلك فلكزه من جنبه , تقدمت والدة امل وحيتهما ثم تناولت منهما الفوطتين واعطتها لأمل قائله " اكملي عملك يا عزيزتي ...وانتما تعالا ارتاحا حتى تنهي امل عملها"
قال تامر حتى يمتص غضب أمل التي لاحظت ضحكاتهم المكتومه" شكرا لكِ يا خالتي لكنه يسعدنا حقاً ان نساعد أمل"
أكمل وليد" ثم انه لم يتبقى الا صحنين فقط"
ابتسمت السيده ناديه وقالت "اشكر لكما حُسن أخلاقكما لكن أمل ستكملهما...أليس كذلك يا امل؟"
ابتسمت أمل ابتسامه مصطنعه وقالت" نعم امي "
ثم نظرت نحوهما بنظرة ذات مغزى واكملت تجفيف الصحنين وارجاعهما سريعا ثم قالت "امي هل استطيع الذهاب مع وليد وتامر للعب"
قالت امها"اذهبي لكن لا تتأخري"
ركضت معهما خارجه "حاضر"
وعندما خرجوا ضربت امل وليد على رأسه و قالت لقد رايتك وانت تكتم ضحكاتك
ضحك وليد وقال" لم اكن وحدي حتى تامر فعلها"
ضحك تامر وقال "هي قالت انت ولم تقل تامر"
كانت امل تضحك بسعاده معهما لكن عندما تذكرت انها سترحل ولن تشاهدهم مره اخرى غابت ضحكتها وشعرت بغصة بكاء في حلقها جاهدت حتى لا يلاحظا ذلك ثم قالت "هيا نتسابق حتى نصل لمنزل الشجره"
عندما وصلا كان وليد هو اول الواصلين ,فتوقف وهو يلهث قائلا" انا اول من وصل , انتي تدينين لي يا امل بلوح شوكولا"
ضحكت امل وقالت "يا سلام انا لم اعدك بشيء"
ابتسم تامر وقال "انتِ من اقترح ان نتسابق"
همت امل بالرد عليه لكن قاطعها صوت مصطفى " اهلا ...هل حدث سباق في غيابي"
قالت امل" اهلا مصطفى ...لم يحدث سباق فعلي ولكن هذا الشرهه وليد يريد جائزه رغماً عني"
ضحك مصطفى وقال " هديتك عندي يا وليد"
ضحك وليد وقال" اتمنى الا تكون الهديه عباره عن النمش الذي يملأ خديك"
ضحك مصطفى وقال " سأخبرك عندما تكتمل المجموعه"
قالت امل " ما هذا الذي تحمله على ظهرك مصطفى؟"
ابتسم قائلا "سترينه بعد قليل"
وفي هذه اللحظه أتى سمير ومعه غدير وهناء فقال وليد" هيا ارني الهديه الآن فقد اكتملت المجموعه"
جلس مصطفى على آخر درجات السلم الخشبي وفتح الحقيبه الكبيره التي كان يحملها ثم اخرج منها كمان (آله موسيقيه) و قال " لقد قمت بتأليف قصيده ولحنتها , اتمنى ان تعطوني رأيكم بها"
كونت المجموعه حلقه حول مصطفى الذي بدأ يعزف بلحن ذو طابع قديم رائع , شعرت امل براحه ونشوه وهي تستمع لعزف مصطفى فكأنما تغلغل الى قلبها بنعومه وحمل فكرها بدفء حالم , شردت امل مع انغام الموسيقى الرائعه التي زاد من روعتها صوت مصطفى وهو يترنم:

" قد تكون كل شيء لي...وقد لا أكون شيئاُ لك
لكنني لن اتخلى عنك ...لن اتركتك...فأنت حبي الاول والاخير
حـــــــــــــــــــبي الأول والأخيــــــــــــــــــــــر
قد تكون كل شيء لي...وقد لا اكون شيئاُ لك
لكن أعلم بأنك خاطف قلبي ومُسهد عيني
فأنت
فأنت
حبـــــــــــــــــــــــــي الأول والأخيـــــــــــــــــر
فقط إلمس شغاف قلبي وستعرف مدى حبي
فقط إلمح دمعي وسترى حزني
لا أريد منك شيئاُ
لا أريد منك شيئاً
فقط بسمةً على شفتيك تكن لقلبي بلسماً وعبير
فأنت حبي الأول والأخيـــــــــــــــــــــــــر
وانا بحبك
أسيــــــــــــــــــــــــــــر
فهذا لحبي
مصيـــــــــــــــــــــــــر
لانك حبي الاول و
الأخيــــــــــــــــــــــــــر"



***
ترقرق الدمع في مقلتي امل فأشاحت بوجهها حتى لا يرى احد دمعها, فقد كانت كل كلمه نطقها مصطفى تعبر عن عشقها لهذا المكان ...عن حبها لأصدقائها...
توقف مصطفى وقال " هاه ما رأيكم؟"
ابتسم وليد ومازال مأخوذاً بجمال غناء وعزف مصطفى وقال" رائع مصطفى ...حقاً انت موهوب"
قال تامر" اتوقع لك مستقبل باهر "
عدّل سمير من وضع منظاره الطبي وقال " انت تتكلم عن شيء او شخص بعينه يا مصطفى"
صمت مصطفى قليلا ثم ابتسم بخجل" نعم ...لا احد يستطيع اخفاء شيئاً عليك يا سمير"
قالت غدير" من هو هذا الشخص؟"
ابتسم مصطفى وقال" يا لك من فضوليه يا غدير...هذا سر"
أما هناء فكانت صامته و أخذت تداعب بتلات زهره صغيره بجانبها , كانت تتحاشى النظر للمجموعه , فنظر وليد ناحيتها ثم نظر لمصطفى وهو يبتسم بخبث فأحمر وجه مصطفى خجلا ً واشاح بوجهه
عرف تامر ما ينويه وليد فهو سيسخر منهما حتماً فقال" هيا بنا نصعد لمنزل الشجره بدلا من جلوسنا هنا"
كانت الجلسه جدا ممتعه لكن أمل كانت شارده عن ذلك فما هي الا ايام وتودع اصدقائها وهذه البلده البسيطه الرائعه
لم تخبر احد منهم , فهي حتى لم تفكر بكيفية اخبارهم, قالت أمل " سأذهب أمشي قليلا وسأعود"
كانت تشعر برغبه عارمه بالبكاء لكنها لن تبكي امامهم, ذهبت للنهر وجلست اسفل الشجره ثم اجهشت بالبكاء بحراره ...كانت تبكي أمها ومصيرها المجهول...تبكي فراق اصدقائها ...تبكي كل شجره لامست اغصانها...تبكي كل ركن في هذه البلده...
وفجأه شعرت بيد دافئه توضع على كتفها ثم سمعت وليد يقول" أتبكين يا أمل؟"
لم ينتظر جوابها ,بل امسك بذقنها ورفع وجهها يتأمله قائلا" أمل لِمَ تبكين؟"
سكتت قليلا ثم قالت بصوت مختنق باكي" لن تصدق ما سأقوله ...لكن أوعدني بأنك لن تخبر احد الآن"
مسح دموعها وقال هامساً" أعدك عزيزتي"
(عزيزتي) ؟!!! انها المره الاولى التي يناديها وليد بهذا اللقب
اخبرته بحقيقة مرض امها و بضرورة مغادتهم للبلده في اسرع وقت ممكن وبكل شيء...حكت له ألمها ...حكت له لوعتها لفراقهم...لأول مره تفضفض امل عن مكنونات قلبها لشخصا ما وكم شعرت بالراحه وهي تخبر وليد بكل شيء
امسك وليد بكفها وضغط عليها بحنان غامر وهو يقول لها هامساً " لا اعلم ماذا سيحدث لي عند مغادرتك...فأنت غاليه عندي جدا ولك مكان خاص في قلبي...سيؤلمني ذلك حتماً...لكنني سأتي كل يوم عند تذكارنا المحفور على الشجره وسأمسح عليه بكفي وكأنما امسك بيدك كما أفعل الآن"
كان يتحدث وهو شارداً كأنما يحدث نفسه, لأول مره تراه أمل هكذا لقد اعتقدت دوماً انه ساخراً ويهوى المزاح لكن الآن ترى وليد آخر , ترى وليد الذي هز شيئاً في قلبها
إلتفت نحوها وتلاقت نظراتهما ومازال هو ممسكاً بكفها, تمنت أمل لو تستمر هذه اللحظه مدى حياتها فقد كانت تشعر بإحساس رائع لم تشعر به من قبل , وهناك ومن بين الاغصان كانت تلك العينين الزرقاوين تنظران نحوهما بحزن شديد ثم سالت دمعه ساخنه على خد ذوي العينين الزرقاوين الذي لم يكن الا تامر الذي قال لنفسه" لن تكون لك ها أنت تشهد مولد حبها " ثم اختفى بين الاغصان بهدوء كما ظهر
تنحنح وليد بخجل ثم قال " أمل لابد ان يعرف الأصدقاء بأمر مغادرتك"
قالت" لا استطيع ان اخبرهم فالأمر مؤلم بالنسبة لي"
قال" انا سأخبرهم ...لا تقلقي"
صمتت امل وهي تتأمل عينيه العسليتان ثم قالت" لن انسى جميلك وليد"
قال" هذا واجبي عزيزتي"
اختلج قلب امل عندما نطق عزيزتي مره اخرى, ثم قالت "يستحسن بنا ان نعود الآن"


***


لم يتبقى الا يوم على رحيل عائلة السيد حاتم , قالت امل لنفسها " تماسكي يا أمل ولا تبكي أمامهم بل اجعلي بسمتك اخر ما يرونه"
عندما وصلت امل لمنزل الشجره لم ترى احداُ منهم , فتعجبت لانها ظنت بأنها آخر الحاضرين
وفجأه سمعت عزف مصطفى ورأته يخرج من خلف احدى الاشجار وفي نفس الوقت خرج كل الاصدقاء من خلف الاشجار بينما مصطفى يغني بصوته الجميل:

"فقط لأمل ومن أجل أمل سنغني اليوم
فقط لأمل ولأجل أمل سنرقص اليوم
فقط لك يا أمل
فلتنسي الألم و لتبقى ذكرانا في قلبك محل
فقط من أجلك يا أمل
حملنا أكاليل الزهور وصعدنا الجبل
فقط من أجلك يا أمل
رسمنا حياتنا معك بألوان قوس قزح
ولم ننسى اللعب والمرح
فأنت لنا البهجه و الفرح
وانت بيننا ودعنا الترح
فقط لأمل ومن أجل أمل سنغني اليوم
فقط لأمل ولأجل أمل سنرقص اليوم
فقط لكِ يا أمل"



ثم تقدمت هناء ووضعت اكليل زهور على شعر امل
بكت امل وهي ترى ذلك , ضمتها هناء وهمست لها " لا نريدك ان تبكي ...فليكن هذا اليوم مميزاً "
قفزت غدير وضربت امل على ظهرها وقالت ضاحكه" هيا كفاك بكاء...فقد أحضرت معي كعك الفريز بالكريما ...فإذا لم تكفي عن البكاء فسأغمر وجهك به"
ضحكت امل و حاولت ان تضرب غدير التي ركضت هاربه فلحقت بها وسط ضحكات الاصدقاء




***


"كان يوما رائعا لن أنساه مدى حياتي " هكذا حدثت امل نفسها وهي على سريرها تتأمل الهدايا التي اعطوها لها , فهاهي الدميه ذات الضفائر الذهبيه التي اعطتها غدير وهذا البروش الكريستالي الذي يتخذ شكل فراشه اهداها لها سمير وهدا دفتر ذكريات اهدتها هناء ثم أخذت شريط التسجيل الذي غنى لها فيه مصطفى وكتب عليه "زهرة الأمل" ووضعته في آلة التسجيل واخذت تستمع لصوته العذب ,ثم أمسكت بقطعه خشبيه نحتها وليد بسكينه على شكل فتاة صغيره وقالت ضاحكه " حتى اشياءك غريبه مثلك يا وليد...لكنها رائعه مادامت منك", تذكرت هدية تامر المغلفه والتي طلب منها ان تفتحها عند عودتها, أمسكت بها وفتحتها فقد كانت لوحه لفتاة مستلقيه في النهر ثم قالت بدهشه" هذه انا" سقطت ورقه مطويه من خلف اللوحه ,التقطتها وفتحتها فقد كانت تحمل كلمتان وحرف لا غير" إلى حورية النهر" وكانت موقعه باسم تامر, تذكرت ذلك اليوم الذي مرت فيه على النهر قبل مرورها بأصدقائها , لقد قال تامر حينها انه تأخر لانه كان يرسم وحينما سألوه قال انه يرسم فتاة...اذن كان يرسمها هي
توردت وجنتيها وابتسمت بخجل قائله " إذن انا هي فتاتك حورية النهر يا تامر"
ثم اغلقت الضوء واستلقت وهي تضم اللوحه لصدرها وتفكر بكل لحظه قضتها في هذه البلده منذ مجيئها
وفي نفس الوقت كان تامر يتأمل النجوم من نافذة حجرته ويفكر بأمل و يبكي حبه العذري

محمد الحداد
01-09-2008, 04:56 PM
الفصل الخامس (حياة أخرى)





"هيا اسرعي يا أمل" نطقها والد أمل بينما كان يضع الحقائب في السياره استعداداً للرحيل
كانت أمل في حجرتها الخاليه من الأثاث تتأمل آخر شروق للشمس تراه في البلده عندما سمعت والدها يناديها فقالت لنفسها" لم أتخيل ان تتغير حياتنا بين يوم وليله هكذا" ثم حملت الحقيبه وإلتفتت للخلف لإلقاء آخر نظره لحجرتها التي طالما احبتها فأُوغرقت عينيها بالدموع التي سالت على وجنتيها فأسرعت تمسحها بمعصم يدها حتى لا يلاحظ اهلها اثار بكاءها واسرعت تنزل وهي تسمع والدها يناديها فقالت" حاضر ...حاضر ها قد أتيت"
قال والدها "هيا يا أمل لِمَ كل هذا التأخير؟" ولم ينتظر جوابها بل صعد للسياره وتبعته امل التي كانت آخر الواصلين,
كم تمنت أمل ان ترى اصدقائها الآن , "لكنهم حتماً لم يستيقظوا بعد من النوم في هذا الوقت الباكر " هكذا قالت لنفسها لكنها كانت مخطئه فقد كان هناك من لم يذق طعم النوم حتى الآن , كان تامر يستلقي على فراشه ويتقلب محاولاً عدم التفكير بأمل ورحيلها , وكان ايضاً وليد الذي امسك بقطعه خشبيه وأخذ ينحتها كعادته كلما انشغل تفكيره بأمر ما
قالت أمل لنفسها " الوادع ...الوداع يا بلدتي الحبيبه"


***

وقفت أمل أمام باب الشقه التي استأجرها والدها , كان باب خشبي اسود أملس ذو مقبض ذهبي مزخرف بخطوط متقاطعه
تأملته أمل بصمت وهي تفكر كيف ستبدو الشقه من الداخل لابد انها بالفخامه التي تبدو من الخارج , " لابد ان ذلك كلف والدي الكثير من المال" هكذا حدثت نفسها , فالحصول على شقة تناسب وضعهم الاقتصادي في خلال اسبوع ستكون أشبه بالمستحيل , فتح والدها الباب ودخلوا , قالت ندى " ياااااه ما أجملها ...انها حقاً رائعه"
قالت أمل لنفسها "انها جميله بالفعل , لكنه جمال عصري " ثم حدثت نفسها قائله " يجب ألا أبين لأبي وأمي ضيقي من هذا المكان ...فقد ضحى أبي بالكثير من أجل أمي ومن أجلنا ويجب أن أضحي انا ايضاً"
ثم ابتسمت قائله لأباها" شكراً أبي ...لابد ان ذلك كلفك الكثير"
أحاط والدها كتفيها بذراعه وضمها اليه قائلاً" لا شيء يغلي عليكم يا أمل" ثم أكمل قائلاً" ألا تريدين رؤية بقية المنزل؟"
قالت أمل "بلى أريد"
كان والدها متعباً من السفر وأمها كذلك يبدو الشحوب واضحاً على محياها , لكن على الرغم من ذلك كانت البسمه لا تفارق شفتيهما
فقالت أمل " أبي اذهب انت وأمي وارتاحا ... وانا سأهتم بإخوتي وسأرى المنزل معهما"
قال والدها " كما تريدين يا أمل...هيا يا ناديه "
امسكت أمل بيد اخاها سيف وقالت لندى "تعالي معي"


***


{مرت ثلاثة ايام على وجودهم في المدينه}

" امل ...امل" فزعت أمل التي كانت شارده وهي تنظر لمعلمتها التي أكملت قائله" أين ذهبتي بأفكارك؟...هيا حلي هذه المسأله"
وقفت امل امام لوح الكتابه حائره فهي كانت موجوده في الصف جسداً فقط لا روحاً
لاحظت المعلمه حيرتها فصرخت فيها قائله " هل كنت اشرح الدرس لألواح من الخشب؟"
صمتت أمل وهي تنظر للأرض فأكملت المعلمه صراخها " هيا حلي المسأله"
قالت امل" اسفه يا آنسه ...لكنني لا اعرف الحل"
قالت المعلمه بسخريه" ولِمَ لا تعرفين الحل؟...هل المسأله صعبه؟ ام أنني لا أجيد الشرح؟"
صمتت امل فقد كانت تفكر بالبلده واصدقائها وماذا يفعلون الآن
اغتاظت المعلمه من صمت امل فصرخت فيها " اخرجي من الصف حالاً ...فمثلك لا يستحق ان يجلس على مقعد الدراسه "
خرجت أمل وهي تتمنى ان تنشق الارض وتبتلعها , فقد كان الموقف جدا محرج وخاصةً ان ذلك حدث امام زميلاتها و زملائها بالصف.
عندما رن الجرس معلناً انتهاء الحصه وبدء الفسحه ,خرجت المعلمه ونظرت لأمل شزراً وقالت لها" ان استمررت على هذه الحال سيكون تعاملي معك مختلفاً"
لم تجب أمل بل سارت بصمت و دخلت الى الكافتريا وجلست على احد مقاعدها تتأمل حرم المدرسه من خلال النافذه التي بجوارها بصمت , وتبكي في داخلها الأيام الخوالي.
" هل لي ان اجلس معك؟"
التفت امل لقائل العباره او بالأحرى قائلة العباره , كانت فتاة معها بنفس الصف اسمها ميرال , قالت أمل بابتسامه حزينه "بكل تأكيد فالمكان عام وليس ملك لأحد "
ابتسمت الفتاة ثم تناولت كأس حليب ساخن بالشوكولا كان معها وقدمته لأمل التي قالت بسرعه " شكرا لكِ لكنني لا ارغب بتناول شيء"
قالت الفتاة ومازالت البسمه على شفتيها " لا تخجليني...لقد اشتريته خصيصاً لكِ"
نظرت لها امل بعين مملؤه بالدهشه والتساؤل فأكملت الفتاة " لا بد انك تعرفينني فأنا معك بنفس الصف ...عالعموم انا اود مصادقتك اذا لم يكن في ذلك ما يضايقك"
ابتسمت امل وقالت " شرف لي ان أصادق فتاة مثلك"
تأملت امل ميرال , كانت فتاة رقيقة الجسد لها بشره مخمليه قمحية اللون وشعر بني داكن ينسدل بنعمومه على رقبتها و كتفيها ويحيط بوجهها البيضاوي الذي تزيد من جماله تلك العينان الواسعتان الخضراوان والأهداب السوداء الطويله , ابتسمت الفتاة مره اخرى وقالت " اسمي ميرال أحمد " ثم قضمت قطعة من الساندويتش الذي تحمله وأكملت بعفويه وهي تمضغ قطعة الساندويتش" نعيش انا وامي بالقرب من المدرسه ...وانتي أخبريني عن نفسك"
قالت أمل " ليس هناك شيء مثير في حياتي ...اسمي امل حاتم ...انا الكبرى بين اخوتي لدي اخت تصغرني بأربعة اعوام واخ صغير عمره سنتين"
سألتها ميرال " واين تسكنين؟"
قالت امل" في الدور الخامس من البنايه العاشره على الطريق الرئيسي"
قالت ميرال " يبدو انكم جدد على هذا الحي"
اخبرتها امل بالبلده واصدقائها وجرهما الحديث لمواضيع اخرى لم يقطعها الا رنين الجرس
فقالت امل "هيا بنا نعود للصف"




***
في طريق العوده رافقت ميرال امل فقالت الأخيره "اسمك جميل ميرال ...من أسماكِ به؟" اجابت ميرال " ابي " ثم صمتت قليلا كما لو كانت تتذكر شيء جميل وهي تضم كتابها لصدرها فبدت جدا رقيقه وهي تقول" كان ابي يناديني دوماً بغزالي الصغير الذي هو في الواقع معنى اسمي " ثم قالت "ها قد وصلت" نظرت امل للمنزل الذي توقفت امامه ميرال وقالت "أهذا منزلك؟"
قالت ميرال" نعم...تعالي لتتعرفي على أمي؟"
سألتها أمل " وهل عاد والدك من عمله؟"
قالت ميرال " لقد توفي ابي منذ ثلاث سنين"
قالت امل بسرعه" أوه آسفه لم ..." قاطعتها ميرال وهي تجرها من يدها قائله " لا تتأسفي فكلنا سنموت...والآن تعالي لأعرفك على امي"
قالت أمل "آسفه لكنني تأخرت على المنزل ويجب ان اعود حالاً"
قالت ميرال" كما تردين ولكن ليس قبل ان تعديني بالزياره"
قالت امل " اعدك...والآن اراك غداً"

***
كانت ميرال هي البلسم الذي يداوي جراح امل في المدينه, فكل يوم يمر يكون اصعب من اليوم الذي سبقه ,فامها تعاني من ألام العلاج الكميائي الذي خضعت له, وهذا وحده كفيل بتمزيق قلب امل ... و والدها الذي اصبح يعمل في فترتين صباحاً ومساءً اصبحت نادراً ما تراه معهم ...ثم انه مضطر لذلك فالعلاج الذي تخضع له امها مكلف ,هذا غير تكاليف المعيشه الباهضه بعكس تلك التي في البلده, تحملت امل مسئوليه كبيره منذ مجيئهم للعاصمه, وكل ما ترجوه الآن هو شفاء والدتها التي تسوء حالتها يوماً بعد يوم

***
اربعة اعوام عاشتها امل في العاصمه كانت من اصعب ايام حياتها , لكنها لم تكن اصعب عليها من تلك اللحظه التي جلبت فيها امل وجبة العشاء لوالدتها في الفراش قائله" أمي ...هاقد أحضرت لكِ وجبة العشاء " قالت امها بوجهها الشاحب الذي لم يفقد جماله على الرغم من مرضها " ضعيه جانباً حبيبتي ...سأتناوله لاحقاً"
تناولت امل الملعقه وقالت باسمه " لا لن اضعه جانباً فأنا اعرف بأنكِ لن تتناوليه...والآن هيا تناولي هذه من يدي"
كانت امل حريصه على غذاء امها ومواعيد علاجها , حتى انها اصبحت لا تولي المدرسه اهتماماً كبيراً, فهمها الأول والأخير هو ان تتحسن امها , لكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه فهاهي صحة والدتها تتدهور يوماً بعد يوم وهي ووالدها جداً قلقين من ذلك .
اكملت والدتها تناول الطعام و قامت امل بتنظيفها وتجهيز فراشها , ثم عاونت والدتها حتى تستلقي على الفراش
لكنها شاهدت دمعاً يسيل على وجنتي امها , فجلست امل على طرف الفراش ومسحت بأناملها دموع امها قائله بهمس" أمي لِمَ تبكين؟"
لم تجب أمها وانما اشاحت بوجهها ثم قالت بعد لحظة صمت " لا شيء حبيبتي"
امسكت امل بالمشط وأخذت تمشط شعر امها الحريري و هي تقول " امي ...اعرف بأنك تحاولين اخفاء شيء عني"
ثم استندت على احدى يديها واكملت" والآن...مابك...فعيناك تقول الكثير"
تنهدت امها بحزن ثم قالت " سامحيني يا امل"
قالت امل بدهشه" اسامحك؟...لِِمَ تقولين ذلك؟!"
اكملت امها " لقد حرمتك , فمن في مثل عمرك يسرح ويمرح وانتي هنا تمسحين وتطبخين وتعتنين بي...هذا غيــ..."
وضعت امل اناملها على شفة امها وهي تهمس قائله " أمي ان اسعد اوقاتي هي عندما اكون بقربك...فلا تظني انني اتذمر او اتضايق من ذلك"
سالت دمعه ساخنه على خد امها فضمتها امل لصدرها وقد تدفقت دموعها هي الأخرى, ثم قالت امها بصوت متحشرج باكي وهي تمسح على شعر ابنتها" حبيبتي ...لا تبكي فمُنى عيني ان يكون آخر ما اراه هي بسمتك "
أجهشت امل بالبكاء وهي تقول" ارجوك يا امي لا تقولي ذلك...ستتحسن صحتك وتعودين كما كنتِ بل وافضل ان شاء الله"
ابعدتها امها عن صدرها وهي تتأمل وجه ابنتها وشبح ابتسامه على شفتيها " الموت حق على كل مخلوق يا بُنيتي...هيا لا اريد رؤيتك تبكين ...كوني قويه كما عهدتك دائماً عزيزتي"
قالت امل" امي لِمَ تذكرين الموت الآن؟"
ضمتها امها قائله" لانني اشعر بدنو اجلي "
انتفضت امل عند قول امها ذلك , شيء ما بداخلها يقول ان امها على حق , ضمتها امها اليها اكثر وهي تقول " كوني قويه يا أمل , فأنا سأعود لله الحي الذي لا يموت" بكت امل وهي تشعر بغصه مؤلمه بحلقها وقد عجز لسانها عن النطق , فأكملت والدتها بعينين دامعتين وشفاة باسمه" سأرتاح عندما اموت يا حبيبتي, فذلك يسيرحني من آلآم المرض ...امل اختك واخاك سينهارا ان رأياك على هذه الحال"
مسحت امل دموعها بأطراف اصابعها بينما دخل اخاها سيف راكضاً وارتمى على الفراش بجانب امه وهو يبتسم ابتسامه مشرقه
وضعته امه على صدرها وهي تداعب خصلات شعره الملساء قائله " من حبيبي الذي يجلس في حضن امه؟"
قال سيف بسعاده"أنـــــا"
" من حبيبي الذي تنتظر امه تقبيله لها؟"
قال سيف "أنــــــــــا" ثم قبّل وجنة امه
دخلت ندى وهي تقول " كلكم مجتمعين هنا وانا وحدي في الخارج" ثم انحنت تقبل يد امها
كانت امل تتأملهم بحزن , فلو ماتت امها ستغيب البهجه عن منزلهم
ثم ان فكرة موت امها ترعبها
قالت أمل لسيف عندما لاحظت ان امها مرهقه " هيا يا سيف سنترك امي تنام قليلا"
أمسك سيف بيد امه وقال " لا لا سأنام هنا"
قالت ندى" وهل انت طفل رضيع حتى تنام معها؟...هيا كفاك دلالاً"
قالت الأم" دعيه ينام الليله عندي , ثم انه طفلي الصغير المدلل أليس كذلك يا عزيزي؟"
فرح سيف ونظر لأختيه بنظرة انتصار وهو يخرج لهما لسانه
ضحكت ندى وقالت " اذن تصبحين على خير أمي و انت ايها الطفل المدلل" ثم قبلتهما و تبعتها امل قائله" تصبحين على خير يا امي ...ان احتجتِ لشيء فقط نادني"
أومأت الأم برأسها ايجاباً فغطتها أمل بينما أطفأت ندى ضوء الحجرة و اغلقا الباب خلفهما



***



استيقظت أمل في اليوم التالي و ضوء الشمس يغمر الحجره فأغمضت عينيها وهي تتثاءب بكسل ثم حدثت نفسها قائله "الحمدلله ان اليوم عطله اسبوعيه و إلا لما ذهبت للمدرسه اليوم " ثم نظرت لأختها التي كانت غارقه في النوم وقد كان لحافها مرمياً على الأرض وشخيرها يكاد يقطع انفاسها , ضحكت أمل فقد كان منظر اختها ندى مضحكاً ثم قامت وغطتها وذهبت لتغسل وجهها وتقوم بتحضير الافطار لأمها واخوتها
عندما انتهت امل من تحضير الافطار ذهبت لتطرق باب حجرة امها , ودخلت بهدوء كانت امها مستغرقه في النوم وفي حضنها ينام سيف كالملاك , وكان والدها قد ذهب لعمله
همست امل" أمي ...لقد احضرت لكِ الافطار"
عندما لم ترد أمها التفتت امل نحوها وهزت كتفها برقه قائله بصوت هامس " أمي...أمي ...هيا استيقظي"
لكن امها لم تجب
هزتها امل بقوة اكبر من السابقه وقلبها ينبض قلقلاً" أمي ...أمي ردي علي"
لكن امها كانت ساكنه لا تتحرك
فزعت أمل وامسكت بذراع امها وهي ترتجف وتحاول تحسس النبض , لكن لم يكن هناك نبض
امسكت امل بسماعة الهاتف وهي ترتجف كعصفور صغير مبتل , اتصلت على جارهم الطبيب الدكتور نبيل
ثم هرعت لأختها ندى و هي تبكي " ندى ....ندى....استيقظي "
استيقظت ندى فزعه وهي تقول "هاه ...ما بك؟"
قالت امل وهي ساقطه على ركبتيها وتبكي " أمي ...أمي لا اعرف ما بها بالضبط ...يبدو انها فقدت الوعي "
صرخت ندى" ماذا تقولين؟"...ثم ركضت لحجرة امها وهزتها وهي تصرخ " امي...امي ....امي ارجوك ردي عليّ", لكن عندما لم تجب امها سقطت عند فراشها وهي تجهش بالبكاء
استيقظ سيف فزعاً وعندما رأى اختيه تبكيان بكى بدوره , ولم تكن الا دقائق حتى طرق الدكتور نبيل الباب وفتحت له امل وهي ترتجف وتبكي كورقه في مهب الريح , فحص د. نبيل امها سريعا ثم ابعد سماعته عن صدر امها و قام و وضع يده على كتف أمل قائلاً " البقيه في حياتك"
انهارت امل باكيه و كذلك اختها ندى , هزها موت امها و اصابها بألم اخترق قلبها خرقاً
ولم يكن حال والدهما بأفضل هو الآخر , فقد تلقى الخبر من خلال جارهم الد. نبيل , صحيح حاول ان يتماسك لكنه لم يستطيع كبح جِمَاح دموعه التي انهارت على زوجته وحبيبته وام اولاده ناديه


***



كانت اصعب لحظه مرت عليهم هي ساعة دفنها, بكت امل وهي تقبّل امها وتلقي عليها النظره الأخيره, أما ندى فقد انهارت ولم تستطع حتى الوقوف على قدميها حاول خالهما هشام الذي قدم من السفر حال معرفته بالخبر ان يخفف عنهما , ثم طلب من زوجته ان تبقى معهم حتى يذهب الرجال لدفنها في المقبره
عندما أنزل السيد حاتم جثمان زوجته ومعه اخو زوجته هشام للقبر , شعر و كأن قلبه يبكي دماً على فراقها , كانت دوماً بجواره ...تساعده ...تسانده ...ذاقت معه الحلوه والمُره والآن يضعها بيديه في القبر
كشف الكفن عن وجهها بعد ان وضعها داخل القبر وهمس لها "أحبك ...و سأبقى أحبك ما حييت"
لم يراه الا هشام الذي نزل معه للقبر, فربت هشام على كتف حاتم وعينيه غارقتان بالدموع " هذه مشيئة الله يا حاتم "
قال حاتم بخشوع" والنعم بالله "



***
مرت اربعة اعوام على وفاة أمها تخرجت امل خلالها من الثانويه وقررت ان تدرس التمريض , ربما لحبها للناس وربما لأنها مازالت تشعر بالتقصير تجاه امها وتحاول تعويضه بالمرضى اللذين يتألمون ويعانون, وربما لأنها لم تدرك بعد طيبة و رقة قلبها الذي تصر على اخفائه بذلك القناع الصامت الجامد , اصبحت في العشرين من عمرها وقد تغير شكلها كثيراً عن شكل تلك الطفله الشقيه التي قدمت من البلده, فهاهو ثوب الممرضه الأبيض يحتوي جسدها الضئيل و قبعة التمريض البيضاء الصغيره على رأسها بينما تركت ضفيرة شعرها الطويل تنسدل على ظهرها ولم تتغيرمنذ طفولتها لكنها ازدادت طولاً حتى اصبحت تلامس خصرها ,
بعد ان اكملت دراسة دبلوم التمريض في سنتين توجهت بطلب العمل هي وصديقتها ميرال في مستشفى العاصمه و تم قبولهما كممرضات في الدوريه الليليه , فرحت لذلك و كذلك والدها واختها ندى التي اصبحت بالسادسة عشر واخاها سيف الذي اصبح بالعاشره , لكنها لم تتوقع ان يكون العمل متعباً ومرهقاً كما تراه الآن.
قالت امل" اتمنى ان تكون تلك المريضه شيرين نائمه الآن...فلا أرغب بصراخها وتذمرها المستمر"
ابتسمت ميرال قائله" انها فقط تخفي خوفها بالصراخ والشتم "
ضحكت امل وقالت " نعم يبدو ذلك ...والآن سأذهب لمتابعة مرضاي "
تفرقت كلاً منهما لمتابعة عملها , كانت الاصابات تكثر في الاجازات الصيفيه للطلاب والطالبات حيث السهر المستمر والعبث الدائم والمضاربات التي تحدث ليلاً
كانت تقوم بضميد جراح فتى بالخامسة عشر من عمره كان قد تعرض للضرب من قِبل اولاد اكبر منه عمراً
فصرخ قائلاً" آآآآآآه ...انتي تؤلمينني "
واجهت امل صراخه بابتسامه وقالت " ألا يفترض انك اصبحت رجلاً الآن؟"
قال الفتى" بلى "
قالت" الرجال لا يصرخون ويتألمون مثلما تفعل انت"
قال الفتى وهو يكابر" ومن قال انني اصرخ وأتألم؟"
لم تجبه أمل وانما كتمت ضحكه كادت ان تفلت من بين شفتيها , واكملت عملها بصمت
ثم عادت لتغيير المغذي للمريضه شيرين وما كادت ان تدخل حتى قالت شيرين بنفاذ صبر" لماذا أتيتِ انتي مرةً اخرى ,انا لم آتي هنا حتى تتابعي انتي حالتي , أين الدكتور عصام؟"
حاولت امل امتصاص غضبها وهي تبتسم بهدوء وتقول " لقد أتيت لتبديل المغذي لكِ , والدكتور عصام لديه حاله طارئه الآن"
لكن جوابها لم يرق لشيرين التي استمرت بالصراخ والتذمر واتهامهم بالإهمال
قالت امل وهي تضغط على اعصابها حتى تبدو هادئه " سأنادي الدكتور عصام الآن "وخرجت وهي تأمل ان تجده سريعاً .
عندما خرجت قالت المريضه التي تشارك المريضه شيرين الحجره " انك تعاملينها بفضاضه ...لقد كانت تقوم بعملها وارشادات الأطباء "
قالت شيرين وهي ترفع احد حاجبيها " ليس من شأني عملها وماذا تفعل...انا مريضه ولي حقوق يجب ان احصل عليها كأي مريض آخر"
قالت المريضه الأخرى" احمدي ربك ان من تتابع حالتك هذه الممرضه الرقيقه...فهي تبدو كالملاك الباسم وهي تعالج مرضاها وانتي تتذمرين منها"
لم تجبها شيرين وانما مطت شفتيها وكأن الكلام لم يرق لها ثم اشاحت بنظرها , نظرت لها المريضه الأخرى وهي تتعجب من هذه السيده المتذمره ومن وقاحتها.
كانت امل تبحث عن الدكتور عصام عندما شاهدت ميرال تمر في نفس الممر فسألتها" ميرال هل رأيت الدكتور عصام؟"
ابتسمت ميرال وهي تقول " نعم رأيته في الحجره رقم 1 " ثم غمزت بعينها لأمل وهي تقول " قلبي يقول ان ما أظنه صحيح"
توقفت امل وقالت" إذن قلبك مخطئ يا عزيزتي ...يؤسفني ذلك"
كانت ميرال تلمح الى ان امل معجبه بالدكتور عصام...الجراح الوسيم ذو القامه الفارعة الطول , ولكن أمل لم تكن تشعر بإنجذاب نحوه أبداً على الرغم من شخصيته الآسره و وساومته اللافته للأنظار
قالت ميرال" حتى لو انكرتي ذلك ...سيأتي يوم وستقعين في شباك الحب"
ضحكت امل وقالت " الا هذا ...فهو الشيء الوحيد الذي امتلك مناعه ضده, ولن اقع فيه"
مطت ميرال شفتيها وقالت " كم اتمنى رؤيتك سعيده يا صديقتي ولكنكِ......."
قاطعها صوت احد الأطباء وهو يناديها فقالت بسرعه لأمل" المعذره...أراك لاحقاً" ثم اكملت امل طريقها لتبحث عن الدكتور عصام فوجدته امام الحجره رقم1 وهو يتحدث لشخص ما كان مديراً لها ظهره, انتظرت امل حتى ينتهي من كلامه مع الرجل الآخر , لكن الدكتور عصام لاحظ وجودها فقال " آنسه أمل ...هل هناك شيء تودين اخباري به؟"
تلعثمت امل قليلا فهي لم تظن انه سيلاحظ وجودها و قالت " المعذره على مقاطعتكما ...لكن المريضه في الحجره رقم 5 تود...."
قاطعها الدكتور عصام قائلاً "آه ...تلك المريضه المتذمره...سآتي حالاً" ثم تحدث الى الرجل الذي إلتفت ونظر لأمل نظره عميقه" المعذره يا صديقي أراك لاحقاً"
هز الرجل رأسه دلاله على تفهمه للموقف, ثم إلتفت مره أخرى لأمل بنفس النظرات العميقه وابتسم لها , فأبعدت تلك الاخيره نظرها عنه بإرتباك وهي تلحق بالدكتور عصام.
قالت امل محدثه نفسها وهي تمشي في الممر مع الدكتور عصام" أشعر و كأنني رأيت ذاك الرجل...لكن أين؟"
حاولت ان تتذكر اين رأت تلك العينين وتلك البسمه الصافيه لكنها لم تفلح في ذلك, وظل يشغل تفكيرها طوال الوقت على الرغم من محاولتها مقاومة ذلك.



***



أنهت امل دوريتها الليليه وعادت للمنزل و عندما دخلت ألقت بحقيبتها على سريرها وبدلت ملابسها سريعاً ثم ذهبت للمطبخ لتحضير الافطار , وبعد ان انتهت منه ذهبت لوالدها لكي تيقظه ثم ذهبت لإيقاظ اختها ندى و أخاها سيف
أنهى والدها إفطاره ثم غادر المنزل متوجهاً لعمله , وغادرت ندى ومعها سيف للنادي الصيفي.
نظفت امل المكان وغسلت الصحون ثم استلقت على فراشها بجسد منهك وهي مغمضة العينين , وتذكرت تلك الابتسامه وتلك العينين , و فجأه انتفض جسدها عندما خطر لها هوية هذا الرجل فقالت بصوت هامس لنفسها " هل يُعقل أن يكون هو؟!"



انتهى الفصل الخامس ويليه الفصل السادس باذن الله

محمد الحداد
01-09-2008, 04:57 PM
الفصل السادس( نقطة انتقال)







مدت امل يدها لتلك الشجره التي حفرت عليها اسمها ذات يوم , وحينما لامست اناملها تذكارها الصغير أغمضت عينيها وهي تشعر بنفس الاحاسيس الرائعه التي داعبت قلبها أثناء طفولتها , وشعرت بكف دافئه على كفها , فتحت عينيها ببطء وهي ترى تلك اليد القويه التي احتضنت كفها بحنان ,ثم إلتفتت للخلف لترى صاحب هذه اليد الواقف خلف ظهرها , فوجدته نفس الشاب الذي كان مع الدكتور عصام , ابتسم لها الشاب نفس الابتسامه وهو يتأملها بنظراته العميقه, ارادت ان تنطق ...ان تفعل أي شيء ...لكنه تلاشى بالتدريج حتى بات كالشبح ثم اختفى تماماً
بكت امل وهي تناديه " وليد ...وليد ...لا تتركني وليد ....ارجوك"
لكنه لم يكن هناك مجيب سوى صدى صوتها و دموعها التي اغرقت وجهها
وفجأه انتفضت على ذلك الصوت المزعج الذي اخترق اذنها بعنف , ففتحت عينيها لتجد نفسها في سريرها
والمنبه يرن و كأنه يبخل عليها بقضاء ساعات قليله في النوم
أغلقته وهي تتحسس عينيها التي كانت بالفعل غارقه بالدموع
" ماالذي حدث يا أمل؟"
قالتها ندى وهي تفتح باب حجرتهما , فقالت امل بحيرة " ماذا تعنين؟"
تقدمت نحوها ندى بعد ان اضاءت الحجرة , ثم جلست على طرف فراش اختها وهي تقول" لقد كنتي تصرخين"
صمتت امل وهي في حالة ما بين النائم والمستيقظ فقالت ندى وهي تمسح على شعر اختها بكفها الناعمه" هل كان مناماً مزعجاً؟"
أومأت امل برأسها بالايجاب فقالت ندى" تعوذي من الشيطان يا أمل" ثم وقفت و أزاحت الستار عن النافذه قائله" و أسرعي فالساعة الآن السادسه مساءً وستبدأ دوريتك الليليه بعد نصف ساعه"
قامت امل واخذت حماماً سريعاً و تناولت كوباً من الشاي , وقبل ان تغادر قبلت والدها الذي كان يشاهد التلفاز وهي تقول"...سأذهب الآن يا أبي هل تريد شيئاً قبل ذهابي"
قال لها والدها" بالتوفيق يا حبيبتي...فقط اهتمي بنفسك"
ابتسمت امل ثم أغلقت الباب خلفها بهدوء


***


" آنسه أمل عليك أخذ عينة دم من المريض في الحجرة رقم 2 ...ثم قومي بتغير ضماد المريضه بالحجره رقم 4"
قالت امل" حاضر دكتور عصام"

طوال الوقت وذلك الشاب يشغل تفكيرها أيعقل ان يكون هو وليد نفسه؟!!!
و اذا كان هو وليد نفسه هل عرفها ام لا؟
لكن لماذا ابتسم لها ولماذا كان يتأملها بتلك النظرات؟
وما الذي اتى به للعاصمه؟
وما علاقة الدكتور عصام به؟
أسئلة كثيرة جالت بخاطرها وهي تغير ضماد تلك المريضه المسنه التي سقطت فوق درج منزلها
قالت المريضه" متى سأخرج؟"
قالت امل" ننتظر الآن نتائج صور الأشعه حتى نتأكد ان كانت قدمت بها كسر او لا"
طمأنتها امل ثم غادرت الحجره فوجدت ميرال في طريقها التي قالت" أين ذهبت؟ لقد بحثت عنك طويلاً"
قالت أمل " ها أنا ذا والآن ماذا تريدين؟"
" هل هناك شيء يشغلك الآن؟"
"لا"
" اذن تعالي معي الى الكافتيريا...فهناك ما أريد قوله لك"
وعندما جلستا قالت ميرال" أمل ما بك اليوم شارده؟"
قالت أمل " لا أفهم ما الذي يجري بالضبط ...اشعر بالحيره والدهشه كلما فكرت بالأمر" ثم صمتت قليلا
اما ميرال فقد ضمت كفيها الصغيرتان و هي تسند عليها ذقنها فبدت كطفله بريئه جداً مع عينيها المتسعتان
فأكملت امل " تذكرين بالأمس عندما كنت ابحث عن الدكتور عصام ؟"
قالت ميرال" نعم اذكر ...اكملي"
اخبرتها امل بأمر ذلك الشاب و بشكوكها بأن يكون هو وليد صديق طفولتها ثم اخبرتها بأمر المنام
قالت ميرال" ربما يكون شخص يشبهه"
قالت امل " ربما...وربما لا"
ضحكت ميرال وهي تقول" لا تقولي انك ستتحققين من هويته"
ابتسمت امل وقالت " بلى سأفعل"
ثم اكملت بنظره ذات مغزى " والآن"
قالت ميرال" ما الذي تقصدينه ايتها البلهاء؟"
قالت امل بسرعه وبصوت منخفض" هناك ...خلفك يجلس ذلك الشاب الذي اخبرتك عنه لا تلتفتي اليه الآن حتى لا يلاحظنا"
ضحكت ميرال" فهمت ما الذي ستفعلينه ايتها الخبيثه"
أما أمل فقد قامت و جلبت كأسين من عصير البرتقال لها ولميرال واثناء عودتها اتخذت طريق بحيث يجعلها تمر بجانب طاولة ذلك الشاب, ثم تعمدت ان تصطدم بقدمه فتعثرت وسقط احد الكأسين على ملابس الشاب فقالت أمل بسرعه" اوه آسفه ...اعذرني..."
اما الشاب فقد وقف بسرعه و خلع الجاكيت الذي كان يرتديه
فقالت أمل " آسفه ...دعني امسحه لك"
فقال الشاب " لا لا داعي لذلك سأمسحه انا وسيجف بسرعه"
حاولت امل ان تأخذ الجاكيت لكنه رفض ذلك بأدب شديد
فقالت أمل مستسلمه " تقبل اعتذاري يا سيد...."
قال بسرعه " ياسر "
قالت " تقبل اعتذاري يا سيد ياسر"
ابتسم وقال" لا داعي للاعتذار فقد كان حادثاً...والآن اسمحي لي" ثم غادر الكافتريا الى دورة المياه ليغسل بقع العصير عن ملابسه
اما أمل فقد توجهت الى حيث تجلس ميرال وخيبة الأمل باديه على وجهها , فضحكت ميرال وقالت " كنت أعرف انه لن يكون صديقك وليد , ثم ألم تجدي الا هذه الطريقه السخيفه؟"
قالت امل " اصمتي والا افرغت الكأس الآخر عليك "
ضحكت ميرال حتى إمتلأت عينيها بالدموع وهي تقول " إياك ان تفعلي...سأخبر الشاب بأنك تعمدتِ سكب العصير عليه"
نظرت امل لها بحنق ثم ضحكت وهي تقول " هيا بنا نغادر قبل ان يعود ويرانا نضحك فيكتشف ما قمت به"
قامت ميرال قائله " سأفتقد مشاكساتك الاسبوع القادم"
توقف أمل وقالت " لا تقولي ان اجازتك ستبدأ الاسبوع القادم "
قالت ميرال وهي تسير معها في الممر " ليس الاسبوع القادم ولكنها ستبدأ بعد ثلاثة أيام فحسب"
توقفت أمل عن المسير وهي تفكر, فالتفت ميرال نحوها وهي تقول " امل ...ما بك؟"
التفتت أمل وامسكت يدي ميرال بسعاده وهي تقول " لدي فكره رائعه"
ثم سحبت ميرال لحجرة تبديل الملابس وهي تقول " سأذهب لرئيسة الممرضات واطلب منها اجازه "
قالت ميرال بحيره "حسناً وماذا في ذلك؟"
اكملت امل " كما تعلمين اننا في اجازة الصيف و أبي تبدأ اجازته في الغد ...وانا سأطلب اجازه ايضا...لذلك سأطلب من ابي ان نسافر للبلده ونأخذك معنا"
قالت ميرال " أمل ما الذي تقولينه؟...وأمي ...لا استطيع تركها وحيده"
قالت أمل " ومن قال انك ستتركينها ؟ فهي ستذهب معنا ايضاً"
صمتت ميرال بحيره فقالت امل " لِمَ التردد؟ فالمكان هناك رائع كما أخبرتك ثم ان أمك ستسعد بالتعرف على نساء البلده, فهي تكاد تختنق هنا في المدينه"
ابتسمت ميرال " حسنا سأخبر امي واتمنى موافقتها"


***


سارت امل بخطوات اقرب للهروله وهي تتجه نحو ميرال وبيدها ورقة الموافقه على طلب الاجازه , وعندما وصلت قالت وهي ترفع الورقه امام وجه ميرال " ستبدأ اجازتي بعد خمسة ايام فقط"
فرحت ميرال وقالت" اتشوق ان يأتي يوم ذهابنا سوياً الى البلده...لدرجه انني اشعر انني اعرفها واعرف اصدقائك من كثرة حديثك عنهم"
تنهدت أمل وابتسامه حالمه على شفتيها وهي تقول " يااااااه كم تمنيت ان يأتي هذا اليوم ...اشعر وكأن روحي ستعود لجسدي من جديد"
ضمتها ميرال بحنان وعينيها دامعتان لتلك السعاده التي تعلو وجه أمل من جديد, و قلبها ينبئها بأن شيئاً ينتظرها...ينتظرها هي بالذات هناك...هناك في البلدة الخضراء.




انتهى الفصل السادس ويليه بإذن الله الفصل السابع