المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : اللـــص


الوشق
12-14-2007, 01:44 AM
2]
اللـــص


ذات مساء جلست بملل و هي ناظرة في مجموعة من الصحف الملقاة أمامها
الزبائن كالعادة أغلبهم يدخلون المعرض للفرجة,
انتزعت نظاراتها و راحت تمسح مرآتها بعناية
و فجأة لمحت ذاك الشاب الذي دخل بمعطفه الجلدي و انسل داخل المعرض
فأسرعت بارتداء نظاراتها, و أمعنت النظر, أين هو, لقد كان هناك
نهضت من خلف مقعدها و شاهدته أنه هناك في تلك الزاوية
شاب في العشرينات من عمرة طويل, ممشوق القوام, داكن البشرة, واسع العينين أسودهما, و شعره الأسود الفاحم متناثر على جبهته
خفق قلبها بقوة, ارتعدت فرائصها, و بدا عليها الارتباك
لقد كان يجول ببصرة فاحصاً بين الكتب و كأنه ينتقي كتابه بدقه وعناية
هل هو كاتب؟, صحفي؟, هل..؟ هل..؟ , مجموعة من الأسئلة جالت بخاطرها سريعا
هند... هند..., الأب ينادي, هنا انتبهت هند لنداء أبيها و التفتت نحوه: نعم أبتاه
فأشار بيده نحو الزبون الذي وقف منتظراً أن يحاسب لقاء كتب انتقاها
فذهبت هند إليه و جمعت كتب الزبون و عيناها لا زالت معلقة بذاك الشاب الذي راح يتجول في أرجاء المعرض
سلمت الزبون الكتب و وضعت يدها على فيها بذهول مطلق, فما رأته أمامها كان آخر ما تتوقعه
فقد رأت أن الشاب أستغل تغافلها مع ذاك الزبون و خلسةً قام بدس أحد الكتب بجيب معطفه و خرج مسرعاً
أمن المعقول هذا؟. لص!, و انتزعت نفسها من ذهولها و خرجت من المعرض مسرعةً تحاول اللحاق به و كان ذاك الشاب يمشي مهرولاً بين الطرقات
و أخيراً استطاعت اللحاق به, و وقفت أمامه مباشرةً لاهثةَ
ماذا هناك؟!. أبتدر الشاب بالسؤال. فقالت هند و عيناها فيهما حزن عميق: لماذا؟
فرد الشاب مندهشاً: لماذا ماذا؟. فقالت هند و العبرات تغص بحلقها: آسفة..ولكني رأيتك تأخذ الكتاب و أرجو أن تعيده لي و أعتبر أن شيئاً لم يكن.
لقد فعلها الشاب مرات عدة لكن لم يدري لم هذه المرة أحس بتأنيب الضمير
لقد شعر بضآلته تجاهها و هو الذي لم يبالي بعمالقة ضخام
لقد شعر بعينيها تخترق عينيه
لقد شعر بسيل من العواطف تلتف به
أخرج الشاب الكتاب من معطفه وأهداه لهند و عينيه لم تفارق عينيها قط و لم ينبس ببنت شفة
فتناولت هند منه الكتاب ببطيء بيديها الرقيقتين و سألته: ما أسمك
فلم يجب و أكتفي بابتسامه مصطنعه, استدار و ابتعد ماشياً و يديه في جيوبه و ذهنه لا يفتر يفكر عما ابتدر منه
بقيت هند ترقبه و هو يبتعد و يغيب في الزحام و من بعيد التفت مره أخرى ليجدها لا زالت واقفة مسمرة في مكانها فاستدار و هو لا يزال ماشيا للخلف ولوح بيديه و صاح بأعلى صوته: خاااااالــــــــــد
و اختفى خالد
بقى اسمه يرن بأذنيها " خالد",
عادت هند للمعرض و أخذت ترجع الكتاب لمكانه بحرص دون أن يشعر بها أبوها

************************************************** ****************

استلقت هند في فراشها تتهيأ للنوم و لا يبدو في رأسها أي بادرة للنوم, فقد كان ذهنها لا يزال حاضراً عنده, لا تزال ابتسامته تشع أمامها, و لا يزال صدى صوته يصدح بأذنيها. و تنهدت بحرارة: آه يا خالد من أين أتيت و ماذا جلبت لي, ليتك لم تظهر!
هند شابه في العشرين من عمرها اكتسبت بياضا أزهريا عن أمها التي فارقت الحياة قبل عشر سنين, عيناها بلون بنّي فاقع و فوقهما حاجبان كجناحي صقر, ينسل شعرها الناعم كشلال من العسل حتى منتصف عنقها, واسعة الخدين صغيرة الشفتين, ليس لديها أخوة و لا أخوات, فهي وحيدة أبيها, أكملت دراستها الثانوية بتفوق لكنها لم تواصل للجامعة و فضّلت البقاء مع أبيها في معرض الكتب و مساعدته بعد أصابته بانتكاسة صحية جعلته لم يقوى على العمل مطولاً, و لم يكن أبا هند راضياً بتركها لدراستها ولا بانضمامها إليه إلا انه لم يلبث أن تقبل ذلك بعد أن شعر بتحسن كبير في عمله و صحته لقربها بجواره.

باليوم التالي انهمكت هند كالعادة بترتيب الكتب بالمعرض و فجأة رأت خالد يقف أمام واجهة المعرض الزجاجية مبتسماً و في عينيه خجل الدنيا كلها وأشار بيده محيياً, فخرجت إليه هند إذ لم يكن أبيها قد حضر بعد حيث عادةً ما يأتي متأخراً, فابتدرها بالسؤال: كيف حالك؟ فأجابته حياءً: بخير. فقال خالد: أنا أسف عما ابتدر مني البارحة فأرجو أن تعذريني و تسامحيني. فردت هند: لا عليك..لقد نسيت ذلك لكن لم أتوقع ذاك منك و ..
فقاطعها قائلا: أنا آسف و أكرر أسفي بشدة و أرجو أن تسمحي لي فأنا في عجلة من أمري
فأشارت هند برأسها متفهمه, فاستدار خالد و انطلق خطوات و وقف و التفت متسائلاً نحو هند: ما أسمك؟
فأجابت هند متلعثمة هامسة: هند
لم تكن قالتها بصوت مسموع, و لكن أذني خالد التقطت الاسم و أنحفر في قلبه و ابتسم مودعا و غاب من جديد تاركاً هند في حيرة عن شخصية خالد الغريبة.

************************************************** ******************

لم تكن هند من تلك الفتيات اللواتي يعتنين بمظهرهن, و لم تكن ممن ينتقون الأزياء و مساحيق التجميل كي تلفت الآخرين, و لم يحدث قط يوما أن دار بخلدها رجلا ما, فقد كانت غارقة في حياتها الهادئة و هوايتها التي ورثتها عن أبيها و هي القراءة. لذا لم تفهم ذاك الشعور الذي دب بها من أن ظهر خالد بحياتها فجأة. لم تعرف كيف مال قلبها إلى شخص كانت أول بوادر أفعاله هي السرقة!. خواطر عديدة مرت بذهن هند و اعتصرت عقلها بقوة و هي تحاول أن تتخيل الصورة الجميلة لخالد فلم تشعر إلا أن وصلت لطريق بلا نهاية مظلم. و عندئذ انحدرت على خديها دموع ساخنة غزيرة انكفأت تغطيها بين كفيها الصغيرتين.

أخذت زيارات خالد إلى هند تكرر, و شعرت هند بانجذابه نحوها, فتجاهلت ذلك, و أخفت مشاعرها الدافقة بداخلها. و اكتشفت شخصيته القوية, ثقته العالية, و ثقافته الرفيعة, لكن أفكاره تختلف تماما عن أفكارها تجاه المجتمع الذي تعيشه, تلك الأفكار التي حرص أبويها على تلقينها إياها منذ صغرها.

ذات يوم سألت هند خالد عن أبويه فقال أنهما توفيا إثر حادث من فترة, و خلف على تربيته قريب له. فشعرت بالأسف و الأسى نحوه و اعتذرت عن السؤال.
و بعد فترة عادت الأفكار حول ما حدث بالزيارة الأولى تدور بخلد هند ولا تهنأ لها في مرقدها لأن التساؤل كان يلح في كيانها دوما متسائلاً لم فعل خالد ذلك؟, و لم يكن خالد قد أفصح عن ذلك بعد, فقررت أن تسأله عن ذلك باليوم التالي.
و كالعادة حضر خالد للمعرض مبكراً قبل يأتي أبا هند و أخذا يتبادلان أطراف الحديث. و ابتدرت هند بالسؤال قائلةً: لماذا فعلت ذلك تلك الليلة؟!
شعر خالد و كأن سيفاً من نار قد دق صدره. كان يخشى هذه اللحظة, كان يدري أنها لا محالة قادمة و لكنه أيضا لم يشأ أن تأتي, لأنه يعلم أن هذه اللحظة هي التي ستفرقه عن هند. أواه يا هند و هل أطيق لبعدك صبراً, هل تستطيع عيناي أن تهجر رؤيتك, أن تُحرم أذناي من أنغام صوتك, أن ينقطع عن فؤادي غيث حبك, أواه يا لها من لحظة. و أمام كل المشاعر التي تجتاح ذهنه, تنهد خالد قائلا: أنا آسف هند لم أشأ أن أخوض في حديثي هذا و لكني أجد نفسي مجبراً أن أروي لك حقيقتي و أن أكون صادقاً معك حتى لو كان فيه ما لم ارغب أن يعلم به أحد في هذا الكون.
أنا يا هند عشت طفولة جميلة مع أروع أبوين, كنت مدللاً, كانت كل طلباتي تلبى, كنت أحظى بكل الرعاية و الحب, يشاء القدر ذات يوم و أنا في الثانية عشرة من عمري أن تصاب أمي بمرض عضال بالغدد الدرقية, و رويداً أخذت صحتها بالتدهور سريعاً, و صارت تقيم بالمستشفى, و ذات ليلة أتاني أبي ليلاً أيقضني بشدة فنهضت مذعوراً فإذا بأبي يقول و دموعه تنهمر: يا بني أمك ماتت أمك ماتت أمك ماتت. فارتعت فرائصي كلها و سرت قشعريرة في جسمي كله و لم أذرف دمعة واحده لكن من داخلي كان قلبي ينفطر بكاء و احتبست أحزاني بداخلي و عانيت كثيرا. لكن أبي لم يتحمل الصدمة فتدهورت صحته و حالته النفسية بشدة و صار يغيب عند أصدقاءه بينما مكثت أنا في بيت عمي الأعزب. و ذات يوم إذ جاء أحد أصدقاء أبي و الكآبة بادية بوجهه و عندما رآني اتسعت عيناه عن أخرهما و همس في أذن عمي و خرج. فشعرت بداخلي أن صوتا يصيح "والدك قد مات" فلم أدع عمي يفكر مطولاً في كيفية نقل الخبر لي و ابتدرته بالسؤال و قلبي يذوب ألماً و أنا أتجلد ظاهراً: والدي توفي أليس كذلك يا عماه؟. فطأطأ برأسه أي نعم و أخفي وجهه بكفيه و سمعت عنه أزيزا صادراً من صدره. ساءت أوضاعي الدراسية و صرت أكثر اندفاعاً للشغب و أهملت كل دروسي, كان المدرسون يتعاطفون معي في البداية لكن ما لبثوا أن وقفوا ضدي كلهم وكان معهم حق, فطردت من المدرسة. فبقيت معي عمي الأعزب بالبيت كان طيباً عطوفاً و كنت أسمع عنه أنه كان ذا نفوذ و مال لكنه خسر كل شيء فجأة و أنه أحب فتاة حال بينه و بينها القدر من الاقتران بها. و ساءت حاله بعدها. كان يوفر لي العيش الكريم و كنت أقضي أغلب وقتي بالبيت بالقراءة و الانشغال بالأعمال المنزلية. لكني لم ادري عن مهنة عمي قط. فذات يوم قررت أن أخرج خلف عمي دون أن يعلم لأشاهده في مكان عمله لكني تهت خلفه و هو يجول بالطرقات حتى عدت البيت قبله و هكذا تكرر الحال إلى أن جاء ذاك اليوم الشؤم حينما كنت خلف عمي و هولا يدري إذ سمعت بصوت رجل يصيح: لص.. لص. و إذا بعمي يطلق لساقيه الريح و عدت و أنا مصدوم لا أصدق ما رأيت, فلم يلبث عمي أن جاء و استغليت انشغاله و بحثت في جيوبه فوجدت ما كنت أخشاه محفظتان لأشخاص غرباء. آه عمي لص فقمت أستحقره و تغير سلوكي نحوه و بدأ يغيظني. و سألني يوما عن سبب تعاستي و حنقي عليه فأجبته بصراحة أنني صرت أعرفه و أعرف عمله و أنه عار على المجتمع و عار علي. فقال: يا بني أعلم أني سيء و أني فقدت حياتي منذ زمن طويل, و لم يكن لمعيشتي معنى وخسرت كل شيء, و لم أكن أظن أنني سأحظى بتربية فتي يتيم مثلك. حاولت أن أعود من جديد عقب وفاة أبيك لكن مدخرات أبيك التي لدي نفذت فعدت لعادتي القديمة السيئة. و هاأنت ذا أصبحت تعلم كل شيء فافعل ما يحلو لك.
بقيت فترة و أنا على حالي منه مكتئب عما يصنعه و أُبدي الحنق نحوه و ذات ليله أصابتني الحمى الشديدة و أرهقني إعياء شديد, فنقلني عمي للمستشفى و بقيت هناك أسبوعا كان عمي إلى جواري دوما. و عندما خرجت من المستشفى و استعدت عافيتي بدأت أتعاطف مع عمي قليلاً. ثم صرت أرى أن ما يفعله لأمر عادي جداً, بل اضحك عندما يحكي لي أحد المواقف الطريفة التي حصلت له عند سرقت احد المحلات. و رويدا بدأت فكرة تنتشر في رأسي و ذات يوم صارحت عمي أن يعلمني السرقة و خفة اليد, فغضب و عارض ذلك بشدة و لا زلت ألح عليه حتى استجاب لطلبي و بدأت أخرج معه قليلا و أتعلم منه طرق اختيار الأماكن و الأشخاص و ضبط الأعصاب و الهدوء و الثقة و السرعة و أساليب إشغال الآخرون بأشياء أخرى. و شيئا فشيئا حتى احترفت السرقة. و ذات مساء لم يعد عمي كعادته, فظننت أنه بات عند أحد أصدقائه و سيعود لاحقاً, لكنه لم يأت في اليوم التالي, و لا الذي يليه, لم يأت إطلاقاً. حتى الآن و قد مر على غيابه عشرة سنين لم أسمع عنه خبراً. و أتساءل دوماً ما الذي أصابه هل هو بخير و لا يزال على قيد الحياة. و منذ ذلك الحين و أنا ألعب دور اللص المحترف كي أعيش, لم يكن لي هدف و إن كنت شغوفاً بالقراءة, و لم يعبأ بي الأقارب.
الحقيقة مرّة أعلم ذلك و لكنها لم تكن بالنسبة لي كذلك إلى أن ظهرت أنت في حياتي فجأةً. لا أدري ما حل بي منذ أول وهلة وقعت فيها عيناي على عينيك و كأن روحي دخلت جسدي من جديد, و أن تيارا سرى في عروقي ينبض من نبض قلبي بحبك. عندئذ لم أتمالك نفسي و لم أطيق غيابك يوم و هذا بلا شعور و إدراك مني. حتى صار كل ما أتمناه هو رؤيتك ابتسامتك المشرقة و سماع لحن صوتك الشادي, آه يا هند أنني لم أعلم أن لي قلباً يخفق بين جوانحي إلا بعدما عرفتك.
ضم خالد شفتيه بقوة كمن يحتمل ألماً لا حدود له.. و عقد حاجبيه و أغمض عينيه يسمع ردود هند.
أما هند المسكينة طوال فترة سماعها تلألأت و أغرورق مقلتا عيناها بالدموع التي راحت تنهمر من على خديها و تبلل شفتيها الرقيقتين لتتساقط على ثوبها, و كانت تحس بثقل يجثو على صدرها لا تقوى احتماله. و احتوت بكفيها الصغيرتين يد خالد الذي بدوره سرت فيه من جراء ذلك قشعريرة جعلته يرتجف و بدا منهاراً, و تلاقت عيناهما معاً كأنهما في غير هذا الكون, و قالت هند هامسة: أنسى..أنسى من أجلي أرجوك أنسى كل ما حدث هائنا بقربك تب عما كنت تفعله سابقا و أقلع عنه للأبد.. أعتبره شيئاً لم يكن.. لا تذكره مرةً أخرى.. أبدأ من جديد..أنت شخص مميز.. صدقني أنت بداخلك إنساناً عظيما.. أرجوك أجعله يظهر..الحياة خطوات..و أول خطوة تبدأ من أسفل فلا تيأس..خالد عدني بالتغيير من جديد أرجوك.
بلا شعور بينما تضغط يداها يد خالد, و هو في قمة الآسي و بداخله انهيار تام..و فؤاده محطم..أعتزم من داخله أن يلبي نداء هند بلا هوادة..لم يعد للماضي ذكرى..سعادة هند كانت هي حاضره و مستقبله..و نما بداخله تصميم عظيم..و طموح بلا حدود..وإرادة بمنتهى القوة. وقال: أوعدك عزيزتي أنك لن ترين خالد اللص أبدا و أعدك أن أظهر من جديد..فقط امنحيني بعض الوقت أرجوك.
نهض خالد و غادر تاركاً هند بين دموعها و آلامها و أمانيها.. رحل و هو هذه المرة لم يلتفت..رحل لكنه سيعود.

************************************************** *****************

غاب خالد عن هند ولم يأت لزيارتها..مرت يوم..يومان.. ثلاثة..أسبوع..وشهر. وقلب هند يكاد ينهار خوفاً وقلقاً عليه, و أخذت تغلب عليها الهواجس و الوساوس حتى كادت تنفطر عليه جزعاً. لم تنكفئ تنتظر عودته..تنتظر عودة خالد شخص آخر..تنتظر على أحر من الجمر.. لم تفقد الأمل و ذبلت و شحبت جراء ولهها عليه.

ذات مساء بدا كأنه نفس المساء الذي ظهر خالد فيه لأول مرة, إلا أن أباها لم يكن حاضراً. أقبل خالد من جديد, أقبل و وجهه يشع نوراً بنظراته الثابتة و خطواته الواثقة, و استقبلته هند و على وجهها ارتسمت أجمل بسمة في الدنيا تشرح بها اكبر القلوب تعاسة. كم شكرت الله كثيراً على عودة خالد, و كم تمالكت نفسها من أن تلقي بنفسها بأحضانه من شدة الشوق. و قال خالد: هند..كيف حالك؟. فردت هند بضحكة طفولة صغيرة جزلة تنم عن سعادة وحب غامر لا حدود لهما و أجابت: بخير.
سقطت نظراتهما في بعضهما البعض و سبحا في بحر التأمل لحظات طويلة بصمت غريب دون أن ينبس أحدهما بنبس شفة و كأن أحدهما ليروي عطشه من شوق الآخر بلهفه.
و أخيراً راح خالد يروي لها منذ أن فارقها حيث بدأ بتغير سلوكه و طبيعة حياته و قام بتغيير كل شيء في منزل عمه حتى يبدأ من جديد.. و بحث عن عمل فوجد وظيفة بتوزيع الصحف في أحد دور الطباعة, و هو كل يوم يتطور و أنه ينال أعجاب مشرفيه بفطنته و التزامه و إتقانه لعمله. و خاضا في أحاديث شتى. و أستأذن خالد للمغادرة و قبل أن يخطو خارج المعرض هتف خالد: آه نسيت. و ألتفت و تقدم من هند و قدم إليها علبة صغيرة بها عقد مرصع بالماس له بريق مبهر. فتساءلت هند: ما هذا؟. فأجاب خالد: إنه لك.. وهو لا يسوى شيئا أمامك.
و التفت خالد مغادراً و بادرت هند بسؤال آخر: من أين مكان اشتريته؟. فرفع خالد حاجبيه مذهولاً: و لم؟. فقالت هند: أرجوك أخبرني. مط خالد شفتيه باستغراب و تنهد: من معرض الدانة. و لوح بيده لها مغادراً بنفس الخطوات الواثقة.
وقفت هند في صمت مذهل أمام ذلك العقد الفريد, أنها تعرف ذاك المعرض..تعرف معرض الدانة..تعرف أنه ذو طراز خاص و كل جواهره باهظة الثمن. فكيف لخالد أن يشتري عقداً ثميناً كهذا. أغمضت عيناها بألم شديد و هي التي كانت قبل لحظات اسعد من في الكون. و الآن صارت تحمل من الحزن ما لا تطيقه النفس البشرية. و فجأة لمعت في رأسها فكرة و فتحت عينها عن أخرهما و صاحت: نعم, أن معرض الجواهر ليس ببعيد من هنا.
ارتدت هند معطفها و أغلقت بوابة المعرض و غاصت في الزحام.
من بعيد تذكر خالد أنه لن يستطيع رؤية هند إلا بعد أسبوع, فدار مرة أخرى متراجعاً ليخبر هند بذلك, و عندما وصل وجد المعرض مغلقاً فاندهش خالد بشده و خشي أن هند أصابها مكروه, و تلفت حوله, فرآها تهرول من بعيد جداً. فأسرع يحاول اللحاق بها و هو بالكاد يراها.
و بعد مسير شاهد خالد هند تقطع الطريق السريع ناحية معرض الجواهر ذاته و بدا مستغربا من تصرفها و من ثم دخلت المعرض. و حاول اللحاق بها لكن زحمة الشارع لم ترحمه للعبور. و شاهد من بعيد هند المسكينة و هي تحاول عبثاً استغفال موظفين المعرض و وضع العقد بداخل الواجهة الزجاجية فصاح من بعيد لا هند لا هند لا هند..و ذهب نداءه سدى و من خشيته عليها نسي نفسه و شق الشارع و لكن...
أرتفع صوت صرير إطارات عالي عقبة صوت ارتطام مقدمة شاحنة بجسم حي..توقفت حركت السير..و تجمع المارة..وتعالت الهتافات للشرطة و الإسعاف.. و وسط هذا كله كان خالد ملقى على الأرض مضرجاً بدمائه و عيناه تسمرتا في مكانهما و توقف قلبه عن النبض... وفارق الحياة..فارقها خالد الجديد.

نعود لهند, لقد صممت أن ترجع العقد لمكانه و كلها أمل أن خالد أخطأ من أجلها لكنه في طريقه للتغير و أن هذا العقد ليس لها و لابد أن يعود لمكانه, فذهبت للمعرض و حاولت وضع العقد داخل صندوق زجاجي دون أن ينتبه أحد لكن المسكينة شاهدها أحد الموظفين و أمسكوا بها ظناً منهم أنها تحاول السرقة و اقتادوها خارج المعرض للشرطة و عند خروجها شاهدت جلبة الناس حول حادث سير و لم تعلم لماذا خفق قلبها بعنف و خوف كبيرين..خوف أكبر من المجهول الذي ستواجهه في الشرطة.. و لمحت هند خالد ملقى أمام الشاحنة بلا حراك فاتسعت عيناها عن آخرهما و أفلتت يدها من حرّاس المعرض و جرت نحو خالد و صاحت: خااااااالــــ...., و لم تكملها هند لأنها عندئذ فقدت وعيها و سقطت فوقه مباشرة.

************************************************** ******************

جلس أبا هند يتحسس شعرها و دموعه تتسلل من عينيه قسرا و ألماً و هو يشاهد أبنته هند وهي منذ أكثرمن شهر ملقاة في سرير المستشفى بلا حراك و من دون وعي, فلقد أخبره الأطباء أنها قد تنهض و قد لا تنهض لأنها تعرضت لصدمة قوية فوق احتمالها.
تمتم أبا هند بصوت خافت بمرارة و أسى:
أواه يا صغيرتي ليتك أخبرتني ما بك.
ليتك أخبرتني ما الذي بينك و بين ذاك الشاب.
و لم قمت بغرابة لأعادت عقد للمعرض فيما أكد موظفو المعرض أن ذاك الشاب أشترى ذاك العقد بعدما تنازل للمعرض عن قطعة أرض كان قد ورثها عن والده.
يا ترى كم قاسيت و كم عانيت يا نور عيني
أرجوك أفيقي لأجل هذا العجوز القاعد جوارك
أواه بنتاه من لي غيرك.
رحماك يا ربي لطفاً بي و بابنتي....

***************************************


الكاتب: الوشق

بعض الأفكار مستوحاة عن فيلم فرنسي[/size]

صدى الواقع
12-16-2007, 05:30 AM
الوشق...

قصه رايعه في تسلسل الاحداث

مع ان النهايه مؤثره ومحزنه
http://www.alwsta.com/vb/uploaded/22_advice3.gif

دمت في تقدم دائما وازدهار

تقبل مروري عطر بالجوري
اختك صدى ^_^

الوشق
12-16-2007, 09:31 PM
اختي صدى الواقع اشكرك على ردك الجميل
القصة صغتها بذهني و ابيت الا كتابتها


و دمت بود

smiling flower
12-18-2007, 04:10 PM
بس اقراها برجع ارد عليك ان شاء الله

الوشق
12-30-2007, 09:20 PM
على اقل اقل اقل من مهلك سمايلنق فلورز و دمت بود

smiling flower
01-13-2008, 09:27 PM
حراااام طب ليه خليت النهاية كده تحزن كنت خليتهم يتزوجو


بجد ماشاء الله عليك اسلوبك حلو في كتابة القصص

ننتظر منك المزيد من القصص .. لاتحرمنا..يعطيك العافية

الريمكس
01-22-2008, 01:43 AM
http://7bna.com/up/uploads/ae8ba909c7.gif (http://7bna.com/up)